fbpx
اقتصادالسياسات العامة

الاقتصاد غير الرسمي في مصر: المشكلات والحلول

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يُعلن المسؤولون في مصر منذ العام 2015 عن مبادرات لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، ومن أجل تحقيق هذا الهدف تم الإعلان أكثر من مرة عن إعفاءات ضريبية لمدة خمس سنوات، وغيرها من المساعدات. وقد تصاعد الاهتمام عالميًا وبالأخص في العقود الأخيرة بظاهرة الاقتصاد غير الرسمي وخصوصًا في الدول المتقدمة. هناك الكثير من الدراسات التي تقوم بدراسة حجم ومستوي نمو أنشطة الاقتصاد غير الرسمي، وما إذا كانت تتزايد أم لا؟، وهل من الممكن قياس حجمه والتحكم فيه؟، وهل الأنشطة المصاحبة لوجوده كبيرة أم لا؟[1].

تحاول الورقة في البداية وضع تعريف للاقتصاد غير الرسمي، وكذلك معرفة حجمه وطبيعته في مصر، وآثاره السلبية والإيجابية على الاقتصاد، وما هي الفوائد التي ستعود على المجتمع ككل جراء دمج جزء معتبر منه في الاقتصاد الرسمي.

بعد ذلك تستعرض الورقة السياسات الحكومية التي اُتخذت في هذا الصدد خلال الفترة (2015-2019)، ثم تختتم الورقة باقتراحات وتوصيات لحل هذه المشكلة.

أولًا: تعريف الاقتصاد غير الرسمي

يُعرف الاقتصاد غير الرسمي بأنه جميع الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها الأفراد و/أو المؤسسات ولا يتم إحصائها بشكل رسمي؛ أي لا تعرف الأجهزة الحكومية قيمتها الفعلية، ولا تدخل في حسابات الناتج القومي، وبالتالي لا تدخل في الحصيلة الضريبية ولا يخضع العاملين فيها لأي نظام ضمان اجتماعي[2].

تجدر الإشارة إلى وجود فرق جوهري بين الاقتصاد غير الرسمي والاقتصاد الأسود (الإجرامي)، فالاقتصاد غير الرسمي أنشطته جميعها مشروعة، لا يجرمها القانون، لكنها تتم بدون أن يتم تقيدها في الدفاتر الحكومية مثل عمال البناء بالأجر اليومي (اليومية) فهم لا يخضعون لنظام تضامن اجتماعي ولا يقدمون إقرارات ضريبية، وعلى العكس من ذلك فإن أهم ما يميز الاقتصاد الأسود أن أنشطته جميعها ذات طابع إجرامي كالإتجار بالبشر والمخدرات…….إلخ، وهو أيضًا يتم خارج الدفاتر الرسمية لكن الحكومة تعمل على إلقاء القبض على المشتغلين به لما يحدثوه من أضرار تهدد أمن وسلامة المجتمع.

عند الحديث عن فلسفة الدول في التعامل مع ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي، فمن المؤكد أنه لن تستطيع أي دولة مهما كانت بوليسية أن تعتقل كل العاملين بالأجر اليومي في قطاع الإنشاءات ولا كل الباعة الجائلين، وكذلك المعلمين العاملين في الدروس الخصوصية، هذا غير سائقي التكاتك وغيرهم. لذلك دائمًا ما تتبني الدول محاولات لدمج هذه الأنشطة في الاقتصاد الرسمي، مما سينعكس على المالية العامة للدولة بزيادة الحصيلة الضريبية، وفي نفس الوقت يستفيد العاملين فيه من أنظمة الضمان الاجتماعي داخل الدولة وكذلك حماية حقوقهم القانونية حال تعرضوا للظلم أو التعدي.

يعتبر العالم الاقتصادي “جوتمان” أول من طرح أهمية دمج أنشطة الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، فقد لفت الانتباه إلى أهمية ذلك عندما نشر بحثه عن الاقتصاد السفلي[3][4]، والذي أشار فيه إلى أن المعاملات الاقتصادية التي لا يتم تسجيلها ضمن حسابات الناتج القومي ليست بهذا القدر الهين الذي يمكن معه إهماله، ونتيجة لذلك حاول الكثير من الاقتصادیین إثبات الفرضية التي طرحها “جوتمان” للتأكيد على الأهمية النسبية للاقتصادات الخفیة في دول العالم المختلفة.

ولقد أثبتت هذه الدراسات كما ادعى “جوتمان” أن هذه الأنشطة بلغت نسبًا لا يمكن إهمالها من إجمالي النشاط الاقتصادي في كل دول العالم. بل وأنها في بعض الحالات تنمو بمعدلات لم تشهدها الاقتصاديات الرسمية[5].

ثانيًا: حجم وطبيعة الاقتصاد غير الرسمي في مصر

تُعد مسألة معرفة حجم الاقتصاد غير الرسمي من المسائل الشائكة في علم الاقتصاد، ويكمن جوهر المشكلة في أهم خَصيصة من خصائصه، حيث أنه اقتصاد غير رسمي، خفي، غير خاضع لرقابة الدولة، خارج إطار الدفاتر الرسمية، متهرب من الواجبات الضريبية.

طور الاقتصاديون مع مرور الوقت بعض الطرق لمعرفة حجمه التقريبي وبالتالي معرفة هل صفة الرسمية تغلب على الأنشطة الاقتصادية في الدولة أم أن غير الرسمية هي السمة السائدة.

هذه الطرق منها ما هو مباشر، كطريقة المسح بالعينات وطريقة تدقيق الحسابات الضريبية، ومنها ما هو غير مباشر، كطريقة إحصاءات الحسابات القومية وإحصاءات القوي العاملة ومنهج المعاملات ومنهج الطلب على النقود بالإضافة إلى طريقة حساب استهلاك الكهرباء[6].

وليس موضوع الورقة هو شرح هذه الطرق ولكن نشير إلى أنها طرق علمية تعتمد عليها كل دول العالم بجانب المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وبالنظر إلى الحالة المصرية، فقد وصلت نسبة أنشطة الاقتصاد الغير رسمي في مصر إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك في الفترة 1997-2006 طبقًا لدراسة أصدرها البنك الدولي والتي أعدها “فريدريك شنايدر وآخرون”، هذه النسبة في الحقيقة تعتبر كبيرة جدا، ولإدراك ذلك تجدر الإشارة إلى أن نفس التقرير ذكر أن متوسط هذه النسبة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCED كان 13.5%[7].

وفي سياق متصل أورد تقرير صادر عن مكتب العمل الدولي في جنيف أن نسبة الاقتصاد غير الرسمي في أوروبا تقدر ب18.4%، في حين أنها في أستراليا وكندا واليابان ونيوزيلندا والولايات المتحدة بلغت8.6% في المتوسط[8].

من المؤشرات العالمية المهمة أيضًا في معرفة حجم الاقتصاد غير الرسمي، هو نسبة العُمال الذين يعملون بشكل غير رسمي، وفي هذا السياق أورد البنك الدولي في موجزه الاقتصادي الصادر في ديسمبر 2013 والذي كان بعنوان (مصر: الطابع الغير الرسمي هو السائد الجديد) إن أمر التوظيف في مصر صار غير واضح المعالم إذ أن 55% من العاملين ما بين 15 و64 عام يعملون بشكل غير رسمي، بالإضافة إلى ذلك فإن واحد من كل خمسة من العاملين بتلك الفئة يعمل بشكل غير منتظم ولديه فقط عمل موسمي أو متقطع[9].

بجانب ذلك فقد ذكر تقرير للبنك الأفريقي في عام 2016، أن نسبة العاملين في القطاع غير الرسمي تقدر بحوالي 61% من إجمالي عدد المشتغلين في مصر[10].

ويمكن على سبيل المثال لا الحصر ذكر بعض أنشطة الاقتصاد غير الرسمي في مصر كما يلي:

– العاملين بالأجر اليومي في قطاع الإنشاءات أو تنظيف المنازل أو الخدمات المنزلية بشكل عام.

– سائقي مركبات التوكتوك.

– المُعلمين العاملين في الدروس الخصوصية.

– المهندسون والأطباء والمحامون أو غيرهم من العاملين في القطاع الحر بدون أن تكون لهم بطاقة ضريبية.

– عربات الطعام في الشارع (بعضهم يدفع إتاوات إلى البلدية أو غيرها، لكن هذه الإتاوات لا تُسجل في الدفاتر الرسمية).

– الباعة في الأسواق وكذلك الباعة الجائلين (هم أيضًا من دافعي الإتاوات).

كل هذه المهن السابقة وغيرها تُشكل أمثلة للأنشطة التي يمكن أن تندرج تحت مُسمى الاقتصاد غير الرسمي[11].

ثالثًا: أسباب توسع الاقتصاد غير الرسمي

يهدف أي نشاط اقتصادي إلى الربح والذي بدوره يزيد عندما تقل المصاريف وتزيد الإيرادات، وتتنافس الأنشطة الاقتصادية في السوق الحر، ويكون دور الدولة ضمان عدالة المنافسة مع حماية حقوق العمال وتحصيل ضرائب تمول من خلالها مصاريفها.

ولكن حين يستشري الفساد داخل مؤسسات الدولة ولا يشعر المواطن مستثمرًا كان أو عاملًا بأثر ما يدفعه من ضرائب، وحين تكون البيروقراطية وتعقيد الإجراءات الحكومية هي السمة السائدة لاستخراج أي تصريح حكومي، فإن المواطنين يتوجهون إلى ممارسة النشاط الاقتصادي خارج الإطار الذي تشرف عليه مؤسسات الدولة، لتقليل مصروفاتهم بعدم دفعهم ضرائب، ومن ناحية أخرى هروباً من تعقيد الإجراءات الحكومية.

ترصد النقاط التالية بعض الأسباب الدافعة إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي في مصر:

أ-البيروقراطية: تعد البيروقراطية سمة سائدة في كل المؤسسات الحكومية في مصر، وإزاء هذا الوضع يسأل المواطن نفسه: ما الذي يدفعني إلى الذهاب إلى مكتب حكومي والانتظار في طابور طويل وبعد ذلك لا تنتهي المعاملة، سواء لأن ختم النسر غير واضح أو أن هناك ورقة لم أستطع إحضارها.

انعكس هذا الوضع على زيادة الأنشطة غير الرسمية، ففي دراسة “ريم عبد الحليم” عن الاقتصاد غير الرسمي قامت بحصر الجهات الحكومية التي تقوم بالإجراءات الرسمية الواجب مراعاتها عند مزاولة أي نشاط اقتصادي، فوجدت أنها أكثر من عشر جهات: تبدأ من إدارة الحي، مرورا بالسجل التجاري، ثم الخضوع لإشراف ورقابة من إدارة التأمينات الاجتماعية، ومكتب العمل، ومصلحة الضرائب، وإدارة الأمن الصناعي، ووزارة التموين، ووزارة الصحة، وإدارة المطافئ بوزارة الداخلية، وجهاز شئون البيئة، وقسم شرطة الحي؛ وهو ما يمثل حِمل على عاهل المنشأة[12].

