تقديرات

التعديل الوزاري القطري والملف المصري

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

أثارت التعديلات التي أجراها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 27 يناير 2016 تساؤلات عديدة حول أسبابها ودلالاتها الداخلية والخارجية لاسيما وأنها تعتبر بمثابة التعديلات الأولى فعلياً والثانية شكلياً، التي يجريها الأمير منذ توليه الحكم خلفا لوالده في يونيو 2013( 1).

أولاً: طبيعة التعديلات الوزارية:

شملت التعديلات سبع وزارات من أصل عشرين وزارة، وتم دمج ثماني وزارات في أربعة فقط، حيث تم دمج وزارات الاتصالات مع المواصلات وتعيين جاسم بن سيف السليطي وزيرا لها، والثقافة مع الشباب والرياضة وتعيين صلاح بن غانم لها، وتعيين الدكتور عيسى بن سعد الجفالي النعيمي وزيرا للتنمية الادارية والعمل والشؤون الاجتماعية، وتعيين محمد بن عبدالله الرميحي وزيرا للبلدية والبيئة والتخطيط العمراني، كما تم تغيير وزير الصحة العامة وتولت السيدة حنان الكواري حقيبتها.

أما أبرز هذه التعديلات فكانت تعيين الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني “(35 عاماً) وزيرا للخارجية. بدلا من خالد العطية، الذي أصبح وزيرا للدولة لشؤون الدفاع التي يرأسها الأمير ذاته، وقد حل العطية محل اللواء الركن حمد بن علي العطية الذي تم تعيينه مستشارا للأمير لشؤون الدفاع، بدرجة رئيس وزراء.

وكان وزير الخارجية الجديد يشغل منصب مساعد الوزير لشؤون التعاون الدولي منذ يناير 2014، كما أنه كان مبعوث الأمير الذي زار مصر برفقة رئيس الديوان الملكي السعودي آنذاك خالد التويجري في ديسمبر 2014 في محاولة من العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله لتحقيق المصالحة بين مصر وقطر.

في حين أن العطية كان طيارا حربياً ونجل رئيس الأركان القطري الراحل محمد العطية. وبالتالي لا يعد دخيلا على وزارة الدفاع.

ثانياً: أسباب التغيير ودلالاته:

1ـ بالنسبة للحقائب الداخلية:

من الواضح أن لها ارتباط مباشر بالرغبة في تقليص وترشيد النفقات الحكومية، بل ومحاربة الفساد الذي اعترف بوجوده الأمير بعد إعلان التعديل. ومن ثم باتت هناك رغبة في دمج بعض الوزارات التي تتشابه في مهامها الوظيفية وتستنزف أموالا طائلة، فضلا عن تعطيلها مصالح المواطنين بسبب هذه الازدواجية.. وربما يفسر هذا أسباب مجئ هذه التعديلات مع بداية السنة المالية الجديدة، وبدء الحكومة في اتخاذ بعض إجراءات التقشّف جرّاء الانخفاض الحادّ في أسعار مواد الطاقة، مثل رفع سعر البنزين 30% وتسريح العاملين في  العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة، لاسيما في ظل عجز متوقع في موازنة 2016، يناهز 13 مليار دولار، ويمكن أن يرتفع إلى أكثر من ذلك، بما أنّه مُحتسب وفق سعر 48 دولاراً لبرميل النفط، في حين أنَّ السعر الحالي يدور حول 30 دولاراً فقط.

وفي المقابل فإن  قطر ستنفق نحو 200 مليار دولار على مشاريع للبنية التحتيّة خلال السنوات العشر المقبلة، معظمها على صلة باستضافتها لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2022، ووفق هذا الاتجاه فإن هذه التعديلات تعد منطقية في ظل تقييم الأمير لسياسة الحكومة بعد عامين ونصف من توليه الحكم.2

2ـ بالنسبة للحقائب الخارجية:

بالنسبة للتعديلات الخارجية المتعلقة بوزارتي الخارجية والدفاع، فلم يتم تقديم تفسير رسمي بشأنهما، مما يفتح المجال واسعاً للتحليلات السياسية وقبل الخوض في ذلك ينبغي الإشارة أولا، إلى نقطة هامة ربما تكون سمة عامة في دول المنطقة العربية وهي أن تغيير الأشخاص “الوزراء”، لا يعني تغيير السياسات لاسيما إذا كان رأس النظام –بموجب الدستور-هو الذي يضع هذه السياسات وليس الوزراء ومؤسساتهم الذين ربما يكونوا أجهزة معاونة فقط رأيها استشاري وليس إلزامي.

فبموجب الدستور القطري الذي تم إقراره عام 2003 في عهد الأمير الوالد حمد بن خليفة، فإن الأمير وديوانه الأميري هو المصدر الرئيسي للسياسة الخارجية والدبلوماسية القطرية بصفة عامة بموجب المواد 66،67، 68 والتي تشير إلى أنه يمثل الدولة في الداخل والخارج وفي جميع العلاقات الدولية، ووفق الفقرة الأولى من المادة 67 يقوم برسم السياسة العامة للدولة بمعاونة مجلس الوزراء، ومعلوم أن الأمير هو الذي يعين المجلس، وهذه الصلاحيات الواسعة ترجع في أحد جوانبها لشغف الأمير الوالد، بالدبلوماسية والعلاقات الدولية، ما حدا ببعض المحللين إلى وصف الدبلوماسية القطرية بأنها أميرية حقيقية( 3).

لذا فإن هناك من يرى أن هذه التغييرات لن تؤثر على السياسة الخارجية أو الدفاعية لقطر على اعتبار أن الأمير هو الذي يضعها. وبالتالي فإنها لن تؤثر على العلاقة مع دول الجوار أو العلاقة مع إيران أو موضوع غزة ورفع الحصار عنها(4 )، في حين رأت تحليلات أخرى أن الأمر يرتبط برغبة الأمير في إحكام الهيمنة والتخلي عن الحرس القديم الذي يتبع والده، مع مزيد من التمكين لآل ثان، واتجاه ثالث يرى أنه يرتبط بالسياسة الدفاعية القطرية الراهنة والرغبة في تفعيلها في ظل التطورات الراهنة في المنطقة والاستفادة من خبرات العطية في هذا الشأن.

ثالثاً: دلالات التعديلات على العلاقة مع السيسي والإخوان

البعد الأكثر غموضا ويحتاج لمزيد من تسليط الضوء عنه هو الخاص بمصر والإخوان لاسيما أن وزير الخارجية الجديد يوصف بأنه كان جسر التواصل مع السيسي، وفي هذا الإطار ينبغي توضيح نقطة هامة هي  أن السياسة الخارجية القطرية، فضلا عن كونها مرتبطة بشخص الأمير، إلا أنها سياسة تغلب عليها المصالح أيضا. صحيح أن الدستور القطري وضع مجموعة من المبادئ العامة لهذه السياسة منها تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام5 ، إلا أن الاعتبارات العملية ربما تناقض ذلك، لا سيما فيما يتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث تم الاستناد إليه في دعم ثورات الربيع العربي، لكن في المقابل لم يتم تفعيله بشأن الانتفاضة التي شهدتها البحرين في حينها( 6).

وإذا حاولنا تطبيق هذا المبدأ على العلاقة القطرية بمصر بعد الانقلاب، وكذلك الإخوان فسنلاحظ ما يلي:

(1) أن الدعم القطري للإخوان في عهد الرئيس مرسي لا يخضع للجوانب الإنسانية وقواعد الديمقراطية، بقدر كونه يخضع للمصالح .. بل إن دعم قطر للثورة المصرية وغيرها ربما يرتبط في أحد تفسيراته بالرغبة القطرية في لعب دور جديد في سياستها الخارجية التي كانت قائمة طيلة العقد الأول من الألفية الثالثة على فكرة الحياد الذي أتاح لها القيام بدور الوساطة في العديد من الملفات من إثيوبيا وإريتريا والصومال جنوبا، إلى فلسطين ولبنان شمالا، وصولا إلى الصحراء الغربية في الغرب.

هذا الدور الجديد –الذي تزامن  مع الربيع العربي- ينطلق من  الرغبة في البحث عن دور إقليمي لاسيما في ظل تراجع دور الفاعلين الإقليميين في المنطقة في حينها “السعودية” والخشية من توتر الأوضاع في المنطقة الشرقية”، العراق وتراجع دوره منذ الغزو الأمريكي عام 2003، ومصر منذ نهاية حقبة مبارك والمرحلة الانتقالية التي تلت الثورة.. لذا كان على الدوحة التحول من الوسيط المحايد إلى الطرف المنحاز 7. لكن كما سبق القول كانت هناك ازدواجية في الانحياز لصالح الشعوب في حالة مصر وتونس وليبيا واليمن، مقابل الانحياز للنظام في البحرين المجاورة . 

وإذا حاولنا إسقاط هذا الأمر على الإخوان، يمكن القول بأنه كانت هناك رهانات قطرية على إمكانية نجاح الإخوان ليس في مصر فحسب، ولكن في كافة دول الربيع العربي، وهذا الدعم كان من شأنه إعطائها مكانة إقليمية كبيرة من ناحية، فضلا عن حجم الاستثمارات التي يمكن أن تحصل عليها من ناحية ثانية.

وبالنسبة لمصر تحديدا، يمكن تفسير الدعم القطري للإخوان منذ تولي مرسي الحكم بالتنافس بل والخلاف القطري الإماراتي، حيث كانت أبو ظبي هي المهيمنة على معظم الاستثمارات العربية في عهد المخلوع مبارك -جنبا إلى جنب – مع الاستثمارات السعودية. وبدأ هذا التوجه القطري يؤتي أكله مع وصول مرسي للحكم، وفتح الاستثمارات أمام القطريين، مما كان أحد أسباب الخلاف الإماراتي مع مرسي والإخوان8 ، ودعم أبو ظبي للانقلاب.

وعندما وقع الانقلاب الذي يعني انتصار منافسيها التقليديين “السعودية والإمارات”، أرادت قطر أن تمسك العصا من المنتصف، فاستضافت في البداية بعض رموز الإخوان، كما كانت ذراعها الإعلامية “الجزيرة والجزيرة مباشر مصر” مسلطة لفضح الانقلاب، وفي المقابل منعت قطر بعض قيادات الإخوان من الظهور الإعلامي كالأمين العام للجماعة محمود حسين، أو تنظيم مظاهرات احتجاجية أمام السفارة المصرية كما كان يحدث في تركيا. ويبدو كذلك أن الدوحة ربما كانت تراهن على إمكانية عودة الإخوان، أو أن يكونوا جزءا من الحل السياسي، ولعل هذا يفسر أسباب زيارة وزيري الخارجية القطري خالد العطية والإماراتي عبد الله بن زايد لخيرت الشاطر في محبسه خلال اعتصام رابعة في محاولة لإيجاد مخرج سياسي للأزمة 9.

(2) أن العلاقة القطرية مع الإخوان في مصر بعد الإنقلاب تحكمها عدة أمور منها موقف السيسي من قطر والإمارات، وقوة الإخوان أو ضعفهم، والعلاقة القطرية مع السعودية … ويبدو أن رهان الدوحة على الإخوان تراجع بصورة كبيرة بسبب إدراك قطر تراجع ثقلهم السياسي في مصر وغيرها، فضلا عن الرفض الإقليمي والدولي لهم .. ومن ثم باتت الحلقة الأقوى في ذلك هي علاقة الدوحة بالرياض.

فبعد الانقلاب تحملت الدوحة الكثير من الضغوط السعودية في عهد الملك عبد الله، وكذلك الإماراتية لترحيل قيادات الإخوان وتغيير سياسة الجزيرة تجاه السيسي، ووصل الأمر إلى قيام كل من السعودية والإمارات والبحرين بسحب سفرائهم من قطر في مارس 2014. ومع ذلك لم تستسلم الدوحة مظنة إمكانية حدوث تسوية سياسية.

لكن هذا الأمر لم يستمر كثيرا، فبعد قمة الرياض الاستثنائية في نوفمبر 2014 تم الاتفاق على المصالحة الخليجية وعودة السفراء من ناحية، فضلا عن تأييد دول الخليج -بما فيها قطر- لمصر شعبا وحكومة، بل تلا ذلك قيام قطر بإرسال مبعوثها “وزير الخارجية الجديد” لمصر في 20 ديسمبر من أجل ترجمة بيان الرياض إلى أفعال، وبعدها بيومين وبناء على طلب شخصي من العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله للأمير تميم، تم غلق الجزيرة مباشر مصر، صحيح أن قطر من خلال قناة الجزيرة العامة لم تغير سياستها التحريرية تجاه الانقلاب، لكن هذا ليس مرتبطا بالإخوان بقدر ارتباطه بالموقف من السيسي وإعلامه الذي نال شخصيا من الأسرة الحاكمة في الدوحة. وبالتالي صار العداء شخصيا بين الجانبين.

و فضلا عن هذا فنحن نرى أن التعديلات الوزارية الأخيرة واختيار محمد بن عبد الرحمن وزيرا للخارجية لا تعني تقاربا بين الدوحة والقاهرة لأمرين:

الأول : أنه ربما يكون من قبيل المصادفة تزامن التعديل الوزاري مع قيام الدوحة برفع دعوى تحكيم دولي ضد مصر تقدر ب150 مليون دولار “أكثر من مليار جنيه مصري” كتعويض عما أصاب قنوات الجزيرة من ضرر بسبب ممارسات النظام منذ الانقلاب .. صحيح أن الأمر ليس جديدا، وتم تأجيله لمدة عام، لكن توقيت الإعلان عنه يشير إلى أن العلاقات مع القاهرة لن تتحسن على الأقل خلال الأمد القريب.

الثاني: أن السعودية الآن -وبعد وفاة الملك عبد الله- مشغولة بتورطها في اليمن، فضلا عن تصعيدها الكبير مع إيران، والذي ربما ينذر بمواجهة مفتوحة معها داخل أراضيها وخارجها، وبالتالي لن تمارس الرياض ضغوطا على الدوحة لاسيما وأنها أكبر داعم لها في اليمن بعد بروز التباينات بين الرياض وأبوظبي على أرض المعركة وتركيز الأخيرة على جنوب اليمن والسعي لانفصاله عن الشمال، وكذلك تأمين مصالحها في عدن حتى لا تصبح منافسا قويا لميناء دبي بعد استقرار الأوضاع .. كما أن قطر قامت بتغيير السياسة التحريرية للجزيرة صوب الرياض . وهي أكبر ميزة للرياض لم تكن موجودة من قبل، وبالتالي قد يكون من المستبعد أن تقوم بالضغط على الدوحة للتصالح مع السيسي أو طرد الإخوان.

الخلاصة

مما سبق يتضح عدة أمور:

1ـ أن تغيير وزير الخارجية بآخر ليس معناه حدوث تحول في سياسة قطر تجاه مصر خاصة في ظل تراجع الضغوط السعودية على الدوحة في هذا الشأن.

2ـ أن قطر تدرك جيدا ضعف الموقف الإخواني، وبالتالي فلن تقدم لهم مزيدا من الدعم، بل إن هذا الدعم ربما يتراجع في ظل تراجع سعر النفط، وصعوبة الحصول على الإقامات، بل إن الذين حصلوا عليها من أرباب العمل وبمقابل مادي اكتشفوا أنها إقامات مقيدة، بمعنى أنها لا تسمح لهم بتغيير الكفيل حال توفر فرص عمل أفضل.

3ـ أن الإخوان مطالبين بالبحث عن بدائل أخرى للإقامة والدعم السياسي تحديدا. والتأكيد على أن هذا الأمر ليس مرتبطا بالظروف الراهنة أو بوضع قطر فحسب، بل لا بد من أن يكون جزء من استيراتيجية تكفل فقط ليس استضافة الإخوان، بل ودعمهم خاصة على الصعيد السياسي.

——————————

الهامش

(1) قام الأمير بعد توليه العرش مباشرة بتشكيل حكومة جديدة برئاسة عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني خلفا لحكومة حمد بن جاسم

(2) حول هذا التفسير أنظر حوار جابر الحرمي، التعديلات الوزارية في قطر.. دمج وتجديد في ظل الأزمات، موقع الخليج أون لاين 28-1-2016، الرابط

(3) د. جمال عبد الله، السياسة الخارجية لدولة قطر 1995-2003 (الدوحة: مركز الجزيرة للدرسات، ط1، 2014) ص ص 40-45

4- حوار جابر الحرمي، مرجع سابق

5- د. جمال عبد الله، السياسة الخارجية القطرية: إعادة توجيه أم ضبط للإيقاع؟ مركز الجزيرة للدراسات،21 أكتوبر 2014  

http://studies.aljazeera.net/reports/2014/10/2014102181825936405.htm

(6) بول سالم، السياسة الخارجية القطرية: الديناميات المتغيرة لدور استثنائي، مركز كارنيجي،31 ديسمبر 2012، الرابط.

7- حول هذه الجزئية أنظر جمال عبد الله، السياسة الخارجية القطرية: إعادة توجيه… مرجع سابق

8- ياسر علي المتحدث الرسمي السابق للرئاسة في عهد محمد مرسي في لقاء خاص مع الصحفيين، يونيو 2013

9- وكالة الأناضول الإخبارية، 5 أغسطس 2013، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *