fbpx
اقتصادالسياسات العامة

الاقتصاد المصري: سياسات ومسارات تعقيب 1

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يبقى الإنسان هو محور التنمية، يصنعها ويجني ثمارها، ويخطئ البعض حين يتصور أن ثمة تنمية حقيقية يمكن أن تحدث وهناك خلل في توزيع الثروة، أو غياب للعدالة الاجتماعية، أو سوء تخصيص للموارد الاقتصادية. وللأسف لا يزال البعض متأثرًا بعورات النظام الرأسمالي فيدور في فلك أدواته من استدامة الدين أو الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية، أو تجارة المواد الأولية التي ترسخ للاقتصاديات الريعية، أو تلك الصورة البغيضة التي تفضي إلى القبول بنشاط اقتصادي قل أو كُثر مقابل التنازل على مجتمع يتسم بالحرية والديمقراطية.”الاقتصاد المصري .. السياسات والمسارات” عنوان ورقة اجتهدتْ في تقديم تصور للتنمية في ظل حكم الانقلاب العسكري بمصر. وسنحاول في هذه السطور تناول ما ورد بالورقة في ضوء ما نتصوره، في ضوء أداء الاقتصاد المصري.

أولًا:

عنوان الورقة “الاقتصاد المصري .. السياسات والمسارات“، وهو عنوان يحتم أن تتناول الورقة السياسات الاقتصادية بالمعنى المتعارف عليه بمكوناتها الرئيسة (النقدية، والمالية، والتجارية، والاستثمارية، والتوظيف) فضلًا عن السياسات التنموية والقطاعية. ولكن الورقة اكتفت بإشارات إلى بعض مكونات السياسة المالية، والاستثمارية. وكان ينتظر من مُعد الورقة حينما يحدثنا عن استدامة الدين العام، أن يتناول باقي مكونات السياسة المالية، من الضرائب وسعر الفائدة وأثر الإيرادات والنفقات بالموازنة العامة للدولة على النشاط الاقتصادي.

وكان يتوقع عند حديث الورقة على الاستثمار، ألا تقتصر فقط على تلك الفرصة الخاصة بإمكانية حصول مصر على استثمارات خارجية لدعم بعض قطاعات البنية الأساسية مثل المياه والزراعة والطاقة.. ولم تذكر الورقة شيء عن التحديات التي تعانيها الاستثمارات المحلية، وبخاصة بعد تطبيق إجراءات برنامج الاصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016، من ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع تكلفة التمويل والطاقة والنقل ومستلزمات الإنتاج.

وفي شأن السياسة النقدية ذكرت الورقة أن هناك تحسنًا في معدل التضخم وكذلك في احتياطي النقد الأجنبي، دون أن تذكر الورقة بأن هناك ما يعرف بموجات التضخم، أي أن الموجة تستمر لعدة أشهر ثم تبدأ في الانخفاض، ولا يعني هذا الانخفاض وجود سياسات اقتصادية رشيدة، بل هو حالة حتمية، وبخاصة عند مقارنة نتائج التضخم بالسنوات القليلة الماضية التي شهدت موجات التضخم.. وسوف نوضح في السطور التالية حقيقة تحسن احتياطي النقد الأجنبي بالأرقام الحكومية، وكيف تساهم فيه الديون والودائع لدول أجنبية بالبنك المركزي المصري.

أما عن المسارات، فقصرتها الورقة على ذلك النموذج الذي يعتمد على الاستثمارات الأجنبية في قطاع البنية الاساسية وقطاعات المياه والزراعة والطاقة.. كما تصورت الورقة إمكانية تكرار تجربة المستبد العادل في مصر، والذي قد تحدث معه بعض الإيجابيات الاقتصادية، أو أن يفيق النظام في ظل استمرار استقراره وتأييد الخارج له سياسيًا في أن يتفضل ويختار نموذج أفضل للتنمية بناء على ما تحقق من تحسن في بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية.

ثانيًا:

ذكرت الورقة أن تناولها بالتحليل سوف ينطلق وفقًا لنموذج التحليل الرباعي (SWOT)، والذي يقوم على أربعة مداخل أساسية وهي نقاط القوة ونقاط الضعف، والفرص المتاحة والتهديدات التي تواجه الاقتصاد المصري.. وبالتالي انتظرنا عرض لهذا التحليل ونتائجه، كما هو متعارف عليه في إعمال هذا النموذج، فنتعرف على عملية حصر ما أمكن للمكونات الأربعة، ثم كيف يؤثر كل مكون على باقي المكونات، وانعكاسات هذا التأثير على الاقتصاد المصري، وبالتالي عرض أجندة الاصلاح.

ثالثًا:

ثمة انتقادات وجهت لمقياس معدل النمو للناتج المحلي الإجمالي، وبخاصة في تلك الحالات التي تشهد تحسنًا في هذا المؤشر، ولا يكون لها انعكاسًا في تحسين مستوى معيشة القطاعات العريضة بالمجتمع.. إن صندوق النقد الدولي نفسه انتقد هذه السياسة، حيث نشرت دراسة في 2016 بمجلة التمويل والتنمية ما يلي ” غير أن بعض جوانب جدول أعمال الليبرالية الجديدة لم يحقق النتائج المتوقعة. ويقتصر تقييمنا لجدول الأعمال على الآثار المترتبة على سياستين: إلغاء القيود على حركة رأس المال عبر الحدود القُطْرية (ما يُطلق عليه تحرير الحساب الرأسمالي)، وضبط أوضاع المالية العامة، ويُطلق عليه في بعض الأحيان «التقشف»، وهو مصطلح مختزل لسياسات تخفيض معدلات العجز في المالية العامة وخفض مستويات الدين.

ويخرج تقييم أُجري لهاتين السياستين المحددتين (وليس لجدول أعمال الليبرالية الجديدة الواسع) بثلاثة استنتاجات مثيرة للقلق: يبدو من الصعب للغاية البرهنة على المنافع التي تتحقق من ارتفاع النمو عند النظر في مجموعة واسعة من البلدان. تترتب على زيادة عدم المساواة تكاليف طائلة. وتلخص هذه التكاليف المفاضلة بين آثار النمو والعدالة التي تأتي من جوانب محددة في جدول أعمال الليبرالية الجديدة. تؤثر زيادة عدم المساواة بدورها سلبا على مستوى النمو· واستمراريته. وحتى إذا كان النمو هو الغرض الوحيد أو الرئيسي من جدول أعمال الليبرالية الجديدة، لا يزال يتعين على المؤيدين لهذا الجدول إيلاء الاهتمام بآثاره على التوزيع”[1].

والأمر الأخر لتقويم مؤشر زيادة معدل النمو، هو أن ننظر من أين أتي هذا النمو، وأين وقعت ثماره؟ وكيف ساهمت فيه المدخرات والاستثمارات المحلية، وهل هذا المعدل من النمو يكافئ ثلاثة أضعاف معدل الزيادة السكانية أم لا؟

الإجابة على هذه الاسئلة في الحالة المصرية لا تبشر بخير، فمعظم القطاعات الفاعلة في الزيادة بمعدل النمو، هي قطاعات ريعية أو خدمية ذات قيمة مضافة ضعيفة، وترشدنا في ذلك بيانات وزارة التخطيط المصرية والتي يتناولها تقرير متابعة الخطة للعام المالي 2016/2017، حيث تبين أن أهم القطاعات التي حققت معدلًا للنمو خلال العام هي (الاتصالات 12.5%، التشييد والبناء 9.5%، النقل والتخزين 5.3%، تجارة الجملة والتجزئة 5.2%، الأنشطة العقارية 5.2%)[2].

أما إذا نظرنا إلى مساهمة المدخرات والاستثمارات المحلية في الناتج المحلي الإجمالي فنجد أنها معدلات ضعيفة، ولا تنم عن امتلاك مصر لمقومات اطلاق مشروع تنموي، وذلك من خلال سلسلة زمنية لأداء مصر خلال الفترة 2014/2015 – 2017/2018.

المصدر: وزارة المالية، التقرير المالي الشهري، ديسمبر 2018، ص1.

وعلى الرغم من الفجوة البادية بين معدلات أداء الاستثمارات والمدخرات نسبة للناتج المحلي الإجمالي، والتي يتم سدها عبر الديون، فإن معدل الاستثمار المطلوب لكي يكفي لتحقيق معدل نمو 7.5% سنويًا، هو 35%، أي أن هناك فجوة أخرى تتعلق بمعدلات الاستثمارات المتحقق في الواقع والمفترض تحقيقها، بنحو 18.5%، وهو معدل من الصعوبة بمكان أن تغطية مصر عبر الاستثمارات الاجنبية المباشرة.

ولكن يمكن تغطية نسبة كبيرة منه عبر ضم الاقتصاد غير المنظم للاقتصاد الرسمي، وتبني برامج تشجع على تحويل جزء كبير من المدخرات المحلية للجهاز المصرفي، ولكن ذلك لا يتأتى في ظل حالة عدم الثقة المتبادلة بين شركاء التنمية في مصر (الحكومة، وقطاع الأعمال، والمجتمع المدني)، فشواهد عدم الثقة تتعمق مع عدم اكتراث الحكومة بمجتمع الأعمال أو القطاع العائلي، أو المؤسسات الرقابية، وفشل الحكومة في تقديم حالة نجاح في ترويج المشروعات، أو الدفع بالاستثمارات المحلية في القطاعات الإنتاجية والخدمية، أو جذب استثمارات أجنبية في ضوء أجندة واضحة للتنمية، بحيث يكون لهذه الاستثمارات دور إيجابي.

ويمكننا مقارنة وضع مصر في مؤشر المدخرات المحلية بكل من سنغافورة وكوريا الجنوبية خلال فترة النهوض، وهي 1980 – 1990، لترى مدى تراجع مصر على هذا المؤشر، وأن تحقيق التنمية في ظل هذا الأداء هو ضرب من الخيال.

جدول: المدخرات المحلية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 1980 – 1990

العامسنغافورةكوريا الجنوبية
198033.825.3
198135.824.7
198237.226.6
198342.530.3
19844432.3
198541.432.3
198639.635.7
198737.739.5
198841.141.7
198942.539.1
199043.539.3

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي.

ويلاحظ من بيانات الجدول، ارتفاع معدلات التضخم لتغطي نسبة عالية من متطلبات الاستثمارات الكلية بالبلاد، على عكس الوضع في مصر، وحتى في عهد مبارك لم يصل معدل الادخار كنسبة إلى الناتج إلى هذه المعدلات، وذلك لعدة أمور، على سبيل المثال لا الحصر، الأول انخفاض دخول المصريين وانتشار الفقر بنسبة كبيرة بين السكان، والثاني عزوف الأفراد عن التأمل مع الجهاز المصرفي وباقي مؤسسات التمويل التي تستقبل مدخرات الافراد، وكذلك عدم جدوى العائد على الاستثمار، وتخلي الدولي عن دور مروج المشروعات، والسلبيات الكثيرة التي اعترت تجربة الخصخصة، وبالذات ما يتعلق بممارسات الفساد.

وفي الرسم البياني التالي يظهر لنا مقارنة معدلات نمو الناتج المحلي في مصر بمعدل الزيادة السكانية، خلال الفترة 2014/2015.

المصدر: وزارة المالية، التقرير المالي الشهري، ديسمبر 2018، ص 1و2.

ويظهر من الرسم بأن الأداء الفعلي رغم ما تظهره بيانات الحكومة المصرية من زيادة في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، لا يزال دون المعدل المطلوب لمواجهة معدل الزيادة السكانية، وهو أن يكون معدل نمو الناتج ثلاثة أضعاف معدل نمو الزيادة السكانية.

أما مظاهر النمو، فلم يشهدها المجتمع المصري بعد، وإذا كان العقد الأخير من عهد مبارك، وصف بأنه اتبع نموذج “تساقط ثمار النمو” في التنمية، وهو نموذج فج للعولمة المتوحشة، فقد استفاد منه على سبيل الحصر كبار رجال الاعمال والمسئولين بمصر في ذلك العصر، ويمكننا القول بأن نموذج التنمية المتبع في مصر الآن يمكن وصفه بـ “احتكار ثمار النمو” وهذا الاحتكار قاصر على القوات المسلحة بمؤسساتها التي تتوغل في الاقتصاد المدني، وكذلك بعض الفئات المساندة لنظام السيسي، مثل بعض الإعلاميين والقضاة.

رابعًا:

للدين العام سياقات أخرى، وليس سياقًا واحدًا كما عرضته الورقة، وهو قدرة النظام الاقتصادي على الاقتراض وسداد أعباء الدين. فثمة سياقات أخرى لتقويم أداء الاقتصاد في مؤشر الدين العام، منها: كيف يتم توظيف الديون؟ هل يتم توظيفها في مجالات إنتاجية بحيث تستطيع أن توجد فرص عمل جديدة، وتحقق قيمة مضافة للناتج المحلي من سلع وخدمات، أو تساعد في سد عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، أو تعمل في إطار “إحلال محل الواردات، إذا كان الأمر كذلك فهي استدانة إيجابية يمكنها أن تسدد أعباءها، سواء بالنسبة للأقساط أو الفوائد، بل يستطيع الاقتصاد في هذه الحالة أن يتخلص من الديون كألية لتمويل التنمية. ولكن حالة مصر، والتي عبر عنها غير مرة تصريحات المسئولين بشان الاستدانة الخارجية، بأنها ستوظف في سد عجز الموازنة ودعم احتياطي النقد الأجنبي. وثمة معضلة بالموازنة المصرية منذ عقود، وكرست لها سياسات ما بعد الانقلاب وهي الفجوة التمويلية، حيث تحتاج مصر سنويًا بحدود 36 مليار دولار لسد الفجوة التمويلية بالموازنة، ويتم تدبيرها من خلال الدين المحلي بنحو 24 مليار دولار، ثم التوجه للخارج لتدبير نحو 12 مليار سنويًا.

إن أعباء الدين العام من (فوائد وديون) حالت دون أن يوفي الانقلاب العسكري بما نص عليه الدستور -الذي تم إعداده تحت إدارة الانقلاب- تجاه قطاعات مهمة مثل التعليم والصحة، وهو ما تم رصده من خلال البيان التحليلي لموازنة 2018/2019.

المصدر: وزارة المالية، البيان التحليلي لموازنة العام المالي 2018/2019، ص 95.

والمفترض حسب ما نص عليه دستور 2014، ألا تقل هذه النسبة عن 7% (4% التعليم قبل الجامعي، و2% للتعليم الجامعي، و1% للبحث العلمي)

أما الرسم البياني التالي فيبين تراجع مخصصات الصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حسبما نص على ذلك دستور 2014، بأن تبلغ مخصصات الصحة بالإنفاق العام ما نسبته 3% من الناتج المحلي الإجمالي، على أن تصل فيما بعد للمعدلات العالمية.

المصدر: وزارة المالية المصرية، البيان التحليلي لموازنة العام المالي 2018/2019، ص 95.

وفي جانب آخر تطرقت إليه الورقة بخصوص الدين العام، حيث استعرضت نتائج أكثر من دراسة خلصت جميعها إلى أن أداء الدين العام في مصر أثر سلبًا على التنمية، ومع ذلك تذهب الورقة إلى أنه بإمكان الحكومة الاعتماد على الاستدانة لتمويل التنمية بشرط المحافظة على استدامة الدين العام، أي القدرة على سداد أعباءه. وواقع الاقتصاد المصري كما بينا يظهر استحالة تحقيق نتائج إيجابية على التنمية بسبب الاعتماد على الديون، حتى وإن كانت هناك قدرة على سداد أعباءه، فهذه القدرة تأتي على حساب كافة مخصصات الإنفاق العام، بل إن الحكومة لا تقوم بأكثر من عملية تدوير للديون، بمعنى أن تقترض لتسدد القروض القديمة، ودفع فوائدها..

وفي عهد مبارك، وبعد تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادي الأول في 1990/1992، توقفت مصر عن الاعتماد على القروض الخارجية، ولكنها افرطت في الاستدانة المحلية، حتى مثل الدين المحلي خطرًا جديدًا على الموازنة العامة. بينما حكومات ما بعد انقلاب يوليو 2013 اتجهت للتوسعة في الاستدانة في الاتجاهين، واعتمدت في سداد أعباء الدين على التخلص من الدعم ورفع أسعار السلع والخدمات.

ولا يزال الدين العام يمثل واحدًا من أهم المخاطر التي تتهدد الاقتصاد المصري، وهو ما ذكرته وزارة المالية في البيان المالي للموازنة2018/2019، تحت عنوان مخاطر مالية عالمية ومحلية، حيث ذكر البيان ” أدى زيادة الاعتماد على القروض طويلة الأجل من المؤسسات الدولية وأسواق المال العالمية إلى تحسن متوسط عمر الدين القابل للتداول ليصل إلى 3.3 سنة في فبراير ٢٠١٨ مقارنة بنحو 2.9 في يونيو٢٠١٧.

إلا أن تراجع متوسط عمر الدين المحلى القابل للتداول المقدر بنحو 1.5 سنة في فبراير ٢٠١٨ مقارنة بنحو 1.7 في يونيو ٢٠١٧ يونيو يعد من المخاطر المالية وذلك لحتمية إعادة التمويل في المدى المتوسط في ظل ارتفاع أسعار الفائدة مما سيكون له أثر على مدفوعات الفوائد واستدامة الدين. وتعمل الحكومة على الاستمرار في تنويع مصادر التمويل ومكونات محفظة الدين العام ما بين المحلي والخارجي، وإطالة عمر الدين المحلي القابل للتداول وتطوير ُ منحنى العائد على الأوراق المالية المحلية[3].

وبالاطلاع على هيكل الديون قصير الأجل سواء المحلية أو الخارجية، عبر بيانات البنك المركزي المصري في النشرة الاحصائية، لم يستدل إلى ما ذهبت إليه الورقة، من أن الحكومة استطاعت خفض هيكل الدين من ديون قصيرة الأجل من 8.2 مليار جنيه للعام المالي 2015/2016 إلى 5.6 مليار جنيه للعام المالي 2016/2017.

خامسًا:

ذهبت الورقة إلى أن ارتفاع قيمة احتياطي النقد الأجنبي أحد مظاهر التحسن التي شهدتها مؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر، وبلا شك أن الأرقام تظهر وجود هذا الارتفاع، ولكن تبقى مهمة الباحث ألا يقف عند الأرقام، دون أن يعرف ما وراءها.

فهذا الاحتياطي لا يحتاج لتفسير لاعتماده على الديون الخارجية، فبيانات البنك المركزي المصري تبين أنه ضمن هيكل الدين الخارجي هناك ديون مستحقة على البنك المركزي بنحو 27.4 مليار دولار[4]. وفور توقف صندوق النقد الدولي عن صرف الشريحة الخامسة من القرض بنحو 2 مليار دولار في ديسمبر 2018، انخفض احتياطي النقد بمبلغ يقترب من الشريحة المنتظرة من صندوق النقد.

والقول بأن هناك تحسنًا في احتياطي النقد الأجنبي، يكون مقبولًا لو أنه تم تكوينه من موارد ذاتية، وليس من قروض وودائع لدول أخرى. ولعلنا لسنا في حاجة للاستدلال بهشاشة احتياطي النقد الأجنبي لمصر، وعدم الاعتماد عليه بشكل جدي، من خلال اعتذار مصر غير مرة عن سداد مستحقات لدولتي السعودية والإماراتـ وطلب مصر مد أمد هذه المستحقات، نظير سعر فائدة 3%، بعد أن كانت هذه الودائع والقروض صفرية العائد، لأنها قدمت من الإمارات والسعودية على سبيل الدعم بعد وقوع انقلاب 3 يوليو 2013 بمصر.

سادسًا:

افتراض أن السيسي أمامه فرصة بفتح الباب للاستثمارات الأجنبية لدعم مشروعات البنية الأساسية، وبالتالي الوصول لحالة نجاح تنموية، يتجاهل عدة أمور، منها: أن مصر منذ عهد مبارك أصدرت مجموعة من التشريعات التي تفتح الباب على مصراعيه للاستثمارات الأجنبية في مجال الطرق والمطارات والموانئ بنظام حقوق الامتياز، ومع ذلك كانت النتائج محدودة، ولم تحقق الهدف منها، فمثلًا مطار مرسى علم تم انشاءه وفق قانون (BOP) ولكن الشركة الخليجية المنفذة قامت بالاعتماد بنسبة كبيرة على التمويل المحلي من مصر، وليس من خلل ضخ أموال جديدة من الخارج في شرايين الاقتصاد المصري، وكذلك فعلت بعض الشركات المنشأة للمولات التجارية الكبيرة في مصر، حتى أن السبب الرئيس، لخروج الشركة الاماراتية “آرابتك” من المشاركة في مشروع المليون وحدة سكانية، هو أنها أعلنت عن عزمها تدبير التمويل من الجهاز المصرفي المصري، مما أشعر الحكومة بأن الشركة سوف تزاحمها في الاقتراض من البنوك، حيث كانت الأزمة التمويلية للحكومة المصرية على أشدها في مارس 2015، وقبل التوقيع على اتفاق صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016.

الأمر الآخر أن البيانات الخاصة بالاستثمارات الاجنبية في مصر، تبين أن تركيز هذه الاستثمارات يأتي في مجال النفط والغاز الطبيعي، وأن هيكل هذه الاستثمارات، لا يتضمن مساهمة هذه الاستثمارات في جلب تكنولوجيا جديدة لمصر أو توطينها، حتى أن المثال الذي استدلت به الورقة، من عودة شركة مرسيدس للاستثمار في مصر، يثير تساؤلات كاشفة لحقيقة هذه الاستثمارات، ماذا أضافت شركة مرسيدس للتنمية في مصر خلال فترة وجودها قبل مغادرتها السوق المصري إبان أزمة النقد الأجنبي؟

معظم الشركات الأجنبية العاملة في مصر لا تعمل على زيادة الصادرات أو الدخول في مشروعات كثيفة العمل، وغالبيتها تعمل على سياسة الاستحواذ وليس إنشاء مشروعات جديدة، وغالبية هذه الاستثمارات تنظر لمصر كسوق كبير يضم أكثر من 100 مليون فرد، ليس أكثر ولا أقل. والتعويل على دخول هذه الاستثمارات مجالات البنية الأساسية، يعتمد على تمويل طويل الأجل، يضمن عودة استثمارات هذه الشركات، وهو ما يمكن اعتباره محل شك فيما يتعلق بمصر بل في حق منطقة الشرق الاوسط كلها.

وثمة تساؤل مهم يطرح نفسه في هذا الخصوص، وهو ما يتعلق بالمردود الاقتصادي لمشروعات البنية الأساسية في ظل الطاقات العاطلة في القطاعين العام والخاص بمصر. فتجربة المدن الجديدة بمصر أظهرت أن مصر أهدرت مبالغ كبيرة في البنية الأساسية بالمدن الجديدة لم يستفد منها إلا بعد عقود، ولا يزال بعضها يعاني من عدم الاستغلال الأمثل. بل إن العديد من المصانع بهذه المدن معطلة أو مغلقة.

سابعًا:

مناقشة إشكالية ارتباط التنمية بالديمقراطية، والدخول في مقارنة بين ما تم في سنغافورة والصين وكوريا الجنوبية، باعتبارها نماذج جمعت بين الديكتاتورية والتنمية، أمر يحتاج لإيضاح، أول ملامح هذا الإيضاح أن هذه التجارب يمكن تصنيفها في إطار ما عرف بـ “المستبد العادل”، وهو نموذج يتنافى تمامًا مع توجهات السيسي وممارساته، فالمجتمعات في البلدان التي ذكرت جنت ثمارًا للتنمية في الأجل القصير، مما جعلها لا تتعجل الانتقال نحو الديمقراطية، فضلًا عن أن الاصلاح الاقتصادي في هذه البلدان واكبه تطوير كبير لقطاع التعليم، مما أهل الموارد البشرية للتفاعل مع متطلبات الاصلاح الاقتصادي، وانتاج التكنولوجيا، في حين أن نظام السيسي يرى أن التعليم يكون لعدد محدود، دون بقية الشعب، وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد التنمية. وكذلك اكتسبت هذه الدول ممارسات رقابية حقيقية، ساعدت على تحقيق التنمية الاقتصادية، ولعل تقديم رئيسة كوريا الجنوبية للمحاكمة وسجنها لمدة طويلة بسبب الفساد، يجعلنا ننظر للتجربة من زاوية مختلفة، فمن يجرؤ على محاسبة السيسي عن إهدار الأموال في مشروعات بلا دراسات جدوى؟ تجربة السيسي تكرس لغياب الرقابة والمحاسبة، والدخول في مشروعات بلا حسابات اقتصادية سليمة. الأمر الثاني أنه يجب أن ننظر إلى تكلفة الفرصة البديلة، حيث اقترنت تجارب المستبد العادل، أو التنمية في ظل الديكتاتورية بفساد الحزب الحاكم وأعضاءه بمعدلات عالية، وكذلك تلوث البيئة.

ثامنًا:

يلاحظ أن الورقة بشكل عام تركز على محددات للإصلاح والتنمية تعتمد بشكل رئيس على ما يسمى بـ “الاصلاح المالي والنقدي” واستقدام الاستثمارات الأجنبية في مشروعات البنية الأساسية، وتجارة الموارد الأولية المتمثلة في النفط والغاز، واعتبار أن تتحول مصر كمركز إقليمي لتجارة الغاز الطبيعي باعتبارها منفذًا سهلًا ووحيدًا بشمال البحر المتوسط لعبور الغاز الطبيعي لأوروبا.

وهي نفس النظرة التي اعتمدت عليها تجربة التنمية في ظل العولمة المتوحشة التي تبنتها حكومة أحمد نظيف من 2004 – 2010. والحقيقة أن مصر تحتاج نموذجًا مختلفًا للتنمية، يجعلها دولة لها دورها الإقليمي والدولي بعيدًا عن الشعارات، ولكن من خلال الاعتماد على مقومات أساسية، فمصر لابد أن تمتلك قاعدة إنتاجية قوية في قطاعي الصناعة والزراعة، يصاحبها تطوير في التعليم وإنتاج وتوطين التكنولوجيا.

كما أن الاعتماد على التمويل ينبغي أن يأتي في إطار المدخرات المحلية أولًا، ثم تأتي الاستثمارات الأجنبية لتساعد في إطار أجندة وطنية للتنمية، وليس جريًا خلف رغبات الشركات متعدية الجنسية. وحتى في ظل اللجوء للتمويل الخارجي بخلاف الاستثمارات الأجنبية، لا ينبغي أن تعتمد مصر على الاستدانة، فهناك آلية أخرى للتمويل تعتمد على المشاركة، وتفعيل أدوات التمويل الإسلامي، وبخاصة أن صندوق النقد الدولي حذر مؤخرًا من أزمة مالية واقتصادية عالمية قادمة، ومن ضمن أهم مسبباتها الافراط في الديون الخارجية، وبخاصة في الدول النامية.

تاسعًا: تفترض الورقة أن نظام السيسي أمام فرص لتحقيق التنمية، عبر المسارات الثلاثة التي ذكرت، ولم تنظر إلى الفرص السابقة التي أتيحت للانقلاب العسكري بمصر على الصعيد الاقتصادي، والتي كانت ظروفها أفضل بكثير ما تطرحه الورقة، من خلال المساعدات التي قدمت خلال أعوام 2014 و2015، ثم قروض البنك والصندوق الدوليين، والتصرف في وديعة بنحو 10 مليارات دولار بالبنك المصري، فضلًا التعاون الكامل من قبل مؤسسات الدولة، وكذلك تمرير الإجراءات الخاصة بصندوق النقد الدولي، رغم تداعياتها السلبية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. ومع كل هذه الفرص لم تتحقق التنمية في مصر.. والتحسن البادي في بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية، هو نفس النتائج التي تحقق لتجربة مصر الأولى في مطلع 1991/1992، تحسن نقدي ومالي لا ينتقل للإصلاح الهيكلي في قطاعات الزراعة والصناعة، فتظل مصر تدور في إطار التبعية للخارج.

ما تحتاجه مصر في مشروعها التنمية، يتوافق مع نموذج الاعتماد على الذات، ولا مانع من الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية ولكن في ضوء المساعدة ووفق أجندة وطنية للتنمية، وأن القروض الخارجية ليست بديلًا لزيادة المدخرات المحلية، وأن جلب الديون الخارجية للأنفاق الجاري جريمة في حق الأجيال القادمة، وهروب للأمام من مواجهة مشكلات مصر الاقتصادية[5].


الهامش

[1] جوناثان أوستري، وآخرون، “اللبرالية الجديدة: هل شابها الإفراط؟”، صندوق النقد الدولي، مجلة التمويل والتنمية، عدد يونيو 2016، ص 38و39.[2] وزارة التخطيط والمتابعة والاصلاح الإداري، تقرير متابعة الخطة للعام المالية 2016/2017، ص 15.

[3] وزارة المالية، البيان المالي لموازنة عام 2018/2019، ص 57.

[4] البنك المركزي المصري، النشرة الاحصائية الشهرية، عدد يناير 2019، ص 97.

[5] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close