fbpx
اقتصادأوراق سياسات

الاقتصاد المصري: سياسات ومسارات تعقيب 2

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في البداية لا بد من تقديم الشكر للباحث على الموضوع الهام الذي تطرق اليه، والاسئلة الملحة التي حاول تقديم الإجابة عليها في الورقة، وعلي التسلسل المنهجي للعناصر والنقاط، وإن كان كل ذلك لا يمنع من بعض الاختلاف في وجهات النظر، وهو ما يمكن توضيحه في النقاط التالية:

في المقدمة:

أشار الباحث أنه سيتطرق إلى نقاط ثلاث وهي، تقييم الحالة الاقتصادية المصرية، مع نهاية العام 2018-طرح عدد من السياسات التي يمكن أن يستغلها النظام الحالي من أجل تحقيق تنمية حقيقية-وبيان العوامل الرئيسية اللازمة للبدء في عملية تنمية حقيقية في مصر. وعند التقييم لم يتطرق إلا لأربعة مؤشرات كلية فقط، وجاءت بعض المؤشرات الأخرى في السياق بما لا يليق بمقدمة تتعهد بالتقييم، ولم توجد سياسات يمكن أن يستغلها النظام الا الاستثمار الأجنبي، والذي لم يتطرق الباحث إلى مسببات عد تحسن مؤشراته على الرغم من القوانين الجديدة، ولم يبين المقصود به سواء استثمار أجنبي مباشر ام في أدوات الدين. ولم يتطرق إلى العنصر الثالث من الأساس فيما يجب النظر إليه عند تقييم الاقتصاد:

1ـ استهل الباحث الحديث عن تقييم الحالة الاقتصادية بالتفرقة بين المستوي الكلي والجزئي، ولم يتطرق إلى المستوى الجزئي طوال الورقة بعد ذلك، إذا لماذا التفرقة هذه خاصة أن طلاب الفرقة الاولي من كليات الاقتصاد يعرفونها.

2ـ تطرق الباحث بعد ذلك إلى المؤشرات الكلية، وذكر منها:

(أ) معدل النمو:

  • تحدث الباحث عن التطور الإيجابي لمعدل نمو الاقتصاد المصري في الفترة الأخيرة، ووصفه بالأمر الإيجابي ولكنه غير كافي في نفس الوقت، إيجابي من حيث القدرة علي ضخ رؤوس الأموال داخل دورة الدخل القمي، وغير كافي لتخفيض معدل البطالة، وتجاهل الباحث في هذا الخصوص التعليق علي ما يلي:
  • مدي استدامة معدل النمو بعد توقف الاقتراض لا سيما في تمويل معظم نسبته من قروض خارجية، وحتى بفرض استدامة القروض فليس شرطاً أن تحافظ على معدلاتها الحالية، خاصة بعد انتهاء قرضي البنك والصندوق العام الحالي ووصول مصر إلى الحد الأقصى للسحب عند الكثير من المؤسسات الممولة إقليميا ودوليا.
  • النمو جاء غير متوازنا على المستوي القطاعي، حيث التركيز على الطرق والكباري وإهمال القطاعات الإنتاجية، مما يهدد استدامة تحسنه. عموما كان يحتاج نمو القطاعات إلى لمحة تصور من أين تحسن ولماذا، بما يفيد استنباط استدامته من عدمها.
  • عدم البحث في مصادر الاستثمار المولدة للنمو من حيث كونها محلية وأجنبية، ونسبة مساهمة كل منهم، وهذا يعزز الاستنباط بالاستدامة من عدمها.
  • أكد الباحث علي أن عوائد النمو ستسري داخل شرايين الدخل القومي، وأهمل عوامل التسرب العديدة، وعلى رأسها أن المشروعات أغلبها غير مدر للدخل (وهي تجميد للأموال)، وكذلك النسبة التي تحصل عليها القوات المسلحة كوسيط في كل المشروعات، وغير ذلك من قنوات التسرب التي تخفض النسب التي تسري في أوصال دائرة الدخل القومي من وراء المشروعات الممولة بالاقتراض، مما يقلص فرص استدامة تحسنها او حتى بقائها.
  • يجب ألا ننسي أن نسبة لا يستهان بها من المشروعات التي اعتمدت في تمويلها على الاقتراض – مثال محطات الكهرباء التي نفذتها سيمنس- كانت الشركة الأجنبية هي الباحثة عن التمويل، وعندما توفره تنفذ المشروع، أي أن الأموال حولت لرصيد الشركة في الخارج مباشرة، هذا بالإضافة إلى أن القرض وتكلفة المشروع لم يدرسا بعناية كافية.
  • من وجهة نظري، أري أنه بصفة عامة يعكس معدل النمو تحسناً في الاوضاع الاقتصادية، ولكنه ليس شرطا أن يصبح محركاً مستداماً لها خاصة في ظل خصوصية الحالة المصرية.

(ب) الديون:

(1) أسهب البحث في تقديم مبرر للاستدانة، حتى للدول التي تمتلك فوائض مالية وصناديق سيادية، ووصف الاقتراض بأنه لازمة في ظل الحياة الاقتصادية المعاصرة والتي تلح فيها الرغبة لتسريع وتيرة التنمية. ومن وجهة نظري لا أجد مبررا للاقتراض إلا في ظل العجز، وفي ظل شروط صارمة بترشيد الانفاق – بما لا يضر بالطبقات الفقيرة – وتوجيه الاستثمار نحو الإنتاج، بما يضمن سداد الأصل والفوائد، مع الأخذ في الاعتبار تسكين المشروعات داخل خطة اجتماعية اقتصادية طويلة الأجل تتوافق مع الأهداف التنموية العليا.

(2) تطرق الباحث إلى نقطة استدامة الحصول على القروض، والقائمة على استدامة القدرة على السداد، واستشهد الباحث في نقطة شديدة المحورية للورقة بدراستين فقط، إحداهما قديمة للغاية وتاريخ إصدارها 2009 وتوقفت دراستها لحال الديون المصرية عند 2006، والأخرى توقفت عند 2013 مع تقديرات حتى 2020، وبذلك فكلاهما قديم ولم يدرس طفرة القروض من بعد 2014 وحتى الآن، ولا يمكن الاستناد إليهما في التدليل على نقطة – هي لب الورقة -وهي استدامة الديون، وعموماً دراستين فقط غير كافيتين لدعم استنباط جوهري مثل هذا.

(3) استنتج الباحث هذه النقطة أن (الدين المصري لم يصل إلى معدل الأزمة وأنه يمكن إدارته بما يسمح باستمرار الاقتراض، وذلك يدعم فكرة حدوث التنمية). وارتكز هذا الاستنباط علي نجاح الحكومة في تحويل الدين القصير الاجل إلى متوسط وطويل الاجل، ويمكن التعليق على ذلك بما يلي:

  • خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، سببه الرئيس زيادة الإيرادات الناتجة عن رفع الدعم وزيادة أسعار الخدمات وقوانين الضرائب الجديدة، وذلك في الأساس تسربا من دورة الدخل القومي-لاسيما في ظل عد الضمان بضخه في مشروعات ذات جدوى او داخل الإطار الإنتاجي-، وتثبيطا للاستثمار المحلي والاجنبي، بالإضافة إلى سحق الطبقات المتوسطة والفقيرة.
  • أن التحول نحو القروض طويلة الاجل يؤجل المواجهة الحتمية مع بداية السداد أوائل العام القادم.
  • تجاهل البحث الفرق بين الديون المحلية والخارجية، ومن المعروف أن الديون المحلية هي الغذاء الرئيس لعجز الموازنة، ومصدرها الرئيس البنوك المحلية، وتواترت العديد من التقارير التي توضح معاناة الجهاز المصرفي المصري في اعقاب تعويم الجنيه، خاصة فيما يتعلق بمواردها من النقد الأجنبي والتي تأثرت بسبب ضغط الدولة عليها لتثبيت سعر الصرف-ومؤخراً تخفيضه-وهو ما اضطر بنكي الأهلي ومصر إلى البحث عن الاقتراض الخارجي.
  • كما أن مزاحمة الدولة للقطاع الخاص على التمويل من البنوك يخفض من الاستثمار لا سيما في ظل ارتفاع أسعار الفائدة الملبية لارتفاع معدلات التضخم، والتي من المرجح في أفضل الاحوال بقائها على حالها، إذا لم تتزايد كنتيجة مباشرة لرفع ما تبقي من شرائح الدعم عن الوقود والكهرباء.
  • السماح لمزيد من فروع البنوك الأجنبية في مصر مؤخرا، له جانب سلبي يتعلق بسحب الكوادر المصرفية من القطاع إضافة إلى احتدام المنافسة حول أدوات الدين.

وعموما يمكن القول إن معدلات الدين المحلي أضحت عبئا على الجهاز المصرفي والاستثمار المحلي، واتوقع مزيد من الاعتماد علي طبع النقود خلال الفترة القادة للتغطية على اخفاق البنوك الوطنية لا سيما بعد بيعها.

وبالنسبة للاستثمار الأجنبي، فالشق المتعلق منه بالاستثمار في أدوات الدين (الأموال الساخنة) اتضح مؤخرا عد استقراره وانخفاض مرونة عرضه مع مواجهة الصدمات الناتجة عن أزمة الأسواق الناشئة، وبالتالي فلا مجال للتعويل عليه في توفير العملة الأجنبية، او في توفير التمويل اللازم لشحذ معدل النمو واستدامته.

أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فرغم قانون الاستثمار الجديد ولائحته التنفيذية وقنون الإفلاس، وتحسين البيئة التشريعية، وتقديم التسهيلات المختلفة، فالأرقام تشير إلى عدم تحسنه تقريبا، لسبب يأتي في طيات التقارير الدولية وهو تغول الجيش الاقتصادي، ولا ننسي في ذلك التراجع في مؤشر مديري المشتريات الذي يقيس أداء القطاع الخاص غير المنتج للنفط، والذي تراجع في الشهر الماضي إلى أدنى مستوى منذ ديسمبر 2017، وذلك في سلسلة تراجعات بات منذ عدة اسهر تعكس بوضوح تغول الجيش الاقتصادي.

يتبقى من عناصر التمويل المكونة للنمو القروض الخارجية ومن وجهة نظري اري انها تتوقف على عوامل سياسية إلى حد كبير، فالتقارب مع إسرائيل وبالتالي الولايات المتحدة فتح صنبور القروض من كافة المؤسسات الإقليمية والدولية، واي موقف يعكي الامن القومي والمصلحة الفلسطينية كفيل بغلق الصنبور.

الاستعراض السابق بعناصره المختلفة يؤكد على هشاشة مصادر تمويل النمو والتنمية في مصر، وبتعبير أكثر تفصيلا، ستستمر القروض الداخلية، وستتقلب الأموال الساخنة، وسيبدأ سداد القروض الأجنبية، ولا يمكن التعويل على الاستثمار الأجنبي في بناء تنموي.

إذا يمكن القول أن قفز الباحث إلى استنباط استدامة الديون والنمو لا يمكن قبوله ويحتاج إلى المزيد من التمحيص والدراسة التفصيلية في عناصر أخرى بخلاف ما تطرق اليه البحث.

(ج) انعكاسات الإصلاح الاقتصادي:

تطرق الباحث إلى نقطتين هامتين في بحث تلك الانعكاسات، وهما:

(1)الفقر:

اعتمد الباحث علي إحصائية قديمة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء (انظر ص7) تتحدث عن خط فقر 482جنيه و28% من السكان تحت حط الفقر)، وذلك علي الرغم من وجود إحصائية حديثة من ذات المصدر عام 2018 تشير إلى ان خط الفقر الجديد 1.7 دولار/يوم (1.9 في مؤشر البنك الدولي) بما يعني وقوع نصف المصريين تحت خط الفقر، ولا تزال ازالة شرائح الدعم في الطريق، لتزيد من هذه الاعداد، ومعدل اللامساواة في مصر ضخم للغاية، ولا يمكن علاج آثاره سوي بتدخل حكومي، لتقديم الخدمات للمواطنين، وهو يدعم عدم الاستقرار السياسي كما ذكر الباحث.

(2)البطالة:

كانت أهم استنتاجات الباحث موفقة في هذا الإطار لم تستفد مصر من الشباب، لن يخفض معدل النمو نسبة البطالة، لذلك تداعيات على الاستقرار السياسي.

(د) علاقة التنمية بالحالة السياسية:

استخلص الباحث أن مصر الديكتاتورية يمكن ان تثبت أركانها بشرعية نجاح اقتصادي من خلال زيادة هامش الاستثمارات الخارجية، وتخفيف عجز الموازنة، وهو ما سيمكنها من استيعاب الشباب وتقليل البطالة وذلك من خلال تمويل مشروعات البنية التحتية.

وبالنسبة للاستثمار الأجنبي وباقي موارد التمويل، أكرر أن هذه الموارد بالفعل كان يمكن أن تصنع نجاحاً ولكن أهدرت في مشروعات غير مدروسة جيداً، وفي غير وجود خطة جامعة، وفي ظل تغول المؤسسات الأمنية علي الاقتصاد، وفي ظل إنفاق المباهاة وعدم الترشيد، لذلك أؤكد ان التحسن سيكون طفيف وغير ملموس.

ومن وجهة نظري أري المشكلة في تبني النظام لوجهة نظر التاجر وعدم اكتراثه بدور الدولة في توفير الخدمات للمواطنين بأسعار عادلة في مقدور الجميع، ومن هنا فإن التحسن الطفيف المتوقع حدوثه لن يكون إلا لحساب المزيد من اللامساواة في التوزيع والمزيد من سحق الفقراء وتزايد اعدادهم.

وما أتوقع حدوثه هو ما يمكن تسميته نماذج حضرية متناثرة، مثل تطوير منطقة سياحية أو مكان عشوائي يهجر قسريا لصالح مستثمرين شركاء للمؤسسة العسكرية، وذلك دونما روابط تنموية حقيقية تفعل التكامل والاستفادة من الكفاءات والقدرات الوطنية، يصاحب ذلك تفشي ظاهرة الجيوب الاقتصادية، حيث تنمو قطاعات بعينها مستفيدة من أصحاب المصالح، مع ركود مميت لقطاعات اخري.

(هـ) الفرص والتحديات:

يُقر الباحث في النهاية (ص10) أن مجمل القرارات الاقتصادية تخصم من الرصيد الجماهيري للنظام، وأن الاعتماد علي السياسات المالية فقط نموذج غير مستدام لتحقيق التنمية، وأنها لن تسعفه علي المدي الطويل، خاصة مع تراكم الديون واضطراره لاتخاذ سياسات أكثر تقشفية، إلا أن ذلك كله قد يتحول من وجهة نظره إلى أمور إيجابية إذا جاء الاستثمار الأجنبي في مشاريع البنية التحتية (والمحدود بعدم شرعية النظام)، ومساندة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإعلان الاتحاد الأوروبي ومن قبله أمريكا التغاضي عن شرعيته في مقابل صد عمليات الهجرة غير الشرعية، ثم وضع الباحث خارطة طريق للنظام يتحقق من خلالها التنمية تبني علي الاستثمار الأجنبي، وتحول مصر إلى مركز إقليمي للغاز، ومراجعة التشريعات.

بالطبع حديث الباحث عن الاستثمار الأجنبي لفهمه علي وجود معوقات يجب العمل علي حلها، ولكن لم يتم وضع قانون جديد ولائحة تنفيذية، وقانون للإفلاس، وحتي الإعلان الأوروبي الامريكي المساندة للنظام فهي موجودة وتدعمها إسرائيل، فلماذا إذا لم يأت الاستثمار الأجنبي؟ وهل إن أتى سيخلق تنمية مستدامة أم كالعادة سيتخير القطاعات الأكثر ربحية وليس التي توفر حاجات المواطنين؟

الخلاصة أن الاستثمار الأجنبي لا يبني تنمية، وإنما يساعد بنسبة فيها، وانتظاره في مصر مرهون بتنازلات تمس الأمن القومي.

كذلك لا أرى ثورة جياع في مصر، وإنما أرى تململاً، ورغم ذلك أثمن توجيه الباحث الخطاب إلى المعارضة بعدم تعويلها علي العنصر الاقتصادي، والجدية في البحث عن المسارات البديلة [1].


[1] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close