fbpx
دراساتمجتمع

البلطجة النسائية: أسباب النشأة والاستمرار

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في إطار الحديث عن الأسباب التي تقف خلف نشأة الضغوط المؤدية إلى نشأة السلوك المنحرف، ومحاولة استخدام الوسائل المشروعة لكسب الرزق، والتاريخ الإجرامي لحالات الدراسة قبل امتهان سلوك البلطجة، وبداية تكوين جماعة البلطجة النسائية، والوظائف التي تقوم بها الجماعة، ومجالات عمل البلطجة النسائية، وصور التفاعل الاجتماعي خارج جماعة البلطجة النسائية، وجدلية دور المرأة والرجل في عالم البلطجة، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

أولاً: الضغوط المؤدية إلى نشأة السلوك المنحرف:

(أ) الظروف البيئية والاقتصادية لأسرة هؤلاء النسوة:

نشأت جميع حالات الدراسة في بيئات أسرية تعانى من الفقر والإهمال والجهل وانعدام الخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية وخدمات النقل والمواصلات سواء كانت هذه البيئات ريفية معدمة ومهمشة في محافظات الصعيد أو مناطق عشوائية غير مخططة بمحافظة القاهرة، هذا فضلاً عن ضآلة الدخل الذى لا يكفى احتياجات الأسرة الأساسية، بالإضافة إلى أن معظم حالات الدراسة من المهاجرات من قرى الصعيد ومحافظات الأقاليم إلى محافظة القاهرة للإقامة بالمناطق العشوائية بالقاهرة. ويتم تفسير ذلك في ضوء مؤشرات الاستبعاد الاجتماعي المتمثلة في الفقر والعمالة منخفضة الدخل، بالإضافة إلى الهجرة من القرى إلى المدن.

(ب) الظروف التعليمية والاجتماعية:

مرت هؤلاء النساء بخبرات اجتماعية فاشلة فمنهن مَن نشأن في أسر أبوية تٌفضل إنجاب الذكور عن الإناث، تلك الأسر التي تتميز بقسوتها في تربية الاناث ونشأتهن المتمثلة في تعرضهن للتمييز باعتبارهن إناث ولقد ترتب على ذلك نوعية مختلفة من المعاملة تتمثل في:

1- حرمانهن من التعليم – كشكل من أشكال العنف الموجه ضدهن- واقتصار التعليم على الإخوة الذكور فقط.

2- شدة مراقبة سلوكهن والذى ظهر في الحرمان من الخروج من المنزل إلا في حالة مرافقة الأب أو الأخ، عدم التعرف على صديقات وبالتالي الحرمان من فرصة الخروج معهن.

3- وضعهن في مرتبة أدنى من الإخوة الذكور.

4- إعطاء السيادة للأخ الذكر وإن كان الأصغر سناً.

5- زواجهن دون رغبتهن وعدم أخذ رأيهن في الاعتبار.

وجاء ذلك على لسان إحدى الحالات: “أنا بنت واحدة على تسع صبيان وكنت كبيرة أخواتي راحوا مدارس وأنا مرحتش، “يخرجوا يلعبوا في الشارع وأنا محرومة من الخروج خالص وكلهم يتحكموا فيا من صغيرهم لكبيرهم ولما اشتكى لبويا يبهدلوني عشان هما أخواتي الرجالة ولازم اسمع كلامهم وفى الآخر عايزين يجوزوني غصب عنى لواحد متجوز تلات مرات عشان خِلفته بنات وعايز يجيب الولد كل ده بسبب انى بنت وخلفة البنات عار حدانا في الصعيد”. ويفسر ذلك مدخل الهيمنة الذى أقر بأن سلطة الأب هي التي تُشكل علاقات النوع الاجتماعي وتضع في الاعتبار اختلافات النوع الاجتماعي داخل سياق القوة والاضطهاد.

6- النشأة في أسر منهارة مُفتقدة إلى القيم الدينية والأخلاقية تعرضت فيها إحدى حالات الدراسة للاعتداء الجنسي من جانب زوج الأم وأخرى تعرضت لزنا المحارم من الأخ.

7- عدم وجود الاهتمام والرعاية من الآخرين: أوضحت حالات الدراسة أنهن يفتقدن الشعور بالاهتمام والرعاية من الآخرين سواء من الأب والأم أو الأخوات بل على عكس ذلك كان هؤلاء مصدراً لاضطهادهن وقهرهن وليس لحالات الدراسة أقارب آخرين أو أصدقاء. يتحقق هنا المؤشر الرابع للاستبعاد الاجتماعي، المتمثل في افتقاد الفرد إلى شخص يقدم له الدعم حال الاحتياج إليه.

ثانياً: محاولة استخدام الوسائل المشروعة لكسب الرزق:

1ـ استخدام العمل المشروع لكسب الرزق:

لقد كشفت الدراسة الميدانية أن بعض هؤلاء النساء لم يستسلمن لظروف حياتهن الأسرية السيئة بل قصدن شوارع المدينة (القاهرة) باحثات عن العمل لكسب الرزق فمنهن مَن عملت بالخدمة في المنازل “البيوت” مقابل أجر يومى، ومنهن مَن عملت ببيع الخضروات في الأسواق، ومنهن مَن كانت تجمع ورق الكارتون والبلاستيك من “الزبالة” وتقوم ببيعها.

2- الضغوط التي واجهت حالات الدراسة نتيجة هذا العمل:

لكن كونهن نساء يفتقدن إلى المسكن الآمن ويقضين ليلهن في النوم بالحدائق العامة وأحياناً بالمساجد وأركان الأرصفة عرّضهن ذلك لطغيان البلطجية والمخمورين الذين كانوا يسطون عليهن ويسلبوهن كل أموالهن اللائي اشتغلن بها طوال النهار بالإضافة إلى الإتاوة التي فُرضت على إحداهن في بيع الخضروات. في حين أن البعض الآخر من حالات الدراسة لم تُتح لهن فرصة العمل المشروع نظراً لكونهن امتهن السلوك المنحرف بالوراثة من الأهل، فضلاً عن حالة أخرى كان تعرضها للاعتداء الجنسي من الأخ جعلها تُدمن المواد المخدرة وتأخذ العنف وسيلة للتعامل مع الآخرين والحصول على المال حتى تتمكن من شراء هذه المواد. وفسر “أقنو” ذلك بأن مواجهة الشخص لمثيرات وأفعال سلبية مثل الاعتداء الجنسي والخبرات الأسرية السيئة يجعل بعض الأفراد تستجيب بشكل سلبى ومنحرف للضغوط التي يواجهونها مثل المخدرات والكحول.

وبالتالي فقد فشلت حالات الدراسة في امتهان العمل المشروع لكسب الرزق حيث ذكرت حالات الدراسة أن وجود المرأة وحدها في الشارع بدون مأوى يجعلها فريسة سهلة للمجرمين والبلطجية المخمورين وأن الشارع له قانونه الذى يحكمه وجاء على لسان حالات الدراسة ” القوى يأكل والضعيف يتأكل “. لذا اختارت حالات الدراسة أن تكونن من الأقوياء وكان ذلك بداية امتهان السلوك المنحرف لديهن. و يؤكد ذلك “كلوارد أوهلن” في نظريته عن بناء الفرص بأن فشل الأفراد في استخدام الوسائل المشروعة لتحقيق الأهداف يؤدى إلى الإحباط الذى يدفعهم إلى استخدام الوسائل المنحرفة لتحقيق الأهداف.

ثالثاً: التاريخ الإجرامي لحالات الدراسة قبل امتهان سلوك البلطجة:

جميع عضوات جماعة البلطجة النسائية مسجلات خطر وتسبق ممارستهن للبلطجة ارتكابهن العديد من الجرائم المختلفة تتمثل في:

(أ)- أفراد من الجماعة تدرجن في ارتكاب الجريمة على الشكل الآتي: جريمة التسول ثم جريمة السرقة ثم الاعتداء على الآخرين ثم الاتجار بالمخدرات وأخيراً العمل في جماعة البلطجة.

(ب)- أفراد أخريات تدرجن في ارتكابهن للجرائم على النحو الآتي: جريمة السرقة بالإكراه ثم جريمة بيع الأطفال والإتجار بأعضائهم ثم العمل في جماعة البلطجة

(ج)- فريق ثالث تدرجن في ارتكاب الجريمة على الشكل الآتي: جريمة تعاطى المخدرات ثم جريمة الإتجار بالمخدرات ثم جريمة البلطجة.

(د)- فريق رابع تدرجن في ارتكاب الجريمة على النحو الآتي: جريمة الاعتداء على الآخرين ثم جريمة السرقة بالإكراه ثم جريمة البلطجة. وفى ضوء ذلك يتضح أن هؤلاء النساء قد مررن بخبرات إجرامية فاشلة قبل انتمائهن لجماعة البلطجة النسائية، فقد كان امتهانهن لسلوك البلطجة بمثابة تغير لنشاطهن الإجرامي. ووسيلة مبتكرة لتحقيق أهدافهن المتمثلة في الحصول على المال وتحقيق مكانة في المجتمع. ويمكن تفسير ذلك في ضوء النمط الابتكاري عند “ميرتون” ويعنى تقبل الفرد لقيم المجتمع السائدة المتمثلة في الحصول على المال وتحقيق المكانة ولكن الوسائل المشروعة لتحقيق هذه القيم غير متاحة لهم وبالتالي يبتكرون وسائل أخرى بديلة لتحقيق هذه القيم وقد تكون هذه الوسائل مقبولة أو مرفوضة من قبل المجتمع. كما يفسر ذلك “كلوار أوهلن” في نظريته عن بناء الفرص الذى يُرجع ارتكاب الجريمة إلى الفشل في استخدام الوسائل المشروعة لتحقيق الأهداف مع إتاحة الفرص غير المشروعة المتمثلة في الجريمة كوسيلة غير مشروعة لتحقيق الأهداف.

رابعاً: بداية تكوين جماعة البلطجة النسائية:

لقد كشفت الدراسة الميدانية عن ظروف تكوين جماعة البلطجة النسائية والتي ترجع إلى:

(أ)- الاتصال الوثيق بين مَن تعانين من مشكلات التكيف من هؤلاء النساء وتوفر الفرص الكافية والظروف المواتية تلك الفرص والظروف التي تُشجعهن على اكتساب الدور المنحرف وتعلمه و تُشجعهن على أداء هذا الدور وتُعززه وتُسانده وتُبرره.

(ب)- نشأة العلاقة بين جماعات النساء المنحرفات اللائي يحملن أعباء سوء التكيف الاجتماعي، ويمارسن السلوك المنحرف المتمثل في “البلطجة” نتيجة للارتباط الوثيق بالبالغين من ذوى الخبرة في جريمة البلطجة.

(ج)- اكتساب هؤلاء النساء المهارات والقيم التي يتطلبها الإسهام في الجماعة، ويعزز من نشأة هذه العلاقة التقارب المكاني والتكامل في العمر والالتقاء المستمر بين هؤلاء النساء.

وبالتالي فإن تكوين جماعة البلطجة النسائية كان بمثابة حل جماعي لمواجهة الضغوط المؤدية لمشكلات التكيف الاجتماعي. ويفسر ذلك “ألبرت كوهن” في نظريته عن الثقافة الفرعية المنحرفة حيث يُرجع تكوين الثقافة الفرعية المنحرفة (جماعة البلطجة النسائية) إلى كونها تُعد حلاً جماعياً لمشكلة التكيف، وأكد “كوهن” على أهمية توافر الظروف الضرورية للتفاعل الاجتماعي الفعّال الذى يُعد مَطلباً أساسياً لظهور الثقافة الفرعية المنحرفة.

ونرى أن قدرة هؤلاء النساء على تكوين جماعة البلطجة النسائية لا تتفق مع نظرية “كوهن” حيث يرى أن العصابة المنحرفة لا تصلح للفتيات لأنها تعكس وبقوة رمز الذكورة وأكثر أشكال الانحراف شيوعاً بين الإناث هي اقامة علاقة جنسية مع العديد من الفتيان، فنصل هنا إلى تطور الجريمة عند المرأة من الجرائم الفردية إلى تكوين العصابات الإجرامية، فأصبح لا يوجد سلوك إجرامي يُوصف بأنه سلوك خاص بالرجال دون الإناث خاصةً وأن جريمة البلطجة تُمارس من خلال استخدام العنف أي أن المرأة أصبحت تتساوى مع الرجل في عالم الجريمة، ويؤكد ذلك المنظور الراديكالي الذى يرى أن تغير أنماط الجريمة عند المرأة من جرائم البغاء إلى جرائم العنف هو محاولة من المرأة لتحقيق المساواة مع الرجل في عالم الجريمة.

خامساً: الوظائف التي تقوم بها الجماعة:

(أ)- وظائف الجماعة للأفراد من عضوات الجماعة:

تضم الجماعة كنسق اجتماعي عناصر عديدة متساندة في أدائها الوظيفي، متكاملة في بنائها الاجتماعي تؤدى وظائف يعجز الفرد عن تحقيقها ومن أهم هذه الوظائف ما يلى:

1- أن الجماعة تتساند لتحقيق نشاط هو المحور الأساسي الذى تدور عليه. وهذا النشاط هو البلطجة، وهى مجموعة من المظاهر السلوكية التي تتكامل فيما بينها لتحقيق أهداف معينة منها الكسب المادي. فالجماعة جماعة مهنية وتقوم عضواتها بالبلطجة بصفة منتظمة على أنها حرفة يومية، كما يتحقق هذا العمل باستخدام أساليب فنية، ومهارات خاصة، وتخطيط دقيق. يعنى ذلك أن الجماعة تقوم بتدريب عضواتها على اكتساب هذه الأساليب والمهارات.

وتستهدف هذه الجماعة الحصول من وراء نشاطها على المال اللازم للإنفاق على مطالب الحياة من مأكل وملبس وأسلحة بيضاء ومواد مخدرة. فالبلطجة إذاً حرفة لا تتحقق إلا بالانضمام إلى جماعة.

2- يرجع قيام جماعة البلطجة كجماعة بديلة لتحقيق حاجات اجتماعية إلى فشل الجماعات التقليدية في المجتمع في إشباع هذه الحاجات الاجتماعية. ذلك أن عضوات الجماعة تعانين من خبرات اجتماعية فاشلة وهذه الخبرات تعكس عجز الجماعة التقليدية عن القيام بدورها الوظيفي وبالتالي الفشل في إشباع هذه الحاجات الاجتماعية. وهنا تقوم جماعة البلطجة النسائية بوظائفها في إشباع هذه الحاجات فتقدم لهن: الطمأنينة التي افتقدتها بعضهن في منازلهن، وتعمق من إحساسهن بالانتماء إلى جماعة تساندهن وتقف إلى جانبهن في وقت الأزمات، وتقدم لهن المال للإنفاق، وتهيئ لهن مصادر الإحساس بالمشاركة كأسرة واحدة فهن يأكلن سوياً، وتلبية احتياجهن من المواد المخدرة، وفيها تجد مَن لفظتها الحياة الوظيفية والدور والمكانة، كما تقوم الجماعة بتقديم العون والتأييد الجماعي لما يُرتكب فيها من سلوك منحرف.

(ب)- وظائف الجماعة لتعزيز بقائها واستمرار وجودها:

تستخدم الجماعة تكتيكات محددة لا لتحقيق مطالب عضواتها فقط بل لتعزيز بقائها واستمرار وجودها ويتم ذلك بطرق عدة منها:

1- بث القيم التي تبرر السلوك المنحرف وتكسبه نوعاً من الشرعية وتنفى مسئوليته عن أعضاء الجماعة وتلصقه بالنظام الاجتماعي، وتنفى وقوع الضرر أو وجود ضحية وتنظر إلى البلطجة على أنها وسيلة لتحقيق القانون وجلب حقوق المستضعفين.

2- إبطال أثر الضوابط الاجتماعية التي تباشرها الهيئات الاجتماعية التقليدية، ويتم ذلك بالسيطرة التامة على عضوات الجماعة، والعمل على زيادة الضوابط الاجتماعية فيها.

3- تشجيع العادات الاجتماعية السيئة، كالتدخين، وشرب الخمر، وتعاطى المواد المخدرة.

تستهدف كل هذه التكتيكات في الواقع إذكاء الانعزال والابتعاد عن الحياة الاجتماعية التقليدية حتى تضمن الجماعة استمرار العضوات تحت لوائها، ومن ثم تحافظ على وجودها، كما تهدف إلى تعميق الولاء للجماعة دون غيرها من الجماعات الإجرامية الأخرى.

6- مجالات عمل البلطجة النسائية:

1- بلطجة سياسية خاصة بالأحزاب السياسية:

(أ)- وهنا تكون البلطجيات بمثابة الأيدي الباطشة للأحزاب السياسية حيث تُستأجر جماعة البلطجة النسائية لصالح حزب سياسي وتمارس أعمال البلطجة وفقاً لمتطلباته، حيث تساعد جماعة البلطجة الحزب على الاستمرار في السلطة من خلال ممارسة أعمال البلطجة على كل مَن حاول معارضة الحزب، واتخاذ مواقف ضده على أن يقوم الحزب بتقديم مرتب شهري لجماعة البلطجة النسائية على مدار السنة حتى يضمن ولاء الجماعة للحزب ومساندة الجماعة

له أوقات الحاجة إليها. ومن وقائع هذا المجال، إيذاء صحفي من المعارضة وإصابته بجرح شبه عميق بالرأس وجاء ذلك على لسان زعيمة الجماعة: “مندوب الحزب طلب منى أدفع له مشروب لصحفي كبير عايز يخرب البلد وينشر الفوضى ولازم أعلم عليه بعتله جوز نسوان خد علقة موت وسنجه علمت عليه بجرح تفضل علامته قدام عنييه طول العمر وتفكره انه لازم يمشى جنب الحيط ويبعد عن سكة البهوات الكبار اللي ماسكين البلد وعايشين في خيرهم ”

(ب)- بلطجة خاصة بالانتخابات البرلمانية: وهنا يقوم مدير مكتب الحزب السياسي بتأجير جماعة البلطجة النسائية لحماية لافتات مرشح الحزب وصوره فلا يستطيع أحد الاقتراب منها، وكذلك حماية مؤتمراته التى قد يحاول المرشح المنافس إفسادها، وضرب المرشح المنافس والاعتداء على أنصاره، وافتعال المشاجرات لمنع مؤتمراته وتقطيع صوره وإطلاق الشائعات، بالإضافة إلى افتعال المشاجرات أمام مقار اللجان الانتخابية، لمنع المواطنين المعارضين للحزب من الانتخاب حتى يتم تسويد دائرة الانتخاب لصالح الحزب المتفق معه.

(ج)- بلطجة خاصة بالمظاهرات السياسية: وهنا يؤجر مندوب الحزب السياسي جماعة البلطجة النسائية لمعاونة الشرطة في فض المظاهرات السياسية المعارضة والاعتداء على المتظاهرين وإرهابهم بالعنف والقوة. والشرطة هنا تخشى التدخل حتى لا يصاب أحد وتُلفق إصابته إلى الشرطة.

2- بلطجة خاصة برجال الأعمال:

تمارس جماعة البلطجة النسائية أعمال البلطجة لصالح رجال الأعمال ضد بعضهم البعض بإساءة السمعة لهم، وتلفيق المحاضر، من خلال إطلاق الشائعات على منتجاتهم خاصةً الغذائية وتلفيق المحاضر ضدهم، أو إجبار أحدهم على التنازل عن محضر ضد الطرف الآخر ومن وقائع هذا المجال تهديد رجل أعمال منافس من خلال التعدي على زوجته بالضرب، وإساءة السمعة حتى يتنازل زوجها عن المحضر الذى وقعه ضد رجل الأعمال المتفق مع جماعة البلطجة. وجاء ذلك على لسان زعيمة الجماعة:

“جالى بيه محترم من رجال الاعمال الكُبَاره وكان المشروب لمنافس زميله في السوق لفأله محضر بعد ما نزل الراجل على شغله دخلنا على مراته في بيته وشرشحناها وسط جيرانها وادناها علقة موت ودلقنا شوية مية نار على دراعها وهددناها ان المرة الجاية هتكون على وشها لو جوزها متنزلش عن المحضر”.

3- بلطجة خاصة بأصحاب العقارات لطرد السكان:

تكون جماعة البلطجة النسائية وسيلة أصحاب العقارات في طرد السكان. فهناك عقارات قديمة في أحياء راقية، لا يتعدى إيجار الشقق في هذه العقارات بضعة جنيهات ويرغب صاحب العقار بزيادة الإيجار ولا يوجد قانون يسمح له بذلك، لذلك يلجأ إلى جماعة البلطجة النسائية لتساعده في طرد السكان بالقوة حتى يتمكن من إعادة تأجيره ورفع الإيجار الشهري. من وقائع هذا المجال: طرد أحد السكان بالقوة نظراً لكونه يدفع إيجار شهري ( 5 جنيهات ) في عقار ضخم بمنطقة راقية بالقاهرة.

وجاء ذلك على لسان حالات الدراسة: “روحنا ندفع عزومة صاحب عمارة وطردنا ساكن كسرنا باب الشقة ودخلنا عليه هو وعياله ورمينا العفش من الشباك وعلى سلالم العمارة وخد علقة موت وكنا نشقر على الشقة كذا مرة عشان ما يقدرش يهوب ناحيتها تانى”.

4- بلطجة خاصة بسداد الديون:

هنا تُؤجر جماعة البلطجة النسائية لصالح المواطنين محدودي الدخل الذين تكاثرت عليهم ديونهم وأصبحوا مهددين بالسجن وخاصةً النساء اللائي تحملن مسئولية زواج بناتهن وأصبحن مديونات بشيكات وكمبيالات، يلجأن لجماعة البلطجة النسائية التي تذهب بدورها لتجلب لهن هذه الشيكات من خلال ممارسة أعمال البلطجة. من وقائع هذا المجال: تهديد صاحب محل للأجهزة الكهربائية بكسر زجاج المحل وتدمير الأجهزة الموجودة بالمحل إذا لم يقدم لجماعة البلطجة الشيك أو الكمبيالة المطلوبة.

وجاء ذلك على لسان حالات الدراسة: “روحنا دفعنا عزومة لست غلبانة جايه تستغيث بينا من الراجل المفتري صاحب محل التلاجات روحنا وكسرنا ازاز المحل وضربناه هو وصبيانه في المحل والمعلمة خدت منه الكمبيالة وفشت غِلها كله فيه عشان افترى على الولية الغلبانة ومصبرش عليها”.

5- بلطجة خاصة بمشكلات الأزواج:

هنا تُؤجر جماعة البلطجة النسائية لصالح النساء اللائي يرغبن في الطلاق من أزواجهن، والأزواج رافضون ذلك، كما تُساعد جماعة البلطجة النسائية المطلقات في إجبار الزوج المطلق على التنازل عن الشقة لصالح الزوجة وأولادها بعد الطلاق، وأحياناً تؤجر الجماعة لإساءة سمعة زوج أثناء زواجه من امرأة ثانية على زوجته الأولى، كما تُؤجر البلطجة النسائية لاسترداد حقوق الزوجة المتزوجة حديثاً وتم طلاقها من حيث استرجاع أجهزتها كاملة والانتقام من الزوج بضربه والتعدي عليه. من وقائع هذا المجال على لسان حالات الدراسة “روحنا ندفع مشروب طلاق نطلق واحدة من جوزها ونجبره على التنازل الشقة للست هي وعيالها يعنى يأخذها لحم ويرميها عضم”

6- بلطجة خاصة بمشاكل الميراث:

حيث تُؤجر جماعة البلطجة النسائية لمساعدة الأفراد في استرداد حقوقهم من ميراث ذويهم نظراً لاستغلال بعض الأقارب وطغيانهم على الآخرين ممن لهم حق في الميراث. وفى مواقف أخرى تقف جماعة البلطجة النسائية بجانب بعض الأخوات الطغاة ضد أخوات آخرين لحرمانهم من الميراث، حيث لا تهتم جماعة البلطجة بما إذا كان أحد الطرفين ظالما أو مظلوما فهي تهتم فقط بأخذ أجرها كاملاً.

7- بلطجة خاصة بمشكلات الجيران:

هنا تُؤجر جماعة البلطجة النسائية بغرض الانتقام؛ حيث تُؤجر الجماعة في حالة خصام شخصين، أو خصام بين أسرتين، لتحقق الانتقام لأحدهما ضد الطرف الآخر.

7- صور التفاعل الاجتماعي خارج جماعة البلطجة النسائية:

1- تفاعل الجماعة مع الشرطة:

أخبرت حالات الدراسة بأن التفاعل الاجتماعي بين جماعة البلطجة النسائية والشرطة يأخذ شكل التعاون المتبادل بينهما ويتم هذا التعاون من خلال مستويين: المستوى الأول: التعاون مع ضباط الشرطة، المستوى الثاني: التعاون مع أمناء الشرطة.

(أ)- المستوى الأول: التعاون مع ضباط الشرطة:

يرجع تعاون ضابط الشرطة مع زعيمة الجماعة لأمرين:

1- أنه يحتاج تحرير عدد من المحاضر والقضايا من أجل الحصول على ترقية في العمل وتساعده في ذلك زعيمة الجماعة التي تُبَلغه بعدد من المجرمين من البلطجية، والنشالين، وتجار ومتعاطي المخدرات في مقابل أن يتجاهل الضابط أعمال الجماعة الإجرامية.

2- أن الضابط يخشى على نفسه من غدر جماعة البلطجة فإذا ألقى القبض على إحدى عضوات الجماعة فإنها بمجرد دخولها الحبس الاحتياطي بقسم الشرطة قد تُصيب نفسها وتُنزف الدماء وتٌلفق ذلك إلى ضابط الشرطة.

(ب)- المستوى الثاني: أمناء الشرطة:([1])

ويأخذ التعاون بين أمناء الشرطة وجماعة البلطجة مستويين:

1- المستوى الأول: يكون أمين الشرطة بمثابة وسيط بين زعيمة الجماعة وضابط الشرطة فهو يتولى عملية نقل الاتفاق بين الطرفين سواء من حيث نقل تعليمات الضابط إلى زعيمة الجماعة أو استدعائها لمقابلة الضابط وأيضاً إبلاغ الضابط ببلاغات زعيمة الجماعة عن بعض المجرمين.

2- المستوى الثاني: يكون أمين الشرطة بمثابة مُخبر لزعيمة الجماعة بما يحدث في قسم الشرطة مثل إبلاغها بالأشخاص الذين يقدمون شكاوى ضدها في قسم الشرطة، فضلاً عن التستر على أعمالها الإجرامية وعدم إفشاء الأمر إلى ضابط الشرطة سواء كان هذا الضابط متفق معها أم لا. في مقابل أن يحصل أمين الشرطة على أجر مالي من زعيمة الجماعة وأحياناً يحصل على مواد مخدرة، وأحياناً تخرج الجماعة لممارسة أعمال البلطجة لصالح أمين الشرطة مجاملةً له دون أخذ أجر منه.

2-تفاعل جماعة البلطجة النسائية مع ثقافة المجتمع المحلى والجمهور:

حيث تساعد ثقافة المجتمع المحلى على اتساع نشاط جماعة البلطجة النسائية من خلال التعاون مع الأسوياء من المجتمع وسيادة قيم تُحبذ ممارسة البلطجة كوسيلة لاسترداد الحقوق بالقوة والعنف دون الرجوع إلى القانون، فالثقافة السائدة تُبطل أثر القانون والضوابط الاجتماعية الرسمية وتجعل من البلطجة قانوناً يطبق في المجتمع، ومن صور التفاعل بين جماعة البلطجة النسائية داخل المجتمع المحلى وجمهوره المؤيد لجماعة البلطجة النسائية التعاون المتبادل الذى يتضح من خلال استئجار فئات من صفوة المجتمع المتعلمين والمثقفين لجماعة البلطجة النسائية كوسيلة غير مشروعة في تحقيق أهدافهم ومن هذه الفئات، رجال الأحزاب السياسية، ورجال الأعمال، وأصحاب العقارات، والنساء والرجال ممن لهم مطالب غير مشروعة يحاولون تحقيقها بواسطة جماعة البلطجة النسائية، تلك الفئات التي اعترفت بوجود جماعة البلطجة النسائية والتي كانت سبب في امتهان النساء المنحرفات لمهنة البلطجة، بل إن هذه الفئات رفعت من مكانة جماعة البلطجة النسائية كجماعة إجرامية مقارنةً بالجماعات الإجرامية الأخرى التي تعطى احترامها لجماعة البلطجة النسائية نظير مكانتها المرموقة باعتبارها جماعة إجرامية مهنية ترعى شئون صفوة المجتمع مما يجعلها من أرقى المهن الإجرامية وأغناهم.

3- تفاعل جماعة البلطجة النسائية مع المستهلك “الزبون ” المستأجر للجماعة:

يأخذ التفاعل بين جماعة البلطجة النسائية و”الزبون” شكل التعاون المتبادل القائم على المنفعة المتبادلة بين الطرفين، لكن يختلف التعاون في درجاته حسب نوعية “الزبون” وذلك على النحو التالي:

(أ)- التعاون المؤقت: هنا يكون التعاون بين جماعة البلطجة و” الزبون ” قائم على قانون العرض والطلب وتُعبر عن ذلك البلطجيات من خلال مبدأ ” هات وخُد” أي أن يدفع ” الزبون ” أجر الجماعة وتُحقق الجماعة مطلب ” الزبون ” ثم تنتهي العلاقة مباشرة وكأنها لم توجد.

وتُعبر عن ذلك زعيمة الجماعة بقولها ” كل اللي يربطني بالزبون الفلوس والمصلحة هات وخد تخلص المصلحة يخلص الزبون وكأنه ميعرفناش ولا نعرفه ”

(ب)- التعاون الدائم: هذه العلاقة تكون شائعة في مجال البلطجة السياسية والذى يمثلها الحزب السياسي المنتخب فالتعاون مع الحزب لا ينتهى بانتهاء الانتخابات ولكن العلاقة مستمرة، يدفع الحزب مرتب شهري للجماعة حتى يضمن ولاءها للحزب، والجماعة تلجأ إليه في حالة حدوث مشاكل مثل إلقاء القبض على إحدى عضوات الجماعة هنا تلجأ زعيمة الجماعة إلى مندوب الحزب للتدخل حتى لا تسجن العضوة ويقتصر الأمر على دفع كفالة مالية، كما يستعين الحزب بالجماعة لتمارس أعمال البلطجة على الفئة المعارضة للحزب ؛ أي أن عمل الجماعة لصالح الحزب لا يقف على الانتخابات فقط. وتعبر عن ذلك زعيمة الجماعة بقولها: “الحزب زبون مش عادى شغلنا معاه ما بيخلصش شغالين معاه اديلنا سنيين وبأخذ منه شهرية عشان يضمن اننا نكمل معاه للآخر ”

4- تفاعل الجماعة مع الجماعات الإجرامية الأخرى:

كل جماعة إجرامية لها قوانينها الخاصة ومنطقة خاصة تمارس فيها أعمالها الاجرامية ولا يمكن لجماعة أن تتعدى على منطقة خاصة بجماعة أخرى، ومنطقة الدويقة مشهورة بإيواء العديد من العصابات الإجرامية من تجار السلاح الأبيض، المخدرات، والنشل، والبلطجة، فالعلاقة بينهم وبين جماعة البلطجة النسائية قائمة على المنفعة المتبادلة.

– فعلاقة الجماعة بتجار المخدرات قوية حيث إنهم مصدر لبيع المواد المخدرة، ويتم ذلك بشراء الجماعة المواد المخدرة من هؤلاء التجار، وأحياناً تحدث مجاملة بين الطرفين بأن تأخذ جماعة البلطجة المخدرات بدون مال في مقابل ممارسة أعمال البلطجة ضد شخص ما لصالح أحد أفراد تجار المخدرات” مصلحة متبادلة”.

– عصابة السلاح الأبيض: أيضاً هناك تعاون بينهم وبين جماعة البلطجة، ويتم ذلك بشراء الأسلحة البيضاء مثل: المطواه، والسنج، والكزلك، الشومة. وتحافظ الجماعة على استمرار العلاقة الودية بينهما.

– عصابات النشل: تستعين جماعة البلطجة بأحد أفراد عصابة النشل لمراقبة مستهلك أو “زبون” لجماعة البلطجة تشك زعيمة الجماعة في أمره، فعليه أن يسرق محفظة “الزبون” حتى تتحقق زعيمة الجماعة من هويته الحقيقية. وتؤجر الجماعة أحياناً للدخول في خناقات لصالح أحد النشالين، كما يمكن أن تشترى زعيمة الجماعة بعض البضائع المسروقة في مقابل قطعة من المواد المخدرة أو المال.

وفى ضوء ما سبق يتضح أن علاقات جماعة البلطجة النسائية بالآخرين سواء من الجمهور أو الجماعات الإجرامية الأخرى هي علاقات تعاون قائمة على مبدأ المنفعة.

8- المرأة والرجل في عالم البلطجة:

عند التفرقة بين بلطجة الرجال وبلطجة النساء، عَبَرت عن ذلك زعيمة الجماعة بقولها: ” الرجالة البلطجية بيضربوا بتهور وبدون تفكير وضربتهم يا إما تموت صاحبها يا إما تعمله عاهة وفى الحالتين يتقبض على البلطجي ويتعمله قضية يتحبس فيها كام سنة عشان كده عصاباتهم ما بدومش”. “إنما الستات البلطجية بيفكروا قبل ما يضربوا وعارفين مكان الضربة هيكون فين بالظبط وهتأثر على صاحبها ازاى ودايماً بتكون آثر الضربة إما غرز أو كسر في العضم صاحبها يجبس أسبوعين ويخرج بعدها زى الحصان وقليل لما يتقبض علينا وبنخرج بكفالة من غير قضية وحكم البلطجة أصلها قرصة ودن والرجالة مش فاهمة كدة”.

نستنج من الكلمات السابقة تفوق المرأة في ممارسة أعمال البلطجة، وارتكابها لجريمتها في الخفاء، فأقوال زعيمة الجماعة تعكس مهارة وذكاء المرأة عند ممارستها أعمال البلطجة، كما تُفسر أسباب وجود العديد من قضايا البلطجة للرجال في سجلات الشرطة، وعدم وجود قضايا للبلطجة النسائية مسجلة في سجلات الشرطة، كما تفسر أيضاً أسباب استمرار جماعة البلطجة النسائية وممارستهن أعمال البلطجة دون تعرضهن للمساءلة القانونية، وتفوقهن في ذلك على الرجال ([2]).


الهامش

([1]) تم ملاحظة العلاقة الودية بين زعيمة جماعة البلطجة النسائية وأمناء الشرطة : من خلال معايشة الباحثة لزعيمة الجماعة، وأثناء جلوس الباحثة مع زعيمة الجماعة على “مقهى بلدي” مشهور بإيواء المجرمين من النشالين والبلطجية حدثت مداهمة على المقهى من قبل أمناء الشرطة إلا أن أمناء الشرطة لم يتخذوا أي موقف ضد المقهى أو زعيمة الجماعة التي كانت تتناول المواد المخدرة “بالشيشة” أثناء هذه المداهمة، بل حدث عكس ذلك فلقد جلس أحد الأمناء وتحدث معها وفى نهاية الحديث أخذ منها- زعيمة الجماعة – علبة سجائر “ملفوفة بالحشيش” وغادر المقهى، تلك المقهى التي تمارس فيها مختلف الانشطة الإجرامية من شراء مواد مخدرة وتناولها، ودعارة، وبلطجة على مرأى ومسمع رجال الأمن.

([2]) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close