ب-الفساد: احتلت مصر في العام 2014 المرتبة 94 من أصل 175 دولة في مؤشر مدركات الفساد الذي تعلنه منظمة الشفافية الدولية[13]، أما في العام 2015 فقد تحسنت مرتبة مصر فصارت 88، ويرجع جزء كبير من هذا التحسن إلى أن عدد الدول الذي شملها التقرير في نفس العام كان 168 دولة فقط.

واحتلت مصر في العام 2018 المرتبة 105 من أصل 180، وهو ما يضع مصر في الطرف الأدنى للمؤشر[14]، هذا الفساد وبلا شك يجعل أرباب الأعمال يفكرون مليًا قبل أخذ قرار الدخول في القطاع الرسمي، فما الذي يجبرهم على تسجيل نشاطهم في دولة يستشري فيها الفساد إلى هذه الدرجة!

ج-عدم كفاءة النظام الضريبي: يعاني النظام الضريبي في مصر من مشاكل مزمنة، اللافت للنظر أن هذه المشاكل ليست منحصرة في الممارسة فقط، أي في سلوك جمع الضرائب، لكن أيضًا في القوانين المنظمة ذاتها، فمثلًا طبقا للتعديلات الأخيرة التي أقرها مجلس النواب لقانون 91 في يونيو 2017، فإن حد الإعفاء من ضريبة الدخل هي فقط لأصحاب الدخل السنوي الأقل من 7200 جنيه، وهو ما يعني أن أصحاب الدخل الشهري الأقل من 600 جنيه هم فقط المعفيين من الضريبة![15]، وهذا ما يعادل 30 دولار شهريًا، أي دولار واحد يوميًا، في حين أن خط الفقر الدولي هو 1.75 دولار يوميا. وهذا ما يعني أن أي مواطن يكون دخله 1.5 دولار في اليوم، هو عالميا تحت خط الفقر، لكنه في مصر غير معفي من ضريبة الدخل!

د-اضطراب بيئة سوق العمل: تعرضت بيئة سوق العمل في مصر إلى بعض الاضطرابات منذ العام 2011 وزادت حدتها بشدة بدءًا من 2013، بعضها كان نتاج الظروف التي مرت بها مصر والبعض الآخر كان بسبب ما مرت به بعض الدول العربية، ويمكن رصد بعض المظاهر الاقتصادية لهذه الاضطرابات كما يلي:

– ضعف معدلات النمو الاقتصادية وبالتالي لم يستطع الاقتصاد المصري خلق فرص عمل للقادمين إليه، حيث يجب أن يكون معدل النمو الاقتصادي يعادل ثلاث أمثال معدل النمو السكاني على الأقل. فمثلًا عام 2017 كان معدل النمو السكاني في مصر 1.9% في حين كان معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لنفس العام 4.1%[16].

– الاضطرابات السياسية والتغييرات في أسواق العمل في الدولة العربية المحيطة؛ فدول كليبيا واليمن كانت تستوعب عدد كبير جدًا من العمالة المصرية، اضطرت هذه العمالة إلى العودة إلى مصر بعد اندلاع الثورتين الليبية واليمنية، كذلك إقرار المملكة العربية السعودية لبرنامج المقابل المالي في يوليو/تموز 2017 والذي يهدف إلى توطين العمالة المحلية في مواجهة معدلات البطالة المرتفعة، والذي بموجبه تم زيادة الرسوم المفروضة على العمال الوافدين، وكنتيجة لذلك غادر مايُقارب 800 ألف عامل أجنبي من سوق العمل السعودي في الفترة من الربع الثاني للعام 2017 إلى الربع الثاني من العام2018[17]، كان لمصر نصيب كبير منهم والسبب في ذلك هو كون المملكة أكبر بلد يوجد فيه عدد للمصريين في الخارج؛ حيث يُقدر عدد المصريين المقيمين في السعودية بثلاثة ملايين مصري.

هذه العمالة حين غادر جزء ليس بالقليل منها وعاد إلى مصر لم يجد فرصة عمل في القطاع الحكومي، بجانب ذلك فإن ما توفر لها من فرص في القطاع الخاص الرسمي كان قليل، لذلك وجد جزء كبير منها نفسه مضطراً إلى العمل في أنشطة الاقتصاد غير الرسمي.

– انخفاض معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر، فطبقًا لما أعلنه البنك المركزي فقد حقق صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال الفترة يوليو/مارس للعام المالي 2017/2018 صافي تدفق للداخل 6 مليار دولار، في حين حقق خلال نفس الفترة للسنة المالية السابقة 6,6 مليار دولار[18]. وليس هذا بجديد على مصر، ففي ظل الاضطرابات السياسية وإعلان الدولة الحرب على الإرهاب وقيامها بعملية عسكرية شاملة في سيناء، من الطبيعي أن تقل معدلات الاستثمار الأجنبي، وقد رصد تقرير للمعهد المصري للدراسات أسباب ذلك، فكان منها: عدم قدرة الحكومة على استعادة النمو الاستهلاكي وعوامل متعلقة بالعرض والطلب وكذلك معدلات التضخم وسعر الفائدة ومدى سهولة أداء الأعمال وغياب الاستقرار السياسي.

ونتيجة لانخفاض معدلات الاستثمار الأجنبي، انخفضت فرص العمل مما زاد من اضطرب بيئة سوق العمل في مصر ودفع الكثير من العمال للعمل في القطاع غير الرسمي[19].

ه-الأمية: انخفض عدد الأميين (للأفراد 10 سنوات فأكثر) من 17.6 مليون فرد عام 1996 إلى 17 مليون فرد عام 2006، ثم عاد للارتفاع إلى 18.4 مليون فرد عام 2017 وذلك طبقًا لبيان صحفي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية[20].

ويعود السبب في انخفاض عدد الأميين للفترة المذكورة الي تبني الحكومة لحملات محو الأمية، هذه الحملات نجحت في تخفيض عدد الأميين، لكن كعادة كل الأمور في مصر لم تدم طويلا، وعادت هذه النسبة للارتفاع.

ومن الجدير بالذكر أن الحكومة لا تتبني في الوقت الراهن أي محاولات جدية في سبيل خفض نسبة الأمية، وكما هو معلوم فإن زيادة نسبة الأمية يدفع إلى زيادة نسبة الاقتصاد غير الرسمي، فالشخص غير المتعلم لن يستطيع أن يحصل على أي وظيفة رسمية لعدم معرفته القراءة والكتابة، لذلك لن يجد أمامه إلا أن يعمل كعامل في قطاع الإنشاءات أو بائع متجول.

رابعًا: الأثار السلبية للاقتصاد غير الرسمي

طرحت الورقة في العنصر السابق الأسباب التي أدت إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، وبعد معرفة هذه الأسباب يجدر الإشارة إلى خطورة توسع هذا النوع من الاقتصاد ووصوله إلى هذا الحجم؛ فوجود اقتصاد غير رسمي بهذا الحجم يهدد السلم الاجتماعي، ويهدد المنافسة العادلة في اقتصاد السوق، كما أنه يهدد بفشل أي خطة لإجراء أي إصلاح اقتصادي، ويمكن استعراض هذه الأثار السلبية من خلال النقاط التالية:

1-سلبيات تهدد السلم الاجتماعي:

يوفر الاقتصاد غير الرسمي تربة خصبة للاقتصاد الأسود (الإجرامي)، فالأموال الموجودة داخل الاقتصاد الأسود إذا أراد صاحبها أن يقوم بإيداعها في بنك مثلا أو ممارسة أي نشاط اقتصادي مشروع فقد يواجه سؤال “من أين لك هذا؟” لذلك يحتاج أن يمرر هذه الأموال على مشروعات وسيطة، وتُسمى هذه العملية بغسيل الأموال، وأفضل مكان متاح لهذه الأنشطة الوسيطة هو الاقتصاد غير الرسمي.

والعكس أيضًا صحيح، فإذا أراد شخص أن يمول أي نشاط مشبوه لو قام بسحب مبلغ كبير من جهة رسمية أو أخذ قرض من بنك فإن البنك يتحرى عن الهدف من هذا القرض في حين أنه لو قام بتمويل هذا النشاط من أي مشروع اقتصاد غير رسمي فإنه يضمن بهذه الطريقة أن يكون ما يفعله بعيدًا عن أعين الأجهزة الرقابية.

2-سلبيات تهدد سوق العمل والمنافسة العادلة:

حين تعمل شركتين في مجال الإنشاءات في مصر، أحدهما عالمية تعمل وفقًا لمواصفات تقتضي منها استخراج تأمين صحي لكل العاملين في الموقع – وغيره من متطلبات رسمية- وما يترتب عليه من تكاليف، وفي نفس الوقت تنافسها شركة أخرى يرأسها مستثمر مصري لم يقم بمثل تلك المتطلبات، فبالتأكيد سيؤدي ذلك إلى زيادة ربحيته عن الشركة الأولى، ويسبب هذا الفارق عدم عدالة المنافسة، الناتج عن توسع النمط الغير رسمي في مصر.

المثال السابق وغيره يدفع الكثير من الشركات العالمية للتفكير ألف مرة قبل أن تقوم بالاستثمار في مصر، وقد يأخذ بعضها قرار عدم الاستثمار مما يؤثر بدوره على نقص الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر.

3-سلبيات تهدد إجراء أي خطة إصلاح اقتصادي:

تعتمد أي خطة يُراد لها أن تنجح في أول خطواتها على البيانات، فحين لا تتوفر بين أيدي الحكومة بيانات دقيقة عن حجم الأنشطة الاقتصادية بسبب توسع الاقتصاد غير الرسمي؛ فإن ذلك يدفعها إلى التخمين، هذا التخمين قد يعطي نتائج غير صحيحة وبالتالي قرارات خاطئة تقود إلى فشل أي مجهودات الهدف منها القيام بأي إصلاح اقتصادي.

خامسًا: الأثار الإيجابية للاقتصاد غير الرسمي وفوائد دمجه

رصدت الورقة في العنصر السابق بعض سلبيات توسع الاقتصاد غير الرسمي في مصر، لكن على الجانب الأخر تجدر الإشارة إلى أنه كان للاقتصاد غير الرسمي بعض الإيجابيات، وبالأخص منذ اندلاع ثورة يناير2011 وما تبعها من تحولات، قادت بالطبع إلى تغييرات في الأوضاع الاقتصادية مثل زيادة نسبة البطالة والنقص الحاد في الاستثمار الأجنبي وبالأخص منذ يوليو2013.

في هذا التوقيت الحساس من عمر مصر شكل وجود الاقتصاد غير الرسمي داعم قوي للاقتصاد بما وفره من فرص عمل وكذلك ما وفره من دخول جانبية لمحدودي الدخل كالمعلمين وموظفي الحكومة، وبجانب ذلك أدى أيضًا إلى تحسن ميزان المدفوعات بما وفره من بدائل محلية تساعد على تقليل الاستيراد من الخارج، وهو ما انعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على زيادة دخول المواطنين وبالتالي زيادة الطلب المحلي؛ والذي يؤدي بالطبع إلى آثار إيجابية على الاقتصاد.

لا توجد دراسات قامت ببحث هذا الموضوع بالأرقام على الحالة المصرية منذ العام2011، ولكن يمكن الاسترشاد بالدراسات التجريبية الموجودة في الأدبيات الاقتصادية للإشارة إلى دور الاقتصاد غير الرسمي وأثره الإيجابي على الاقتصاد الرسمي.

فطبقًا لدراسة أعدها “شنايدر” عام 1998، والتي أوضحت أن أكثر من 66% من مكاسب الاقتصاد غير الرسمي يتم إنفاقها على الفور في الاقتصاد الرسمي، وهو ما يثبت صحة ما ذكرناه عن أن توسع الاقتصاد الموازي يساعد في زيادة الطلب المحلي مما ينعكس بآثار إيجابية على الاقتصاد.

ليس الهدف من ذكر هذه المظاهر الإيجابية للاقتصاد غير الرسمي هو التوصية بأن تتركه الحكومة ولا تتشابك معه، لكن كان الهدف هو تحليل وضع قائم حتى لا يكون الاقتصاد الغير رسمي دائمًا في خانة الاتهام، وهذا ما يدفع أيضًا الي الحديث عن العوائد والمنافع التي تعود على الدولة والمجتمع ككل جراء دمج نسبة معتبرة منه في الاقتصاد الرسمي.

ويمكن حصر هذه العوائد كالتالي:

1-عوائد اقتصادية: ومنها زيادة الحصيلة الضريبية للدولة، وبالتالي قلة عجز الموازنة وتحسن الخدمات التي تقدمها الحكومة لمواطنيها. هذا بالإضافة إلى توفير بيانات حقيقية عن الوضع الاقتصادي مما يساعد على اتخاذ القرارات المناسبة وكذلك وضع خطط تتلاءم ومفردات الواقع الموجود.

2-عوائداجتماعية: حينما يتعرض العاملون في أي نشاط اقتصاد غير رسمي لظلم من قِبل مُشغليهم فإنهم وبموجب عدم وجود عقد عمل فلن يستطيعوا أن يحفظوا حقوقهم بالقانون، ففي هذه الحالة ليس أمامهم سوى استخدام قانون القوة (البلطجة) أو ترك العمل أو الرضى بهذا التعدي، ولكن حين يتم دمج هذا النشاط في مظلة الاقتصاد الرسمي، فلن يستطيع المديرين بسهولة ظلم العاملين عندهم، ولو حدث هذا فهناك جهات قضائية أو إدارية تضمن لهم حقوقهم.

3-عوائد صحية: عدم خضوع مطاعم الشارع (كعربات الفول وغيرها) للرقابة الصحية يؤدي إلى احتمالية تعرض المواطنين لحالات تسمم، وكذلك عدم خضوع العاملين في مجال الإنشاءات لفحوصات صحية دورية يعرض صحتهم للخطر، يسري هذا أيضًا على العاملين في المصانع الغير مرخصة، وكل نشاط اقتصادي غير رسمي لا يخضع العاملين فيه لأي برنامج ضمان اجتماعي، مما يؤدي إلى زيادة نسبة الأمراض في مصر، فنسبة فيروس سي ونسبة الفشل الكلوي مرتفعة جدا في مصر والسبب في ذلك ليس الاقتصاد غير الرسمي وحده، ولكنه أحد الأسباب المهمة.

سادسًا: السياسات المصرية لدمج الاقتصاد غير الرسمي (2015-2019)

يمكن استعراض اهم السياسات التي اتخذتها الإدارة المصرية في إطار دمج الاقتصاد غير الرسمي من خلال النقاط التالية:

– عام 2015: في شهر ديسمبر صدر قرارًا جمهوريا بتشكيل لجنة عليا لتنقية قواعد البيانات القومية، ورد في قانون تأسيسها “تتولى اللجنة التعامل مع اقتصاد الظل وضبط المنظومة الضريبية”، وتتشكل اللجنة من وزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس المخابرات العامة ووزير الاتصالات والتكنولوجيا، وترفع اللجنة تقاريرها لرئيس الجمهورية. ومنذ ذلك الحين لم تُعلن اللجنة أي من نتائج مجهوداتها التي اتخذتها في هذا الإطار.

– عام 2016: في شهر نوفمبر أعلنت وزيرة الاستثمار موافقة السيسي على مبادرة لضم الاقتصاد غير الرسمي يتم الإعلان عنها في ديسمبر من العام نفسه. هذه المبادرة تتضمن إعفاءات ضريبية وتخصيص الأراضي مجانًا لأصحاب المشروعات من الاقتصاد غير الرسمي[21].

– عام 2017: عادت مرة أخري الأجهزة الحكومية المصرية للحديث عن موضوع الاقتصاد غير الرسمي في العام 2017 ولكن هذه المرة كانت على لسان رئيس البنك المركزي الذي أعلن عن اتفاقية تبادل المعلومات (في إطار أسبوع الشمول المالي) بين البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية في يوليو2017، حينها بشرت وسائل الإعلام أن هذه الاتفاقية ستساهم بشكل كبير في دمج الاقتصاد غير الرسمي وبالتالي تحسن الوضع الاقتصادي في مصر[22].

– عام 2018: لم يمر عام 2018 بدون التأكيد من قِبل القائمين على أمر الحكم في مصر على عزمهم على دمج الاقتصاد غير الرسمي، وهذه المرة في مايو2018 على لسان رأس السلطة، الذي أعلن عن إعفاء ضريبي للاقتصاد غير الرسمي لمدة 5 سنوات وعن طلبه من وزيرة التضامن الاجتماعي بحث أفضل الطرق لدمج العاملين في الاقتصاد الغير رسمي تحت مظلة التأمين الصحي بدون أن يتحملوا مصاريف مرتفعة[23].

وكذلك في عام 2018، في شهر ديسمبر أعلن اللواء خيرت بركات رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن هناك لجنة جارى تشكيلها، لوضع تعريف موحد للاقتصاد غير الرسمي، لافتا إلى أن بدء أعمال هذه اللجنة سيكون بحلول منتصف يناير 2019، لافتًا إلى أن توقيت دمج الاقتصاد غير الرسمي ودخوله المنظومة الرسمية لاقتصاد الدولة بعد حصره وإعلان نتائجه في التعداد الاقتصادي خلال شهر أكتوبر 2019، هو قرار الحكومة وليس الجهاز، لذا لا يمكن توقع دمج هذا الاقتصاد في الناتج المحلى للدولة عام 2020/2021[24].

-عام 2019:أصدر رئيس مصلحة الضرائب في يناير 2019 تعليمات تنفيذية رقم (1) لسنة 2019 بشأن أسس المحاسبة الضريبية لنشاط مركبات التوك توك والتي احتوت على طريقة المحاسبة الضريبية لسائقي مركبات التوك توك[25].

من كل الأخبار السابقة يري الباحث أن هناك تخبط شديد من قِبل الحكومة بخصوص سياستها التي تتخذها لدمج الاقتصاد غير الرسمي، فوزيرة الاستثمار أعلنت أن رئيس الجمهورية سُيعلن مبادرة في ديسمبر2016 تشمل إعفاءات ضريبية، ثم عاد رئيس الجمهورية ليُعلن في مايو 2018 عن إعفاء ضريبي لمدة 5 سنوات. ليفاجئ رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الرأي العام بإعلانه أن توقيت بدء دمج الاقتصاد غير الرسمي لن يكون قبل انتهاء التعداد الاقتصادي في أكتوبر2019، لذلك أعلن أنه يتوقع عدم إمكانية دمج الاقتصاد الغير رسمي في الناتج المحلي للعام2020 /2021.

سابعًا: اقتراحات وتوصيات

ليست مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعاني من مشكلة توسع حجم الاقتصاد غير الرسمي، هناك الكثير من الدول تعاني من نفس المشكلة وتجدر الإشارة هنا إلى أن أهم عنصرين للنجاح في تطبيق هذه التوصيات هو توفر الإرادة، هذا الي جانب أن تكون هذه الإجراءات المتخذة في إطار خطة شاملة، لا أن يتحول موضوع بأهمية الاقتصاد غير الرسمي إلى موضوع للاستهلاك الإعلامي بين الحين والآخر، ويمكن تلخيص بعض التوصيات في النقاط التالية:

1ـ تسهيل إجراءات تسجيل المنشآت:

كما ذكرنا سابقًا فإن هناك 10 جهات حكومية منوط بها متابعة استخراج التصاريح اللازمة لمزاولة النشاط الاقتصادي، بالطبع ليست كل الأنشطة تمر بالعشر جهات، فمثلا استخراج تصاريح بناء مصنع تختلف عن تصاريح مطعم، لكن اللافت للنظر هو تعدد الجهات الحكومية المنوط بها استخراج التصاريح وفي نفس الوقت تعدد الأوراق المطلوبة من قِبل الموظفين.

هناك أمر لاحق بتسهيل إجراءات التسجيل وهو تسهيل الإجراءات التابعة له، كالتراخيص وكذلك الحصول على الأراضي أو التمويل، لأنه كما هو معلوم فهناك علاقة شديدة بين عدم التسجيل وعدم الرسمية، فمن الممكن أن تكون المنشأة مسجلة، ولكن بسبب تعقد إجراءات ترخيص معين، يدفعها هذا إلى التواري في أحد ظلال الغير رسمية، وإحدى التوصيات العامة فيما يتعلق بهذا هو تسهيل إجراءات التسجيل مع الأخذ في الاعتبار عدم الوقوف عند تلك المحطة[26].

2-إصلاحات تشريعية شاملة:

لم تعد الكثير من القوانين تناسب الواقع “فالتجارة الافتراضية على سبيل المثال أضحت واقعًا، في حین أن القوانين أصبحت غير واقعية حيث إن الواقع أسرع كثيرًا من التشريع بالإضافة إلى ضعف القدرة على تنفيذ القوانین الاقتصادية في ظل واقع سریع التغير.

وخلاصة ذلك: إن الدولة لیس لها وجود في هذه التعاملات بل یمكن القول إن الدولة لا تعلم بها. وفي حالة وصول الدولة لها، تقوم هذه التعاملات بالخروج من المجال الداخلي إلى خارج مصر، مما يجعلها تحصل على حمایة دولية”[27].

3-إصلاح النظام الضريبي في مصر:

يعاني النظام الضريبي في مصر من مشاكل مزمنة، على صعيد القوانين المنظمة وعلى صعيد نظام تحصيل الضرائب، لذلك وبدون حل هذه المشاكل ستظل أهداف وخطط دمج الاقتصاد غير الرسمي ضربا من الخيال.

المتتبع للإجراءات والقرارات التي تتخذها وزارة المالية ممثلة في مصلحة الضرائب يجد بالفعل أن هناك جهود حقيقية لزيادة الحصيلة الضريبية في مصر. فكما أوردنا سابقًا فقد تم إقرار ضريبة على سائقي مركبات التوك توك، وبجانب ذلك فقد تحدث كلا من وزير المالية وكذلك رئيس مصلحة الضرائب عن أنه سيتم الإعلان عن خطة لدمج الاقتصاد غير الرسمي.

أقرت مصلحة الضرائب في يناير الماضي ضريبة على سائقي التوك توك، ولكن في المقابل ما الذي قدمته الدولة لهم، فبدون أن تغير الأجهزة التنفيذية فلسفتها في التعامل مع الممولين فلن يكون هناك أي مردود واقعي لفرض الضرائب وسيبحث المواطنون عن طرق للتهرب من الضرائب. يمكن للحكومة أن يكون لها دور كبير تتحول من خلالها من الجباية إلى التنمية، وهو ما سيتم الحديث عنه في النقاط التالية.

4-تشجيع البنوك على منح قروض للمشاريع المدمجة:

يقع على عاتق الدولة تشجيع المشاريع وبالأخص متناهية الصغر على الانضمام إلى القطاع الرسمي بإعطائهم مزايا تمويلية وقروض ائتمانية، هذه المزايا وغيرها ستجعل العاملين في القطاع الغير رسمي يعيدون حساباتهم ليتأكد لديهم أن الانضمام إلى القطاع الرسمي فيه فوائد حقيقية وأن الدولة في مقابل أنها ستحصل على ضرائب ورسوم ففي المقابل ستساعدهم في التمويل والذي يعد من أكبر المشاكل التي تواجههم.

5-تأسيس نقابات أو جمعيات تعاونية للعاملين في القطاع غير الرسمي:

تعد النقابات أحد الوسائل المهمة والفعالة في تحقيق التكافل الاجتماعي بين أبناء المهنة الواحدة، فمن ناحية تشكل كيان يتجمع فيه أبناء المهنة الواحدة، ومن خلال ممثليهم المنتخبين يستطيعوا التحاور مع الوزراء وغيرهم من المسؤولين وطرح مشاكلهم والعمل على حلها، ومن ناحية أخرى تعمل هذه النقابات على عمل برامج حماية اجتماعية كبرامج التكافل أو الادخار أو غيرها.

6-رفع رواتب العاملين في القطاع العام للدولة:

إن ما يجبر المدرسين على العمل في مجال الدروس الخصوصية هو ضعف رواتبهم، وهم مجبرون على ذلك، ومن هنا يقع على الدولة قبل أن تقوم بتجريم الدروس الخصوصية تحسين أوضاع المعلمين المادية، وهذا أيضًا ما يمكن تطبيقه على العديد من المهن الأخرى.

أيضًا من الموضوعات المهمة في هذا الإطار هو علاج مشكلة تفاوت الأجور بين المؤسسات الحكومية، فمن المعروف أن هناك بعض المؤسسات تحصل على رواتب عالية، ومؤسسات أخري تحصل على رواتب متدنية.

7-زيادة دور المحليات:

يتمثل دور المحليات في الرقابة على العمالة العشوائية والباعة الجائلين للعمل على ضمهم للقطاع الرسمي، وذلك بتوفير أماكن مخصصة وبأسعار منخفضة لهم بدلا من إشغالهم للأرصفة والشوارع[28].

ويؤكد الباحث أن هذه الرقابة يجب أن تكون آخر الخطوات بعد تحقيق أغلب التوصيات المذكورة أعلاه، والسبب في ذلك يرجع أن تحقيق هذه الرقابة منفردة بدون تسهيل إجراءات دخول القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي ليست مجدية، وكل ما ستؤدي إليه هو بحث أرباب هذا القطاع عن أي طرق يستطيعوا من خلالها التّكيف مع هذه الرقابة والتغلب عليها.

8-تأهيل وتدريب العاملين:

يفتقد الكثير من العاملين في القطاع غير الرسمي إلى الكثير من المهارات، فمثلا العاملين في عربات بيع الطعام في الشارع (كعربات الفول وغيرها) لا يعرفون الواجبات التي يجب مراعاتها عن طهي الطعام وكيفية الحفاظ عليه بأن لا يكون وسيلة لانتقال الميكروبات والفيروسات مسببة للكثير من الأمراض.

كذلك العاملين في قطاع الإنشاءات لا يعرفون أساسيات الإسعافات الأولية، ولا ما هي إجراءات الأمن والسلامة الواجب اتباعها داخل مواقع الإنشاءات، كل هذا وغيره يعرض حياتهم للخطر. وكل ما سبق مما ينبغي أن تتصدي لعلاجه الدولة عن طريق عمل دورات تأهيلية لكل العاملين المنتقلين من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي.

9-العمل على فتح أسواق جديدة:

تحتاج الأنشطة في القطاع غير الرسمي إلى التسويق، قد ينجح عامل الخياطة أو حتى صاحب مصنع خياطة صغير في تسويق منتجاته داخل المدينة التي يعيش فيها أو على الأكثر إلى مدينة مجاورة، لكنه لن ينجح بأي حال من الأحوال في تصدير منتجه إلى خارج مصر.

هنا يأتي دور الحكومة؛ التي تستطيع أن تقوم بعمل معارض تدعو إليها مستوردين من الخارج، يعرض فيها أصحاب الأعمال اليدوية كالخزف أو الخياطة أو غيرها من الأنشطة منتجاتهم وتسويقها خارج البلاد، هذا الأمر لاشك سينعكس بزيادة صادرات مصر، أيضًا سيشجع باقي العاملين في القطاع غير الرسمي على سرعة الاندماج في القطاع الرسمي، حين يرون أن من سبقوهم قد فُتحت لهم أسواق جديدة لتسويق منتجاتهم.

خاتمة

تمنع الكثير من المعوقات الباحثين من معرفة الحجم الدقيق للاقتصاد غير الرسمي، ورغم ذلك حاولت الورقة إلقاء الضوء على حجمه وطبيعته وكذلك كلاً من آثاره الإيجابية والسلبية على الاقتصاد، ومن ثم تم الانتقال لمناقشة كيف تعاملت الحكومة معه.

وبينت الورقة أن الحكومة عازمه على دمجه، لكن هذا العزم لا يتعدى سوى بعض التصريحات الإعلامية بين الحين والآخر، مع انعدام أي سياسات حقيقة سوى الإعلان عن وعود بالإعفاءات الضريبية وتسهيلات فيما يخص التأمينات.

وحاولت الورقة في آخر عناصرها تقديم بعض التوصيات التي يمكن للدولة أن تقوم بها من أجل دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، مع التأكيد على أن تتم هذه المقترحات في إطار خطة شاملة، لا وعود أو أماني وأن تتوفر الرغبة الحقيقة لذلك [29].


الهامش

[1]عدنان فرحان الجوراني، اقتصاد الظل الأسباب والآثار، الحوار المتمدن، 9 يونيو 2011، تاريخ الوصول: فبراير 2019، الرابط.

[2] حسين عبد المطلب الأسرج، انعكاسات القطاع غير الرسمي على الاقتصاد المصري، ورقة بحثية مقدمة لوزارة الصناعة والتجارة الخارجية. الرابط

[3] Gutmann, The Subterranean Economy, Book, 1977.

[4] في الأدبيات الاقتصادية تتعدد مسميات الاقتصاد الغير رسمي؛ فقد يُطلق عليه الاقتصاد السفلي أو اقتصاد الظل أو الاقتصاد الرمادي أو الاقتصاد غير المهيكل أو الاقتصاد النفقي أو الاقتصاد الموازي أو الاقتصاد المخفي أو الاقتصاد الغير مصرح. وكلها أسماء تشير إلى نفس الظاهرة.

[5] عدنان فرحان الجوراني، (مصدر سبق ذكره).

[6] رشيدة حمودة، استراتيجيات إدارة الاقتصاد غير الرسمي في ظل التخطيط للتنمية المستدامة دراسة مقارنة بين تجربتي مصر والجزائر، رسالة ماجستير، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة عباس فرحات سطيف، ص: 27-28.

[7] Friedrich Schneider and Andreas Buehn and Claudio E. Montenegro, Shadow Economies All over the World: New Estimates for 162 Countries from 1999 to 2007, Policy Research Working Papers, World Bank Group, July 2010, Date of access: February 2019, link.

[8] مكتب العمل الدولي، الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، التقرير الخامس، 2013، ص:8.

[9] World Bank, Egypt World Bank Issues Brief – No. 2, Informal is the new normal, December 2013 Date of access: January 2019, link.

[10] The African Development Bank, Addressing informality in Egypt, Working Paper, 2016, Date of access: February 2019, link.

[11] يُضاف إلى هذه الأنشطة أيضًا أي مؤسسة مُسجلة تقوم بتشغيل موظفين بدوام كلي أو جزئي بدون أن تدفع تأمينات، أو تقوم بأي نشاط لا تبلغ به الجهات الرسمية.

[12]ريم عبد الحليم، الاقتصاد غير الرسمي في الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر تعريف ومراجعة تشريعية، مركز المشروعات الدولية الخاصة، ص: 16.

[13] بيان منظمة الشفافية الدولية بخصوص ترتيب مصر في مؤشر مدركات الفساد 2015، بيان رسمي، 2 أغسطس 2016، تاريخ الوصول: فبراير2019، الرابط.

[14] Transparency International, Corruption Perception Index 2018, Executive Summary, Date of access: March 2019, link.

[15] إضاءات، النظام الضريبي المصري: كيف تتحول النعمة إلى نقمة؟، 17 أغسطس 2017، تاريخ الوصول: فبراير 2019، الرابط.

[16] إبراهيم نوار، الناس والأمية والنمو: قراءة في نتائج التعداد العام للسكان 2017، المركز العربي للبحوث والدراسات، 27 فبراير 2018، تاريخ الوصول: مارس 2019، الرابط.

[17] الهيئة العامة للإحصاء، نشرة سوق العمل، الربع الثاني 2017 الرابط، الربع الثاني 2018 الرابط.

[18] البنك المركزي المصري، المجلة الاقتصادية، المجلد الثامن والخمسون-العدد الثالث، ص63، الرابط.

[19] أحمد ذكر الله، الاستثمار الأجنبي في مصر: واقع وتحديات، المعهد المصري للدراسات، 10 مايو 2018، تاريخ الوصول: يناير 2019، الرابط.

[20]الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيان صحفي بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية، 8 سبتمبر 2018، تاريخ الوصول: مارس 2019، الرابط.

[21] “خورشيد “: “السيسي” وافق على مبادرة لضم الاقتصاد غير الرسمي في ديسمبر المقبل، الوطن، 19 نوفمبر 2016، تاريخ الوصول: فبراير 2019، الرابط.

[22] الاقتصاد غير الرسمي. التحدي الأكبر أمام المجلس القومي للمدفوعات، الرابط.

[23] الرئيس السيسي يعفي أصحاب الاقتصاد الغير رسمي من الضرائب 5 سنوات، الرابط.

[24] رئيس جهاز الإحصاء: جارى تشكيل لجنة لوضع تعريف موحد للاقتصاد غير الرسمي، اليوم السابع 30 ديسمبر 2018، تاريخ الوصول: فبراير 2019، الرابط.

[25] الموقع الرسمي لمصلحة الضرائب المصرية، تعليمات تنفيذية للفحص رقم (1) لسنة 2019 بشأن المحاسبة الضريبية لنشاط مركبات التوك توك، الرابط.

[26] يسرى العزباوى وسيف الخوانكي، رؤية جديدة للتعامل مع القطاع الغير رسمي، المركز العربي للبحوث والدراسات، إبريل 2016، تاريخ الوصول: يناير 2019، الرابط.

[27] المصدر السابق.

[28] نرمين طلعت غالي ونهى فوزي منصور وسحر سعد البراوي، العمل غير الرسمي وأثره على الاقتصاد القومي، الإدارة المركزية للبحوث المالية والتنمية الإدارية، وزارة المالية.

[29]الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
أزمات
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close