تقارير

البعثات الأجنبية في مصر: اكتشاف أم احتلال؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

بالرغم من وجود أكثر من عشرة آلاف آثاري مصري بوزارة الآثار المصرية؛ وبالرغم من حصول العديد منهم علي دورات متعددة في الحفائر والتنقيب، بل وبالرغم من أن تاريخنا القريب يُثبت لنا بأن هناك علماء مصريين كانت لهم اكتشافاتهم المذهلة، كــ أبو الآثاريين محمد كمال صاحب الفضل الأكبر في اكتشاف خبيئة الدير البحري التي ضمت مومياوات ملوك عصر الدولة الحديثة، وسليم حسن صاحب “موسوعة مصر القديمة” الذى اكتشف 200 مقبرة أثرية، بالرغم من ذلك كله يتم الآن التمكين للبعثات الأجنبية من أرض مصر من خلال الامتيازات العديدة التي يتم منحها اياهم، وتقديمهم على المصريين الذين يتم حجبهم عن القيام بعمليات الحفر والتنقيب، في تعمد واضح لإبعادهم عن هذا المجال الخطير؛ حتى تظل علومه وأفكاره حكرًا على الأجانب1 .

ففي الوقت الذي وصلت فيه البعثات الأجنبية في مصر لأكثر من 250  بعثة، لا توجد غير 8 بعثات مصرية تعمل على استحياء2 ، لدرجة أنه ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى 10 سنوات سابقة خرجت من مصر 350 ألف قطعة أثرية من خلال بعثات أجنبية عملت لـ 11 دولة أوروبية، موزعة بين 110 ألف قطعة في متحف لندن، 80 ألف في بیترى ببريطانيا، و100 الف في متحف اللوفر بباریس، وأكثر من 50 ألفاً في متحف متروبوليتان بنيويورك، وعشرات الآلاف في متاحف أخرى متعددة3 .

وهذه البعثات الأجنبية تتحرك في ربوع مصر طبقاً لما تراه، وغالباً ما توافق وزارة الآثار على اقتراحاتهم، وكل بعثة من هذه البعثات لا يرافقها سوى مفتش آثار مصري واحد – في الغالب – ولهذه البعثات – وطبقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 الصادر سنة 1983 وتعديلاته بما فيها التعديلات التي أقرت في أبريل 2018 – حق النشر العلمي للمكتشفات الناتجة عن الحفريات التي تقوم بها4 .

والوزارة تعتمد على هذه البعثات في الاكتشافات الأثرية اعتمادا كاملاً، والمبرر في ذلك – كما يقول المسئولون – هو ضعف الإمكانيات المادية التي تعاني منها مصر، بالإضافة لخبرة تلك البعثات في العمل الآثري، فضلاً عن عدم وجود مدارس متخصصة في الحفريات بإمكانها أن تغنينا عن تلك البعثات5 .

ولم يكن تكالب الأجانب على آثار مصر بالأمر الجديد، إنما كان أمراً قديماً لدرجة أنهم اعتبروا أنفسهم أولى بآثارنا منا، فها هو العالم الآثاري “ميريت” يحثُ قناصل الدول الأوروبية خلال المؤتمر الذي عُقد بالقاهرة في القرن التاسع عشر؛ على ضرورة نقل الآثار المصرية نظراً لكره المصريين لها، قائلاً: إن “المصريين جميعاً لا يحبون الآثار القديمة، لذلك يجب إبعاد أولادهم عنها لأنها لا تتماشى مع معتقداتهم الدينية المحافظة، وكي لا يعمد الشباب المصري إلى تدمير تلك المقتنيات الأثرية الثمينة الرقيقة، لذلك يجب علينا نحن الأوروبيين نقلها إلى أوروبا للحفاظ عليها6 .!

أشهر البعثات الأجنبية العاملة في مصر:

من أشهر البعثات الأجنبية العاملة في مجال التنقيب عن الآثار واكتشافها في مصر:

  • البعثات الفرنسية ويفوق عددها 50 بعثة، ويعمل بعضها في مصر منذ أكثر من قرن ومن أهمها: بعثة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية التي تعمل في عدة مناطق منها معمل دندرة بقنا.
  • البعثات الأمريكية ويزيد عددها عن 40 بعثة، من أهمها البعثة التابعة للمعهد الشرقي وجامعة شيكاغو، والتي تعمل  بمنطقة تل إدفو7 .
  • البعثات الألمانية، ويزيد عددها عن 30 بعثة، وهي من أنشط البعثات الأجنبية العاملة في مصر، ومن أهم مناطق عملها؛ منطقة “وطفه” بمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم.
  • البعثات الإنجليزية، وعددها أكثر من 20 بعثة، ومن أهمها: بعثة جامعة ليفربول التي تعمل في مدينة الغراب بالفيوم، وبعثة جامعة لندن التي تعمل بمنطقة وادى الحمامات بالصحراء الشرقية بالبحر الأحمر8 .
  • البعثات الايطالية، ويبلغ عددها 20 بعثة، من أهمها البعثة العلمية التابعة لجامعة (البوليتيكنيك) والتي تعمل بمقبرة “توت عنخ آمون” غرب الأقصر9 .
  • البعثات البولندية، وعددها 17 بعثة، ويعود تاريخ عمل بعضها في مصر إلي عام 1937، وقد بدأت أولى أعمال هذه البعثات في صعيد مصر، ومنها البعثة التي تعمل حالياً بموقع تل الفرخة، بقرية غزالة التابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية10 .
  • البعثات اليابانية، ولها ما يقرب من 10 بعثات، أقدمها تلك البعثة التي  تعود للقرن الـ19، وهي “بعثة الساموراي” التي كانت تعمل بالقرب من تمثال “أبو الهول” في عام 186411 .
  • البعثات الإسبانية، وعددها 7 بعثات؛ من أهمها البعثة التي تعمل بمعبد “ملايين السنين” للملك تحتمس الثالث بالأقصر12 .
  • البعثة التشيكية، وتعمل في مصر منذ ما يقرب من 60 عاما، ومن أهم مواقعها منطقة أبو صير وسقارة في الجيزة.
  • البعثة الفرنسية الإيطالية، وهي بعثة أجنبية مختلطة وتعمل في مصر منذ أكثر من 30 عاماً في منطقة أم البريجات في مركز أطسا.
  • البعثة الأمريكية الهولندية، وهي بعثة أجنبية مختلطة أيضاً، ومن مناطق عملها مخزن كوم أوشيم13 .
  • بعثة جامعة “ان افسوس” المجرية وتعمل في موقع مقابر “32 ، 64، 179” بالخوخة بالبر الغربى بالأقصر14 .

مميزات البعثات الأجنبية:

للبعثات الأجنبية مميزات لا نستطيع أن ننكرها؛ منها:

  • أنها تعمل على زيادة التعاون بين مصر والدول المختلفة في مجال علم الآثار، مما يعمل على وجود دعاية جيدة للآثار المصرية في الخارج.
  • لديهم امكانيات مادية وعلمية تساعد في عملية الاكتشافات الأثرية، وهو الشيء الذي ما زلنا نفتقده حتى الآن.
  • الكثير من هذه البعثات لديها حرص شديد على الآثار المصرية، ويتمثل هذا في اهتمامهم الزائد بالأثر أثناء عمليات الحفر والاكتشاف.
  • تقوم بعض البعثات بعمليات الترميم للقطع الأثرية المكتشفة قبل وضعها في المخازن أو بعد تخزينها.
  • تقوم بعض هذه البعثات ومن خلال مؤسساتها بتقديم منح علمية في بلدانها للعاملين بوزارة الآثار، وإن كان هذا الأمر مرتبط في معظمه بالعلاقات وليس بالخبرات!

مخاطر وأضرار البعثات الأجنبية:

بالرغم من مميزات البعثات الأجنبية، إلا أن مخاطرها وأضرارها كبيرة، ومنها ما يمس أمن وسلامة الوطن؛ ومن هذه المخاطر:

  • أن لكل بعثة من هذه البعثات مناطق خاصة بها لا يجوز لأحد أياً كان – بما فيها وزارة الآثار ومفتشيها – من الاقتراب منها دون علمهم، وهذا أمر خطير يجعل من مناطق الحفائر وكأنها قطعة من بلدان هذه البعثات.
  • أن هذه البعثات، تعمل وفق أهوائها، فليس هناك من يُقّيم أعمالها، وفى حالة وجود من يقيم تلك الأعمال؛ فلا يُقبل رأيه في غالب الأحيان من قبل مسئولي وزارة الآثار خوفاً من اساءة العلاقة مع البعثة!
  • قيام بعض هذه البعثات بسرقة بعض القطع الأثرية المكتشفة، وتُعد واقعة بعثة متحف اللوفر في ثمانينيات القرن الماضي من أشهر تلك السرقات، حيث تم اقتطاع 5 لوحات من مقبرة “طيبة 15” بالأقصر من قبل البعثة الفرنسية العاملة بالمقبرة، وبيعها للمتحف15 .
  • كما أن رؤساء هذه البعثات يقومون بكتابة أبحاثهم ومخطوطاتهم بلغتهم الأم، ولا يُكتب شيء عن تلك البعثات وأعمالها باللغة العربية ليستفيد منها المصريون، إلا القليل من هؤلاء الرؤساء والذي يسعى إلى نشر العلم والفائدة.
  • وهذه البعثات تعمل لمصالحها الخاصة، بما يعود على جامعاتها ومعاهدها بالفائدة، وتنقسم أهداف هذه البعثات إلى ثلاثة أنواع، بعثات علمية من أجل العلم والتعلم وهذه لا غبار عليها، وبعثات من أجل سرقة الاثار وهذا أمر خطير، أما الاخطر فهي البعثات التي حضرت إلى مصر من أجل تزييف التاريخ، مثل البعثات اليهودية في مصر، التي تحاول إثبات أن اليهود هم من بنوا اثار مصر، وهذه البعثات اليهودية تُرسَل تحت ستار جنسيات أخرى حتى لا ينكشف أمرها16 .

وزارة الآثار تمكن اليهود من أرض مصر:

إذا كان الاعتماد على البعثات الأجنبية في مقابل الآثاريين المصرين بالأمر الخطير، فإن الأخطر من ذلك كله أن تلك البعثات تضم من بينها عددًا كبيرًا من اليهود الذين يحملون جنسيات أخرى غير الجنسية الإسرائيلية، لدرجة أن أحد المسئولين بوزارة الآثار عندما سئُل عن عدد اليهود العاملين في تلك البعثات؛ ذكر أنه لا يمكن حصرهم إلا بمعرفة الأمن الوطني 17.

ومن المعروف أن دولة الكيان الإسرائيلي تسعى بكل ما تملك من خدع وأساليب ملتوية، إلى تزييف التاريخ لصالحهم، وإثبات ذلك على حساب الحضارة المصرية وغيرها من الحضارات، لدرجة أن العديد من دارسي علم المصريات الأجانب يتبنون أفكار التوراة؛ ويسعون لأثبات أحقيتهم في مصر بكل الوسائل والطرق المزيفة، ومن البعثات ذات الطابع اليهودي الخفي التي تعمل في مصر:

  • البعثة الأمريكية التي كان يرأسها “فريدريك شولتز” – المستشار الثقافي بإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون – والذي كان له قضية سرقة مشهورة عام 1994 أطلق عليها “قضية الآثار الكبرى” وحينها تم القبض عليه وظل يُحاكم ما بين عامي 2000 و2003 في أول سابقة من نوعها، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات وغرامة 50 ألف دولار، لاتهامه بسرقة آثار مصرية وبيعها18 .
  • البعثة اليونانية التي ترأسها سيدة تدعى “ليانا سوفالتزى”، وهي تعمل في منطقة سيوة وتبحث حثيثاً عن مقبرة الإسكندر الأكبر.
  • البعثة البولندية التي ترأسها سيدة تدعى “لوسيانا لوبوس” وهي سيدة معروف عنها انتمائها وامتداحها لليهود.
  • البعثة الألمانية بجزيرة الفنتين بمحافظة أسوان، والتي قام بعض أعضائها بنقش علامة “نجمة داود” على أحد الأحجار بمعبد “أوزير نسمتى” في عام 2016.
  • البعثة النمساوية في تل الضبعة بمحافظة الشرقية، والتي يرأسها الأثارى “مانفريد بتاك”، والذى يبذل مجهودات مضنية للبحث عن تاريخ مزيف يخدم ادعاءات اليهود بوجود أثر لبنى إسرائيل في هذه المنطقة، بل ويسعى بتاك لإقامة متحف لآثار ادعى أنها تخص اليهود في تل الضبعة، والغريب أن دكتور زاهي حواس وزير الآثار الأسبق قد أشاد بــ”مانفريد بتاك” في إحدى مقالاته قائلاً: “عندما زرت بتاك في تل الضبعة وجدته يتبع أحدث الأساليب العلمية في العالم للحفر على الرغم من أن المصريين قد دمروا موقع الحفائر إلا أنه صمد وواصل عمله وتوصل إلى نتائج مبهرة تجعله من أهم المواقع الأثرية في مصر حيث أن الموقع يخص فترة تاريخية مهمة وهى فترة الهكسوس”19 !
  • البعثة الألمانية التي يترأسها المدعو “إدجار بوش” الذى يحمل الجنسية الألمانية، وهي من أخطر البعثات، فهي تعمل في قرية “قنتير” بمحافظة الشرقية منذ عام 1979 وحتى اللحظة، وقد سُمح لهذا الرجل بأن يقوم بشراء مقابر حديثة بالقرية والتنقيب أسفلها، كما قام بإغراء المزارعين بالقرية واستئجار قطع من أراضيهم بمبالغ كبيرة ثم قام بالتنقيب فيها، وهذه البعثة كمعظم البعثات تقيم حفلاً سنوياً كبيراً لكنها تدعو اليه السفراء الأجانب في مصر ومسئولي الوزارة فضلاً عن كبار أعيان المنطقة، ومما يُثير الشك أكثر حول عمل هذه البعثة أن الدكتور محمود عفيفى- رئيس قطاع الاثار المصرية السابق – قال “إن قرية قنتير تُعتبر من أهم المزارات السياحية بالشرقية، ويوجد بها اليهود دون مراقبة، وهذا يمثل خطرًا كبيرًا على البلاد، حيث أنهم يعتبرونها مدينة الخروج التي فر منها اليهود هربًا من مصر”20 .
  • البعثة الفرنسية التي يرأسها “آلان زيفى”، وهو يهودي فرنسي من أصل مغربي، وقد حاول مرات عديدة إثبات ادعاءات وأكاذيب اليهود في الاكتشاف الوحيد الذى نُسب إليه في مركز البدرشين بمحافظة الجيزة، عندما تم اكتشاف مقبرة لشخصية مصرية قديمة في منطقة سقارة، ووجد بها مومياء خاصة بالوزير الأول للملك أمنحتب الثالث – من الأسرة الثامنة عشرة – حيث ادعى أن المقبرة التي اكتشفها تعود لسيدنا يوسف عليه السلام، وله في ذلك كتاب يسُمى “الوزير المنسي”، وقد ألفه باللغة الفرنسية ونشره في جميع أنحاء العالم، بالرغم من أن الأثاث الجنائزى لهذا الوزير كان على الطريقة الفرعونية الخالصة21 .
  • بعثة مركز البحوث الأمريكية، التي كانت تعمل في منطقة تل البرج بمحافظة شمال سيناء، والتي كان يرأسها “جيمس هوفماير” عضو جمعية الآثار اليهودية في القدس، كما أنه يُعد أحد أبرز أساتذة “جامعة ترنتى” المتخصصة في تدريس التوراة، بل وله مؤلفات عديدة في هذا الاتجاه من أهمها “إسرائيل في مصر”، “إسرائيل القديمة في سيناء” ويدعم من خلال هذه الكتب مزاعم اليهود في أرض سيناء ومصر، ومن العجيب أن جيمس هوفماير هذا  كان أحد أعمدة البعثة الإسرائيلية التي نهبت آثارنا من سيناء بعد احتلالها عام 1967 تحت رئاسة أستاذه “أليعازر أورين” أستاذ الآثار بجامعة بن جوريون بتل أبيب .22
  • بعثة أبو صير، بالبدرشين بمحافظة الجيزة التي تعمل هناك منذ عشرات السنين، ويرأسها المدعو “ميروسلاف بارتا” وهو الصديق الصدوق لشيمون بيريز- الرئيس الإسرائيلي الأسبق – والغريب أن زاهي حواس قد اختار هذا الرجل دون غيره ليكون عضوا في اللجنة العليا لدراسة مشروع الأهرامات الذي دارت حوله الشبهات23 .
  • البعثة المجرية، التي تعمل في منطقة اللاهون بالفيوم منذ عام 2002. ويرأسها اليهودي “زلتان هورفث”، والتي تهدف لاستكمال السيناريو الخبيث الذى يروج بأن اليهود هم من بنوا الأهرامات، وقد سبق وأن ارتكب هذا الرجل جريمة كُبرى، حين قام بالتعدي على الحفائر المصرية بهرم اللاهون في الفيوم مستخدماً آلات حادة عملت على تشويه الغرف المودع أثاث الملك سنوسرت، أشهر ملوك الأسرة الثانية عشرة24 .
  • البعثة الدومينيكية التي ترأسها فتاة تُدعى “كاثلين مارتينيز” والتي تواصلت مع زاهي حواس عام 2004  وأخبرته عن نظرية زعمت أنها توصلت إليها، ومؤداها أن الملكة كليوباترا مدفونة في معبد آيل للسقوط قرب مدينة “تابوزيريس ماجنا” الساحلية الصحراوية “أبو صير حالياً”، على بعد 45 كليو متراً غربي الإسكندرية، وبالرغم من أن حواس كان قد أعلن مراراً وتكراراً  أن كليوباترا ربما تكون قد دُفنت قبالة قصرها في الإسكندرية، بمنطقة المقابر الملكية، إلا أن هذه الفتاة قد أقنعته بنظريتها التي تتمثل في أن كليوباترا كانت حاذقة بما يكفى لتتأكد من أنها وأنطونيو سيُدفنان معاً بشكل سرى في مكان خفى لا يمكن لبشر أن يصل إليه ويُقلق راحتهما الأبدية معاً، فاستجاب لها حواس وفتح لها المجال في الحفر والتنقيب في هذه المنطقة ووعدته أنها ستُنهي عملها وتحصل على قبر الملكة كليوباترا خلال شهرين، وامتد الشهران لُيصبحا سنوات وسنوات دون العثور على الهدف المعلن25 !، والعجيب أيضا أن هذه الفتاة كان عمرها حينها لا يتجاوز العشرين ربيعا، بل ولم تكن متخصصة في التاريخ أو الآثار، وإنما كانت متخصصة في القانون!
  • بعثة ستارغیت أوف، التي يرأسها “ولیم ھنرى” الذي جاء ليثبت أن الحضارة المصرية بناها الناجون من قارة اطلنتس الوھمیة وزعم وجود حجرة أسفل تمثال أبي الھول، والمذهل هو تلك التسھیلات التي حصل علیھا من خلال مسئولي وزارة الآثار بالحفر أسفل أبو الهول وتصويره لأفلام وثائقية تُشكك في بناء الفراعنة للاھرامات26 .
  • البعثة الأمريكية، التي تعمل بغرب الأقصر والتي يرأسها “جون شیرمان” الذي يعمل مهندساً معمارياً ولیس له أي علاقة بالآثار، وھو أمریكى الجنسية من أصل یھودى27 .
  • جمعية الجغرافية الأمريكية، وھي عبارة عن مجموعة من الباحثين اليهود، وقد دخلوا مصر بجواز سفر امریكي، بالرغم من أنهم إسرائيلي الجنسية، وقامت ھذه الجمعیة بعمل مشاریع متعددة ففي سبتمبر 2008 قامت بإحداث ثقب في الھرم؛ عرف حينها بمشروع “ثقب الھرم الأكبر” وقامت 339 قناة فضائیة مصریة وأجنبیة بتغطیة الحدث علي الھواء، واثناء البث المباشر قالت الدكتورة میرفت محسن محمد مترجمة الحدث علي التلفزيون المصري نقلا عن مذيع الجمعية أثناء الحفل قالت حرفيا: “نحن الأن بصدد الكشف عن مزامیر داود وألواح التوراه داخل هرم خوفو الأكبر”28 .

