fbpx
تقديرات

التدخل السعودي في سوريا: الدوافع والسيناريوهات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

منذ اندلاع الثورة السورية، والسعودية تحاول أن تجد لها مكاناً في مستقبل سوريا عن طريق تقويض النظام الإيراني ومصالحه بشكل كبير في سوريا الجديدة، وخلال حكم الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز قدمت السعودية دعماً سياسياً وعسكريا للقوات المعارضة السورية المدعومة أمريكيا وخليجياً. ومع وصول الملك سلمان إلى الحكم في المملكة (يناير 2015) زاد الدعم السعودي للمعارضة بشكل كبير حتى أصبح التخلص من بشار الأسد ونظامه هدف الرياض الأول، وبات الآن أهم من الملف اليمني.

وجاءت تصريحات العميد أحمد عسيري (المستشار الإعلامي لوزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان)، بأن قرار الرياض بالتدخل العسكري في سوريا قراراً لا رجعة فيه (1)، لتثير التساؤلات حول جدية هذه التصريحات وحول الدوافع التي دفعت الرياض على الإقدام على هذه الخطوة؟ وهل ثمة تنسيق بين الرياض وأنقرة حول هذه العملية؟ وما هي الدول التي ستشارك الرياض فيها؟ أما أن السعودية وحدها ستقوم بها، وهل ستكون عملية جوية فقط أما أنها ستشمل عملية برية أيضا؟

أولاً: الدوافع والأهداف السعودية:

ثمة عدة دوافع باتت تجبر المملكة على الإقدام على هذه العلمية العسكرية رغم المخاطر التي تكتنفها، خاصة وأن الرياض لا زالت لديها جبهة مفتوحة مع الحوثيين في اليمن، ورغم سوء الوضع في سوريا والذي أصبح مستنقعاً لكل المتورطين فيه، لكن الرياض لديها ما يبرر إقدامها على هذه الخطوة، ومن ذلك:

1ـ التراجع في اليمن: رغم قرابة انتهاء العام على العملية العسكرية في اليمن والمعروفة بعاصفة الحزم إلا أن الوضع لم يحسم بعد ولازال الحوثيون يسيطرون على عدة محافظات من بينها العاصمة صنعاء، ولا زالت الصواريخ الحوثية، تصل إلى مدن سعودية بين الحين والآخر، مما دفع الرياض إلى انتهاج سياسية الحرب الطويلة والمفتوحة في اليمن، ومحاولة فتح جبهات أخرى لوقف الزحف الإيراني الذي أصبح يهدد السعودية بشكل كبير (2).

2ـ الانتصار المعنوي: حيث يبرز هدف آخر وهو تحقيق أي انتصار ولو معنوياً في سوريا في حال تدخل السعودي بعملية عسكرية، بما ينعكس بشكل إيجابي على سمعة الرياض والتي تحاول، منذ وصول الملك سلمان إلى الحكم، تصدير فكرة أنها حامي الدول الإسلامية السنية أمام التغول الشيعي، وربما تكون الفرصة الآن مواتية بسبب تطابق وجهة النظر السعودية مع تركيا فيما يخص الوضع في سوريا مما يساهم في ضمان وجود حليف قوي له مصلحة حقيقة في التدخل في سوريا وهذا الأمر متمثل بشكل كبير في تركيا.

3ـ تقويض النفوذ الإيراني: مع بدء الأزمة السورية زاد التوتر بين الجانبين بشكل كبير حتى وصل إلى ذروته في يناير 2016 عندما قطعت الرياض علاقاتها الدبلوماسية مع طهران بعدما تعرضت السفارة السعودية في طهران والقنصلية العامة للمملكة في مدينة مشهد الإيرانية للتدمير والحرق جراء إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي نمر النمر. وتدرك السعودية أن النفوذ الإيراني لم يعد يصارعها على زعامة المنطقة فقط بل وصل إلى تهديد حدودها الجنوبية في اليمن، والشمالية عبر سوريا والعراق، ولذلك رأت أهمية أن تتحول من وضعية رد الفعل إلى الفعل، من خلال مواجهة إيران في سوريا، ومن هنا ترى الرياض ضرورة التقدم خطوات على الإيرانيين في سوريا، لحسم القضية وإبعاد إيران عن السيطرة في المنطقة.

4ـ القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية: رغم أن الدافع الأساسي للتدخل السعودي في سوريا هو التخلص من نظام الأسد، لكن التصريحات السعودية تؤكد أن التدخل هدفه الأساسي محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي أصبح يمثل تهديداً كبيراً لدول المنطقة وعلى رأسها السعودية خاصة وأن من أهم أهداف التنظيم الجهادي هو نزع الشرعية الدينية عن حكم آل سعود الذي يستمد جزءً كبيراً من شرعيته السياسية من المرجعية الإسلامية التي يرفعها (3). كما أن إعلان الرياض أن تدخلها في سوريا لمواجهة داعش سيقدم السعودية على أنها تحارب “الفكر المنحرف” ويبعد عنها شبهة دعم “المنظمات الإرهابية” التي دائما ما تتهم بها الرياض منذ 11 سبتمبر وحتى الآن.

5ـ منازعة تركيا على قيادة العالم الإسلامي: بعيداً عن التحالف الاستراتيجي الموقع بين الرياض وأنقرة في ديسمبر 2015، لا يزال هناك هاجساً سعودياً من تعاظم الدور التركي في المنطقة خاصة وان شرعية النظام  التركي تستند في الأساس على فكرة الدفاع عن الدول الإسلامية، التي لا ترغب الرياض أن يشاركها فيها أحد، فاذا ما تدخلت تركيا في سوريا، ونجحت في أن تعيد ترتيب الأوضاع الميدانية لصالح المعارضة السورية فإن ذلك من شأنه تعظيم صورة تركيا لدى الشعوب العربية الإسلامية التي تنظر إلى حكومة العدالة والتنمية على أنها داعم لرغبات الشعوب العربية والإسلامية، ومن هذا المنطلق ستسعى الرياض إلى الدخول في هذه العملية من أجل رفع أسهمها لدى الشعوب العربية خاصة بعد وصول الملك سلمان والذي يتم تصويره على أنه “المدافع عن السنة” في مواجهة “التغول الشيعي الإيراني”، ومن ثم لن يترك زعامة العالم الإسلامي لتركيا وحدها(4).

6ـ استنساخ التجربة اللبنانية في سوريا: مع تدهور الأوضاع في سوريا وتمدد مخططات الفوضى والتقسيم، واحتمالات وجود محاصصة مستقبلية قائمة على التعدد العرقي والإثني بين أطياف الشعب السوري إذا ما تم التوصل لحل سلمي خلال الفترة المقبلة، فإن التدخل السعودي الآن في سوريا يكون لضمان حليف سني لها على غرار الوضع في لبنان، تستطيع من خلاله أن موازانة الدور الإيراني والروسي فيها.

7ـ ممارسات الحليف الأميركي: بعد التوافق بين إيران والغرب حول ملف طهران النووي في يوليو2015، شعرت السعودية أن علاقتها بواشنطن آخذة في التصادم، وهو ما شكل دافعاً للرياض للتفكير في تبني سياسات تتسم بالمبادرة لمواجهة التغلغل الروسي الإيراني في المنطقة (5).

ثانياً: سيناريوهات التدخل السعودي في سوريا:

1ـ سيناريو الحرب الكلامية:

يقوم هذا السيناريو على أن الرياض لن يمكنها خوض عملية عسكرية في سوريا لا سيما وان الأمر في اليمن لم يتنه بعد وكذلك لتعقيد الوضع في سوريا وعدم القدرة على توقع نتائج هذا التدخل مما يزيد الأمور تعقيداً، وأن الأمر لا يخرج عن الحرب الكلامية بين أطراف النزاع في سوريا، وخاصة بعد الحديث عن جولة جديدة لمفاوضات جنيف حول سوريا، مما يعني أن الهدف الأساسي من هذه التصريحات هو تعظيم موقف المعارضة السورية في المفاوضات.

ومما يعضد هذا الاحتمال: أن السعودية أشارت إلى أن موعد العملية العسكرية ما بين مارس وأبريل المقبلين، مع أن هناك حديث دولي عن وقف إطلاق النار بين الأطراف المتقاتلة في سوريا مطلع شهر مارس (6). كما أن السعودية ليس لديها فائض من القوات يمكنها الدفع به في هذه العملية العسكرية، خاصة بعد إعلان مصر عن رفضها لأي تدخل عسكري في سوريا، وعدم إبداء أياً من الدول المشاركة في مناورات رعد الشمال موافقة على التدخل في هذه العملية، ما يعني أن الرياض ستكون بمفردها وهو الأمر الذي يستبعد معه حدوث التدخل (7).

2ـ سيناريو الضربات الجوية:

يقوم هذا السيناريو على أن السعودية ستقوم بعملية جوية فقط عبر قصف بعض الأماكن التي يتمركز فيها تنظيم الدولة الإسلامية في إطار التنسيق مع قوات التحالف الدولي دون خوض معركة برية على الأرض، لوعورتها وعدم توقع نتائجها وفي نفس الوقت تحدث هذه الضربات تقدما مهماً للمعارضة السورية في مناطق التماس بين قوات المعارضة وداعش.

ومما يعضد هذا الاحتمال: وصول مقاتلات سعودية إلى قاعدة أنجرليك التركية، وإعلان وزير الخارجية السعودية عادل الجبير أن العملية العسكرية ستكون تحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده أميركا ضد داعش في سوريا، وإجراء مناورات جوية بين القوات الجوية السعودية والتركية (8).

ومثل هذا السيناريو من شأنه حفظ ماء وجه السعودية أمام الرأي العام العربي والإسلامي وفي نفس الوقت تقليل الخسائر بشكل كبير، كما أنه يمكن أن يوفر غطاءً جوياً لقوى المعارضة في المناطق التي تسيطر عليها وفي نفس الوقت فتح الطريق أمام تركيا في اتجاه حلب بعدما سيطرت عليه قوات كردية، كما أن من شأن، هذا السيناريو تفادي المواجهة العسكرية المباشرة بين القوات السعودية والإيرانية (9).

3ـ سيناريو عملية برية محدودة بمشاركة تركية:

يقوم هذا السيناريو على أن السعودية ستقوم بشن عملية عسكرية برية محدودة بالتنسيق مع تركيا، لإعادة السيطرة على المدن التي فقدتها المعارضة السورية أمام قوات حماية الشعب الكردية التي حققت تقدماً كبيراً خلال شهر فبراير 2016 في عدة اتجاهات، وخاصة حلب الممر الرئيسي لقوات المعارضة إلى تركيا.

ومما يعضد هذا الاحتمال: سماح تركيا بعبور نحو 500 مقاتل من المعارضة السورية إلى مدينة اعزاز السورية، وقصف المدفعية التركية لمواقع حزب قوات حماية الشعب السوري داخل سوريا، واستعداد أنقرة لعملية عسكرية برية في شمال سوريا تعيد ترتيب أوراق المعارضة السورية من جديد بعد سلسلة الخسائر التي منيت بها مؤخراً، واستدعاء أنقرة لسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لإثبات حق تركيا في الدفاع عن نفسها بعد عملية التفجير التي استهدفت رتلاً عسكرياً في أنقرة وخلف 28 قتيلا وأكثر من 60 جريح.

ومثل هذا السيناريو من شأنه تقاسم أعباء المعركة بين السعودية وتركيا، وزيادة التعاون وإعادة ترتيب أوراق الأوضاع في سوريا لخدمة كلا الطرفين، ووجود غطاء دولي للتدخل، وتقليل الخسائر المحتملة الناجمة عن الحرب.

4ـ سيناريو الحرب البرية شاملة:

يقوم هذا السيناريو على إقدام تركيا بالتنسيق مع السعودية وعدة دول عربية وإسلامية على تقدم واسع في الأراضي السورية من ناحية الشمال السوري، لمساعدة مقاتلي المعارضة السورية ضد قوات بشار الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية من أجل حسم المعركة في ظل حالة التماهي الأمريكي الروسي حول حسم القضية في اتجاه تقسيم سوريا إلى دويلات صغيرة من بينها دولة كردية وهو الأمر الذي تعتبره أنقرة من الخطوط الحمراء.

ومما يعضد هذا الاحتمال: عزم تركيا على التدخل العسكري بعد تدهور الأوضاع بينها وبين الأكراد في سوريا، والتصريحات المتشددة بين تركيا وروسيا حول التدخل في سوريا وأن هذه الخطوة ستقود إلى حرب عالمية ثالثة (10)، والتحسب لاحتمالات تراجع الاهتمام الأمريكي بقضايا المنطقة، في ظل انشغال الداخل الأمريكي بالانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر المقبل وترحيل هذه الملفات إلى الرئيس الجديد.

ومثل هذا السيناريو من شأنه إطالة أمد الصراع في سوريا إلى فترة كبيرة، ووقوع حرب إقليمية بين روسيا وتركيا والسعودية وإيران والتنظيمات الجهادية، مما يدفع المنطقة إلى الفوضى، ودخول أطراف أخرى إقليمية ودولية على خط الحرب وربما الدفع باتجاه حرب عالمية ثالثة.

خاتمة:

إن الوضع في سوريا أصبح شديد التعقيد في ظل هذا التشابك الإقليمي والدولي والانقسام الداخلي، وهو ما يعني أن قرار التدخل البري في سوريا هو بديل لا يمكن توقع نتائجه في ظل حالة تداخل الملفات وخلط الأوراق التي تعاني منها المنطقة الآن، ومن ثم تظل احتمالات مثل هذا التدخل العسكري بحجم كبير أمراً مستبعداً نظراً لحجم الدمار الذي يمكن أن ينجم عن هذا التدخل، ليس فقط داخل سوريا ولكن في كل الدول المتورطة في الصراع، ولعل تفجيرات أنقرة الأخيرة مؤشر على ذلك، ومن ثم يظل سيناريو الضربات الجوية لبعض المناطق أو التدخل البري المحدود هو الاحتمال الأرجح  في ظل هذا التشابك والتعقيد.

————————————–

الهامش

(1) عسيري قرار الحرب البرية ضد داعش في سوريا لا رجعة فيه، موقع قناة سكاي نيوز عربية. الرابط

(2) أثار الحرب على اليمن في اقتصاد السعودية، موقع دويتشه فيلة، الرابط

(3) الجبير التدخل السعودي في سوريا يستهدف داعش، موقع سي ان ان عربية. الرابط

(4) تركيا والسعودية. تعاوناً تكتيكيا وخلافاً على القيادة، موقع شؤون خليجية. الرابط

(5) أميركا خرقت تحلفاً مع الخليج لاحتواء إيران، موقع سي أن أن عربية. الرابط

(6) عسيري: السعودية ستبدأ تدريبات عسكرية الشهر المقبل لحرب سوريا، موقع سي أن أن. الرابط

(7) سامح شكري قرار السعودية بالتدخل البري في سوريا قرار منفرد، صحيفة اليوم السابع المصرية الرابط

(8) بدء مناورات جوية تركية سعودية، موقع روسيا اليوم. الرابط

(9) هل تحدث المواجهة المباشرة بين السعودية وإيران في سوريا، موقع هافينغتون بوست عربي الرابط

(10) كيف يمكن لسوريا أن تسحب العالم لحرب عالمية، موقع بي بي سي العربية. الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
السعودية سوريا التدخلات الخارجية
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close