fbpx
تقديرات

الاقتصاد المصري 2017: القطاع المالي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

واجه الاقتصاد المصري عام 2016 صعوبات كثيرة أدت الي تراجع كافة مؤشراته الرئيسة وهو ما انعكس على أحوال المواطن المصري الذي بات أكثر فقراً ومديونية، يتلهف انباء المعونات الخارجية والقروض كطوق نجاة من سوداوية الحالة التي يعيشها.

وبعد انقضاء هذا العام بكل أحداثه يتبادر السؤال حول التوقعات الاقتصادية في العام القادم 2017، والتي تأتي بعد تطبيق حزمة من الإجراءات الاقتصادية شديدة الوطأة على المواطن وزعمت الحكومة بأنها حزمة إصلاحية يجب تحمل آثارها المؤقتة والتي ستتحول الي رخاء اقتصادياً بمرور الوقت.

ولم تقدم السلطة المصرية أية التزامات حول موعد هذا الرخاء ولم تعلن حتى عن كيفية تحققه، وكل ما تحدثت فيه مجموعة من الإجراءات المزمع تنفيذها، مع الأخذ في الاعتبار ان الحديث لا يزال بعيدا عن إجراءات الإصلاح الهيكلي للاقتصاد ومرتكزاً في الأساس على تثبيت أو تحسين للأوضاع الموازين المختلفة.

وستحاول هذه الورقة في صور موجزة تقديم قراءة موجزة للأوضاع التي يتوقع أن يكون عليها الاقتصاد المصري في العام القادم، وذلك من خلال النقاط التالية:

 

المحور الأول: القطاع المالي:

تراجع كبير لمؤشرات البورصة المصرية لثلاثة أرباع عام 2016 حيث جاء الربعين الأول والثاني لنتائج مخيبة للآمال الي حد كبير خاصة أعمال الربع الثاني الذي انخفض في المؤشر الي ما دون 7000 نقطة في مقابل 7500 نقطة في نهاية الربع الأول، وتراجعت كذلك قيم التداولات اليومية الي ما دون 540 مليون جنيه يوميا في المتوسط في مقابل 570 مليون في المتوسط في الربع الأول.

ويرجع هذا التراجع في أداء البورصة المصرية خلال النصف الأول من 2016 الي مجموعة من العوامل يأتي في مقدمتها أسعار الفائدة المرتفعة بالسوق، إضافة الي الفشل جذب الاستثمارات الأجنبية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وسقوط الطائرة المصرية المنطلقة من باريس، إضافة الي ما أثير من لغط بين هيئة الرقابة المالية ومجموعة “اوراسكوم” بقيادة نجيب ساويرس حول بنك “آى سي كابيتال” وما اتضح بعض ذلك من تدخل جهات سيادية في إيقاف المشروع.

حتى الإعلان عن بداية المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار ونهاية زيارة بعثته الرسمية في أواخر يوليو الماضي بنجاح، وبعدها بدأت عملية التصاعد المستمر للبورصة وبمستويات تاريخية حتى أوشكت بنهاية العام على تخطي حاجز 12 ألف نقطة.

 

أولاً: أبعاد الشراء المكثف من الأجانب

كانت الملاحظة الأكثر أهمية هو قيادة الأجانب لحركة المشتريات في السوق المصرية واستمرار ذلك لفترة كبيرة وبمبالغ كبيرة بلغت نصف مليار جنيه يوميا لأسابيع كثيرة، ولعل تخفيض قيمة الجنيه بنسبة ضخمة هو المفسر الرئيس لهذا التصاعد لسعي الأجانب للاستحواذ علي أكبر نصيب ممكن من الأسهم وانتظار أكبر أرباح ممكنة في المستقبل، ويعد هذا فرصة غير مسبوقة للاستيلاء على هذه الأسهم وفق الأسعار المتداولة.

وبالطبع أعطي وصول الشريحة الأولي من قرضي البنك الدولي وصندوق النقد وإعلان السلطة عزمها على خصخصة بعض المشروعات العامة ثم إعلانها النية في خصخصة بعض مرافق الدولة وهو ما ساهم في استمرار الزخم التصاعدي للبورصة حتى الآن.

ولكن من المتوقع خلال النصف الأول من عام 2017 استمرار هذا التصاعد، ويعتمد تحديد فترة التصاعد على مدي تجزئة الطرح الحكومي للشركات والذي سيبدأكما هو معلن بداية من يناير القادم. ويتوقع أن يستمر الطرح لمدة تتراوح بين 6-9 أشهر وذلك لأن الهدف المعلن للبيع هو سد الفجوة الدولارية واستخدام الحصيلة في سداد عجز الموازنة العامة للدولة.

وإذا ما تبع طرح الشركات العامة طرح بعض المرافق العامة فسيمثل ذلك دفعة لاستمرار تصاعد السوق المصرية وان كان يتوقع أن يكون بوتيرة أقل.

وبفرض استمرار عمليات خصخصة المرافق والشركات العامة لأغلب فترات السنة القادمة فانه مهما طال أمد التصاعد فسينتهي باقتراب انتهاء الطرح، ويصبح التراجع في الربع الأخير من العام القادم (وربما الانهيار) السمة الرئيسية بعد ذلك.

ولكن السؤال حول الشراء المكثف من الأجانب يستلزم سؤال هام حول المصدر الذي سيحصل منه الأجانب على الدولار مرة أخري عند اتخاذ قرار الخروج من السوق في ظل التوقعات باستمرار شح الدولار تأثراً باستمرار تراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي، وكذلك عن كيفية تحويل هؤلاء الأجانب لأرباحهم في المستقبل خاصة؟

بالنسبة لمصدر حصول الأجانب على الدولار بعد الخروج من السوق فيجب القول بداية أن هؤلاء تقف وراءهم مراكز دراسات ومتخصصين (بل وأجهزة مخابرات) تجعل توقيت انسحابهم من السوق مدروسا بعناية قبل تفاقم أزمة العملة مرة أخري. وهذا لا يمنع من تواجد أساليب أخري لجمع الدولار ومنها:

 

1ـ استخدام السوق الموازية:

حال عودتها المتوقعة عند تفاقم الازمة لتحويل الأرباح الي دولار (السعر المرتفع تعوضه الأرباح)، ويتوقع أن يكون الكثير من المستثمرين الأجانب الحاليين ما هم الا سماسرة سيبيعون هذه الأسهم لمستثمرين أكبر لديهم من الشراكات مع الجهات السيادية ما يمكنهم من جمع الكمية المطلوبة من العملة في أي وقت.

وقد تستخدم البطاقات الائتمانية في الحصول على جزء من الكمية الدولارية المستهدفة، ويلاحظ الآن رفع البنوك لحدود السحب من الخارج بصورة مستمرة منذ اتخاذ قرار التعويم.

 

2ـ فروع البنوك الأجنبية العاملة في مصر:

قد تصبح أداة لحصول هؤلاء على جزء معتبر من الدولار خاصة في ظل سيناريو افلاس الدولة سواء بصورة طبيعية او عن طريق توقف تلك الفروع بصورة متعمدة وكلية عن العمل في وقت واحد متفق عليه (حدث ذلك في الحالة اليوغسلافية حين توقف 600 فرع لبنك أجنبي عن العمل في وقت واحد وكان أحد أهم أسباب الانهيار اليوغسلافي) ولا بد من تواجد أرصدة دولارية في تلك الفروع ستستخدم في الوفاء الممنهج بحاجات مواطنيهم بالدولار. وفي حال كانت هذه الأسهم لشركات منتجة فعليا على الأرض يمكن جمع المواد الخام المحلية وتصدير المنتجات وعدم تحويل عوائد التصدير.

 

3ـ شهادات الإيداع الدولية:

تعتبر شهادات الإيداع الدولية (GDRs) أداة مالية قابلة للتداول في أسواق المال الدولية ومن ثم فإن الشهادات يتم تداولها كبديل عن الأوراق المالية الأصلية في أسواق المال الدولية مثل بورصة لندن أو بورصة لوكسمبورج أو بورصة نيويورك. ويتم إصدار شهادات الإيداع الدولية بهدف زيادة رأس المال.

 

مميزات إصدار شهادات إيداع دولية:

تسمح بدخول الشركة إلى الأسواق العالمية مما ينوع من حملة أسهم الشركة، وتساعد على اتساع السوق للأسهم المحلية عن طريق توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين مما يساعد على زيادة أو استقرار سعر السهم، وتساعد على زيادة رأس المال زيادة كبيرة الشيء الذي قد يكون صعبا في السوق المحلي، وتقوي من وضع الشركة المصدرة على مستوى الأسواق العالمية، ويعزز من منتجات الشركة المصدرة وخدماتها خارج بلد المنشأ. كما أن هذه الشهادات يمكن استخدامها كأداة لتمويل الاستحوازات والاندماجات.

وبنهاية شهر يونية 2016 أعلن خبراء عن تحول شهادات الإيداع الدولية الصادرة عن أسهم مصر والمتداولة ببورصة لندن إلى صداع في رأس البورصة المصرية، بعد أن شهدت تعاملات استثنائية وسط إقبال كبير من المستثمرين الأجانب وكذلك المصريين، حتى أوشكت شركات على تحويل أقصى نسبة محددة قانونيًا بنحو 33% من إجمالي رأس المال إلى شهادات إيداع، مثل البنك التجاري الدولي.

ويأتي الأقبال الكبير على شهادات الإيداع، تأثراً باستخدام الأجانب لها كوسيلة للتغلب على مسألة صعوبة الحصول على النقد الأجنبي وتحديدًا الدولار في السوق المصرية. وظهر هذا جليًا في التحويل المكثف من الأسهم إلى شهادات إيداع بالخارج ثم بيعها ببورصة لندن بالدولار، وهو ما انعكس في ارتفاع أسعارها مقارنة بالأسهم لبعض الوقت خلال جلسات التداول.

وعلى جانب آخر، استهدف المستثمرون المحليون الاستفادة من الفارق السعري بين الأسهم وشهادات الإيداع خلال كل جلسة، بتحويل الأسهم إلى شهادات إيداع وبيعها واستقبال حصيلة البيع بحساب العميل في مصر.

ودفع تطور استخدام شهادات الإيداع الدولية كوسيلة لتدبير النقد الأجنبي، عددًا من الشركات للمُضي في استصدار شهادات ببورصة لندن، مثل شركة دومتي للصناعات الغذائية، وبلتون المالية القابضة.

وتوجد في بورصة مصر 14 شركة مقيدة تمتلك شهادات إيداع دولية. وتحاول العديد من الشركات إصدار شهادات إيداع دولية في بورصة لندن حتى تستطيع جذب المستثمرين الأجانب، باعتبارهم أحد أهم الفئات المستهدفة لدى الشركات، بهدف الحصول على اهتمامات صناديق الاستثمار الدولية، فضلاً عن تأمين منفذ للأجانب للتخارج بعيدًا عن أزمة نقص العملة الصعبة.

وبالفعل فقد لعبت هذه الشهادات في الفترة الماضية دوراً هاماً في حماية المستثمرين الأجانب من مخاطر انخفاض سعر الصرف وانخفاض قيمة استثماراتهم بنفس قيمة خفض العملة المحلية عند بيعها وتحويل ناتج البيع للخارج، وذلك نظرًا للتعامل على الدولار بسعر السوق السوداء وليس الرسمية، كما قامت بدور كبير كوسيلة لتحويل الأموال للخارج دون صعوبات.

 

4ـ نظام الأوف شور:

يوجد بُعد آخر بالغ الأهمية يتمثل في قفز بعض كبار المستثمرين المحليين على القيود التي وضعتها هيئة الرقابة المالية في العام الماضي بمنع حصولهم على حصيلة بيع الشهادات بالدولار، وذلك عبر تأسيس شركات في الخارج بنظام “الأوف شور”، ويتم تسجيلهم بالبورصة المصرية كشركات أجنبية من ثم يكتسبون حق تحصيل ناتج بيع الشهادات بالدولار.

وشركات “الأوف شور” هي شركات يتم تأسيسها في عدد من الجزر والدول التي تعرف بجزر النعيم الضريبي أو الملاذات الضريبية مثل بنما والعذراء والكايمن.

وقد حاولت مصر تحجيم فرص استخدام شهادات الإيداع الدولية كبوابة لتدفق الأموال للخارج وقت الاضطرابات، حيث تم إصدار قواعد جديدة في 2013 بألا تتجاوز نسبة الشهادات ثلث رأس المال المصدر لأي شركة. وبعد عامين، وتحديدًا في مارس/آذار 2015 استهدفت الرقابة المالية بالتنسيق مع البنك المركزي التحكم في مسار تدفق الأموال الناتجة عن حصيلة بيع شهادات الإيداع الدولية بإصدار قيود على التعاملات عليها.

وتمثلت القيود في منع المستثمرين من الحصول على حصيلة بيع الشهادات بالنقد الأجنبي، بل ووضع آلية تلزمهم تحويل الأموال إلى حساباتهم المصرفية داخل البلاد.

وفي 10/8/2016 أصدرت البورصة المصرية القرار رقم 177 لسنة 2016 بشأن تعديل القواعد والإجراءات التنفيذية لعمليات اصدار وتحويل شهادات الإيداع الأجنبية والذي نص على (ألا تزيد نسبة الأسهم الصادر مقابلها شهادات إيداع أجنبية الي اجمالي أسهم رأسمال أي شركة عن نسبة أسهم الشركة حرة التداول بالبورصة المصرية الي راس المال والمعلن عنه في نهاية كل أسبوع – وفي حال تجاوز النسبة المشار اليها لأي شركة عند تنفيذ القرار لا يتم اصدار شهادات إيداع أجنبية الا بعد الوصول للنسبة المقررة).

وبهذا القرار تكون الأوضاع قد عادت الي أوضاع ما قبل 2013 حيث السماح بالتحويل لكامل رأس المال، وبهذا يمكن القول إن شهادات الإيداع عادت مرة اخري للاستخدام كبوابة خلفية لتحويل الأموال خارج البلاد لصالح مستثمرين محليين وأجانب.

أما بالنسبة لكيفية تهريب هذه الأموال للخارج فوفقًا لموقع صندوق النقد الدولي، تتمتع مصر بأكبر قدر من حرية حركة رءوس الأموال الدولية، بل تتفوق على معظم الدول التي تسبقها على سلم التنمية مثل جنوب إفريقيا والبرازيل والأرجنتين والمكسيك وتشيلي وطبعًا الصين والهند، بل وتسبق عددًا من الدول المتقدمة مثل روسيا وأستراليا، ولا يماثلها حرية سوى عدد من الدول المتقدمة صناعيًّا، مثل كندا والولايات المتحدة وعدد من دول أوربا الغربية.

من امثلة تهريب الأموال للخارج هو خروج 4.6 مليار جنيه خلال الأربعة أشهر قبل وبعد الثورة، بشكل مشروع خارج البلاد عن طريق البورصة، وذلك عن طريق 14 شركة مصرية مقيدة ببورصتي مصر ولندن. وكذلك وافقت الحكومة على انتقال مجموعة أوراسكوم للصناعة والبناء إلى خارج مصر، في أعقاب الثورة، وهو ما ترتب عليه خروج حوالي من 1.6 مليار دولار في صفقة واحدة، هذا بجانب بند السهو والخطأ في ميزان المدفوعات والذي بلغت قيمته 0.9 مليار دولار في عام 2014/2013، في حين وصل هذا المبلغ إلى 4 مليارات دولار في عام 2016/2015 خير دليل علي حجم الأموال المهربة.

 

ثانياً: سعر الفائدة وحركة البورصة المتوقعة:

لا شك أن رفع سعر ذو تأثير عكسي على حجم التعامل بالبورصة حيث يوفر فرصة بديلة أقل مخاطرة في استثمار المال، ولكن جاء رفع سعر الفائدة الأخير والمصاحب لتعويم الجنيه مخالفاً لهذا البناء النظري، فرغم رفع سعر الفائدة الي أكثر من 14% بل واستحداث أوعية ادخارية تصل الفائدة عليها الي حدود20% لم يتأثر أداء البورصة بل استمر المسار التصاعدي، ويمكن ارجاع ذلك الي هامش الربح المرتفع المحقق نتيجة انخفاض الجنيه خاصة بالنسبة للأجانب الذين أصبحوا يحصلون على الأسهم بأسعار بخسة للغاية. كما أن بقاء آليات السماح بتحويل الأرباح الي الخارج والإبقاء على آليات شهادات الإيداع في بورصة لندن يضمنان للمستثمر عمليات التحويل السريع للأرباح.

 

خلاصة:

يري الباحث استمرار أرباح البورصة والتي توطدت بإبرام عقد قرض الصندوق وخفض قيمة الجنيه وستستمر هذه الأرباح مدعمة بطرح شركات القطاع العام والمرافق العامة، وهذا الاستمرار في التصاعد يتوقف على المدي الزمني للطرح والذي غالبا ما ينتهي بنهاية 2017 تحت وطأة خدمة الديون الخارجية والداخلية وتلبية احتياجات المواطنين من السلع الأساسية والواردات.

ولا يعكس التصاعد المستمر في البورصة أية نتائج إيجابية على الاقتصاد الحقيقي حيث لن ينعكس على المؤشرات الكلية للاقتصاد من تشغيل للعمالة أو زيادة الإنتاج، بل يعبر هذا التصاعد عن فقاعة مالية سرعان ما ستخبوا بزوال وقودها من انخفاض سعر الجنيه والانتهاء من طرح الشركات، والمشكلة ان البورصة من المتوقع ان تستخدم كأداة لتهريب الأموال الي الخارج خاصة في ظل تفشي الفساد وانعدام استقلالية المؤسسات المالية والنقدية وخضوعهم التام للسلطة التي تدفع نحو فك السيطرة على النزح الي الخرج. (1).

———————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close