fbpx
سياسةتقارير

البنية التشريعية لصناديق الأموال: تحيا مصر نموذجاً

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

توسع نظام مبارك في إنشاء الصناديق الخاصة كخزائن للأموال في مصر خارج موازنة الدولة الرسمية، وكانت بيئة فساد بامتياز، غير أن الاستخدام الرسمي لفكرة الصناديق الخاصة كان عقب نكسة 1967 بإنشاء صندوق بالمحليات يُحَصِّل رسوم النظافة من المواطنين[1]. لكن النشأة القانونية التي تضمنت مصطلح الصناديق الخاصة كانت في عهد السادات، عندما أصدر قانون الموازنة العامة للدولة[2]، والذي سمح بإنشاء صناديق خاصة بقرار من رئيس الجمهورية تخصص فيها موارد معينة لاستخدامات محددة[3].

ورغم الهجوم الشعبي الذي تلقته الصناديق الخاصة عقب ثورة يناير، والجهد الذي بذله برلمان الثورة في تحجيم هذا النوع من الفساد المقنن، إلا أن الفكرة عادت للظهور وبقوة عقب الانقلاب، لكنها هذه المرة بحجم أكبر ومركزية أعلي وأهداف أعمق من مجرد صندوق خاص، عادت هذه المرة بنظام مغاير لما كانت عليه الأمور قبل الثورة.

تجربتان أنشأهما نظام يوليو 2013 لامتلاك صناديق تمويل حرة خارج موازنات الدولة، بعيدة عن رقابتها هما “صندوق دعم مصر” و”صندوق تحيا مصر”، والتجربتان مرتبطتان ببعضهما حيث ورثت إحداهما الأخرى وحلّت محلها.

تجربة صندوق دعم مصر

في وقت مبكر عقب إعلان بيان الانقلاب العسكري 2013، وتحديداً في الخامس من يوليو 2013 دشّن عدد من رجال الأعمال والإعلاميين والسياسيين مبادرة أسموها صندوق (دعم مصر 306306) أطلقها رجل الأعمال محمد الأمين، وروًّج لها الإعلامي خيري رمضان[4]، عقب إعلان المبادرة وبشكل متزامن توالت التبرعات بملايين الجنيهات، من جهات خاصة وحكومية؛ فإذا وضعنا في الحسبان الإجراءات المحاسبية المتبعة في الجهات الحكومية وكم الموافقات التي يتطلبها صرف أموال من خزانتها نجد أنفسنا أمام العديد من علامات الاستفهام حول تزامن الاستجابة مع الإعلان ما يخرجها عن مجرد مبادرة استجابت لها تلك الجهات، كما يطرح تساؤلات حول الغرض والجدوى من الصندوق، فمعظم الإسهامات جاءت من مؤسسات الدولة وفي مقدمتها التبرع الذي قدمته القوات المسلحة بمبلغ 300 مليون جنيه، فكيف ينشأ صندوق لمعاونة الدولة في القيام بمهامها ثم تكون النسبة الأعلى من تبرعاته من مؤسسات الدولة ذاتها.

حيث أعلنت المواقع الإخبارية في اليوم التالي لإعلان المبادرة عن تبرع القوات المسلحة، وهو ما كان بمثابة تدشين للصندوق توالت بعده التبرعات والتبريكات والكتابات الصحفية والتغطيات الإعلامية المفتوحة، ثم أصدر رئيس الوزراء القرار رقم 1118 لسنة 2013 لتقنين أعمال الصندوق وتنظيم أدواته.

عدد من الشخصيات التي شاركت في تدشين الصندوق أعلنت أن هدفه الرئيس هو مساندة الدولة المصرية بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية رغبتها في منع المساعدات عن مصر عقب 30 يونيو (حسب زعمهم)، وأن الصندوق وأمواله سيوضعون تحت تصرف الرئيس المؤقت عدلي منصور لدعم اقتصاد مصر.

تولى فاروق العقدة رئيس البنك المركزي السابق رئاسة مجلس أمناء الصندوق، وتوالت مشروعات الصندوق التي كانت محل ثناء ومدح وعون من أجهزة الدولة الرسمية آنذاك[5].

تجربة صندوق دعم مصر انتهت سريعاً وبشكل مفاجئ للجميع وفي مقدمتهم القيادات التي تولت إدارته، حيث كتب نائب رئيس مجلس أمناء الصندوق الدكتور هاني سري الدين مقالاً بعنوان (فيه حاجة غلط)[6] ينتقد فيه الأسلوب الذى اتبعه النظام في إلغاء صندوق دعم مصر وطريقة ضم أمواله لصندوق تحيا مصر، وكيف أنه تواصل مع مجلس الدولة ومجلس الوزراء ليستفسر عن صدور القانون وتلقيه إجابة تفيد عدم إحاطتهما علماً بقرار إلغاء صندوق دعم مصر وحلول صندوق تحيا مصر محله، وهي انتقادات موضوعية أتت علي استحياء ولم يلتفت إليها أحد رغم ما ورد بها من جرائم إدارية ومالية وواقعية.

وطُويت صفحة صندوق دعم مصر بعدما أبدى السيسي رغبته في إنشاء صندوقه الخاص (تحيا مصر) الذي تبرع له بنصف أجره ونصف ثروته دون بيان حجم تلك الثروة أو استمرارية اقتطاع نصف الأجر من عدمه، وكان هذا بمثابة إذن بسرية حسابات الصندوق وغياب آليات الرقابة عليه، وغموض طريقة إدارته.

المنظومة القانونية للصندوق حملت عدة ملامح تشريعية، تشير إلى الوضعية الخاصة التي يتمتع بها، والإطار الاستثنائي الذي صدر فيه، أهم تلك الملامح كما يلي:

1ـ القانون صدر مرتين:

إنشاء صندوق تحيا مصر تم في إصدارين قانونيين متتاليين، كلاهما صدر بقرار جمهوري، واللافت أن القرار اللاحق منهما لم يصدر في صورة تعديل للقرار السابق، كما لم ينوه صراحة في مواد الديباجة أو الخاتمة أن القانون السابق للصندوق قد تم إلغاؤه بموجب القانون اللاحق، في حين أن الإجراءات التشريعية المتبعة والبديهية في حالة إصدار قوانين متعاقبة تقوم بتنظيم ذات الموضوع أنها تتم في صورتين لا ثالث لهما (الإلغاء أو التعديل) وهو ما لم يتم في حالة الصندوق حيث جاء الإصدار الأول بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 139 لسنة 2014[7]، والإصدار الثاني بقرار رئيس الجمهورية بقانون رقم 84 لسنة 2015[8].

2ـ أثر رجعي:

القانون الصادر في يوليو 2015 اعتمد أثراً رجعياً لإعمال مواده، حيث تقرر العمل به من تاريخ 14 نوفمبر 2014 وهو تاريخ الإصدار الأول للقانون، ولعل هذا ما يفسر عدم النص صراحةً على إلغاء الإصدار الأول، والمستقر قانوناً أن الأثر الرجعي إجراء متروك في نظم التقنين الحديثة كما أنه مخالف لمبدأ دستوري هام يقضي بعدم رجعية القوانين وسريانها بأثر فوري للمستقبل وليس الماضي.

3ـ إعفاء مالي:

حصل الصندوق علي حزمة واسعة من الإعفاءات الضريبية، شملت كافة الضرائب المفروضة وقت إنشائه أو التي ستفرض مستقبلاً، كما أضاف التعديل القانوني الذي صدر في يونيو 2021[9] حزمة جديدة من الإعفاءات شملت رسوم الشهر العقاري والتوثيق والتصديق علي العقود، والرسوم الجمركية أو رسوم المناطق الحرة علي الاستيراد، وكذا الرسوم المقررة علي الهدايا والتبرعات والهبات والمنح التي ترد له من الخارج.

القانون أعفي الصندوق -تقريباً- من أي أداء مالي مستحق لخزينة الدولة، أياً كان نوعه ولأي معاملة يكون الصندوق طرفاً فيها، وهو ما يتجاوز ذمته المالية المقرر لها الإعفاء ليشمل الذمم المالية للمتعاملين مع الصندوق لمجرد شراكته ولو بنسبة هامشية في المعاملة، وهو ما يمثل نوعاً من عدم المساواة وحرمان خزينة الدولة من رسوم وعوائد مستحقة، كما يفتح باباً لتحايل أصحاب الأعمال من فرض شراكة وهمية للصندوق وبنسب ضئيلة بغية الاستفادة من هذه الإعفاءات المالية الهائلة.

ماهية الصندوق والغرض من تأسيسه

ماهية الصندوق حددتها المادة الأولي التي نصت على (ينشأ صندوق ذو طبيعة خاصة يسمي “تحيا مصر” تكون له الشخصية الاعتبارية ويتبع رئيس مجلس الوزراء ويكون مقره مدينة القاهرة ويجوز له إنشاء فروع ومكاتب في المحافظات الأخرى) أضيف لها بالإصدار الثاني جملة (ويتمتع بالاستقلال المالي والإداري)

البنية التشريعية لصناديق الأموال تحيا مصر نموذجاً-1

البنية التشريعية لصناديق الأموال تحيا مصر نموذجاً-2

فالصندوق كيان اعتباري له طبيعة خاصة، مستقل مالياً وإدارياً عن كيانات الدولة ومؤسساتها، يتمتع برعاية خاصة من رئيس الجمهورية، لا يتقيد بالنظم الحكومية في غير قانونه، كما أنه لا يخضع لأي رقابة أو محاسبة من أجهزة الدولة.

وأوردت المادة الثانية نصاً غريباً على البيئة القانونية، كونها جملة إنشائية لا تتناسب مع الصياغة القانونية في النظم الجمهورية حيث نصت علي (يتمتع الصندوق بصفة خاصة برعاية رئيس الجمهورية وعنايته) والنص بصيغته تلك أقرب لواقع النظم الملكية، حيث يقوم الملك في بعض الأحيان بتقديم الدعم لخزينة الدولة من ماله الخاص منحة أو هبة أو قرض، وفق منظور الرعاية بتلك النظم الذي ينسجم مع هكذا صياغة، وبالرغم من ذلك لم ترد في قوانين مصر الملكية مثل هذه الجملة الأبوية.

وجاء التعريف الذي أورده الموقع الرسمي للصندوق [10] معبراً عن هذه الحالة الأبوية، حيث ورد فيه هذا المقطع (في 24 يونيو 2014 أعلن السيسي تنازله عن نصف راتبه البالغ 42 ألف جنيه أي ما يعادل نحو 5,900 دولار وقتها، وأيضا عن نصف ما يمتلكه من ثروة لصالح مصر..) ثم ذيّل هذا التعريف بجملة (من المقرر أن يكون الصندوق تحت الإشراف المباشر من رئيس الجمهورية) بالرغم من نص القانون علي تبعية الصندوق لرئيس مجلس الوزراء.

وحدد القانون الغرض من تأسيس الصندوق بجملة من المهام منها معاونة أجهزة الدولة في إقامة مشروعات خدمية وتنموية، والعمل علي تطوير العشوائيات، والحد من ظاهرة أطفال الشوارع والمشردين، ودعم المشروعات متناهية الصغر ومشروعات البنية التحتية ومشروعات الشباب، وهي ذات المهام التي عمل عليها صندوق دعم مصر.

تلك المهام التي يعمل عليها الصندوق شبيهة بالمهام التي تعمل عليها كثير من الجمعيات والمؤسسات الخيرية وغير الهادفة للربح، غير أنه يتمتع بصلاحيات وإعفاءات ومزايا لا تتمتع بها تلك المؤسسات.

كيف يدار الصندوق

يمثل مجلس الأمناء الجهة الأعلى التي تتولي رسم السياسة العامة للصندوق، يتولى رئيس مجلس الوزراء رئاسته ويشارك بعضويته شيخ الأزهر وبطريرك الكرازة المرقسية، ومحافظ البنك المركزي، ووزراء المالية والتخطيط والاستثمار والعدل والصناعة، بالإضافة لستة أعضاء من الشخصيات العامة وذوي الخبرة يعينهم رئيس الجمهورية.

بُعَيد تدشين الصندوق صدر قرار رئيس الجمهورية[11] بتعيين الستة أعضاء وهم (المفتي السابق علي جمعة، رجل الأعمال نجيب ساويرس، رجل الأعمال محمد الأمين، رئيس الهيئة المالية للقوات المسلحة اللواء محمد أمين إبراهيم نصر، رجل الأعمال باسل أسامة الباز (نجل أسامة الباز مستشار مبارك)، وريهام فؤاد أبو الفتوح).

للصندوق مدير تنفيذي يمثله لدى القضاء ولدى الغير، يعينه رئيس مجلس الوزراء، ويعين بالصندوق عدد (كافٍ) من العاملين والفنيين والإداريين يجوز انتدابهم من العاملين بالدولة.

كما تشكل لجنة تنفيذية مشتركة تضم عددا من أعضاء مجلس الأمناء ومدير الصندوق تكون مهمتها تنفيذ قرارات مجلس الأمناء.

المهام

حددت لائحة النظام الأساسي الذي أصدرها رئيس الوزراء[12] جملة مهام لمجلس الأمناء تشمل رسم السياسات وتشكيل اللجان المعاونة ومتابعة تنفيذ السياسات والمساهمة في تأسيس الشركات وإقرار العقود والاتفاقيات.

كما حددت مهام لرئيس مجلس الأمناء ونائبه والمقرر العام للمجلس وأمين الصندوق والمدير التنفيذي والمدير المالي. ومنذ اليوم الأول لتجربتي دعم مصر وتحيا مصر كانت القوات المسلحة حاضرة وفاعلة بقوة، بالشكل الذي يجعلها المالك الفعلي، أو الشريك الرئيسي.

التبرعات

تحدثنا في صدر هذه الدراسة عن تبرع القوات المسلحة لصندوق (دعم مصر) بمبلغ 300 مليون جنيه([13]) تكررت عند إنشاء صندوق (تحيا مصر) حيث تبرع الجيش للصندوق بمبلغ مليار جنيه أعلن عنه حينها صدقي صبحي وزير الدفاع آنذاك([14]) ثم توالت مساهمات وزارة الدفاع بعدها بانتظام، لكن هل توقف دور القوات المسلحة عند دعم الصندوق والتبرع له أم كان لها أدوار أخري؟

أمين صندوق تحيا مصر

عُيّن اللواء محمد أمين نصر أمينا لصندوق تحيا مصر منذ عام 2015 حتي الآن[15] بعد تعيينه عضواً في مجلس أمناء الصندوق ديسمبر 2014[16]. واللواء نصر هو المدير السابق لهيئة الشئون المالية للقوات المسلحة وعضو المجلس العسكري بين عامي 2012 و 2019، كما عينه السيسي مستشار رئيس الجمهورية للشئون المالية [17] ومنذ تعيينه صار الرقم الصعب في الصندوق والشخصية الأبرز في مجلس أمنائه، ولعل هذا يفسر توجه مسئولي الجهاز المركزي للمحاسبات لهيئة الشئون المالية للقوات المسلحة حيث جمع اللواء نصر بين مهمتي إدارة هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة وأمانة صندوق تحيا مصر منذ إبريل 2015 وحتي يونيو 2019، وهو ما يعد دلالة على هيمنة القوات المسلحة على أموال الصندوق، وتداخل المهام المالية بين صندوق مالي بطبيعة النشأة وإدارة مالية لمؤسسة القوات المسلحة، ويشترك الجهتان في ضبابية المعلومات والبيانات فضلاً عن غياب الرقابة الحقيقية.

هل يخضع الصندوق للرقابة؟

لعل السبب الرئيس في صدور نسخة ثانية من قانون الصندوق هو الإفلات من الخضوع لولاية جهات رقابية تمتلك حق المسائلة والمحاسبة والإدانة، حيث تم تعديل القانون بما قلّص هذه الرقابة وحَدَّ منها بصورة كبيرة تصل لحد التهميش.

ضمانتان ورقابة ثنائية

النسخة القانونية الأولى للصندوق في 2014 فرضت رقابة متوازنة (ثنائية) علي حسابات وأموال الصندوق، حيث قررت المادة الثامنة (تعد أموال الصندوق أموالاً عامة في تطبيق قانون العقوبات ويتولى الجهاز المركزي للمحاسبات مراجعة ومراقبة حساباته ويُعد تقريراً ربع سنوي يعرض على رئيس الجمهورية)

النص قرر ضمانتين تمثلان رقابة ثنائية على الصندوق، تتمثل الأولي في جعل أموال الصندوق أموالاً عامة تتمتع بالحماية المقررة لذلك النوع من الأموال، بالأخص الجزاءات المقررة في قانون العقوبات لحماية المال العام، والضمانة الثانية تتمثل في تولي الجهاز المركزي للمحاسبات الولاية الكاملة لرقابة أموال الصندوق وحساباته وإعداد تقرير ربع سنوي يرفع لرئيس الجمهورية.

تقليص الضمانات وغياب الرقابة

النسخة القانونية الثانية للصندوق في 2015 قلّصت الرقابة علي حسابات وأموال الصندوق لحد التهميش وجعلت منها محض رقابة شكلية، فتم الاقتصار علي اعتبار الأموال العامة في تطبيق قانون العقوبات لمواد البابين الثالث والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وهي المواد الخاصة بجريمتي الرشوة واختلاس المال العام فقط، كما ألغيت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات علي أموال الصندوق وحساباته وتم استبدالها بتقرير لمؤشرات الأداء في ضوء القوائم المالية المعتمدة من مراقب حسابات الصندوق، ويعرض التقرير سنوياً علي مجلس الأمناء بعدما كان العرض على رئيس الجمهورية بدورية ربع سنوية.

مادة مضافة

أضافت النسخة الثانية من قانون الصندوق مادة جديدة نصت على (يحدد رئيس الجمهورية بقرار منه أساليب الإشراف على الصندوق وإدارته وتصريف شئونه المالية والإدارية، وذلك بما يتفق وطبيعة ونشاط الصندوق ويمكنه من تحقيق رسالته ودون التقيد بالنظم الحكومية المنصوص عليها في أي قانون آخر)

هذه المادة أطلقت يد رئيس الجمهورية في تحديد أسلوب الإشراف علي الصندوق وإدارته دون التقيد بالنظم الحكومية المنصوص عليها في أي قانون آخر، معني هذا أن قانون الجهاز المركزي للمحاسبات[18] لا ينطبق علي الصندوق بشكل مباشر كونه قانون آخر لا يلتزم به الصندوق، في الوقت الذي لا ينطبق قانون العقوبات علي الصندوق إلا في حدود الرشوة والاختلاس، كما لا ينطبق على تعاقداته قانون التعاقدات الحكومية [19] ومن جهة أخري لا يلتزم الصندوق بقوانين النيابة الإدارية أو المحاكم التأديبية باعتباره كيان خاص غير مملوك للدولة بالكامل.

فتوى قانونية

في أكتوبر 2017 صدرت فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة بخصوص الإفادة بالرأي القانوني عن مدي خضوع صندوق تحيا مصر لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات بشقيها المحاسبي والقانوني، استجابة للطلب المرسل من الجهاز المركزي للمحاسبات في مارس 2016[20].

الوقائع التي أوردها الجهاز المركزي للمحاسبات في طلبه ورد بها هذا المقطع الذي قد يقدم تفسيراً منطقياَ لسبب إعادة إصدار القانون وتعديل المواد الخاصة برقابة الجهاز المركزي في القانون (بتاريخ 30/11/2014 وافق رئيس الجهاز على إسناد الرقابة على صندوق تحيا مصر إلى الإدارة المركزية للرقابة المالية على الجهاز الإداري للدولة والوحدات الخدمية قطاع الخدمات الرئاسية وبتاريخ 21/12/2014 خاطبت الإدارة الأمين العام المساعد لرئاسة مجلس الوزراء بكتابها رقم 158 بطلب موافاتها بجميع موارد الصندوق في الداخل والخارج… إلا أنها لم توافَ بالرد، وبتاريخي 27/4/2015 و 18/5/2015 قام المسئولون بالإدارة بالتوجه إلي هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة لفحص أعمال الصندوق ولكنهم لم يجدوا أي تعاون من المسئولين بالصندوق، وبتاريخ قرار رئيس الجمهورية بالقانون 84 لسنة 2015…)

يوضح هذا المقطع من الفتوى عدة أمور، فمن جهة يوضح مدى الارتباك الإداري والقيادي في الصندوق حيث لم يتلق الجهاز المركزي للمحاسبات أية ردود علي خطابه لرئاسة مجلس الوزراء رغم أن رئيس مجلس أمناء الصندوق هو رئيس الوزراء؛ من جهة أخري فاتجاه المسئولين بالجهاز لهيئة الشئون المالية للقوات المسلحة يوضح بجلاء الجهة الفعلية المهيمنة علي الصندوق وفي أقل تقدير يضع علامات استفهام عن ماهية دور القوات المسلحة في إدارة صندوق تحيا مصر.

خلاصة

في وقت مبكر، توجهت نية نظام يوليو 2013 إلى إنشاء أدوات مالية حرة، خارج قيود الدولة الطبيعية، وتمكين نظم مالية لا تعرفها قواعد المحاسبة والرقابة في الدولة المصرية وتحصينها بقوانين شديدة الاستثنائية، وإلحاقها برئاسة الجمهورية رغبة في مزيد من التحصين، فكانت تجارب صندوق دعم مصر وتحيا مصر ثم إنشاء عدة صناديق استفادت من التجربتين خاصة في مسألة التقنين ووضع السياق التشريعي، حتى إن صندوق مصر السيادي قد استفاد من تجربة صندوق تحيا مصر.

يتضح من طبيعة القرار المنشئ للصندوق ونطاقه، والأوضاع القانونية الاستثنائية التي تضمنها القانون ولائحة النظام الأساسي، وكذا التعيينات التي تمت في قيادته، أننا بصدد صندوق منفلت من كل قيد لا تستطيع أي مؤسسة رقابية من مؤسسات الدولة مهما بلغت قوتها من رقابته أو محاسبة أعضاء مجلس أمنائه أو حتى موظفيه، كما أن طبيعة المؤسسات التي أودعت تبرعات في الصندوق تضفي عليه غموضاً مالياً؛ فالقوات المسلحة التي هي جزء من الدولة أودعت مليارات الجنيهات في صندوق أنشئ لدعم الدولة، كما أن مؤسسات الدولة المدنية من وزارات وقطاع عام وشركات تابعة قد تبرعت أيضاً في سياق غريب من تحويل أموال الدولة لكيانات أكثر حرية في التحرك بما يؤكد الرغبة في إفلات الصندوق من كل قيد.

هذا الاتجاه عبّر عنه السيسي صراحة بعد تدشينه لصندوق تحيا مصر عام 2014 عن رغبته في امتلاك 100 مليار جنيه (على جنب كده) علي حد تعبيره[21]، ثم أكد الرغبة بذات تعبير(على جنب كده) الذي استخدمه في أكثر من مرة، قبل أن تتغير العملة لاحقاً للدولار في 2018 والحديث عن أمنيته في صغره بامتلاك 100 مليار دولار[22].

صندوق تحيا مصر استخدم أدوات تشريعية (من المفترض أن تمثل سياجاً لحماية أموال البلد والمواطنين) استخدمها في تأمين صاحب الامتياز عليه والكلمة العليا في شأنه بمعزل عن أي رقابة وبمأمن من أي مساءلة أو حساب.

ملاحق التقرير

ملحق 1: قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 139 لسنة 2014 بإنشاء صندوق تحيا مصر

ملحق 2: قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1400 لسنة 2015 بإصدار لائحة النظام الأساسي لصندوق تحيا مصر

ملحق 3: خضوع صندوق تحيا مصر لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات

مصادر إضافية

1ـ بيسان كساب، تحيا مصر”.. كيف تخلص صندوق الرئيس من الرقابة على ملياراته، مدى مصر، تاريخ النشر 22 مارس 2016، تاريخ التصفح 2 يناير 2022، رابط النص الأصلي

2ـ محمد عادل، صراع على الصندوق: بداية ونهاية محاولات الرقابة على “تحيا مصر”، موقع المنصة، تاريخ النشر 30 نوفمبر 2021، تاريخ التصفح 2 يناير 2022، رابط النص الأصلي.


الهامش

[1] تقرر ذلك بالمادة الثامنة من قانون النظافة العامة النظافة العامة رقم 38 لسنة 1967 المنشور في الجريدة الرسمية العدد 77 في 31 أغسطس 1967

[2] القانون رقم 53 لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة منشور بالجريدة الرسمية العدد 31 في 2 أغسطس 1973

[3] تحقيق الأهرام عن ( الحقائق الغائبة سر الصناديق الخاصة – https://cutt.us/3UxTP

[4] هاني سري الدين: فكرة صندوق دعم مصر خرجت عن “الأمين” وخيري رمضان https://cutt.us/jRXKa

[5] محلب يستعرض مشروعات دعم مصر بحضور العقدة و3 وزراء – المصري اليوم – https://cutt.us/T2AJM

[6] مقال د. هاني سري الدين (فيه حاجة غلط) https://cutt.us/fTgsb 

[7] نشر بالجريدة الرسمية بالعدد 46 (تابع) في 13 نوفمبر 2014

[8] نشر بالجريدة الرسمية بالعدد 27 مكرر(د) في 8 يوليو 2015

[9] قانون رقم 68 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 84 لسنة 2015 بإنشاء صندوق تحيا مصر، منشور بالجريدة الرسمية العدد 23 مكرر في 13 يونية 2021 

[10] من نحن، الموقع الرسمي لصندوق تحيا مصر https://cutt.us/03zuw

[11] القرار رقم 500 لسنة 2014 بتعيين أعضاء بمجلس أمناء صندوق تحيا مصر منشور بالجريدة الرسمية العدد 51 مكرر (ب) في 21 ديسمبر 2014

[12] صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1400 لسنة 2015 بإصدار لائحة النظام الأساسي لصندوق تحيا مصر، نشر بالجزيرة الرسمية العدد 22 مكرر في 30 مايو 2015

[13] القوات المسلحة تعلن عن التبرع لصندوق دعم مصر بمبلغ 300 مليون جنيه، الشروق – https://cutt.us/IzVjI

[14] مليار جنيه من الجيش المصري لدعم مبادرة السيسي – CNN  عربي  https://cutt.us/zBf1r

[15] محلب يصدر قراراً بتعيين محمد نصر أمينا لصندوق تحيا مصر – اليوم السابع – https://cutt.us/XtV5X

[16] القرار رقم 500 لسنة 2014 بتعيين أعضاء بمجلس أمناء صندوق تحيا مصر منشور بالجريدة الرسمية العدد 51 مكرر (ب) في 21 ديسمبر 2014

[17] عين بقرار رئيس الجمهورية رقم 29 لسنة 2019 منشور بالجريدة الرسمية العدد 26 في 27 يونية 2019

[18] قانون الجهاز المركزي للمحاسبات رقم 144 لسنة 1988 المنشور بالجريدة الرسمية العدد 23 تابع في 9 يونية 1988

[19] قانون تنظيم التعاقدات الحكومية التي تبرمها الجهات العامة رقم 182 لسنة 2018 المنشور بالجريدة الرسمية العدد 39 مكرر (د) في 3 أكتوبر سنة 2018 ألغي قانون المناقصات والمزايدات 

[20] الفتوي مسجلة بالملف رقم 88 / 1 / 94 بتاريخ 23 أكتوبر 2017

[21] السيسي أنا عايز 100 مليار وياريت الغلابة يدعوا ربنا –  شبكة رصد – https://cutt.us/4hfgp 

[22] السيسي: وأنا صغير طلبت من ربنا 100 مليار دولار – الجزيرة نت – https://cutt.us/8a1IZ

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close