اقتصادالشرق الأوسطتقارير

التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على مصر (2)


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يلقى بظلاله على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد المصري. نشرنا التقرير الأول (أنظر هنا) عن هذا الموضوع في 10 مارس 2026 وسنواصل متابعة هذه التطورات ومراقبتها بشكل دوري.

في هذا التقرير الثاني، نستعرض تحديثًا لبأبرز تأثيرات الحرب على الاقتصاد المصري:

أزمة الكهرباء:

بعد بداية الحرب مباشرة، أعلنت إسرائيل وقف إمدادات الغاز إلى مصر وأعلنت حالة القوة القاهرة، وهذا القى بظلاله مباشرة على وضع شبكات الكهرباء في مصر، وأتخذت الحكومة المصرية خطوات “طوارئ” حتى تبقي على كفاءة الشبكات لكي لا تواجة مصر أزمة أكبر في الكهرباء حالة استمرار الحرب لفترات أطول.

من أحدث القرارات الرسمية التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخراً لمواجهة الآثار الاقتصادية المترتبة على مصر جراء الحرب، التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والردود الإيرانية على الهجمات، أعلنت الحكومة المصرية في 18 مارس حزمة إجراءات تقشفية جديدة يتم تطبيقها “بشكل فوري وصارم”، وتطبيق العمل عن بعد ليوم أو يومين في الأسبوع الواحد لبعض قطاعات المؤسسات  والشركات الحكومية. وقال رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، في المؤتمر الصحفي الذي عقدته الحكومة يوم الأربعاء 18 مارس، إن حزمة الإجراءات العاجلة هدفها ترشيد استهلاك الطاقة في إطار مواجهة التحديات الحالية وضمان استدامة الموارد في ظل استمرار الحرب الإيرانية وتأثيرها على أسواق الطاقة. حيث جاءت أبرز تلك القرارات على النحو التالي:

1- إغلاق المحال والمولات والمطاعم والكافيهات في الساعة 9 مساء، على أن يكون الإغلاق في الساعة 10 مساء يوم الجمعة، وذلك اعتبارا من السبت 28 مارس 2026 ولمدة شهر.

2- إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق بشكل كامل.

3- خفض إنارة الشوارع الداخلية إلى أقل مستوى ممكن مع الالتزام باشتراطات الأمن والسلامة.

4- إغلاق الحي الحكومي يومياً في تمام الساعة السادسة مساء، بدءاً من بعد إجازة عيد الفطر، مع إطفاء الإنارة وشبكات الطاقة، واستكمال الأعمال الإدارية من المنزل.

5- التزام المحافظين والوزراء بتنفيذ قرارات الترشيد بشكل صارم لضمان استدامة الموارد.

6- دراسة تطبيق نظام العمل من المنزل يوما أو يومين أسبوعياً لبعض الجهات الحكومية، مع استثناء المرافق الحيوية من هذا القرار.

وأكد رئيس الوزراء المصري، أن “المرحلة الحالية تتطلب إجراءات حاسمة لمواجهة التحديات وضمان استمرار الخدمات الأساسية، مشددا على أن الحكومة تعمل على تحقيق التوازن بين ترشيد الاستهلاك والحفاظ على استقرار الحياة اليومية للمواطنين”. 

وفي سياق آخر، تقرر إغلاق المدارس الأربعاء والخميس (25، 26 مارس) بسبب سوء الأحوال الجوية، وفق بيان صادر عن وزارة التربية والتعليم المصرية. ولكن نشرة إنتربرايز قالت، في سياق تعليقها على هذا الإجراء، إنه “بقراءة ما بين السطور، فإننا نرى أن هذا الإغلاق لمدة يومين، الذي اختارت العديد من المدارس استبداله بالتعليم عن بعد، يعد بمثابة بروفة في قطاع التعليم لمقترح الدولة بفرض نظام العمل عن بعد ليوم أو يومين أسبوعيا في كل من القطاعين العام والخاص”.

سعر الصرف

من أبرز تداعيات الحرب على إيران على الاقتصاد المصري، إنخفاض سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية. فقد أدت التوترات الجيوسياسية الناتجة عن الحرب الإيرانية إلى ضغوط هبوطية على الجنيه المصري، ليتجاوز الدولار حاجز 50 جنيهاً في أوائل مارس 2026، متأثراً بخروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة (الأموال الساخنة) والمخاوف من ارتفاع فاتورة الواردات، رغم التزام البنك المركزي بسياسة سعر الصرف المرن، وسط تقديرات تشير إلى تراجع محتمل بنسبة 10% بحلول نهاية العام.

فقد انخفضت قيمة الجنيه أمام الدولار في منتصف مارس 2026 ليصل إلى متوسط 50.05 جنيهاً، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف 2025، نتيجة خروج الأموال الساخنة من السوق المصرية، وفقاً لـ Investing.com. حيث أدى تصاعد النزاع إلى حالة من “الذعر” في الأسواق الناشئة، مما تسبب في خروج سري للسيولة الأجنبية من مصر، مما وضع ضغوطاً مباشرة على العملة المحلية. استمر انخفاض سعر الجنيه حتى وصل إلى قرب 53 جنيهًا للدولار، كما عاد الفرق بين سعر البنك المركزي وسعر السوق الموازية (نحو جنيه واحد) بعد اختفاء هذه الظاهرة لفترة طويلة.

وتوقعت تقارير لـ “كابيتال إيكونوميكس” وتقرير حديث صادر عن شركة إنجيج كونسلتينج للاستشارات أن تضعف قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية بنسبة قد تصل إلى 10% بحلول نهاية عام 2026، ليصل إلى مستويات تقارب 53-54 جنيهاً للدولار، وذلك وفقاً لـ شبكة العربية. وبالتالي فقد أدى تراجع قيمة الجنيه إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمستوردة، مما زاد من الضغوط التضخمية في البلاد. ومع ذلك، تشير تقييمات صندوق النقد الدولي إلى أنه رغم الضغوط، فإن تطبيق “مرونة سعر الصرف” هو إجراء استباقي يحمي الاقتصاد من صدمات أكبر.

عجز الحساب الجاري وخروج الأموال الساخنة

تخيم تداعيات الحرب الإقليمية على توقعات عجز الحساب الجاري لمصر؛ إذ من المتوقع أن يتسع عجز الحساب الجاري لمصر بمقدار 2.2 نقطة مئوية ليصل إلى 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي الحالي، وبمقدار 0.6 نقطة مئوية ليصل إلى 2.5% للعام المالي المقبل، وفق تقرير حديث صادر عن وحدة أبحاث “بي إم آي” التابعة لمؤسسة فيتش سوليوشنز، حسبما أوردت نشرة إنتربرايز. وأشارت المؤسسة البحثية إلى تدهور الوضع الخارجي وسط الصراع الإيراني الإسرائيلي الأمريكي على خلفية تهديد ثلاثي يتمثل في ارتفاع فواتير الطاقة، وتباطؤ السياحة، وتعثر تعافي إيرادات قناة السويس.

وفي سياق الضغوط على السيولة الأجنبية، فقد أدت الحرب الدائرة في المنطقة إلى تخارج 8 إلى 9 مليارات دولار من استثمارات الأجانب في المحافظ المالية منذ منتصف شهر فبراير حتى الأن. وتؤدي هذه التخارجات، إلى جانب التزامات جدول سداد الديون الثقيل في شهري مارس وأبريل 2026، إلى تفاقم الضغوط المالية الخارجية على مصر. ومع ذلك، يستخدم البنك المركزي المصري حاليا ودائعه بالعملات الأجنبية، البالغة 13.7 مليار دولار، المودعة لدى البنوك التجارية لتكون صمام أمان أساسي لحماية الاحتياطيات الرسمية للدولة، بحسب “بي إم آي”.

وإذا طال أمد الحرب فربما يدفع هذا عجز الحساب الجاري للبلاد إلى 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يجبر الحكومة على إجراء تعديلات محلية قاسية، وإن كان السيناريو الأساسي لـ “بي إم آي” يفترض صراعا قصير المدى مع بلوغ متوسط سعر النفط 72 دولارا للبرميل. ولكن إذا طال أمد الحرب ودفعت أسعار النفط إلى سيناريو الحالة القصوى البالغ 110-130 دولارا للبرميل، فإن الضغوط المالية الشديدة ستجعل التعديلات المحلية — بما في ذلك المزيد من التخفيضات في الدعم، وإجراءات الضبط المالي، والعودة المحتملة لرفع أسعار الفائدة — أمرا لا مفر منه.

سندات الخزانة:

حال ارتفاع أسعار الفائدة المطلوب من المستثمرين دون بيع مصر لسندات خزانة محلية طويلة الأجل للمرة الثالثة على التوالي. البنك المركزي المصري، بالنيابة عن وزارة المالية، رفض عطاء بيع سندات خزانة طويلة الأجل 5 سنوات للعائد الثابت بقيمة 10 مليارات جنيه للمرة الثالثة على التوالي (في 16 مارس 2026) .  يأتي ذلك وسط استمرار طلب المستثمرين أسعار فائدة مرتفعة وصلت إلى 30% بعد ارتفاع علاوة المخاطر الناجمة من التبعات السلبية للحرب الإيرانية على المنطقة ومنها مصر. باع المركزي سندات خزانة متوسطة الأجل، عامين و3 سنوات للعائد الثابت باقل من مليار جنيه ما يعادل 2% فقط من إجمالي السيولة المستهدف جمعها في العطاء ككل بنحو 38 مليار جنيه.

وأظهرت نتائج العطاء ارتفاع متوسط سعر العائد على سندات الخزانة لأجل عامين إلى نحو 22.7% مقارنة بـ22.51% في العطاء السابق، كما ارتفع متوسط العائد على سندات أجل 3 سنوات إلى 21.17% مقابل 21% في العطاء السابق.

استمرار ظاهرة النقص الشديد في حجم سندات وأذون الخزانة نتيجة ارتفاع سعر الفائدة المطلوب سيفاقم من العجز في العملة الصعبة، نظراً لزيادة صافي التخارج في الأموال الساخنة.

الطاقة

من المتوقع أن تضيف الاضطرابات التي تشهدها إمدادات الغاز الإقليمية ما بين 2 إلى 4 مليارات دولار إلى فاتورة الاستيراد المصرية، وذلك بحسب نشرة إنتربرايز. وفي سياق تداعيات الحرب على إيران على قطاع الطاقة في مصر، للمرة الأولى في عام 2026، وكما رصدنا في التقرير السابق، فقد أعلنت وزارة البترول المصرية يوم الثلاثاء 10 مارس، رفع أسعار الوقود، بسبب ما أسمته بـ “الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالميا”. وهذه أول زيادة لأسعار الوقود في مصر خلال العام 2026، حيث أعلنت وزارة البترول في أكتوبر 2025 عن رفع أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 13 بالمائة في ثاني زيادة لذلك العام (الأولى كانت في أبريل)، “على أن تثبتها في السوق المحلية لعام بحد أدنى”.

وفي ضوء ذلك ارتفع لتر السولار أحد أكثر أنواع الوقود شيوعا في البلاد بنحو 17.1 بالمئة بواقع 3 جنيهات (الدولار يعادل 50 جنيها)، من 17.50 جنيه إلى 20.50 جنيه. كما ارتفع لتر البنزين 95 بنحو 14.3 بالمائة من 21 جنيها إلى 24 جنيها، فيما سجل بنزين 92 ارتفاعا في اللتر الواحد بحوالي 15.5 بالمائة من 19.25 جنيها إلى 22.25 جنيها. وتم رفع سعر اللتر الواحد من بنزين 80 بنسبة 17 بالمائة من 17.75 جنيها إلى 20.75 جنيه.

وفي سياق متصل، ارتفعت أسعار أسطوانة الغاز بوزن 12.5 كيلو غرام من 225 جنيها إلى 275 جنيها بنسبة زيادة بلغت 22.2 بالمائة، فيما وصل سعر الأسطوانة التي تزن 25 كيلو غراما إلى 550 جنيها بعد أن كان 450. وحسب الوزارة، ارتفع سعر غاز تموين السيارات للمتر (المكعب) بنسبة 30 بالمئة بواقع 3 جنيهات، من 10 جنيهات إلى 13 جنيها. وأوضحت وزارة البترول أن “هذا الوضع الاستثنائي ناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي”.

قناة السويس

تظل الحمولات العابرة لـ قناة السويس ثابتة عند 30-35% من مستويات ما قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ففي الوقت الذي كانت فيه قناه السويس قد بدأت محاولة التعافي أعقاب الحرب الإسرائيلية علي غزة منذ 7 اكتوبر 2023، والتي تراجعت فيها عائدات قناة السويس بنسبة 60% خلال عام 2024، بخسائر بلغت نحو 7 مليارات دولار، لتصل إجمالي الخسائر إلى فقدان 9 مليارات دولار من عائدات القناة خلال عامي الحرب الإسرائيلية على القطاع الفلسطيني، تأتي تداعيات الحرب الإسرائيلية والأمريكية علي إيران، والتي القت بظلالها مجددا علي إيرادات قناه السويس نتيجة تأثر حركة الملاحة العالمية والإقليمية بعد تصاعد حدة الصراع بالمنطقة واضطراب الملاحة بسبب اغلاق مضيق هرمز وتأثيره أيضا علي مضيق باب المندب ومن ثم قناه السويس. تبقى إيرادات قناة السويس في مصر شديدة الحساسية لأي تصعيد إقليمي، وبذلك فإن اتساع نطاق التطورات العسكرية والأمنية بما يؤثر على عائدات قناة السويس يهدد بتراجع تدفقات النقد الأجنبي في وقت يعتمد فيه الاقتصاد المصري على القناة كمصدر رئيس للعملة الصعبة.

وفي حين تمثل قناة السويس حلقة الوصل الأسرع نحو الغرب، يعد مضيق هرمز الشريان الرئيسي لصادرات النفط الخليجية، إذ تمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية ما يجعل أي اضطراب في الملاحة بمضيق هرمز ينعكس مباشرة على معدلات العبور في القناة وحركة التجارة الدولية.

ومن جانبه، قال د عمرو السمدوني، سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، أن قناه السويس تتميز بعدة مزايا استراتيجية، سواء من حيث اختصار زمن الرحلات أو خفض تكاليف التشغيل، تجعلها الخيار الأفضل السفن والشاحنات للعبور من خلالها، الا أن تداعيات الحرب الإيرانية وما خلفته من توترات بالمنطقة، وما نتج عنه من ارتفاع مخاطر التشغيل والتهديدات الأمنية وتكاليف الحماية الإضافية دفع الشركات إلى إعادة تسعير عملياتها وتحويل مسار بعض السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح كخيار بديل. وأضاف السمدوني أن شركات التأمين تعيد تقييم المخاطر بشكل مستمر، ما انعكس على ارتفاع قيمة وثائق تأمين مخاطر الحرب، خاصة للسفن العابرة لمناطق التوتر، بعدما كانت النسبة في الحدود الطبيعية عند 0.1% لتتجه نحو 1%. وفي السياق ذاته، أعلنت شركة الشحن الدنماركية ميرسك تعليق الإبحار عبر قناه السويس ومضيق باب المندب، مع تحويل مسار رحلتي لها الي طريق رأس الرجاء الصالح.

السياحة

يُعدّ قطاع السياحة ركناً أساسياً للاقتصاد المصري ومصدراً مؤثراً في توفير العملة الصعبة وفرص العمل. وقد ارتفعت إيرادات القطاع السياحي 24 مليار دولار بنسبة 56 في المائة العام الماضي، مقابل 15.3 مليار دولار في عام 2024، وفق وزارة السياحة المصرية. وتدفع الحرب الإيرانية السائحين بعيداً عن وجهات شرق البحر المتوسط مثل مصر، فقد أشارت شركة الطيران منخفض التكلفة إيزي جيت إلى أن المسافرين يفضلون وجهات غرب البحر المتوسط مثل إسبانيا على حساب مصر وتركيا وقبرص، وفق ما نقلت رويترز عن المدير التنفيذي لشركة كينتون جارفيس. وتهدد الحرب أيضا برفع أسعار تذاكر الطيران إلى المنطقة بحلول أواخر الصيف مع انتهاء عقود وقود شركات الطيران. ويعد هذا الأمر مهماً لأن قطاع السياحة المصري يعتمد اعتماداً كبيراً على شركات الطيران الاقتصادي لتوجيه السائحين إلى جنوب سيناء والبحر الأحمر سعياً إلى تحقيق الحصيلة المستهدفة بقيمة 24 مليار دولار بحلول العام المالي 2028-2029. وإذا بدأت هذه الشركات في نقل سعتها التشغيلية بعيدا عن شرق البحر المتوسط، فإن مصر قد تفقد العديد من السائحين الأوروبيين، وبالتبعية التدفقات النقدية المصاحبة لهم.

وتقول تقارير إن من تداعيات الحرب على إيران على قطاع السياحة في مصر، أن أعداد السائحين الوافدين من الأسواق الأوروبية الرئيسية، والتي تمثل عادة أكثر من نصف إجمالي الزوار، قد تباطأت بالفعل مؤخراً، حسبما ذكرت وحدة أبحاث “بي إم آي” التابعة لمؤسسة فيتش سوليوشنز في تقرير لها، وفقاً لما نقلته عنها نشرة إنتربرايز. فبعد أن كانت مصر تتوقع قفزة في معدلات السياحة الوافدة هذا العام، أصبحت هناك تخوفات كثيرة من التداعيات التي تتركها الحرب الإيرانية على قطاع السياحة الحيوي، خصوصاً مع قيود على حركة السفر من دول خليجية، بالإضافة إلى الأسواق الأوروبية الرئيسية. ورغم التطمينات الحكومية، يؤكد خبراء في هذا القطاع على ضرورة التحوط بإجراءات عاجلة لزيادة نسبة السياحة الوافدة أو حتى الحفاظ عليها، مشيرين إلى تأجيل رحلات وإلغاء حجوزات كانت مقررة خلال عطلة عيد الفطر.

وكانت السياحة المصرية قد سجلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي، وحققت نسبة نمو بلغت 21 في المائة بعد استقبال 19 مليون سائح، حسب وزارة السياحة. وفي الأيام الأولى لحرب إيران، قال وزير السياحة والآثار شريف فتحي إن مصر “آمنة ومستقرة”، وإن التطورات الجيوسياسية في المنطقة لم تؤثر على حركة السياحة الوافدة إليها. وأكد الوزير، خلال اجتماع للجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب مطلع الشهر الحالي، أن “المقصد المصري يتمتع بخصوصية وحدود آمنة ومستقلة”، وفق بيان لوزارة السياحة المصرية.

ورغم رسائل الطمأنة التي تبعث بها الحكومة المصرية، يرى الخبير السياحي المصري حسام هزاع ضرورة “التحوط بإجراءات عاجلة؛ لضمان زيادة نسبة السياحة الوافدة في المواسم السياحية المقبلة”، ويقول: “المهم وضع خطة ترويج للمواسم المقبلة، تضمن تحقيق المستهدف من حركة السياحة للبلاد”. ومع ذلك، فإنه لا يلمس تأثيراً كبيراً للحرب الإيرانية على نسب الإشغال السياحي في موسم رمضان وعيد الفطر، وقال: “غالبية الحجوزات لم تُلغَ، باستثناء بعض الرحلات المرتبطة بخطوط الطيران القادمة من دول الخليج العربي.” وأضاف: “هناك شركات سياحة أجنبية أجَّلت رحلاتها لحين استقرار الأوضاع، ولم تلجأ لخيار الإلغاء”. ويعتقد هزاع أن نسبة التأثير لم تتجاوز 10 في المائة حتى الآن بالنسبة للحجوزات التي كانت مقررة في هذه الفترة، خصوصاً القادمة من السوق الآسيوية، ويشير إلى أن هذه النسبة لم تنعكس بوضوح على مؤشرات الحركة السياحية، لا سيما مع استمرار رحلات السياحة الأوروبية والأميركية، معتبراً ذلك بأنه يعكس “وضعاً سياحياً آمناً حتى الآن”.

وفي المقابل، يرى مستشار وزير السياحة المصري الأسبق والخبير السياحي وليد البطوطي “تأثراً في الإشغالات خلال عيد الفطر بسبب الحرب الإيرانية”. وقال: “هناك إلغاءات لرحلات عدّة، خصوصاً التي كانت مرتبطة بخطوط الطيران الخليجية”؛ مشيراً إلى أن توقُّف الملاحة الجوية بسبب الحرب يؤثر على خطط شركات السياحة للسفر واستكمال برامجها. وحسب البطوطي، فإن جزءاً أساسياً من تأثر حركة السياحة الوافدة كان بسبب البيان التحذيري الصادر عن الخارجية الأميركية للرعايا الأميركيين بالمنطقة من السفر لعدد من الدول – كانت مصر من بينها – في بداية حرب إيران. ويضيف: “هذا البيان تسبب في إلغاء بعض الحجوزات، رغم صدور بيان لاحق من السفارة الأميركية بالقاهرة يؤكد على أن الوجهة السياحية المصرية آمنة ومستقرة”.

تقييم صندوق النقد

وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن التأثير المباشر على الاقتصاد المصري “يظل محدوداً نسبياً”، رغم الضغوط التي فرضها ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وما نتج عنها من زيادة تكاليف النقل وتشغيل المرافق. وقالت المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك، في تصريحات صحفية، إن “تأثير حرب إيران على الاقتصاد المصري ظل محدوداً نسبياً حتى الآن”، وأضافت أن السلطات “اتخذت إجراءات استباقية ومنسقة لاحتواء التداعيات”، مشيرة إلى أن “مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي”. وتابعت كوزاك أن الإجراءات الحكومية لمواجهة تداعيات الصراع “شملت تشكيل لجنة عليا لإدارة الأزمات لضمان استجابة سريعة”، مشددة على أن السلطات “تحاول تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الانضباط المالي في ظل الضغوط، ودعم الفئات الأكثر احتياجاً عبر برامج إنفاق اجتماعي”.

وقال الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، الدكتور فخري الفقي، إن “الاقتصاد أصبح أكثر صلابة وقدرة على التعامل مع الصدمات نتيجة الإصلاحات التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية”، مضيفاً أن “الاقتصاد المصري أصبح أكثر مرونة وتحوطاً منذ نهاية 2022، مع تحسن برامج الحماية الاجتماعية وزيادة الاعتماد على التحول الرقمي، بما يعزز الشفافية ويقلل التدخل البشري، إلى جانب التوسع في الاستثمارات الخضراء”.  وذكر الفقي الذي كان يشغل منصب مساعد مدير صندوق النقد، أن “استمرار التوترات لفترة طويلة يمثل عامل خطر”، موضحاً أن “إطالة أمد الأزمة قد تؤثر على أسعار الغذاء ومدخلات الإنتاج مثل الأسمدة، وهو ما ينعكس على معدلات التضخم، وبالتالي أسعار الفائدة وتكلفة الاقتراض، بما يزيد الأعباء على الموازنة العامة والدين”.

وسجل التضخم في مصر ارتفاعاً خلال شهر فبراير، قبل اندلاع الحرب، مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية وعوامل موسمية مرتبطة بزيادة الطلب في شهر رمضان، إضافة إلى توقعات التوترات الجيوسياسية آنذاك، كما بلغ معدل التغير الشهري في أسعار المستهلكين 2.8% مقارنة بـ1.4% خلال نفس الشهر من العام الماضي، فيما وصل التضخم السنوي إلى 13.4% مقابل 11.9% في الشهر السابق. ومن جهة أخرى، قال الفقي إن “مرونة سعر الصرف لعبت دوراً مهماً في امتصاص الصدمات، حيث ساعدت إدارة البنك المركزي لسعر العملة في تقليل حدة التقلبات ومنع حدوث صدمات قوية للمواطنين، مع الحفاظ على مستويات الاحتياطي النقدي دون تراجع ملحوظ”.

وبلغت صافي الاحتياطيات الدولية لمصر نحو 52.7 مليار دولار أمريكي في نهاية فبراير، مسجلة مستوى يمكن الاقتصاد من مواجهة التحديات الخارجية والضغط على سعر الصرف. وفيما يتعلق بتحقيق التوازن بين الانضباط المالي ودعم الفئات الأكثر تضرراً، أوضح الفقي أن الموازنة الجديدة تتضمن حزمة اجتماعية تشمل زيادات في الأجور والمعاشات والحد الأدنى للأجور، إلى جانب توسيع برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة” وإجراءات إعفاءات ضريبية، بما يخفف من آثار ارتفاع الأسعار على المواطنين.

ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي خالد الشافعي إن “التأثير المباشر للحرب على الاقتصاد المصري لا يمكن اعتباره قوياً أو مباشراً حتى الآن”، موضحاً أن “مثل هذه الأزمات تحتاج إلى فترة زمنية حتى تنعكس آثارها بشكل واضح على الأسواق، خاصة فيما يتعلق بأسعار السلع المستوردة”. وأضاف الشافعي أن التأثيرات المرتبطة بالحروب “تظهر تدريجياً”، لافتاً إلى أن انعكاسها على الأسعار المحلية “يتطلب عدة أشهر حتى يتضح بشكل ملموس”، مشيراً إلى أنه “حتى الآن لا يوجد تأثير سلبي مباشر وقوي على الاقتصاد المصري، وإن كانت هناك ضغوط غير مباشرة مرتبطة بالأسعار العالمية”.

 وذكر الشافعي أن بعض الإجراءات التي تم اتخاذها، مثل ترشيد استهلاك الكهرباء وتقليل الإنفاق “تعكس توجهاً نحو ضبط الاستهلاك في ظل الظروف الحالية”، موضحاً أن هذه السياسات “قد يكون لها تأثيرات إيجابية من ناحية، وسلبية من ناحية أخرى على النشاط الاقتصادي.” وأردف الشافعي أن التأثيرات السلبية تظهر بشكل أكبر من خلال ارتفاع الأسعار العالمية وتقلبات الأسواق، لافتاً إلى أن قطاع السياحة قد يكون من أكثر القطاعات تأثراً، مع توقعات بتراجع الإيرادات في حال استمرار التوترات لفترة طويلة، كما أكد أن قرارات رفع أسعار الوقود، رغم أهميتها في إدارة الموارد، تؤدي إلى زيادة تكلفة النقل، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات، وبالتالي يمثل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد.

وفيما يتعلق بسعر الصرف، أشار الشافعي إلى أن مرونة سعر الصرف “ساهمت في توفير العملة الأجنبية للمستوردين والمستثمرين، بما يساعد على استمرار النشاط الاقتصادي والحفاظ على الاستثمارات”، لافتاً  إلى أن “استقرار الأوضاع قد يدعم عودة تدفقات الاستثمار خلال الفترة المقبلة”، كذلك شدد على” أهمية الاعتماد على الإنتاج المحلي وتعزيز القدرات التصنيعية، إلى جانب استمرار برامج الحماية الاجتماعية وتوفير السلع الأساسية بكميات كافية، بما يحد من ارتفاع الأسعار ويمنع الممارسات الاحتكارية، ويساعد المواطنين على التكيف مع تداعيات الأزمة”.

الخلاصة

بدأت الأثار الإقتصادية السلبية للحرب على إيران في الظهور خلال الشهر الأول من لحرب، ولكن بشكل لايزال تحت السيطرة. تمثلت أهم التأثيرات في تراجع سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية، وخروج حجم معتبر من الأموال الساخنة، فضلا عن ارتفاع سعر الفائدة المطلوب من المستثمرين لكي يحد من خروج هذه الأموال. تقلص امدادات الطاقة نسبيا، وارتفاع أسعار المنتجات البترولية كان أيضًا أحد الأثار المهمة.

إلا إنه إذا استمر الصراع الجاري وزاد نطاقه اتساعًا، وهو الاحتمال الأرجح كما يبدو الأن، فستزداد التداعيات السلبية على الإقتصاد المصري حدة. إذا استمر التراجع في عائدات السياحة وقناة السويس، وانخفض حجم تحويلات المصريين العاملين بالخليج بسبب الحرب، فضلا عن استمرار خروج الأموال الساخنة، فسيحدث انخفاض حاد في سعر الجنيه أمام الدولار، وبالتالي سترتفع فاتورة الاستيراد الذي يشكل عصب الإحتياجات الأساسية، مما يرفع من حدة التضخم، كما سيزداد العجز في الموازنة. سيدخل ذلك البلاد في حلقة مفرغة من التداعيات السلبية قد تفوق الأزمة التي تعرضت لها بعد اندلاع حرب أوكرانيا عام 2022.

المشكلة الجوهرية أنه إذا حدث ذلك في هذه الظروف، فلا يبدو وجود أفق لإنقاذ الإقتصاد كما حدث من خلال صفقة رأس الحكمة مثلا، او انخفاض نسبة الفوائد على الديون الجديدة، كما حدث في ذلك الوقت. سيترتب على هذا الأمر تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة، وربما سياسية أيضا، إذا لم تستطع الدولة إيجاد طريقة للخروج من هذا النفق المظلم.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى