fbpx
دراسات

التدخل الإنساني في ضوء القواعد الدولية العرفية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

لم ينشأ القانون الدولي الإنساني من فراغ، كما أن قواعده ليست وليدة اليوم، وإنما تضرب بجذورها في أعماق التاريخ البشرى، ومنذ اندلاع أول حرب فوق هذه الأرض، لذلك تستمد قواعد ذلك القانون جذورها من ديانات وثقافات ونظم وحضارات مختلفة لعبت كلها دوراً هاماً في بلورة تلك القواعد وتجسيدها.

وهكذا يشكل العرف ومبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام، بخصوص سير العمليات الحربية وما يمكن إلحاقه بالعدو من أذى، أو بالأشخاص الذين يتأثرون بويلات النزاع المسلح، مصدراً لا يمكن إنكاره من مصادر القانون الدولي الإنساني، إذ في إطار القانون الدولي الإنساني، كما هو الحال بالنسبة لأي قانون: “المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً”، و”الثابت بالعرف كالثابت بالنص”، و”العادة محكمة”، أي يحتكم إليها ويرتكن عليها،

وتبدو أهمية العرف كذلك في أنه عند عدم وجود نص مكتوب، تظل المسألة محكومة بالقواعد العرفية ومبادئ الإنسانية [1].

المبحث الأول: ماهية القواعد الدولية العرفية

يتبوأ العرف الدولي أهمية كبيرة بين مصادر القانون الدولي، إذ أنه قد أوجد معظم قواعد القانون الدولي العام، فضلا عن أن غالب قواعد المعاهدات الشارعة تكون تقنينا للقواعد العرفية المعمول بها [2].

ويمكن تناول ماهية العرف والأبعاد التي تثار في إطاره، علي النحو التالي:

أولاً: تعريف العرف الدولي:

العرف الدولي هو مجموعة القواعد القانونية التي توجد وتستقر نتيجة إتباع أشخاص القانون الدولي لها مع اعتقادها أن هذه القواعد ملزمة [3]، ويرى البعض أن العرف كان فيما مضى، المصدر الأول للقانون الدولي، لكنه الآن وبعد ازدياد حركة تقنين القواعد القانونية الدولية يحتل المركز الثاني [4]، وجاء في المادة 38/ب من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية أن، العرف الدولي بمثابة قانون كما دل عليه التواتر.

ويعرف آخرون القاعدة العرفية، بأنها: “تنبع من سلوك عام يعترف بها ويحترمها”، ويعرفه “حامد سلطان” العرف بأنه: “مجموعة من الأحكام القانونية، نشأت من تكرار التزام الدول لها في تصرفاتها مع غيرها في حالات معينة، بوصفها قواعد ثبت لهما في اعتقاد غالبية الدول المتحضرة، وصف الإلزام القانوني”[5].

ويعرفه “كيرة” بأنه: “تواتر العمل بقاعدة معينة، تواتراً تمليه العقيدة في ضرورة أتباع هذه القاعدة..”، وهو أيضاً “يتكون آلياً بما تمليه ضرورات العمل بمعزل عن تدخل السلطة الحاكمة في الجماعة”[6]. وهو ما لا يتفق مع قول البعض بأن العرف يتمتع بوصف الإلزام “الناتج عن انصراف الإدارة الضمنية للجماعة “أو الفئة المسيطر عليها”، إلى تكليف كافة أعضائها بالخضوع لحكمها…”[7].

وتنبع أهمية المقارنة بين هذين التعريفين، من ارتباط التعريف، بالأساس القانوني للعرف، لأن تصور وجود العرف نتيجة للإرادة الضمنية “للفئة المسيطرة” على المجتمع، يجعل الأساس القانوني للعرف ـ كالمعاهدات ـ هو الإدارة الشارعة للفئة المسيطرة على المجتمع.

وتبدو صعوبة “العرف”، في مقارنته بما يمكن أن يختلط به من قواعد، وفي كيفية الاستدلال عليه؛ فإذا كان جانب من الفقه يرى أن العرف، يعنى “السلوك الذي يمكن أن تستخلص منه القاعدة العرفية” بينما، لا يمكن أن تستخلص من “العادة” فكرة الالتزام، على اعتبار أن الأفعال المكونة لها ليست إلا من قبل المجاملة بين الدول، فإن مثل هذه المقارنة لا تحدد بوضوح معنى العرف بالقياس إلى غيره [8].

وآياً ما كان الأمر، فإن العرف في كل الأنظمة، والدول، يتصف بخاصية المرونة والتطور والتلقائية في معظم الحالات، ولذلك يمكن القول بأن العرف ليس عملاً من أعمال السلطة إذا صرفنا النظر عن عملية تدوين العرف، والتي تتم فعلاً بمعرفة السلطة، لأن عمل السلطة هنا ليس عملاً خالقاً للقاعدة أو منشئاً لها. وكل ما يقوم به الشخص المكلف بتطبيق العرف، ليس إلا مجرد “استخلاص” القاعدة العرفية من السلوك الخارجي في المجتمع الدولي.

وعند استخلاص معنى “العرف” من المادة (38) يزداد الأمر غموضاً؛ فهذه المادة تتحدث عن العرف “كدليل على التواتر المقبول كقانون”، ومن الواضح أن هذا التعريف يضع النتيجة قبل السبب ويصادر على المطلوب، لأن المطلوب هو الاستدلال على العرف فنستخدم “التواتر المقبول كقانون”، دليلاً على وجود العرف، لا أن تستخدم “العرف” دليلاً على التواتر المقبول كقانون [9].

ثانياً: أركان العرف:

يذهب البعض إلى الاكتفاء بتوافر عنصر واحد لقيام العرف، ولكنهم اختلفوا في تحديد هذا العنصر، فمنهم من يقتصر في تعريف العرف على العنصر المادي” تكرار السوابق فقط، والبعض الآخر يكتفي بالعنصر المعنوي[10].

إلا أن المتعارف عليه بين الجمهور يتكون العرف الدولي من ركنين، شأنه شأن العرف الداخلي، هما الركن المادي، والركن المعنوي: فوفقا للتعريف الشائع، للعرف أنه “مجموعة القواعد القانونية، التي تستخلص من تواتر سلوك اعتقدت الدول أنها ملزمة بإتباعه”، يستخلص البعض أن العرف الدولي، يتكون من عنصرين أساسيين، الأول: السلوك المتوتر، ويعبر عنه بالعنصر المادي، والثاني: الاعتقاد بالتزام، ويعبر عنه بالعنصر المعنوي:

1ـ العنصر المادي: يقصد بالركن المادي، تكرر اتباع أشخاص القانون الدولي لقاعدة معنية حتى تصبح مستقرة ومقبولة من المجتمع الدولي [11]. ويثبت الركن المادي للعرف الدولي عن طريق مراجعة سلوك الأشخاص الدولية ومراقبة السوابق الدولية [12].

ويتكون الركن المادي من تواتر سلوك الدول والمنظمات الدولية، على اتباع قاعدة معينة في التعامل، بصفتها سابقة من السوابق، والواقع أن عملية إثبات أن واقعة ما، تعتبر سابقة من السوابق تحتاج إلى برهان على اتصافها بهذه الصفة، وقد أتجه أغلب الفقه الدولي إلى خاصية “التكرار” للتصرف الدولي، كمعيار لوجود العنصر المادي، واتجه البعض إلى ربط التكرار بمدى زمني، بحيث يكون التكرار خلال مدة طويلة، وأضاف البعض الآخر إلى ذلك، بعداً مكانياً آخر، بحيث يشمل التكرار “أعضاء الجماعة بأسرهم”[13]. ومعنى ذلك، إن العنصر المادي يتصف بما يلي: تكرار واقعة مادية لمدة طويلة من الزمن، وأن يلتزم بهذا التكرار كافة أعضاء الجماعة.

والتحليل الدقيق، لما جرى العمل على تسميته بالركن المادي وكافة خصائصه المشار إليها، يدحض وجهة النظر السابقة، من عدة اعتبارات:

أ ـ بالنسبة لتكرار الواقعة لمدة طويلة: القاعدة القانونية الدولية هي التعبير عن الإرادة الشارعة. وهي تأخذ في المعاهدات شكلاً كتابياً محدداً، ولكنها لا تأخذ في العرف مثل هذا الشكل.. ويبدو الاختلاف هنا، اختلافاً في وسيلة ذلك، وهو العنصر الجوهري الذي يشكل جوهر القاعدة القانونية على وجه العموم، وهو “الإلزام”.

فعلمية الشعور بالالتزام، لا تنفصل انفصالاً مطلقاً عن عملية تكوين ما يسمى بالعنصر المادي. حيث إن لجوء الدول، إلى الأخذ بنفس ما انطوت عليه السابقة الدولية الأولى من أحكام، لا يشمل “خاصية التكرار” التي جرى على الأخذ بها جانب كبير من الفقه، ولكنه يشكل ـخاصية الإلزام؛ إن هذه الخاصية تبدأ أولاً، بمجرد رغبة في المحاكاة، تحركها بواعث نفسية هي الشعور ولو بضعف، بالالتزام بهذه الأحكام، لأنها أحكام صائبة.

فالتكرار إذاً، إنما هو إعلان متواصل من المجتمع الدولي عن تولد الشعور بالالتزام، وهذا الشعور يبدأ ضعيفاً عند السابقة الثانية، ثم يبدأ في القوة عندما يتكاثر الخاضعون لسلطانه وتتولد القاعدة العرفية، منذ السابقة الثانية، لأن هذه السابقة تشكل الميلاد الحقيقي للقاعدة القانونية العرفية، التي كانت قبلها، مجرد تصرف صادر عن الإرادة المنفردة، أو تصرف ثنائي، قد يبقى محصوراً في نطاقه الأول دون أن يحاكيه أحد.

وهذا ما يجد تأكيداً له في المادة 38 أيضاً، والتي تتكلم عن “العرف الدولي المقبول بمثابة قانون، كما دل عليه التواتر”، فالتواتر في المعنى الظاهر لهذا النص، هو الذي يدل على الشعور بالإلزام، أو هو في معنى آخر، الذي يدل على القاعدة القانونية الدولية [14].

2ـ الركن المعنوي: ويقصد به وجود اعتقاد لدى أشخاص القانون الدولي بضرورة إتباع قاعدة معينة على سبيل الإلزام القانوني وأن مخالفة هذه القاعدة يستوجب توقيع الجزاء [15].

ثالثاً: أهمية العرف الدولي:

يذهب البعض إلى أن العرف الدولي يعد من أهم مصادر القانون الدولي وأكثرها إنشاء لأحكام هذا الفرع من القانون [16]، بالرغم من التزايد المضطرد في إبرام الاتفاقيات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف، والتي ربما تولد لدى البعض انطباعا بأن القانون الدولي العرفي لم يعد ذا أهمية كبرى.

ويمكن القول أنه مازالت للعرف الدولي أهميته في إنشاء وتطور قواعد القانون الدولي، وتظهر تلك الأهمية بمقارنته بالمعاهدات الدولية، وذلك من عدة نواحي:

1ـ يمتاز العرف، بالمقارنة بالمعاهدات الدولية، بأن قواعده تتميز بصفة العمومية، فالقاعدة العامة أن يكون العرف عاما يلزم كافة أشخاص القانون الدولي [17]، في حين أن القواعد الاتفاقية التي تنشئها المعاهدات الدولية قلما تكتسب هذا الوصف، لأن القواعد الاتفاقية لا تخاطب ولا تلزم إلا عاقديها، ومن ثم تنحصر القوة الإلزامية للمعاهدات على عاقديها ولا تتعداهم إلى الدول غير الأطراف، إعمالا لمبدأ الأثر النسبي للمعاهدات، والذي يقضى بأن المعاهدات لا تخلق حقوقا والتزامات على عاتق الغير دون موافقته [18].

2ـ لا توجد اتفاقية عالمية تضم كل دول العالم كأطراف فيها، وفي الوقت ذاته جامعة مانعة لكل الأحكام، لذلك تبدو الحاجة إلى القواعد القانونية العرفية من أجل تحديد الحقوق والوجبات القانونية للدول غير الأطراف.

3ـ إنه على فرض وجود اتفاقية دولية ملزمة للعديد من الدول، فإنها تترك بعض المسائل دون تناول، وفي هذه الحالة تظهر أهمية القانون العرفي ليكمل القواعد الاتفاقية المكتوبة ويملا الفراغ الموجود في القانون الدولي الاتفاقي [19].

رابعاً: إثبات العرف الدولي:

يعتبر العرف هو الصورة غير المكتوبة التي تصدر فيها الإرادة الشارعة الخالقة للقانون، لذا كان طبيعيا أن نتساءل عن كيفية إثبات وجود القاعدة العرفية الدولية. ولما كان القانون الدولي العام من خلق الإرادة الشارعة لأشخاص القانون الدولي الذين يملكون هذه الإرادة، فالعرف الدولي يستمد من كل ما يصدر عن هؤلاء الأشخاص من تصرفات تدل على توافر تلك الإرادة بواسطة أجهزتهم المفوضة في ذلك [20]، ويعتبر تواتر السوابق وتكرارها وسيلة هامة في إثبات أن ثمة قاعدة قانونية نشأت في المجتمع الدولي لحكم علاقة معينة [21]

خامساً: إلزام العرف الدولي:

يعد العرف المصدر المباشر الثاني لإنشاء قواعد قانونية دولية. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أنه يعد أهم مصادر القانون الدولي وأكثرها إنشاءً لأحكام هذا الفرع من القانون، وإلى أنه يمتاز على المعاهدات بأن قواعده لها وصف العمومية، بمعنى أنها ملازمة لمجموعة الدول المتحضرة، في حين أن القواعد والأحكام التي توجدها المعاهدات أو القانون الاتفاقي قلما تكتسب هذا الوصف، لأن قوتها الإلزامية مقصورة على عاقديها، لا تتعداهم إلى غيرهم.

يضاف إلى ذلك أن المعاهدات الجماعية التي تنشئ أحكاماً لازمة لمجموعة كبيرة من الدول قليلة العدد، تنفرد الدول عادة من الإقبال على عقدها لرغبتها في الاحتفاظ بحرية التصرف في المستقبل، ورأى هذا الفريق من العلماء يؤيده الوضع الحاضر للقانون الدولي؛ ذلك أن الغالبية العظمى للقواعد والأحكام القانونية التي تنتظم علاقات الدول وقت السلم ووقت الحرب والحياد، تقوم على العرف الذي توافر بين الدول، واستقر عليه العمل بينها.

والعرف الدولي الملزم يتكون مجموعة من الأحكام القانونية نشأت من تكرار التزام الدول لها في تصرفاتها مع غيرها في حالات معينة، بوصفها قواعد ثبت لها في اعتقاد غالبية الدول المتحضرة وصف الإلزام القانوني، وإذا كانت الأحكام الدولية العرفية تقوم على السوابق، فإنه لا يشترط فيها التعداد الكثير، بل إنه يكفي -في رأى البعض- التكرار المقرون بعدم العدول لكى يترتب الحكم العرفي ويستقر؛ ويعلل هذا الفريق من العلماء رأيه بأن عدد أشخاص القانون الدولي حدود، والعلاقات التي تقوم بينهم تختلف عن علاقات الأفراد بسعة التنوع وسرعة التطور، بحيث يصعب أن تتعدد الحالة الواحدة التي صدر في شأنها التصرف المعين مرات عديدة، وذلك بعكس ما يحدث عادة في العرف الداخلي.

ويضاف إلى ذلك أن وفرة عدد أشخاص القانون الداخلي ودوام الحاجة إلى ممارسة بعضهم للتصرفات التي يمارسها البعض الآخر، يجعل تعدد التزام الحكم المعين في الحالة المعينة، من ثم تكوين القاعدة العرفية أمراً يسيراً، مترتباً على طبيعة الأشياء.

غير أن الرأي الصواب، هو الذي يقرر أن التعدد أو التكرار في السوابق الدولية، ليس لهما منفردين قوة إقامة الحكم العرفي الدولي، لأن العنصر الأساسي في إنشائه، ليس التعدد أو التكرار بقدر ما هو في ثبوت الاعتقاد بين الدول بلزوم إتباعه، كلما تجددت الحالة التي اتبع فيها من قبل.

ومن طبيعة الحكم العرفي أن يكون شائعاً يميل إلى التطور الدائم، وإن يعوزه الجمود والثبات اللذان تتميز بهما الأحكام الاتفاقية، والشيوع والتطور في الحكم العرفي لا يخلوان من نفع، إذ يجعلان القاعدة القانونية مسايرة لعلاقات الدول في تطورها، متمشية مع تغير الظروف والملابسات، في حين أن أحكام المعاهدات كثيراً ما تعوق نمو العلاقات بين الدول، وتقضى على استمرار قيام التفاهم بينهما في بعض الأحيان.

وقد تفرق الرأي في الفقه فيما يتعلق بتعيين الأساس الذي يكسب الحكم العرفي وصف الإلزام؛ فذهب فريق من العلماء إلى أن الحكم العرفي يستمد قوته من رضا الدول بالخضوع له في تصرفاتها، شأنه في ذلك شأن المعاهدات، وإن كان ثمة فارق بين الأساس الإلزامي لهذين المصدرين، فهو أن رضا الدول صريح في حالة المعاهدات، في حين أنه ضمني أو مفروض في حالة العرف.

والدليل على وجود الرضا الضمني، هو إقبالها على التصرف وفقاً للقاعدة العرفية، ومبادرة الدول التي صدر التصرف في مواجهتها إلى قبوله، من غير أن تبدى احتجاجاً عليه أو مناقضة له، مما يؤيد أن استقرار الحكم المستمد من القاعدة العرفية، إنما يقوم على الرضا الضمني أو المفروض، وليس هذا الفارق بذي أثر، لأن الرضا الضمني يتساوى مع الرضا الصريح، من حيث قوة الإلزام.

ويقرر هذا الرأي أيضاً أن الفارق الحقيقي بين أحكام المعاهدات وأحكام العرف، هو أن الأحكام الأولى ترتضيها الدول المتعاقدة لتنظيم علاقاتها المستقبلة، في حين أن الأحكام الثانية تنظم علاقات الدول في الحاضر والمستقبل.

ويذهب فريق من العلماء، إلى أن الأساس الذي يقوم عليه الحكم العرفي، ليس رضا الدول الضمني بالخضوع له، بدليل أن الحكم المستمد من العرف يعد حكماً ملزماً، حتى بالنسبة للدول التي نشأت بعد نشوئه واستقراره، تلك الدول التي لا يمكن أن ينسب لها الرضا بالخضوع للحكم وقت نشوئه.

ويصور هذا الرأي العرف بأنه أحكام رتبتها حكمة الأجيال، وشاع الاعتقاد لدى أعضاء الجماعة الدولية بوجوب الإذعان لها والتصرف وفقاً لحكمها، وذلك لأن تنظيم حياة العائلة الدولية، والمحافظة على بقائها يتطلبان ذلك الإذعان والخضوع، وعلى ذلك أن نشأت دول جديدة بعد نشوء الحكم المستمد من العرف واستقراره، فعليها أن تلتزم باحترامه بمجرد قبولها عضواً في الأسرة الدولية.

وإذا كان يشترط لوجود العرف أن يجتمع في حكمه عنصران: مادي، ومعنوي؛ فإن العنصر المادي، وهو صدور تصرف معين في حالة معينة، لا يشترط فيه أن يكون التصرف سلبي، فالامتناع قد يكفي، وقد أيدت ذلك المحكمة الدائمة للعدل الدولي في حكمها الصادر في 7 سبتمبر 1927، إذ قررت فيه أن العرف قد يترتب على أساس الامتناع عن اتخاذ تصرف في حالة معينة، متى اقترن هذا الامتناع بالعنصر المعنوي [22].

وقد كان الأمر قبل صدور هذا الحكم محلاً للخلاف في الفقه، إذ كان فريق من العلماء يشترط في التصرف أن يكون إيجابياً، ويرفض اعتماد التصرف السلبي كعنصر من عناصر إنشاء الحكم العرفي، ويشترط في التصرف المادي أن يصادف القبول من الدولة، أو الدول التي صدر في مواجهتها، وأن يستمر قبول الدول له إذا تكررت ممارسته، في المجالات الجديدة المماثلة للحالة الأولى، فإذا لم يستمر هذا القبول، أو إذا عدلت الدول عنه بعد ذلك، زال العنصر المادي [23].

ويشترط فيه أيضاً أن يكون عاماً من حيث التطبيق، بمعنى أن تمارسه الدول على وجه العموم في جميع الحالات المماثلة التي تحدث في المستقبل. وليس معنى هذه العمومية أن جميع الدول تمارس هذا التصرف في الحالات المماثلة، بل يكفي أن تكون ممارسة التصرف صادرة من أغلبية أعضاء الجماعة الدولية، لأن العمومية ليس معناها الإجماع.

ولذلك يقسم الفقه الأحكام العرفية قسمين:

ـ العرف العام: ويتضمن الأحكام التي تواترت أغلبية الدول على التصرف وفقاً لها.

ـ العرف الخاص: ويتضمن الأحكام التي تتبعها الدول التي تتقارب حضارتها، أو التي تشترك في حدة الجنس، أو التي تضمها مؤسسات إقليمية [24].

فالتصرف المادي لا يكفي وحده لإنشاء الحكم العرفي، بل يلزم لذلك أن يقترن التصرف المادي بذلك العنصر المعنوي، الذي يفيد أن ممارسة هذا التصرف في الحالات المماثلة يفرضها الاعتقاد بضرورته من حيث القانون. وهذا الاعتقاد لدى أشخاص القانون الدولي، هو الركن الأساسي في إنشاء الحكم العرفي.

وقد ذكرت ذلك الشروط المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فقررت أن المحكمة تطبق “العرف الدولي المقبول بمثابة قانون، كما دل عليه التواتر”، مما يؤكد أن العنصر المعنوي له الأولوية على التكرار المادي.

ووجود هذا العنصر المعنوي هو الذي يميز الحكم المستمد من العرف من الأحكام الأخرى غير الملزمة، التي تتبعها الدول في بعض الأحيان، نظراً لملابسات الحاجة الوقتية، أو لتيسير معاملاتها مع غيرها من الدول، فوجود هذا العنصر هو الذي يميز أحكام العرف من أحكام العادة، وهو الذي يميزها من أحكام المجاملات الدولية أو الأخلاقية، ولما كان هذا التطور معنوياً، فليس من اليسير التحقق من وجوده إلا عن طريق ذيوع الإحساس به [25].

لذلك تعمد الدول التي تمارس تصرفاً معنياً، أو التي يصدر في مواجهتها تصرف معين ولا ترغب في ترتيب حكم عرفي عليه، إلى طرق مختلفة للإعراب عن فقدان الاعتقاد لديها بالضرورة القانونية لهذا التصرف، ومن ذلك: الاحتجاج على صدور التصرف أو قبوله مع إبداء التحفظات، أو قبوله مع إبداء رأى الدولة في أن هذه القبول لا يعد سابقة، وقد تلجأ الدول إلى التدخل في العلاقات القائمة بين دولتين لمنع إنشاء الحكم العرفي، لذلك كله تعمد مهمة القضاء والدولي والفقه في تعيين أحكام العرف مهمة معقدة تتطلب كثيراً من الجهد والدقة والحذر، للتحقق من وجود العصرين المادي والمعنوي، الذين لا غنى عن وجودهما معاً لإثبات الحكم العرفي، ويسود الفقه الدولي رأيان متناقضان، فيما يتعلق بتعيين العوامل التي تشترك في تكوين العنصرين المادي والمعنوي اللازمين لإنشاء الحكم العرفي:

الأول: يمثله فريق من العلماء الألمان، وذهب إلى القول: بأن التصرفات التي تشارك في تكوين العرف، هي التي تصدر عن الهيئات صاحبة الاختصاص الدولي وحدها، أي الهيئات الحكومية دون غيرها. وهذا الرأي، يحدد لعوامل تكوين العرف نطاقاً ضيقاً، لا يشمل إلا التصرفات الصادرة عن السلطات التنفيذية في الدول، ولا يتضمن تلك التصرفات الصادرة عن السلطات التشريعية أو القضائية الداخلية.

الثاني: يحدد لعوامل تكوين العرف نطاقاً يتسع لجميع التصرفات، ويشمل حتى التصرفات التي تصدر عن الأفراد، بشرط توافر العنصر المعنوي لها، وليس ما يؤيد أحد هذين الرأيين في العمل، وذلك لأن العمل المتواتر بين الدول، يفيد أن العرف قد يترتب على أساس التصرفات، التي تصدر عن أية هيئة قانونية لها اختصاص داخلي أو دولي، سواء أكانت هذه الهيئات حكومية أم دولية [26].

فمن التصرفات التي تصدر عن هيئات حكومية داخلية، والتي تعد من عوامل تكوين الحكم العرفي، التصرفات التالية:

ـ المراسلات الدبلوماسية: التي تصدر عن الهيئة الحكومية، التي تشرف على العلاقات الخارجية للدولة، ومنها يمكن تحديد آراء الدولة، في مختلف الشئون التي تقوم بينها وبين غيرها من الدول، وقد عنيت بعض الهيئات العملية بجميع هذه المراسلات ونشرها، لما تتضمنه من وثائق ومعلومات لها أهمية بالغة فيما يتعلق بتحديد العرف وإثبات حكمه.

ـ التعليمات الحكومية والوزارية: سواء تلك التي تصدر للسفراء والوزراء المفوضين والقناصل، وتتضمن وجهة نظر الدولة في مختلف الشئون، أو تلك التي تصدر عن القيادة العامة وقت الحروب، وذلك لما لها من قوة في الإثبات بالنسبة لتحديد القواعد التي تتبع في الحروب البرية والبحرية والجوية.

ـ القوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية داخل الدولة: فقد تكون بعض هذه القوانين من أهم العوامل المنشئة للعرف الدولي، إذا توافر لها وصف العمومية في الدول الأخرى، بمعنى أن يصدر قانون في دولة معينة يتضمن أحكاماً معينة، ثم تصدر في الدول الأخرى قوانين أحكاماً مماثلة أو مطابقة لأحكام القانون الأول، ومثال ذلك القوانين الخاصة بمعاملة الأجانب، وتعيين ما يستمتعون به من حقوق، وما عليهم من أداؤه من واجبات، داخل الدولة التي يقيمون فيها.

ـ الأحكام التي تصدرها هيئات قضائية داخلية: لأن لهذه الأحكام قوة إثبات وجود العنصر المعنوي لدى الدولة، وقد يقوم الحكم العرفي على أساس التصرفات التي تصدر عن الهيئات الدولية، كمكتب العمل الدولي ومكتب الصحة الدولي، أو التصرفات التي تصدر عن المؤسسات الدولية، كمجلس عصبة الأمم، أو الجمعية العامة لعصبة الأمم السابقين، أو مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي أو مجلس الوصاية.

وقد تكون المعاهدات الجماعية أو التي تعقد بين بعض الدول، مظهراً من مظاهر الكشف عن بعض الأحكام العرفية، أو وسيلة من وسائل تكوين الحكم العرفي، بمعنى أن تتفق بعض الدول على تسجيل أحكام معينة في معاهدة معينة، وتقوم الدول الأخرى غير الأطراف في المعاهدة باتباع هذه الأحكام، في علاقاتها المتبادلة [27]،

ومن المتفق عليه أيضاً، أن الأحكام التي تصدرها هيئات التحكيم الدولية، والأحكام التي تصدرها محكمة العدل الدولية، تصلح أساساً لتكوين الأحكام العرفية، على الرغم من أن قوتها لا تتعدى أطراف النزاع إلى غيرهم من الدول [28].

المبحث الثاني: التدخل الإنساني في ضوء القواعد الدولية العرفية

يهدف التدخل لصالح الإنسانية أو “التدخل الإنساني” إلى حماية مواطني دولة ما في الخارج عن طريق استخدام القوة، وهي نظرية من بنات أفكار فقهاء القانون الكنسي مثل الفقيه “فيتوريا” [29]، فقد كان القانون الدولي التقليدي يسمح بالتدخل من جانب إحدى الدول أو عدد من الدول في الشئون الداخلية لدولة أخرى، في حالات معينة وإن كانت غير محدودة [30].

والقرنان السادس عشر والسابع عشر حافلان بتدخل الدول الأوروبية البروتستانتية في شئون دول أوروبا الكاثوليكية، لحماية الأفراد المنتمين إلى المذهب البروتستانتي، ولو كانوا من رعايا تلك الدول الكاثوليكية نفسها، وبلغ ذلك التدخل حد إشعال الحرب بين تلك الدول، ومن أهم تلك الحروب حرب الثلاثين عاماً، التي بدأت في عام 1618 وانتهت في 1648 بتوقيع معاهدة وستفاليا، حيث كفلت حرية العقيدة الدينية في أوروبا.

وفي هذا الإطار رأى فريق من المفكرين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أن التدخل على أسس إنسانية له ما يبرره، ليس عندما تنكر الدولة بعض الحقوق الدنيا لأولئك الذين يعيشون على إقليمها، ولكن عندما ترتكب جرائم كبيرة وتقع شرور جسيمة ويتعرض هؤلاء لخطر الإبادة العنصرية مثلاً، وقد أشارت بعض أحكام التحكيم إلى نظرية التدخل لأسباب إنسانية.

ويبدو في عدد من الحالات أن حق الدولة في حماية مواطنيها في الخارج يسمو على السيادة الإقليمية للدولة التي تتم فيها عمليات التدخل. بينما يقرر البعض، أن السلوك الاستبدادي من إحدى الحكومات تجاه مواطنيها وعمليات القتل الوحشي في الحرب الأهلية أو الاضطهاد الديني تشكل، أساساً مناسباً للتدخل الإنساني.

وعلى ذلك، فإن هناك اتفاق مبكر على وجود مبدأ التدخل الإنساني، ولكن الخلاف يدور حول مفهوم كل من “التدخل” و”الإنسانى”، فلا يوجد اتفاق واضح حول ما هي التصرفات التي تعد تدخلاً إنسانياً، ولا حول المبررات التي تجعل هذا التدخل مشروعاً، وكما يختلف الرأي في نطاق العلاقات الثنائية، فإن الخلاف يقوم أيضاً في نطاق المنظمات الدولية، حول متى يوجد التدخل الإنساني ومبرراته.

ففي نطاق العلاقات الدولية، يعرف “ستويل”، التدخل الإنساني بأنه اللجوء إلى القوة بغرض حماية السكان من المعاملة التحكمية والمسيئة دوماً، والتي تتجاوز حدود السلطة المفترض ممارستها من صاحب السيادة استناداً إلى أسباب وعدالة [31].

أما “ديفيد شيفر”، فيعرف التدخل الإنساني بأنه: تلك الأمثلة التي تستخدم فيها الدولة بطريقة منفردة، القوة العسكرية للتدخل في دولة أخرى بغرض حماية جماعات من السكان الأصليين مما يهدد حياتهم، أو الانتهاكات الأخرى التي تهدد حقوقهم الإنسانية والتي ترتكبها الحكومة المحلية أو تشترك فيها [32].

أما “مريستوفر جرين وود”[33]، فيقرر أن هذا المصطلح ينحصر في الحالات التي يتعرض فيها قطاع كبير من المواطنين، وليس بالضرورة رعايا دولة أو دول أخرى، في دولة ما للموت أو التعذيب على نطاق كبير نتيجة لسياسة حكومة هذه الدولة، كما هو الحال في المناطق التي تسكنها الشيعة والأكراد في العراق بعد أزمة الكويت، أو بسبب انزلاق الحكومة إلى الفوضى والتسيب، كما هو الحال في ليبريا والصومال. وقد جاء هذا التعريف أكثر من سابقيه دقة، ولكنه لم يوضح نوع التدخل المطلوب في هذه الحالات.

ويري “ديفيد كريسوك”، أنه من المقبول بصفة عامة التدخل الإنساني بانتهاك السلامة الإقليمية لأغراض محدودة لإنقاذ مواطني إحدى الدول.. وهذا التعريف في صورة يضع المبرر في صورة محدودة، وهو إنقاذ مواطني إحدى الدول، ولا شك أن الإنقاذ لا يكون إلا في حالة التعرض لخطر جسيم، ولكنه يجعل التدخل بانتهاك السلامة الإقليمية، أي باستخدام القوة وإن يصرح بذلك.

وقد جاء هذا التعريف أكثر تحديداً، ولكنه يتحدث عن حق دولة في إنقاذ رعاياها الموجودين في دولة أخرى، وهو ما كان يقرره القانون الدولي التقليدي لا يعالج التدخل الإنساني بالمعنى الشامل لهذه الكلمة في المفهوم الحديث لحماية حقوق الإنسان.

ويري “همفري والدوك”، أن الدولة تستطيع أن تستخدم القوة لإنقاذ مواطنيها كنوع من الدفاع عن النفس، إذا كان التهديد جدياً وكان هناك فشل أو عدم رغبة من صاحب السيادة الإقليمية في حمايتهم، وإذا كان هذا الإجراء محدداً بصفة صارمة بغرض الحماية [34].

كما يستند هذا الاتجاه، أيضاً إلى قضية “كارولين” بين بريطانيا والولايات المتحدة [35]، لإعطاء الدولة حق حماية مواطنيها في الخارج، فالدفاع عن النفس لا يقتصر على رد العدوان ضد أراضي الدولة، أنما يشمل حماية رعاياها في دولة أجنبية إذا ما تعرضوا للخطر دون أن تتمكن السلطات المحلية من حمايتهم [36].

ويستخلص من ذلك، أن التدخل الإنساني في رأى هؤلاء الفقهاء، هو التدخل الفردي من دولة في شئون أخرى، وهو ما يساء استخدامه لتحقيق أغراض أخرى غير تلك التي يعلن عنها، ومن ذلك استخدام الدول الغربية لنظرية التدخل الإنساني، للتدخل في الشئون الداخلية للإمبراطورية العثمانية، كما تزرعت بها فرنسا في عام 1860م، للتدخل في لبنان بعد الاشتباكات الدامية بين الدروز والموارنة، بينما كانت الأطماع الاستعمارية هي المحرك في الحالتين [37].

كما يدل تحليل السوابق الدولية في التدخل لصالح الإنسانية، إن تزرع الدول بهذا المبرر ليس إلا وسيلة للتدخل في نزاع داخلي وهو سمة من سمات العلاقات غير المتكافئة التي سادت في نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن، بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية من جهة وبين الشعوب الأخرى لدول العالم من جهة أخرى، فقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية نظرية التدخل لصالح الإنسانية، أكثر من ستين مرة ما بين عامي 1812م، 1932م من أجل حماية حياة وممتلكات مواطنين أمريكيين في الصين وأمريكا اللاتينية، وهو ما يهدف في الحقيقة إلى جعل منطقة أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ خالصة لها، ويعد تعبيراً عن سياسة استعمارية تمارسها.

ويلاحظ على هذا التدخل الإنساني، إن المبرر هو انتهاك حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي لحقوق الإنسان، وهو أمر لا يلقى القبول من كافة الدول، إذ أن سيادة هذا المفهوم الغربي لا يمكن أن تفرض على الشعوب والدول الأخرى بالقوة، وكما يقول البعض بحق [38]، فإنها فكرة صليبية مشكوك في أمرها، ويجب أن يكون الانتهاك لحقوق الإنسان بطريقة واضحة وعلى مدى واسع وأن يثبت وجود هذا الانتهاك بطريقة محايدة [39].

وفي إطار الفكر الإسلامي، اختلف مفهوم حقوق الإنسان عن المفهوم الغربي لهذه الحقوق، كما اختلف منهج الإسلام في بيان هذه الحقوق، عن المنهج الوضعي السائد في أمرين هامين: الأول، إن حقوق الإنسان في الإسلام ترتكز على فلسفة كاملة لها أساس من العقيدة الإسلامية ذاتها، وهى ليست حقوقاً نشأت الحاجة إليها بحسب تقدم الفكر البشرى في مجال السياسة أو الاقتصاد، والثاني أن الصياغة الإسلامية لحقوق الإنسان تهتم بالحقوق الأصلية للإنسان، أما الصور الجديدة التي قد تنشأ في ضوء الاتجاهات المتغيرة، والثى بحسب الزمان والمكان ونظم الحكم واتجاهاته السياسية، فإن المنهج الإسلامي لا يجعل هذه الصورة حقوقاً للإنسان، مثل “الحقوق الأصلية”، التي ينبغي التركيز عليها وترسيخها في المجتمع، والبحث عن أفضل الصور والأساليب للوفاء بهذه الحقوق الأصلية[40].

كما كانت للفكر الاشتراكي فلسفة مختلفة في حقوق الإنسان، تقوم على تقديم الحقوق الاجتماعية على غيرها من الحقوق الفردية، وتعلى من شأن حقوق الشعوب.. وكان ذلك مثيراً للنزاع بين المعسكرين الشرقي والغربي.. ولذا فإن التدخل الإنساني يجب أن يكون لمواجهة انتهاك لحقوق إنسانية أساسية تحوز القبول من غالبية أعضاء المجتمع الدولي [41].

ومن هنا فالأصل في التدخل أنه عمل غير مشروع، إذ يتضمن اعتداءً صادراً من الدولة المتدخلة على إقليم الدولة التي وقع التدخل في شئونها، ولكن إذا أساءت دولة استعمال حقوقها بشكل فيه إضرار بدولة أخرى، أو إذا مارست سياسة من شأنها الإضرار بدولة أخرى، فهل يكون لهذه الدولة التي وقع الضرر عليها استناداً إلى حقها في البقاء، أو استناداً إلى حقها في الدفاع الشرعي عن نفسها، إن تتدخل في شؤون الدولة التي سببت لها الإضرار لتدفع عن نفسها ما يهددها، أو لتحول دون وقوع الضرر عليها [42].

وفي بداية القرن العشرين، واستناداً للسوابق التي شهدها العالم، حاول فقهاء القانون الدولي أن ينظموا حق التدخل؛ فحد العلامة “فوشيه” الحالات التي يباح فيها التدخل العسكري، وهي حالة قيام دولة بزيادة تسلحها زيادة لا تتفق مع مقتضيات الدفاع عن نفسها، وحالة تدبير مؤامرة في إقليم دولة بغية إشعال ثورة في دولة مجاورة، وحالة قيام ثورة في دولة وانتشارها بشكل يخشى منه على سلامة الدول المجاورة، وحالة تصريح دولة علناً بعزمها على بسط نفوذها على جيرانها.

وعندما قامت عصبة الأمم، ثم الأمم المتحدة، حاولت كل منهما أن تخرج حق التدخل، أو ممارسته من دائرة اختصاص الدولة، لإدخاله في دائرة اختصاص المنظمة الدولية، على ما سبق القول.. وعندئذ برز التدخل الجماعي المنظم، الذي أصبح وسيلة من وسائل القهر، يستطيع التنظيم الدولي أن يستخدمها، في معاقبة الدول التي لا تخضع لقراراته، أو التي يخالف مبادئ وأهداف المنظمة الدولية [43].

وفي إطار هذه الاعتبارات، نجد أن التدخل الإنساني في إطار القواعد العرفية الدولية، وتحليل الفقهاء لها، قد شهد عدة مسارات، يمكن تناولها علي النحو التالي:

أولاً: ترسيخ عدة مبادئ تمثل ضوابط للتدخل الدولي:

1ـ مبدأ الفروسية: ظهر هذا المبدأ في العصور الوسطى، وهو يؤصل صفة النبل في المقاتل والفارس، التي تمنعه من الإتيان على جريح، أو أسير، أو مهاجمة الممتلكات الخاصة للأشخاص المدنيين، غير المشاركين في العمليات القتالية [44].

غير أن قواعد الفروسية وتقاليدها كانت مقصورة على القتال بين الفرسان المسيحيين وحدهم، ولا يحترمونها في قتالهم مع المسلمين، على حين أن المسلمين كانوا يطبقونها في قتالهم مع المسيحيين.

كما أن مبادئ الفروسية كانت تحكمها قاعدة المساواة “المعاملة بالمثل”، فإذا تخلى عنها طرف في القتال اقتضى ذلك تخلى الطرف الآخر عنها، فلو أساء أحد الأطراف معاملة أسير يكون للطرف الآخر الحق في إساءة معاملة الأسير الذي يقع في متناول يده، وبالقياس فإن إساءة معاملة المدنيين لأحد الأطراف، يعطى الحق للطرف الآخر في إساءة معاملة المدنيين لهذا الطرف، وهذا ما يعنى إباحة الأعمال الانتقامية.

وقد أباح إعلان الثورة الفرنسية الأعمال الانتقامية فقط ضد الضباط الأعداء، ولم يبحها ضد عامة الجنود الذين انخرطوا في الأعمال العدائية بسبب الثورة غير أن الوجه المضيء لقواعد الفروسية يكمن في أنه كان سبباً في محاولة التلطيف من ويلات الحرب، وتجنيب غير المقاتلين شرورها، وهى مبادئ عرفية النشأة غدت عالمية التطبيق، ويعاد التذكير بها في كل حرب وحتى الآن، وفي ظلها نمت القواعد الخاصة بمواساة الجرحى والمرضى، وبذل العناية الواجبة لهم من الأطراف المتحاربة، وكذلك عدم التعرض بصفة عامة لغير المقاتلين من سكان دولة العدو أو مسهم بسوء أثناء النزاعات المسلحة.

ب) مبدأ الضرورة: يدور في إطار فكرة قوامها أن استعمال أساليب العنف والقسوة والخداع في الحرب تقف عند حد قهر العدو وتحقيق الهدف من الحرب، وهو هزيمته وكسر شوكته وتحقيق النصر، أو إخضاع الطرف الآخر وإلحاق الهزيمة به، فإذا ما تحقق الهدف من الحرب على هذا النحو، امتنع التمادي والاستمرار في توجيه الأعمال العدائية ضد الطرف الآخر.

ومبدأ الضرورة يمكن أن يحمل على معنى أنه في كل الأحوال ليست ثمة ضرورة تقتضي توجيه الأعمال العدائية ضد غير المقاتلين من السكان المدنيين وأعيانهم، وضد الأسرى والمرضى والجرحى، وهو ما يمثل مجمل قواعد القانون الإنساني الدولي.

وقد حذر بعض الفقهاء من الأخذ بمبدأ الضرورة على إطلاقه، وفسر ذلك بأن للمبدأ وجهاً آخر يلزم بيانه يكمن في اتخاذ حالة الضرورة كمبرر لخرق قواعد وأعراف الحرب ذاتها، ووصف حالة الضرورة بأنها “عادة” كانت سائدة في العصور القديمة، في الوقت الذي كانت فيه العادات هي المنظمة للحرب، أما الآن فقد وجدت قوانين الحرب الحديثة، التي تعتمد على العرف الدولي والمعاهدات الدولية.

وذهب رأى في الفقه إلى أبعد من ذلك، حيث رفض المبدأ من أساسه، مستنداً في ذلك على أن الحرب باتت عملاً غير مشروع، وبالتالي فإنه إذا كانت فكرة الضرورة أحد مستلزمات الحرب فهي أيضاً غير مشروعة، ويلزم تجاهلها مادام التحريم يقيد حرية التصرف، وقد مثل على ذلك بافتراضه تحريم الأسلحة النووية، فإن الرأي الذي يذهب إلى إن يجعل استخدامها مشروعاً يجب استبعاده حتى لو كان تحت مسمى الضرورة.

غير أن هذا الرأي أعيد صياغته، من خلال الربط بين فكرة الضرورة، وقد جعل القانون الإنساني الدولي من هذا الربط ما أسماه “بارتباط لزوم”، واستشهد على ذلك بما انتهت إليه لجنة القانون الدولي عند دراستها لمسئولية الدولة، إذ حرصت على الإشارة إلى أن الوقت الراهن قد استتبع وجود قواعد القانون الدولي المكتوبة، والثى تسمى “قواعد القانون الإنساني الدولي”، تلك القواعد تتضمن نصوصاً ملزمة، تقضى باحترام ما تفرضه في حالة الضرورة الحربية الملحة.

وفكرة الضرورة رغم غموضها، لها أهميتها في مجال القانون بصفة عامة، وفي مجال القانون الإنساني الدولي بصفة خاصة، وغاية ما في الأمر أنه يجب أن تقدر هذه الضرورة بقدرها، وبالتالي لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتخذ كستار لخرق قوانين الحرب وأعرافها، فهي بهذا تخرج من إطار القدر المقدر لها، فلا يجوز مهاجمة الأهداف المدنية سواء كانت مدناً مأهولة بالسكان أو أحياناً مدنية، فليست هناك ضرورة ملحة إلى ذلك، كما أن فكرة الضرورة المقصودة، هي التي تعنى عدم تجاوز مقتضيات الحرب، وهي تحقيق النصر وإضعاف قدرة العدو، بالطرق والأساليب التي لا تخالف حكماً في قوانين الحرب، سواء كان هذا الحكم بمقتضى قاعدة عرفية أو قاعدة تعاهديه، وفي إطار قيام الدولة برد العدوان أو المحافظة على كيانها، ومتى كانت الضرورة على هذا الوضع فهي تعنى الحظر والتجريم، وليست الضرورة التي تفضي إلى الإباحة أو التجاوز، وانطلاقاً من هذا المبدأ فإن مهاجمة المدنيين وأعيانهم إذا حدثت فلا تسعفها فكرة الضرورة، فليست هناك ضرورة ملحة إليها، وبالتالي تصبح عملاً غير مبرر وغير مشروع.

وهكذا ساهمت فكرة الضرورة في إرساء قواعد مهمة وذات شأن، في مجال القانون الإنساني الدولي، سواء كان ذلك في مجال العرف الدولي أو المعاهدات الدولية.

ج) مبدأ الإنسانية: ويدعو إلى تجنب أعمال القسوة والحشية في القتال، خاصة إذا كان استعمال هذه الأساليب لا يجدي في تحقيق الهدف من الحرب، وهو إحراز النصر وكسر شوكة العدو، فقتل الجرحى أو الأسرى أو الاعتداء على النساء والأطفال، أو المدنيين غير المشاركين في الأعمال القتالية بوجه عام كلها أمور تخرج عن إطار أهداف الحرب، وبالتالي تعد أعمالاً غير إنسانية.

فالمفاهيم الإنسانية الداعية إلى الخير وتجنب الشر كامنة داخل الإنسان ذاته منذ بداية الخليقة، وهي مفاهيم واحدة غير قابلة في جوهرها للتعديل أو التغيير، ومن هنا وجد الرأي الذي يقضى بأن مبدأ الإنسانية يرجع إلى فكرة القانون الطبيعي، وهذه الحقيقة تقابل بحقيقة أخرى، مفادها أن الإنسان منذ وجد وهو في صراع دائم مع أخيه الإنسان، وقد ظل هذا الصراع ملازماً للإنسان في كل صور المجتمعات التي مر بها.

وبين طرفي هاتين الحقيقتين المتباعدتين، يعمل مبدأ الإنسانية، وقادت النزعة الإنسانية إلى القول برفض الحرب من أساسها، كوسيلة لحل النزاعات الدولية، وإن كان هذا قد جاء نصاً في مواثيق دولية كثيرة، أخرها ميثاق الأمم المتحدة 1945.

ورغم هذا التحريم، فإن الحرب مازالت قائمة على الساحة الدولية، وضحاياها كثيرون، وبناءً على ذلك فإننا نؤثر دراسة الحرب وما ينتج عنها من آثار كحالة واقعية، وليست كحالة قانونية، لذا فإن البحث في مشروعية أو قانونية الحرب أن كان مجدياً ففي الجانب القانوني والسياسي فقط، أما بالنظر إليها كواقع فهذا يقتضي النظر في مدى إنسانية إدارتها، ومراعاتها لقوانينها العرفية والتعاهدية.. وبمجرد أن تصبح الحرب واقعاً ملموساً، وبغض النظر عن تحريمها دولياً، فلابد أن هناك آثاراً تمتد إلى غير المقاتلين من السكان المدنيين والأسرى والجرحى والمرضى للدول المتنازعة، وهؤلاء يجب أن تشملهم قوانين تعنى بحمايتهم من هذه الآثار.

وقد كانت النزعة الإنسانية عاملاً ملطفاً للحرب على مر التاريخ، كما كانت دافعاً لسن المعاهدات الدولية المتعلقة بتنظيم العمليات الحربية، بحيث تكون أكثر إنسانية، كما تمثل الحد الأدنى الذي تنطبق به على كل زمان ومكان، وتحظى تلك النزعة الإنسانية بالقبول من قبل الدول التي لا تكون طرفاً في الاتفاقيات، لأنها تعبر عن العرف السائد لدى كل الشعوب.

وهذه القواعد الثلاث (الفروسية، الضرورة، الإنسانية) تتكامل معاً، وتشكل دائرة متكاملة تهدف إلى التخفيف من الحروب مع الإقرار واقعياً بوجودها، وقد ساعدت على نشأة العرف الدولي المعنى بهذا المجال، كما كانت باعثاً على صياغته في قواعد قانونية تعاهدية مكتوبة تشكل في مجملها أحكام القانون الإنساني الدولي [45].

ثانياً: إقرار مجموعة من مبادئ القانون الإنساني الدولي:

وتضمنها قانون ليبر [46]، والذي يعد أول محاولة جادة لتقنين قوانين وعادات الحرب، ويعد القانون داخلياً، حيث إنه موجه بالأساس إلى القوات المسلحة الأمريكية، ويحدد الالتزامات والواجبات التي يلتزم بها المقاتل الأمريكي في وقت الحرب، وعلى الرغم من ذلك فإنه قد أثر في معظم القوانين الوطنية التالية عليه التي تنظم إدارة الحرب، من حيث التزامات المقاتلين، كما عد مرتكزاً أساسياً على المستوى العالمي، حيث ألقى بظلاله على كل المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بغدارة الحرب.

ونظراً للطابع الوطني الذي اتسم به القانون، فإنه يعد حلقة أساسية في نشأة العرف الدولي في مجال قوانين الحرب بصفة عامة، والتدخل الإنساني، بصفة خاصة، وقد أشار القانون إلى عقد مقارنة بين النظم القانونية القديمة التي عنيت بالحرب والنظم الحديثة، ففي النظم القديمة كانت الحروب تتصف بالبربرية، التي عانى من أثرها المدنيون، حيث صودرت حريتهم دون مظلة تحميهم، ومزقت روابطهم الأسرية، وكان مبدأ حماية هؤلاء المدنيين في الدول غير المتحضرة هو الاستثناء والأصل هو عدم الحماية.

وفي ظل القواعد الجديدة للحروب المنظمة في الدول الأوروبية، والدول التي ينحدر سكانها من أصل أوروبي، فإن حماية السكان المدنيين المسالمين هي الأصل، والاستثناء هو تشتيتهم وتمزيق روابطهم، وبهذا الاستهلال صاغ قانون ليبر مجموعة من القواعد التي نعدها مهمة في مجال القانون الإنساني الدولي، وساعدت على تطور العرف الدولي العامل في هذا المجال، ونوجز هذه القواعد فيما يأتي:

1ـ أهمية التفرقة بين المواطنين المدنيين للدولة والعدو، وبين الدولة العدو ذاتها.. ويجب إدراك هذه التفرقة في إطار ما تقضى به قواعد الشرف وفي إطار الضرورة.

2ـ يلتزم المقاتلون بعدم إلحاق أذى من أي نوع بالسكان المدنيين، سواء تمثل هذا الأذى في أعمال القتل أو الاستبعاد أو إبعادهم، أو إقلاق راحتهم أو إحداث إرباك وقلاقل في علاقاتهم الخاصة، غير أن قانون ليبر قد أجاز لقائد المكان المحاصر أن يأمر بترحيل السكان المدنيين، بغرض تقليل استهلاك المخزون من المؤن الضرورية لحياتهم، بشرط أن يتم إعادتهم فور الحصار أو تسليم البلد المحاصر.

3ـ أجاز قانون ليبر للقادة أن يعلموا عدوهم بالأماكن التي سوف يتم تدميرها، لحماية غير المقاتلين ويتم ذلك بترحيلهم عنها، وبخاصة النساء منهم والأطفال الذين يمكن ترحيلهم بعيداً عن مسرح العمليات قبل بدايتها، غير أن إهمال ذلك لا يعد مخالفة لقانون الحرب، فربما يرى القادة أهمية إعمال عنصر المفاجأة التي تكون ضرورية.

4ـ تقر حكومة الولايات المتحدة بواجبها نحو حماية المبادئ الدينية والخلقية السائدة، في الدولة المعادية المحتلة أراضيها بواسطة القوات الأمريكية، كما تضمن حماية الممتلكات الخاصة، والسكان المدنيين وبصفة خاصة النساء، واعتبار ذلك يدخل في إطار الشئون المقدسة الداخلية للدولة المحتلة أراضيها، وفي حالة مخالفة ذلك بخرق هذه المبادئ، يتعرض المخالف لعقوبات صارمة، ولا يتعارض ذلك مع حق الدولة المنتصرة الغازية، في فرض ضرائب على الممتلكات الخاصة، وعلى الأفراد والمواطنين، أو إجبارهم على إيجاد أماكن لإيواء جنود الاحتلال، كما لا يتعارض ذلك مع حق الدولة المنتصرة الغازية في الاستيلاء لوقت مؤقت للاستخدامات الحربية على المنازل والأراضي والمراكب والسفن، والكنائس.

5ـ أجاز القانون للجيش المنتصر أن يستولى علي المال العام للدولة المهزومة الواقعة تحت الاحتلال، حتى يتلقى تعليمات من حكومته، وله أن يصادر هذه الممتلكات لمصلحته الخاصة، وكذلك ملحقاتها وريعها، وتعليقها مؤقتاً حتى نهاية الغزو[47].

6ـ تحريم أعمال العنف التي ترتكب ضد السكان المدنيين، الذين يعيشون على أراض تم غزوها من القوات الأمريكية، مثل تدمير الممتلكات بدون أوامر من القادة، وكذلك أعمال السرقة والنهب وبخاصة نهب المدن، وأعمال الاغتصاب وإحداث الجروح وقطع الأطراف؛ وتخضع هذه الجرائم لعقوبات الإعدام، أو لعقوبات أخرى تكون صارمة، تتناسب مع جسامة الجرم المرتكب [48].

7ـ لا يجوز للضباط والجنود أن يستخدموا سلطاتهم أو وضعهم الوظيفي في الدولة المحتلة للحصول على مكاسب شخصية، حتى لو كانت في إطار التعامل التجاري المشروع، وإذا تم ذلك، فإنهم يتعرضون للعقاب بالطرد من الخدمة، أو بعقوبة أخرى تتناسب مع طبيعة الجرام المرتكب؛ وفي حالة ارتكاب هذه الأفعال من الجنود فإن العقوبة تكون في إطار طبيعة الجرم المرتكب.

8ـ تحريم نظام الاستعباد والرق، فلا يجوز استبعاد الأشخاص المدنيين أثناء الحروب، لتعارض ذلك مع مبادئ القانون الطبيعي، وقانون الأمم، وجعل من نظام الرق والاستعباد نظاماً وثنياً ومخالفاً للمبادئ الإنسانية، وفي حالة فرار فرد من دولة في حرب مع الولايات المتحدة، فإذا كانت هذه الدولة تبيح نظام الرق والاستعباد، وإن الفرد الهارب منها مستعبد طبقاً لنظامها فإنه يصبح حراً بمجرد وقوعه تحت سلطة القوات الأمريكية وحمايتها، وبالتالي لا يجوز إعادته إلى العبودية مرة أخرى.

9ـ تحريم استخدام السموم في الحروب على أية صورة كانت، سواء وضعت في آبار المياه أو الطعام أو الأسلحة، فهذه الأفعال خارجة عن قانون وعادات الحرب [49].

ثالثاً: تقنين عدد من المبادرات الدولية الخاصة بالتدخل:

في ظل القانون الدولي التقليدي، وقبل نشوء المنظمات الدولية كانت الدول أشد ما تكون تمسكاً وحرصاً على سيادتها، وكان التعبير الطبيعي عن ذلك، إن الدول ذات السيادة تمنع التدخل من غيرها في شئونها الداخلية والخارجية. وعندما أنشئت المنظمات الدولية، وتنازلت الدول الأعضاء عن بعض صلاحياتها إلى هذه المنظمات، كانت حريصة أيضاً على تقرير مبدأ عدم تدخل المنظمة في شئونها الداخلية أو الخارجية، فيعد هذا المبدأ تعبيراً واضحاً عن تمسك الدول بالسيادة والاستقلال ورفض التدخل وتحقيق المساواة بينها، وحقها في تقرير مصيرها وإقامة النظام الذي ترتضيه في حكمها، وفي علاقتها بالدول الأخرى.

ومبدأ عدم التدخل ليس جديداً في القانون الدولي، فقد أخذت به معظم معاهدات التحكيم أساسي على اختصاصات محاكم التحكيم [50].

ولكن مفهوم المبدأ لم يقتصر على الجانب السلبى، فقد أخذ أحياناً مفهوماً إيجابياً، في عد من المبادرات والنصوص منها:

ـ مبدأ مونرو: نادى الرئيس الأمريكي “جيمس مونرو” بعدم التدخل، وسمى المبدأ باسمه “مبدأ مونرو”[51]، وكان يهدف إلى وضع حد للتدخل الأوروبي في شئون القارة الأمريكية. وبداية لسياسة الأحلاف والارتباطات السياسية والعسكرية، التي اتبعتها الولايات المتحدة تجاه القارة الأمريكية، إلا أن هذا المبدأ الذي أخذ طابعاً سلبياً في البداية، لاحقه العديد من التغيرات ليتلاءم مع هدف السياسة الأمريكية، التي سعت إلى تحويل القارة الأمريكية برمتها إلى منطقة نفوذ.

ـ في اتفاقية مونتفيديو (ديسمبر 1933) لحقوق الدول وواجباتها: ورد المبدأ في المادة الثامنة، ومنذ 1945 اتخذ مبدأ مونرو صفه إيجابية هامة، هي حق الولايات المتحدة في التدخل في شئون أمريكا اللاتينية، وازداد التدخل الأمريكي في شئون أمريكا الوسطى في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.

ـ في عهد عصبة الأمم: نصت المادة 15/8 على أنه: “إذا دعي أحد أطراف النزاع، وأقر المجلس أن الخلاف يتعلق بمسألة يتركها القانون الدولي للاختصاص المطلق لأحد الأطراف، فليس للمجلس أن يقدم أية توصية لحل الخلاف”.

ويلاحظ أن هذا النص يترك للقانون الدولي تحديد المسائل التي تخضع للاختصاص الداخلي للدول أو تعالجه العصبة كنزاع دولي عن طريق المجلس، وهو نص يقيد مجلس العصبة فقط، ولا يقيد أجهزة العصبة الأخرى، كما أن هذا النص يتحدث عن اختصاص مطلق، ولكنه لا يعرفه ويترك تحديد ذلك للقانون الدولي [52].

رابعاً: استخراج بعض الأحكام من حالات فعلية للتدخل:

في نهاية القرن التاسع عشر كان أغلبية فقهاء القانون الدولي، يعترفون بالحق في التدخل الإنساني، تأسيساً على أن الدولة التي تسئ استخدام حقوق سيادتها، عن طريق معاملة الأفراد الخاضعين لسلطانها، سواء كانوا مواطنين أو أجانب، معاملة وحشية وقاسية، إنما توفر المبرر القانوني للتدخل ضدها من جانب أية دولة، تكون مستعدة للقيام بهذا الدور. على أن يأخذ هذا التدخل طابع الإجراء البوليسي، ولا يترتب عليه أي تغيير في السيادة الإقليمية بالنسبة للدولة التي يقع التدخل ضدها.

وهذا المبدأ ينطوي على قدر كبير من الغموض، وإن أصحابه يعطونه أشكالاً مختلفة؛ فبعض الفقهاء يقصره على العمل من أجل تحرير دولة تتسلط عليها دولة أخرى، والبعض الآخر يقدر أن هذا التدخل يجب أن يهدف إلى وضع حد للجرائم ولتقتيل الأفراد، ويشير بعض الفقهاء إلى الاستبداد والطغيان، كما يشير البعض الآخر إلى القسوة المتناهية، بل أن البعض يشير إلى الاضطهاد الديني.

وأصبح المبدأ يمكن أن يتعرض لإساءة استخدامه في التطبيقات العملية، وإن الدول الكبرى وحدها هي التي

تستطيع أن تتخذ تدابير بوليسية من هذا النوع، ولقد أوضحت الظروف والملابسات في معظم حالات التدخل الإنساني المزعوم، توافر الأسباب الشخصية. كما أنه استخدم في غالب الأحيان بوصفه مبرراً ثانوياً للتدخل، الذي كان يتأسس في الأصل على السياسة الوطنية المحضة [53].

ومن خلال هذه التطبيقات، لم يقع تدخل إنساني بالمعنى الحقيقي، ولقد اختفى مبدأ التدخل الإنساني من التطبيقات الدولية الحديثة، باستثناء ما زعمته ألمانيا عام 1939، في شأن احتلالها لجزء من الأراضي التشيكوسلوفاكية “ولايتي بوهيميا ومورافيا”، ولا شك أن هذا الأمر يعتبر من حيث المصلحة الدولية العامة تطوراً مفيداً؛ إذ أن هذا النظام لم يخدم العلاقات الدولية، ولم يطبق سوى على الدول الضعيفة وحدها، أنه نظام ينتمي إلى عصر العلاقات غير المتكافئة بين الدول.

وينكر الكثير من فقهاء القانون الدولي ورجال الدولة في الوقت الحاضر، وجود مثل هذا الحق في التدخل المسلح من جانب الدول بصفتها الفردية ضد الدول الأخرى.. ولكن بعض الفقهاء من ناحية أخرى لا يزال يؤكد شرعية التدخل الإنساني، وفي مقدمة هؤلاء “لو تاريخت” الذي قال: “إن التدخل يكون جائزاً قانوناً عندما ترتكب الدول أعمال القسوة والاضطهاد ضد مواطنيها، على النحو الذي يتضمن إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية، ويصطدم مع ضمير الإنسانية.

وقد اعتبر البعض إن مثل هذا التدخل لا يكون جائزاً، إلا إذا اتخذ طبقاً لقرار صادر من الأمم المتحدة، على أساس من أحكام الفصل السابع من الميثاق.. ويرى البعض، أن أي من عهد عصبة الأمم أو ميثاق “بريان ـ كيلوج”، أو ميثاق الأمم المتحدة، لم يستنكر صراحة التدخل الإنساني، من حيث أن مثل هذا التدخل لا يشكل التجاء إلى القوة كأداة للسياسة الوطنية. ولكن من الضروري بالرغم من ذلك، إن نأخذ في الاعتبار الاتجاهات العامة للتطورات القانونية التي وقعت في الفترة منذ عام 1920. لذلك فإن هذا النوع من التدخل لابد وإن تسري عليه الإدانة الصريحة للتدخل، التي تقررت في الزمن الحديث، كما يسري عليه التحريم العام لاستخدام القوة الواردة بميثاق الأمم المتحدة.

وقد عمدت بعض الدول في مناسبات عديدة، إلى تبرير التدخل المسلح في أراضي دولة أخرى، عن طريق التأكيد على الحاجة، إلى وضع حد لحالة الفوضى والإخلال بالنظام القائم في أراضي الدولة، الأمر الذي يهدد مصالح الدولة المتدخلة. ولقد استندت الولايات المتحدة في تبرير تدخلها في كوبا عام 1898، ضمن ما استندت عليه، على هذا الأساس.

ويرى عدد من الفقهاء أن التدخل استناداً إلى هذا الأمر، لا غبار عليه في الوقت الحديث، ويرتبط هذا النوع من التدخل في التطبيق العملي بروابط وثيقة، مع كل من التدخل لحماية المواطنين المقيمين بالخارج، أو التدخل الإنساني. وتأسست إباحة هذا النوع من التدخل، على فكرة أن الدولة لا تتمتع بالسيادة، إلا إذا تمتعت بمستوى معين من الكفاءة في إدارة شئونها الداخلية [54].

ولاشك أن التحريم العام للتدخل، يسرى على هذا النوع منه. وفي حالة الإخلال بالنظام على وجه مستمر تستطيع الدول المجاورة أن تتخذ الإجراءات القانونية، للمحافظة على سلامة حدودها الإقليمية [55].

خامساً: تقنين الحالات التي يجوز فيها التدخل من واقع الممارسات العرفية:

إزاء ما تكشف عنه الحياة الدولية، من زيادة التدخل بين مصالح الدول المختلفة، وما يتبع ذلك من عدم إمكان مراعاة مبدأ عدم التدخل بصفة مطلقة واضطرار الدول في بعض الأحيان إلى الخروج عليه صيانة لمصالحها الخاصة أو للمصالح العامة للجماعة الدولية، اضطر كثير من الفقهاء، مع اعتبارهم التدخل عمل غير مشروع في الأصل، إلى التسليم بأن هناك مع ذلك حالات يمكن القول بجواز التدخل فيها على سبيل الاستثناء إذا قامت أسباب تبرر ذلك قانوناً..

ومن أهم هذه الحالات، والأساس الذي يستند إليه القول بجواز التدخل في كل منها، وفق القواعد العرفية الدولية:

1ـ  التدخل دفاعاً عن حقوق الدولة: فممارسة كل دولة لحقوقها يجب أن يراعى فيها، عدم المساس بحقوق الدول الأخرى. فإذا أساءت دولة استعمال حقوقها بشكل فيه إضرار بدولة أخرى، فلهذه الدولة الأخيرة، استناداً إلى حقها في البقاء والدفاع عن كيانها، إن تتدخل لدى الدولة الأولى لندفع عنها ما يهددها أو لنحول دون وقوعه. والتدخل على هذا الوجه ما هو إلا نوع من الجزاء الذى يحمى حقوق الدول من أن تنتهك أو يعتدى عليها.

وتطبيقاً لذلك يجوز التدخل في الحالات الآتية: حالة قيام دولة معروفة بميلها للعدوان بزيادة تسلحها زيادة لا تنفق مع مجرد ما يلزمها للدفاع عن نفسها، وحالة قيام مؤامرة في إقليم دولة، بغرض إشعال ثورة في دولة مجاورة أو قلب نظام الحكم فيها، وحالة قيام ثورة في دولة، وانتشارها بشكل يخشى منه على سلامة الدول المجاورة. حالة تصريح دولة علناً، بعزمها على بسط نفوذها على جيرانها، أو على غيرهم من الدول الأخرى[56].

2ـ التدخل دفاعاً عن رعايا الدولة: لكل دولة الحق في حماية رعاياها أياً كانوا، ولها تبعاً لذلك أن تتدخل لدى أي بلد أجنبي قد يوجدون فيه للدفاع عنهم، إذا لم تكفل لهم ولأموالهم الحماية اللازمة وفقاً لقوانين هذا البلد، أو كانوا محل معاملة شاذة أو اعتداء غير مشروع ولم تحميهم السلطات المحلية أو ينصفهم القضاء في البلد الأجنبي.

على أن الدول لم تسير في تصرفها دائماً على هذا الوجه، وكثيراً ما تذرعت الدول القوية بحجة حماية المصالح المالية لرعاياها قبل دولة أجنبية لتتدخل في شئون هذه الدولة، ولا شك في أن التدخل على هذا الوجه لا سند له من القانون، وفيه إخلال بسيادة الدولة المتدخل في أمرها واعتداء صريح على استقلالها.

وقد كان من نتيجة تكرار تدخل دول أوروبا في شئون دول أمريكا اللاتينية بحجة إرغامها على أداء ديونها لرعايا تلك الدول، وبمناسبة قيام انجلترا وألمانيا وإيطاليا عام 1902 بتدخل عسكري لهذا الغرض ضد فنزويلا، كان من نتيجة ذلك أن بعث وزير خارجية الأرجنتين وقتئذ “لويس دراجو” بمذكرة إلى الولايات المتحدة، عرفت فيما بعد بباسم “تصريح دراجو” أعلن فيها أنه “لا يجوز بأي حال أن تكون الديون العامة سبباً في قيام دول أوروبا بأي تدخل مسلح ضد دول أمريكا”.

وقد كان هذا التصريح محل مناقشة أمام مؤتمر لاهاي عام 1907، وانتهى المؤتمر، بناءً على اقتراح لمندوب الولايات المتحدة “الجنرال بورتر”، إلى اتخاذ قرار في هذا الشأن ضمنه الاتفاقية الثانية من الاتفاقيات الأربعة عشر التي أبرمت بين أعضائه، وقد تقرر فيها “اتفاق الدول المتعاقدة، على أن لا تلجأ إلى استخدام القوة المسلحة، لإرغام دولة مدينة على سداد ديونها، إلا إذا رفضت هذه الدولة طلب عرض الأمر على التحكيم أو لم تجب عليه، أو جعلت الوصول إلى اتفاق الإحالة على التحكيم مستحيلاً، أو رفضت الالتزام بقرار التحكيم  بعد صدوره”.

3ـ التدخل دفاعاً عن الإنسانية: يجيز بعض الشراح التدخل للدفاع عن الإنسانية في حالة اضطهاد دولة للأقليات من رعاياها واعتدائها على حياتهم أو على حرياتهم أو أموالهم، أو عدم حمايتها لهم من مثل هذه الاعتداءات، مستندين في ذلك إلى أنه على الدول واجب عام، يفرض عليها إن تعمل متضامنة على منع الإخلال بما تقضى به قواعد القانون الدولي، ومبادئ الإنسانية من احترام حياة الفرد وحريته، أياً كانت جنسيته أو أصله أو ديانته، وإن تدخلها في مثل الحالة، ما هو إلا أداء لواجبها.

ويخالف كثيرون هذا الرأي، لأن في إباحة مثل هذا التدخل مساس باستقلال الدولة وحريتها في معاملة رعاياها، ولأن تصرف الدولة مع بعض رعاياها تصرفاً مجحفاً، وإن كان يتعارض مع مبادئ الإنسانية، لا يمس حقوق الدول الأخرى ولا يصيبها بضرر ما، فيمتنع عليها التدخل ما لم يكن ذلك مخولاً لها بمقتضى معاهدة أو اتفاق خاص [57].

ويتوسط البعض بين هذين الرأيين ويقولون إنه ولو أن مثل هذا التدخل لا يستند إلى أساس قانونيي، فهو مما تسمح به قواعد الخلاف ويقره الرأي العام، وإن موقف الدول الكبرى في كثير من المناسبات يبرر إمكان حصوله على هذا الاعتبار.

4ـ التدخل في حالة ثورة أو حرب أهلية: يرى بعض الفقهاء أنه ليس هناك ما يمنع من التدخل لمساعدة حكومة دولة صديقة في قمع ثورة على إقليمها، دون التدخل لمساعدة الثوار، إلا أن الأصح اعتبار التدخل إلى جانب أي من الفريقين عمل غير مشروع، لأنه يتعارض مع حق الشعوب في اختيار نظام الحكم الذي ترتضيه. والأولى بالدول الأجنبية أن تقف من الثورة أو الحرب الأهلية موقف الحياد، حتى ينتهي النضال وينجلي الموقف.

5ـ التدخل ضد التدخل: إذا تدخلت دولة في شئون دولة أخرى، فهل يجوز لدولة ثالثة أن تتدخل لتمنع التدخل الأول أو تبطل أثره؟ يرى الشراح هنا التفرقة بين حالتين:

ـ حالة ما إذا كان التدخل الأول مشروعاً، أي كان يدخل ضمن حالات التدخل الجائزة التي ذكرناها فيما تقدم، وهنا لا يجوز التدخل ضد هذا التدخل.

ـ أما إذا كان التدخل الأول غير مشروع فالأرجح جواز التدخل ضده، وعلى الأخص إذا كان يترتب عليه إضرار بمصالح الدولة التي تقوم بالتدخل المضاد أو بالصالح العام لجماعة الدول.

وقد جرت الدول فعلاً على ذلك في مناسبات مختلفة، فتدخلت إنجلترا عام 1826 في شئون البرتغال لتمنع تدخل إسبانيا، وتدخلت إنجلترا وفرنسا عام 1854 لتمنع تدخل روسيا في شئون تركيا، وأدى هذا التدخل إلى حرب القرم بينها وبين روسيا، وتدخلت إنجلترا أيضاً بعد الحرب العالمية الثانية في شئون اليونان لتحول دون التدخل الروسي في هذه الدولة.

6ـ التدخل الجماعي: يميل بعض الفقهاء إلى القول بأن التدخل الذي يحدث من جملة دول مجتمعة، يمكن أن يعتبر تدخلاً مشروعاً، إذا كان يرمي إلى صيانة مصلحة عامة مشتركة، وليس لتحقيق مطلب بإحداها أو ببعضها.

على أن الأخذ بهذا القول على إطلاقه فيه كثير من الخطورة، لأن من شأنه أن يطلق يد بعض الدول الكبيرة في التدخل في شئون غيرها، كلما لاحت لها الفرصة لذلك، والتاريخ حافل بالأمثلة لهذا النوع من التدخل وما كان يشوبه في كثير من الأحيان من التعسف من جانب الدول المتدخلة، منذ التحالف المقدس إلى المؤتمر الأوروبي، حتى أوائل القرن الحالي، والأصح أن يكون التدخل الجماعي خاضعاً لنفس القواعد التي يخضع لها التدخل الفردي، فلا يكون مباحاً إلا في الحالات التي يوجد فيها سند قانوني يبرر حصوله أو اتفاق دولي عام يسمح به[58].

وتكشف حالات التدخل، أن الدول المتدخلة لم تتقيد في كثير من هذه الحالات بالقواعد الموضوعة، وأن الباعث لها على التدخل جاء لاعتبارات سياسية، وإن التدخل لا يحدث إلا من جانب دولة قوية في شئون دولة أضعف منها، وأنه يستند عادة إلى قوة الدولة أو الدول المتدخلة وإلى نفوذها، أكثر من استناده إلى أسس قانونية، وإن هذه الدولة أو الدول ترمى في أغلب الأحيان بتدخلها إلى بسط نفوذها على البلاد المتدخل في أمرها أكثر منها إلى الدفاع عن حقوق أو مصالح مشروعة [59].

وفي إطار هذه الحالات تعددت صور التدخل التي عرفها العالم، ومن خلالها ترسخت بعض القواعد العرفية للتدخل، ومن بين هذه الصور:

1ـ التدخل الدبلوماسي: ويكون بتقديم مطالب شفوية أو مكتوبة، بطريقة علنية أو بطريقة خفية غير رسمية، وتنطوي على تهديد [60].

2ـ التدخل الاقتصادي: ويكون هذا التدخل عن طريق اتخاذ تدابير اقتصادية ترمى إلى التأثير في سياسة الدولة المراد التدخل في شؤونها، وقد تخصصت الدول الاستعمارية في انتهاج هذا الأسلوب في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحاضر، وهدفها من ذلك بسط نفوذها على البلاد التي تريد استعمارها [61].

3ـ التدخل المستتر أو الهدام: وهو من أخطر أنواع التدخل، لأنه يجرى في تكتم وخفاء، ويوكل إلى أشخاص وجماعات، تبعث بهم أو تشتريهم الدولة المتداخلة لكي يثيروا الفوضى، أو يعملوا على نشر الاضطرابات، أو إحداث الانقلاب [62].

وظاهرة التدخل المستتر لم تكن وقفاً على الدول الشيوعية، بل إن الدول غير الشيوعية اتبعت هذه السياسة عن طريق أجهزة مخابراتها، وجعلت منها سلاحاً للتدخل، كذلك أجهزة المخابرات الأمريكية، والتي شاركت في كثير من التغييرات السياسية المفاجئة، والانقلابات التي حدثت في بعض البلاد، مثل اليونان وجواتيمالا وإيران منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

4ـ التدخل العسكري: وهو أن تلجا الدولة إلى استخدام قواتها العسكرية في التأثير في الدول المراد التدخل في شؤونها، من نحو حشد جيوشها على الحدود، أو احتلال جزء من أراضيها، أو محاصرة شواطئها بقواتها البحرية، أو خرق حرمة مجالها الجوي [63].

وقد تلجأ الدولة المتدخلة إلى نوع منها أو أكثر. فتلجأ مثلاً إلى الضغط الدبلوماسي، ثم إلى المقاطعة الاقتصادية، ثم إلى النشاط الهدام، ثم إلى التدخل العسكري باعتباره المرحلة الأخيرة لتحقيق مآربها، سواء كانت تلك المآرب تتمثل في تغيير نظام الحكم في دولة ما، أو نيل امتياز معين، أو حماية ما تراه حقاً مكتسباً لها.

وقد تقوم بهذا التدخل دولة بمفردها، كالتدخل الإنجليزي في تنجانيقا في يناير 1964، وقد يكون التدخل من دولتين متعاونتين أو أكثر “كالعدوان الثلاثي” على مصر، وكالتدخل الذي وقع على ستانلي فيل بالكونغو في ديسمبر 1964[64]. وقد يتم تدخل الدولة عن طريق الإيعاز به إلى دولة أخرى، فتدخل الولايات المتحدة في جواتيمالا عام 1955، كان عن طريق إيعازها به إلى الدول المجاورة لها [65].


الهامش

[1] د. أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني “في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية”، القاهرة، دار النهضة العربية، ط1، 2006، ص 6 ـ 7.

[2] د. مصطفى سيد عبد الرحمن، القانون الدولي العام، المصادر، مرجع سابق، ص 211.

[3] د. مفيد شهاب، الآثار القانونية للسكوت في القانون الدولي العام، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 29،عام 1973، ص 83.

[4] د. أحمد أبو الوفا، الوسيط في القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص 183.

[5] د. حامد سلطان، مرجع سابق، ص 47.

[6] د. حسن كيرة، مرجع سابق، ص 261.

[7] د. محمد سامى عبد الحميد، مرجع سابق، ص 216.

[8] في قضية “المصالح البولندية في سليزيا العليا”، حاولت المحكمة الدائمة للعدل الدولي، أن تحدد معنى العرف، بالإشارة إلى “مجموعة القواعد المطبقة على وجه العموم في المجتمع الدولي”، دون أن تحدد خواص هذه القواعد، كذلك نجد أن تعبير “السلوك الدولي” الذي يستخدمه القضاء الدولي كثيراً، ويتفق مع صياغة المادة 38، يفتقر إلى تحديد النتائج القانونية التي يمكن أن تترتب عليه.

[9] د. محمد طلعت الغنيمي، مرجع سابق، ص 257.

[10] د. طلعت الغنيمي، الغنيمي في قانون السلام، مرجع سابق، ص 238.

[11] د. محمد حافظ غانم، مرجع سابق، بند 52، ص 111. ود. أحمد أبو الوفا، مرجع سابق، ص 184. ود. على صادق أبو هيف، مرجع سابق، بند 7، ص 20 وما بعدها.

[12] تتكون السوابق الدولية بواسطة واحدة أو أكثر من الطرق الآتية، سلوك الحكومات في العلاقات الدولية، أحكام المحاكم الدولية والداخلية وأحكام المحكمين الدوليين، التصرفات القانونية الداخلية، مثل الدساتير والقوانين واللوائح التي تدل على تبنى الدولة لقاعدة دولية معينة، تكرار تبنى قرارات معينة بمعرفة أجهزة دولية متعددة. (راجع: د. مصطفى سيد عبد الرحمن، مرجع سابق، ص 212 وما بعدها).

ويذهب البعض إلى ضرورة أن تتعدد السوابق الدولية بواسطة الأجهزة المختصة في الدول، وإن كان البعض لا يشترط أن تكون هذه الأجهزة من بين الأجهزة الرسمية للدولة ويكتفي بأن تكون الدولة قد أقرت لها باختصاص إتيان مثل تلك التصرفات أما تصرفات الأجهزة الأخرى فلا تكفي لإنشاء وخلق القانون الدولي العرفي ولكنها ذات أهمية في الاعتراف به.

[13] د. محمد سامى عبد الحميد، مرجع سابق، ص 216 ـ 217.

[14] د. محمد إسماعيل على، مبادئ القانون الدولي العام، القاهرة، 1984، ص 94 ـ 108.

[15] د. محمد السعيد الدقاق، القانون الدولي، المصادر والأشخاص، الطبعة الثانية عام 1983، الدار الجامعية، ص 169 وما بعدها.

[16] د. حامد سلطان، د. عائشة راتب، د. صلاح الدين عامر، القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص 49.

[17] د. مصطفى سيد عبد الرحمن، مرجع سابق، ص 215

[18] د. أحمد أبو الوفا محمد، الوسيط في القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص 146 وما بعدها.

[19] د. خالد السيد المتولي، نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها في ضوء أحكام القانون الدولي، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة المنوفية، 2005، ص 199.

[20] د. طلعت الغنيمي، الغنيمي في قانون السلام” مرجع سابق، ص 256.

[21] د. محمد حافظ غانم، مرجع سابق، ص111.

[22] د. حامد سلطان، القانون الدولي العام في وقت السلم، القاهرة، دار النهضة العربية، 1968، ص 47 ـ 49.

[23] د. خالد السيد المتولي، نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها في ضوء أحكام القانون الدولي، مرجع سابق، ص 199.

[24] ومثالها الدول الأمريكية الجنوبية، ودول أمريكا الوسطى، والدول السلافية، والدول العربية… الخ.

[25] د. حامد سلطان، القانون الدولي العام في وقت السلم، مرجع سابق، ص 49 ـ 51.

[26] د. خالد السيد المتولي، نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها في ضوء أحكام القانون الدولي، مرجع سابق، ص 201.

[27] مثال ذلك ما حدث في مؤتمر فيينا المنعقد عام 1815م، إذ اتفقت الدول المجتمعة على إتباع نظام معين في ترتيب السفراء، فلم يلبث هذا النظام أن ساد جميع الدول. وكذلك الأمر فيما يتعلق ببعض قواعد الحياد التي تضمنها تصريح باريس الصادر في 16 أبريل 1856م، والقواعد التي تضمنها تصريح لندن الصادر في 26 فبراير 1909 “تحديد المياه الإقليمية بثلاثة أميال بحرية”… الخ.

[28] د. حامد سلطان، القانون الدولي العام في وقت السلم، مرجع سابق، ص 52 ـ 54.

[29] د. غسان الجندي، نظرية التدخل لصالح الإنسانية، المجلة المصرية للقانون الدولي، عدد 43، 1987، ص161.

[30] د. وحيد رأفت، القانون الدولي وحقوق الإنسان، المجلة المصرية للقانون، عدد 33، 1977، ص13 ـ 66 في ص 25.

[31] هذا التعريف يجعل التدخل قاصراً على استخدام القوة، كما أنه يكون إنسانياً إذا كانت سلطات الدولة قد تجاوزت في تعاملها مع شعبها ما هو مفترض من صاحب السيادة في ممارسة سلطاته، ولم يوضح ما إذا كان هذا التجاوز قد وصل حد ارتكاب جرائم معينه أم لا، وهو بذلك يضع التدخل في أقصى صورة، بينما يضع السبب المبرر للتدخل في أدنى صورة، صورة التجاوز لما يمكن أن يقال إنه المعيار العادي، في تعامل صاحب السلطة مع من يخضع لهذه السلطة، فهي صورة من المبررات هشة وضعيفة.

[32] يشترك هذا التعريف أيضاً مع التعريف السابق، في أنه يجعل التدخل باستخدام القوة العسكرية، ويجعل السبب المبرر له هو الانتهاكات الأخرى التي تهدد حقوقهم الإنسانية، والتي لم يوضح مداها أو طبيعتها.

[33] مجلة السياسة الدولية، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عدد 115، يناير 1994، ص 330.

[34] هو هنا يقرر القاعدة في القانون الدولي التقليدي التي كانت تستند إلى دعوى أن الأعمال التحضيرية لمؤتمر سان فرانسسكو تظهر أن المشروع الأول لصياغة الميثاق لم يحتوى على المادة 51، وإن هذه المادة أضيفت فيما بعد لتوضيح موقف الأمم المتحدة من معاهدات التحالف المشترك، ولم تهدف إلى تنظيم حق الدفاع عن النفس بشكل نهائي، وذلك استناداً إلى تقرير صادر عن اللجنة الفرعية التابعة للجنة الأولى للجمعية العامة، حيث أشار هذا التقرير إلى أن استخدام القوة للدفاع عن النفس، أمراً مقبولاً بدون أي تحديد.

[35] تتلخص وقائع هذه القضية في أن سفينة أمريكية قامت بنقل السلاح إلى المتمردين الكنديين وردت القوات البريطانية على ذلك بإغراق السفينة، وطلبت الولايات المتحدة تقديم تعويض، إلا أن بريطانيا رفضت متذرعة بنظرية الدفاع عن النفس، وبعد مفاوضات اتفقت الدولتان على مبادئ الدفاع عن النفس، والثى تتمثل في الضرورة، وانعدام أي بديل آخر.

[36] يرد على ذلك، بأن هذه النظرية تعد تكريساً للدفاع الوقائي الذى لم يعد مقبولاً، في ظل ميثاق الأمم المتحدة وما ورد بالمادة 51 منه، وإذا كان أنصار هذا الاتجاه، يفسرون المادة 2/4 من الميثاق على أن الحظر الوارد بها لاستخدام القوة، يقصد به الحفاظ على الاكتمال الإقليمي والاستقلال السياسي للدولة، فإذا كان استخدام القوة لغرض آخر، فإنه لا ينتهك الاكتمال الإقليمي والاستقلال السياسي، وبالتالي فهو مشروع، أو إن فعل التدخل الإنساني لا ينتهك سيادة الدولة أو اكتمالها الإقليمي، لأنه لا يهدف إلى غزو الإقليم، وإن المادة 2/4 يجب أن تفسر بطريقة موسعه، وإن المفهوم الضيق لهذه المادة لا يمدنا بمواصفات قانونية تتوافق مع السياسات الدولية المناسبة.

كما يرد على ذلك أيضاً، بأن التوسع في تفسير المادة 2/4، بما ينتج عنه استخدام القوة في حالات، يدعى فيها بأسباب لا تنتهك السيادة الإقليمية أو الاستقلال السياسي، أمر يتعارض مع ما هو مستقر الآن، من أن كل صور استخدام القوة أو التهديد بها، ممنوعة في العلاقات الدولية في عصر التنظيم الدولي، وقد تعرض هذا المبدأ للعديد من المناقشات، في اللجنة التي شكلتها الأمم المتحدة عام 1963، لتقنين مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، حيث اختارت الجمعية العامة سبعة مبادئ، في مقدمتها: “مبدأ امتناع الدول عن استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وقد أكدت هذه المناقشات إن حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية يتجه إلى العموم والإطلاق، بمعنى أن الدول ينبغي ألا تستخدم القوة أو التهديد باستخدامها في علاقاتها العادية، أي في السير الطبيعي للحياة. (راجع: د. جعفر عبد السلام، قانون العلاقات الدولية، القاهرة، دار الكتاب الجامعي، 1982، ص 606 ـ 607).

[37] د. غسان الجندي، نظرية التدخل لصالح الإنسانية، المجلة المصرية للقانون الدولي، عدد 43، 1987، ص161.

[38] السياسة الدولية، عدد 115، يناير 1994، ص 330 وما بعدها، مرجع سابق.

[39] كانت المبررات السابقة هي الدافع لإصدار الأمم المتحدة لإعلان عدم التدخل، وحظر كافة وسائل وصور التدخل المباشر وغير المباشر، وكان القرار رقم 36/103 الصادر في 14 ديسمبر 1981 الذي يحرم التدخل في الشئون الداخلية للدول ويعتبر كل استغلال أو تشويه تقوم به دولة لوقائع متعلقة بحقوق الإنسان في دولة أخرى بغية ممارسة ضغط عليها أو إرباكها تدخلاً في شئونها الداخلية.

[40] جمال الدين محمد محمود، الإسلام والمشكلات السياسية المعاصرة، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1992، ص 355.

[41] د. صلاح عبد البديع شلبي، التدخل الدولي ومأساة البوسنة والهرسك، كلية الحقوق جامعة القاهرة، ط1، 1996، ص 11 ـ 19.

[42] يسجل التاريخ الدبلوماسي منذ القرن الماضي، عدة حالات جعلت التدخل العسكري يرتفع إلى مرتبة مبدأ من مبادئ السياسة الدولية، فبعد هزيمة “نابليون الأول” أنشأت الدول المنتصرة “الحلف المقدس”، وكان بمثابة نقابة ملوك من أهدافها تنظيم التدخل العسكري في أي دولة تقوم فيها ثورة داخلية ترمى إلى تغيير النظام الملكي.. ونظرية “مونرو” تدور كذلك حول فكرة منع تدخل الدول الأوروبية في أمريكا اللاتينية، ومقابل ذلك منحت الولايات المتحدة نفسها حق التدخل العسكري، في هذه البلاد لتحميها من التدخل الأوروبي.

[43] حين وقع الخلاف بين موسكو وواشنطن وقامت الحرب الباردة، وأصبح اتفاق عدم التدخل الذي كان قائماً ودياً بينهما موقوفاً، وأصبح كل منهما يبيح لنفسه التدخل في شؤون البلاد الداخلية في دائرة كتلته، لمنع أي تدخل يصدر من الآخر، أو لاتقاء تدخل منتظر. ومن هنا لم تتردد الولايات المتحدة في أن تتدخل ـ بطريقة غير مباشرة ـ في جواتيمالا عام 1954 بغية إسقاط حكومة غير موالية لها، كذلك لم تتردد روسيا في أن تتدخل عام 1956 في المجر لإسقاط حكومة غير موالية لها، ووفقاً لمنطق كل منهما لا يخرج هذا التدخل عن كونه تدخلاً دفاعياً، لوقف تدخل هجومي صدر بطريق مباشر أو غير مباشر من الآخر.

ويحاول كل منهما تبرير تدخله بأسانيد قانونية من ميثاق الأمم المتحدة، أو من المعاهدات الدولية التي ارتبط بها، لإقناع الرأي العام في معسكره أو خارج معسكره، بأنه إنما يصدر في تدخله عن مبادئ وأهداف الأمم المتحدة، وإن كانت هذه المبادئ وتلك الأهداف قائمة على مبدأ عدم التدخل، أو على اتفاق وتراض ودي بين العملاقين، على أنه لا تدخل إلا باتفاقهما. (راجع: د. بطرس غالى، التدخل العسكري الأمريكي والحرب الباردة، السياسة الدولية، القاهرة، عدد7، يناير 1967، ص 10 ـ 12).

[44] أطلق على مبدأ الفروسية فكرة “الشرف العسكري”، وهو ما يستلزم احترام العهد المقطوع، وتحريم استعمال السلاح الذي لا يتفق استعماله مع الشرف، أو القيام بعمل من أعمال الخيانة، كما أن الحرب طبقاً لمفهوم الشرف العسكري هي: كفاح شريف لا يجب أن يلجأ المحاربون فيها إلى عمل أو إجراء يتنافى مع الشرف، وفي ظل هذه الفكرة ازدهرت المبادئ الإنسانية في الحروب، والثى من بينها عدم التعرف لغير المقاتلين من السكان المدنيين سكان دولة العدو.

[45] د. أحمد فتحي سرور، القانون الدولي الإنساني ـ دليل للتطبيق على الصعيد الوطني، القاهرة، دار المستقبل العربي، 2003، ص 30 ـ 35.

[46] اتخذ هذا القانون اسمه من اسم الذي اسند إليه صياغته وهو “فرانسيس ليبير” الأستاذ بكلية كولومبيا، حيث قام بإعداده بعد مراجعته وتنقيحه مع مجموعة من القادة والضباط الأمريكيين، وتم التصديق عليه من الرئيس الأمريكي “أبراهام لينكولن” في 24 أبريل 1864م إبان الحرب الأهلية الأمريكية.

[47] استثنى القانون من ذلك المنشآت ذات الاستخدام العام، مثل الكنائس والمستشفيات والمتاحف، وكذلك المؤسسات التعليمية المعنية بنشر المعرفة العامة، ونقاط المراقبة من الممتلكات العامة التي يجوز الاستيلاء عليها ومصادراتها، إلا أنه يجوز استخدامها إذا اقتضت الضرورة؛ كما أكد قانون ليبر على أهمية حماية بعض الأشياء الثمينة، بإبعادها عن أماكن التفجير وعن الأماكن المحاصرة، وجمعها في أماكن محصنة، كما لا يجوز بأي حال من الأحوال سرقتها أو إبعادها عن موطنها أو تدميرها، غير أنه يجوز لقائد القوات الغازية أن يستولى عليها لمصلحة دولته، وتبقى في موضعها حتى تتقرر ملكيتها النهائية بمقتضى اتفاقية السلام.

[48] نص القانون على أنه يتعرض لهذه العقوبة الجندي أو الضابط، أو أي شخص آخر ارتكب هذه الأعمال؛ وإذا ما قضى بعقوبة القتل فيجوز تنفيذ العقوبة في المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة، وبواسطة قائد الشخص الذي ارتكبها. وفي موضع آخر أشار قانون ليبر إلى أن هذه الجرائم تعد جرائم عامة معاقباً عليها بمقتضى قوانين العقوبات العامة للدول، فإذا ارتكبت ضد السكان المدنيين في الدولة المحتلة، ولم يترتب عليها وفاة، فإنه تطبق العقوبة ألأشد في أي القوانين الوطنية للدولة المحتلة أو قانون الولايات المتحدة الأمريكية.

[49] د. أحمد فتحي سرور، القانون الدولي الإنساني ـ دليل للتطبيق على الصعيد الوطني، مرجع سابق، ص 30 ـ 39.

[50] د. إبراهيم العنان، الأمم المتحدة، 1983، ص 151 ـ 152.

[51] د. بطرس غالى، د. عبد الملك عوده، وآخرين، ملف أمريكا اللاتينية على المسرح الدولي، السياسة الدولية، القاهرة، عدد 27، يناير 1972. وأنظر أيضاً: د. سمعان بطرس فرج الله، الجمود والتغير في منظمة الدول الأمريكية، السياسة الدولية، القاهرة، عدد، 16، أبريل 1969، ص 58 ـ 60.

[52] د. حامد سلطان، د. عائشة راتب، د. صلاح الدين عامر، القانون الدولي العام، القاهرة، دار النهضة العربية، ط1، 1978، ص 700.

[53] يعرض “ستويل” عدة نماذج للتدخل الدولي منها:

ـ تدخل كل من إنجلترا وفرنسا وروسيا، لمساعدة الثوار اليونانيين عام 1872م، كمثال للتدخل الإنساني، حيث كان يستهدف منع عملية الإبادة العنصرية في شبه جزيرة المروة “اليونان”، ولكن هذا التدخل لا يمكن مناقشته في النطاق القانوني للاعتبارات الإنسانية، لأن هذا النطاق لم يكن في الغالب موجوداً في ذلك الوقت. ويمكن القول إن هذا التدخل المشترك قد اتخذ في ذلك الوقت، بسبب أن الدول المتدخلة كانت تخشى تدخل روسيا بصورة انفرادية في الموقف.

ـ احتلال القوات الفرنسية لعدة أجزاء من سوريا، ومحاصرة الشاطئ السوري بالسفن الحربية في الفترة من أغسطس عام 1860م إلى عام 1861م، تحت زعم الحيلولة دون تكرار وقوع المذابح ضد الأقلية المسيحية. وقد تم التدخل الفرنسي في سوريا، بناءً على اتفاق وبروتوكول 3 أغسطس 1860م، الذي اشتركت فيه الدول الخمس الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى تركيا، ولو أن موافقة تركيا كانت إلى حد ما شكلية.

ـ أن الاعتراضات المقدمة إلى روسيا عام 1863 من جانب كل من بريطانيا وفرنسا والنمسا، فيما يتعلق بارتكابها أعمال القسوة في بولندا، كانت تقترن بالاستعداد لاستخدام القوة بالفعل، فإنه من الصعب اعتبارها بمثابة تدخل إنساني، لأن هذه الاعتراضات قد استندت بصفة أساسية على الاعتبارات السياسية المختلفة.

ـ خلال الثورة الكوبية التي دامت عشر سنوات اعتباراً من عام 1868م. هدد وزير خارجية الولايات المتحدة بالتدخل على أساس من الاعتبارات الإنسانية، ولكن لم يقع أي تدخل بالفعل.

ـ يشير “ستويل” إلى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في كوبا عام 1898 بوصفه واحداً من أهم أمثلة التدخل الإنساني. بينما بررت حكومة الولايات المتحدة هذا التدخل بصفة أساسية استناداً على حماية المصالح الأمريكية. ولم يتفق فقهاء القانون الدولي على تكييف مناسب له.

ـ في عام 1913 أعلن وزير الخارجية الروسية “سازونوف”، أنه إذا وقعت ثورة أرمينية في تركيا أو مذابح للأرمن فيها، فإن روسيا سوف تعمد إلى التدخل المسلح، وفي هذه الحالة أيضاً كانت توجد ثمة أسباب شخصية، تتمثل في الوضع الخاص الذي كانت تسعى روسيا إلى التمتع به في الولايات الأرمينية.

ـ لعل الاستخدام الحديث لهذا المبرر في شان التدخل المسلح، يتمثل في الإعلان الذي أصدره “هتلر” في15 مارس عام 1939 بشأن الاحتلال الألماني لولايتي بوهيميا ومورافيا، الذي أشار فيه إلى الاعتداء على الأرواح والحريات بالنسبة للأقليات، وإلى غرض نوع سلاح القوات التشيكية والعصابات الإرهابية التي تهد أرواح الأقليات في هاتين الولايتين.

[54] لا تشجع التطبيقات الدولية الادعاءات التي تقوم على هذا النوع من التدخل، حيث تنص المادة الثالثة من اتفاقيات تعريف العدوان لعام 1933، على أن أعمال العدوان بالمعنى الواردة بالمادة الثانية، لا يمكن تبريرها على أساس من الحالة لداخلية للدولة. ولقد تضمنت الحجج الإيطالية أمام أجهزة العصبة، بالنسبة للعمل الإيطالي ضد إثيوبيا، إشارة إلى تهديد أمن الأراضي الإيطالية، نتيجة للإخلال بالنظام بصفة مستمرة في إثيوبيا. ولكن هذه الحجج لم تصادف تأييداً.

[55] د. ويصا صالح، مبررات استخدام القوة، المجلة المصرية للقانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، عدد 32، 1976، ص 163 ـ 168.

[56] لكن مع مراعاة عدم المغالاة في إباحة التدخل في مثل الحالات السابقة، فالتدخل إجراء استثنائي لا يجوز الالتجاء إليه إلا عند الضرورة القصوى، فمجرد قيام ثورة في دولة ما، لا يبيح لجيرانها التدخل تواً في شئونها، بحجة الخوف من امتداد الثورة إليهم، وللدولة التي تخشى ذلك، أن تتخذ على إقليمها وفي الحدود التي تمارس فيها سلطانها، الاحتياطات التي تراها كفيلة بحمايتها، وعليها ألا تتدخل إلا إذا أصبحت الثورة مهددة لها بالفعل، وأصبح لا مفر لها من هذا التدخل للمحافظة على سلامتها.

[57][57] أنظر المادة 12 من المعاهدة المبرمة في 28 يونيو عام 1919، بشأن حماية الأقليات بين بولونيا من ناحية وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا من ناحية أخرى.

[58] قارن المواد 11، 15، 16، 17 من عهد عصبة الأمم، والمواد 2 فقرة 7، 14، 36، من ميثاق الأمم المتحدة.

[59] د. على صادق أبو هيف، القانون الدولي العام، الإسكندرية: دار نشر الثقافة، ط2، 1948، ص 180 ـ 186.

[60] من أمثلة ذلك تدخل السفير البريطاني في شؤون مصر في فبراير عام 1942، لفرض حكومة “مصطفى النحاس” على الملك “فاروق”، وتدخل “فيشسكي” المندوب السوفيتي في يوليو 1947، لفرض حكومة الدكتور “جروز” على الملك “ميشيل” ملك رومانيا السابق، وقد يكون هذا التدخل الدبلوماسي من أجل تحقيق مأرب للسياسة الخارجية مثل التدخل السوفيتي في 10 يوليو 1947، لدى تشكوسلوفاكيا لكي ترفض الانضمام إلى مشروع مارشال الأمريكي، بعد أن كانت قد أعلنت العزم على الانضمام إليه.

[61] في القارة الأمريكية عرف هذا النوع من التدخل باسم “دبلوماسية الدولار” ففي مقابل قروض ضخمة تقدمها الولايات المتحدة لدول أمريكا اللاتينية تبسط حمايتها المالية عليها، عن طريق الإشراف على إدارة جمارك هذه الدول، ذلك لأن حصيلة هذه الجمارك تمثل المصدر الرئيسي لموارد الحكومات. وقد اتبعت الدول الاستعمارية الأوروبية أسلوباً مماثلاً في البلاد الأفريقية والآسيوية، ونظام صندوق الدين الذي فرض على مصر فيما بين عامي 1880م ـ1937م، خير مثال على ذلك. وإصرار الدول النامية على أن تكون القروض والمساعدات التي تقدم إليها “غير مشروطة”، وعملها على تصدر هذه القروض وتلك المساعدات عن طريق المنظمات الدولية، هذا الإصرار من جانب الدول النامية يدل على مدى فهمها لخطورة التدخل الاقتصادي.

[62] كانت روسيا السوفيتية في بداية عهدها قد تبنت سياسة “تروتسكي” وفحواها: إشعال الثورات في شتى أنحاء العالم، وكانت الأحزاب الشيوعية الوطنية هي أداه هذا التدخل، الذي أدى إلى كثير من الأزمات الدبلوماسية بين روسيا وغيرها من الدول، ومنها الأزمة التي وقعت بينها وبين بريطانيا وأدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما فيما بين 26 مايو عام 1927 و3 أكتوبر 1929، والأزمة بينها وبين فرنسا، وقد ترتب عليها طلب فرنسا في 7 أكتوبر 1927 أبعاد السفير السوفيتي لدى باريس.

ومنظمة الكومنترن التي ألغيت في 22 مايو عام 1943، ومنظمة الكومنفورم التي أنشئت في سبتمبر عام 1947، وكان كل منهما يشرف على تدبير هذا التدخل وتنسيقه، ولكن بعد أن اتبعت الأحزاب الشيوعية الوطنية الأسلوب السلمي للوصول إلى الحكم، خفت حدة هذا التدخل المستتر.

[63] أمثلة التدخل العسكري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية متعددة، منها: العدوان الإنجليزي الفرنسي على بورسعيد 1956، وحشد جيوش الصين الشعبية على الحدود الهندية، وإنزال قوات المظلات البلجيكية بطائرات أمريكية في مدينة ستانلي فيل بالكونغو في ديسمبر 1964… الخ.

[64] حيث كانت قوات المظلات بلجيكية، والطائرات أمريكية، والمطار الذي انطلقت منه القوات المعتدية إنجليزي “في جزيرة اسانسيون”.

[65] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
جرائم دولية نظريات سياسية مفاهيم سياسية القانون الدولي التدخلات الخارجية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close