الغريب أن هذه الجمعية كانت قد منحت سوزان مبارك الدكتوراه الفخرية في حفل ضخم حضره مسؤولو الجمعية، كما تم تعيين زاھي حواس عضوا بھا. بل إن الدبلوماسيون الأجانب في مصر كانت وما زالت لهم ادعاءات في هذا المجال، وليس ببعيد عنا أن السفيرة الأمريكية “أن باترسون” كانت قد صرحت عام 2013 – نقلاً عن جريدة معاريف الإسرائيلية – بأن نسب الفرعون الصغير “توت عنخ آمون” يعود إلي اليهود29 .

قانون حماية الآثار والتمكين للبعثات الأجنبية:

كانت مصر من أوائل الدول التي حاولت الحفاظ على تراثها الثقافي والأثري، وذلك من خلال إصدار تشريعات تنظم العمل في مجال الآثار والحفائر وطرق حفظها، ففي 29 يونيو 1835 أصدر محمد علي باشا مرسومًا يقضي بإنشاء مصلحة الآثار والمتحف المصري، وقام بإسناد إدارة تلك المصلحة إلى يوسف ضياء أفندي، بإشراف الشيخ رفاعة الطهطاوي‏، وفي 15 أغسطس 1835 أصدر محمد علي قرارًا يحظر الإتجار في الآثار، وفي عام ‏1848‏ كلّف محمد علي “لينان بك” – وزير المعارف حينها – بوضع بيان شامل عن المناطق الأثرية وإرسال الآثار المهمة إلي المتحف المصري الذي كان مقره الأزبكية والذي يُعد نواة المتحف المصري الحالي بالتحرير، وفي عام ‏1858‏ وافق الخديو سعيد على إنشاء مصلحة الآثار المصرية، وقام بتعيين “أوجست مارييت” مأمورًا لأعمال الآثار في مصر وإدارة الحفائر وذلك في‏ 19‏ يونيو ‏1858.

وفي عام 1874، أصدرت لائحة سمحت بنظام قسمة الآثار التي يتم اكتشافها إلى قسمين متساويين، وفي عام 1880 صدر مرسوماً بحظر تصدير الآثار نظرا لتزايد أعداد الأجانب الذين يغادرون مصر محملين بقطع أثرية، وفي 1897 أصدر الخديوي عباس حلمي مرسومًا يمنع التنقيب عن الآثار في مصر دون ترخيص، ويجرم الاستيلاء على ما تملكه الحكومة منها.

وفي عام 1912 صدر القانون رقم 14، وهو أول قانون متكامل بالمعنى المتعارف عليه اليوم، يتضمن تعريفًا للأثر وضوابط تداوله وعقوبات لمخالفة أحكامه، بالرغم من أن المشرّع لم يستبعد إلا الآثار الإسلامية من التصدير للخارج، أما في عام 1951 فصدر القانون رقم 215 بغرض وضع إجراءات عملية حاسمة للقضاء على تجارة الآثار غير المشروعة، حتى ظهر قانون 117 لسنة 1983 وتعديلاته30 ، والذي منع تداول البيع والشراء للآثار بالرغم من أنه لم يقضي على نسبة الـــ 50 %  نهائياُ، إذ جعلها 10% تحت بند المكافأة! ، فالمادة 35 منه تنص على: “يجوز للهيئة أن تقرر مكافأة للبعثات المتميزة، إذا أدت أعمالًا جليلة في الحفائر والترميمات، بأن تمنح بعضًا من الآثار المنقولة التي اكتشفتها البعثة لمتحف آثار تعينه، لتعرض فيه باسمها متى قررت الهيئة إمكان الاستغناء عن هذه الآثار، لمماثلتها مع القطع الأخرى التي أخرجت من ذات الحفائر، من حيث المادة والنوع والصفة والدلالة التاريخية والفنية، وذلك بعد استيفاء المعلومات المتعلقة بها وتسجيلها”.

كما أن المادة “36” تحدد نسبة الآثار التي يمكن منحها للبعثات المنقبة، فجاء نص القانون: “وللهيئة الحق في أن تمنح المرخص له بعض الآثار المنقولة، كما أن لها الحق في اختيار الآثار التي ترى مكافأته بها دون تدخل منه، بشرط ألا يتعدى مقدار الآثار الممنوحة في هذه الحالة نسبة 10% من الآثار المنقولة التي اكتشفتها البعثة، وأن يكون لها ما يماثلها من القطع الأخرى، من حيث المادة والنوع والصفة والدلالة التاريخية والفنية، وعلى ألا تتضمن آثارًا ذهبية أو فضية أو أحجارًا كريمة أو برديات أو مخطوطات أو عناصر معمارية أو أجزاء مقطوعة منها”31 .

وهذه النصوص وغيرها من الخطورة بمكان، وكان يجب أن يتم تغييرها – كما ينادي بذلك المختصون – إلا أن النظام الحاكم في مصر ومن خلال برلمانه قد أقر في أبريل 2018 التعديلات الأخيرة على القانون، ولم يُوقف من خلال تلك التعديلات الانتهاكات التي تتعرض لها آثار مصر بل فتح المجال واسعاً لمخاطر أخرى تمس تاريخنا وهويتنا، ففي المادة الثانية من القانون تم تغيير مسمى “اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية” كي تصبح “اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية واليهودية”، وهذه جريمة في حد ذاتها، فأين هي الآثار اليهودية في مصر والتي من أجلها نضع لها فرعاً من فروع آثارنا، فالتراث اليهودي في مصر لا يضم أكثر من عشرة معابد؛ كلها عبارة عن مباني صغيرة معظمها لا يتجاوز عمره أكثر من مائة عام وهي مهجورة منذ زمن طويل32 .

لكن ما الذي يجب عمله الآن؟

وبعد أن تعرفنا على مخاطر البعثات الأجنبية في مصر، قد يبادرنا سؤال عن ما الذي يجب علينا فعله الآن، وقد يتحمس بعضنا لدرجة أن يطالب بإلغاء البعثات الأجنبية بشكل كامل، وهذا الأمر وإن كان قد قام به من قبل الدكتور سيد توفيق – العميد الأسبق لكلية الآثار جامعة القاهرة ورئيس هيئة الآثار المصرية الأسبق – حين أصدر قرارًا جريئًا عام 1989 بمنع عمل البعثات الأجنبية في مصر، إلا أنه قد تراجع عنه سريعاً بعدما فوجئ بحالة هياج صارخة واعتراض من بعض الدول الأوروبية33 .

لكننا من الممكن أن نقوم ببعض الإجراءات التي من شأنها أن تحافظ على أمننا القومي وعلى تراثنا وتاريخنا دون القيام بمثل هذا الإجراء الصعب تحقيقه في الوقت الراهن وخاصة في ضوء الامكانيات المادية والعلمية والفنية الضعيفة التي ما زلنا نعاني منها حتى اللحظة، ومن هذه الإجراءات الممكن تحقيقها بل ومن الضروري تحقيقها:

  • وضع قانون صارم للبعثات الأجنبية، يقنن أوضاعها، ويحدد أماكن عملها ومهامها بدقة ووضوح، بحيث تستمر في عملها في الكشف عن الآثار مع مراعاة عدم الإضرار بأمننا القومي وتاريخنا وتراثنا الأدبي والمادي.
  • يجب أن تضع وزارة الآثار شروطا لاختيار البعثات الأجنبية، والتأكد من الدرجات العلمية لهم، فيجب أنَّ تتوافر في البعثات شروطاً منها: الحصول على شهادة من جامعة أو متحف اّثار أو معهد علمي، وأن يتم التحري الدقيق عليهم من الناحية العلمية والفنية والمهنية والأمنية، ولا بد من وجود مستندات تؤكد علمية هذه البعثات بالإضافة للسيرة الذاتية الخاصة بالعاملين فيها.
  • يجب على أي بعثة تُريد العمل في مصر، أنَ تدفع الرسوم المناسبة للعمل، وإيداع هذه الرسوم بصندوق يتكفل بحماية وصيانة الآثار المصرية، على أن يتبع هذا الصندوق وزارة الآثار، وأن يُصرف منه فعليًا على صيانة المواقع الأثرية.
  • يجب انشاء مدارس حفائر في مصر، لتخريج متخصصين ومدَربين قادرين على القيام بعمليات الحفر والتنقيب العلمي، وقد ظهرت بالفعل منذ سنوات مدارس للحفائر في مصر وأخرجت متخصصين أكفاء، لكنها سرعان ما اندثرت بعد ثورة يناير بسبب ضعف الموارد المالية.
  • لا بد من وجود قسم للحفائر الأثرية، فلا يوجد حتى الآن في كليات الآثار في مصر من أقصاها إلى أدناها قسم للحفريات أو علوم للحفريات، مما يدفع لاستمرار الاعتماد على البعثات الأجنبية، حتى أن الدكتور خالد العناني وزير الآثار الحالي يعتبر عدم وجود تلك الأقسام في كلياتنا بالكارثة، إذ يقول: لدينا كارثة حقيقية، حيث توجد تخصصات هامة جداً في الآثار لا تُدّرس بمصر حتى الآن، ومنها علم المتاحف، وعلم الحفائر وعلم إدارة المواقع الأثرية، فهذه التخصصات على الرغم من أهميتها لا تدرس بمصر حتى الآن34 .
  • يجب أن تصبح البعثات بعد ذلك كلها بعثات مشتركة (أجنبية – مصرية) بحيث تكون كل البعثات الأجنبية العاملة في مصر عبارة عن بعثات نصفها من الأجانب ونصفها من المصريين، ويكون نائب البعثة مصري، ونسعى من خلال وضع خطط طموحة إلى أن يكون مسئولي البعثات من الآثاريين المصريين، فوزارة الآثار لديها 500 من خبراء الحفريات على أعلى مستوى – كما يقول زاهي حواس في إحدى حواراته – وليس لهم مثيل، فهم مدربون ومؤهلون ليكونوا مدربين لطلبة وأساتذة الآثار، وإذا كان لدى كليات الآثار الرغبة في العمل الحقيقي فعليهم الاستعانة بتلك الكفاءات في أعمال الحفريات خاصة أن بعضهم قام بتعليم البعثات الأجنبية علم الحفريات35 .
  • كما يجب أن نضع في خططنا أن نصل يوماً ما إلى أن تتم الحفريات وعمليات التنقيب بأيدي مصرية، وفي حالة إذا أرادت الدول الأجنبية المساعدة، فعليها أن تساعد من خلال التمويل المادي والتكنولوجي، والتدريب الفني للآثاريين المصريين سواء في داخل البلاد أو خارجها36 .

الهامش

1 – موقع البديل، البعثات الأجنبية.. تحتل مصر أثريًا وتقتل إبداعات أبنائها، 28 ديسمبر 2014.

2 – موقع مصر الجديدة، القانون يمنح البعثات الاجنبية تصريحا بنهب الاثار المصرية، 19مايو2009

3 – جريدة الشرق الأوسط، 350 ألف قطعة أثرية مصرية سرقتها دول العالم، 12أبريل2017.

4 – قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983 ، المعدل في ابريل 2018، المادة 32.

5 – موقع فيتو، 230بعثة أجنبية تحتل الاكتشافات الأثرية.. ضعف الإمكانات وراء اعتماد «الآثار» عليها.. تضم يهودا غير إسرائيليين.. مفتش آثار يرافق كل واحدة.. والجهات الأمنية تراقب عملها، 3 أبريل 2017

6 – جريدة الشرق الأوسط، المصدر السابق.

7 – موقع اليوم السابع، البعثة الأمريكية الأثرية تعلن عن كشفان أثريان بإدفو وكوم إمبو، 11 يناير 2018.

8 – موقع اليوم السابع، ننشر خريطة عمل البعثات الأجنبية بالمناطق الأثرية بعد موافقة اللجنة الدائمة، 25 فبراير 2016.

9 – جريدة الأهرام، مؤتمر علمي عن البعثات الأثرية الإيطالية في مصر والشرق الأوسط، 11 ديسمبر 2017.

10 – جريدة التحرير، البعثة البولندية تكشف عن أربعة مقابر أثريه جديدة بالدقهلية، 17 يونية 2015

11 – موقع المصري اليوم، قصة زيارة «الساموراي» لمصر سنة 1862، قالوا: حمّامات القاهرة العامة أنضف من اليابانية،  12 أبريل 2017

12 – صفحة وزارة الآثار المصرية على الفيس بوك، 13 نوفمبر 2016

13 – موقع اليوم السابع، 3 بعثات أجنبية تبدأ أعمال البحث والدراسة عن الآثار في الفيوم، 9سبتمبر 2017

14 – موقع اليوم السابع، ننشر خريطة عمل البعثات الأجنبية بالمناطق الأثرية بعد موافقة اللجنة الدائمة، مصدر سابق.

15 ـ موقع البوابة نيوز، نهب آثار مصر بـرعاية حكومية، 3 يناير 2015

16 ـ بوابة العاصمة، أسماء البعثات الأثریة التي تنھب آثار مصر، 30 مايو 2015.

17 – موقع فيتو، 230بعثة أجنبية تحتل الاكتشافات الأثرية.. مصدر سابق

18 – موقع البوابة نيوز، نهب آثار مصر بـرعاية حكومية، مصدر سابق

19 – جريدة الدستور، المؤامرة الصهيو-عالمية الكبرى على آثار مصر، 1 يناير 2017

20 – جريدة الدستور، المصدر السابق.

21 – موقع فيتو، إسرائيل تبحث عن تاريخها في مصر.. علماء الآثار اليهود في البعثات الأجنبية كلمة السر في التهريب.. رجال الأعمال يسعون لإقامة متحف يهودي في أمريكا بآثار مصرية.. والأموال مقابل تزييف التاريخ، 10 مايو 2016.

22 – جريدة الدستور، المؤامرة الصهيو-عالمية الكبرى على آثار مصر، مصدر سابق.

23 – المصدر السابق

24 – المصدر السابق

25 – موقع الجمعية الجغرافية الأمريكية، نوفمبر 2006.

26 – بوابة العاصمة، أسماء البعثات الأثریة التى تنھب آثار مصر، مصدر سابق.

27 – المصدر السابق

28 – المصدر السابق

29 – جريدة الأهرام، البعثات الأثرية المصرية مرفوعة مؤقتا من الخدمة، 15 مارس 2013.

30 – جريدة التحرير، مزادات الآثار المصرية.. تثمين ما لا يقدر، 6 يوليو 2017.

31 – قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، المعدل في ابريل 2018، مادتي 35، 36

32 – مدونة الجزيرة، قانون عسكرة الآثار في مصر، 26 أبريل 2018.

33 – موقع فيتو، إسرائيل تبحث عن تاريخها في مصر..، مصدر سابق

34 – بوابة أخبار اليوم، وزير الآثار: التشكيك في البعثات الأجنبية العاملة بمصر غير مبرر، 9 أبريل 2016.

35 – جريدة وطن، حواس: 200 بعثة أثرية أجنبية في مصر.. والكليات تخلو من الحفريات، 18 يونيو 2017.

36 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *