fbpx
دراسات

التكنولوجيا في ظل التحولات الكبرى: الأدوار الممكنة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ملخص

تسعى هذه الورقة للإجابة على سؤال: ما دور التكنولوجيا في التحولات الكبرى التي نعيشها اليوم؟ وتنطلق من إعادة تعريف وتصور التكنولوجيا كظاهرة كبرى في عصرنا هذا تؤثر وتتأثر بالسياق الرأسمالي الذي أُنتجت فيه وبقيمه الحاكمة؛ وكيف أن هذا التأثر يظهر في توجيه تطوير التكنولوجيا نحو اتجاه معين دون آخر. لذلك، لا يمكن تطوير تكنولوجيا تخدم سياقنا المسلم وفق نموذج تم تطويره في سياق رأسمالي يخالف منطلقات سياقنا المسلم. فإذا انضبط التصور عن التكنولوجيا لينسجم مع السياق المسلم فالكمون التكنولوجي له أدوار هامة في التحولات الكبرى التي نحياها، نقترح بعضها ونترك للقارئ أن يسبح بعقله ليرشّدَها ويقترح عليها[1].

تمهيد

لا شك عندي أن جيلنا جيل فريد. خصه الله تعالى بأحداث قلما تحدث في تاريخ البشر. ينهل منها المؤرخون والمفكرون من أصحاب النظر، فيسددون ويقاربون، ليستنبطوا سنن الله في خلقه. فيكون ذلك إرشاداً لكل من يسعى إلى الله بالإصلاح في الأرض. فيحرص كل لبيب على أن يقرأ أحداث التاريخ الكبرى من ذوي بصيرة وهدى، فيضيف إلى عمره وخبرته المحدودة بالزمان والمكان أزمنة غير زمانه وأمكنة غير مكانه. آملاً بأخذه بالأسباب أن يكون سعيه في حركته على بصيرة من الله.

تأتي جائحة كورونا لتجعل جيلنا أكثر تميزاً بين أقرانه عبر التاريخ. فهي ليست مشكلة شخصية متعلقة بالذات فقط، ولا هي مشكلة أسرية أو عائلية فقط، ولا هي مشكلة تخص حي أو منطقة سكنية فقط، ولا هي مشكلة تخص دولة معينة أو مجموعة دول فقط، ولا هي مشكلة عالمية تقع وطأتها على كل أهل الأرض فقط. هي كل ذلك وأكثر، فالإنسان بذاته ومن حوله على الأرض، وكل منتجاته من بُنى اجتماعية وسياسية واقتصادية ونظم إدارية وتقنية متأثر بهذه الجائحة. حالة انكشاف كاملة لكل شيء. (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا…..) (24) يونس.

تسود عالمنا اليوم حضارة مادية مهيمنة، تولّد عنها نظم سياسية يُتغنى باستقرارها وقدرتها على إدارة الخلافات الداخلية والوصول لإجماع سلمي مرضٍ عند الاختلاف. ونظم اقتصادية فعّالة راكمت ثروات ضخمة، وعندها قدرة مستمرة على تجاوز الأزمات. يُتغنى بأنها الماكينة الأكثر فاعلية لتلبية حاجات الإنسان المادية وتحقيق الوفرة ورغد العيش بشكل لم ير تاريخ البشرية مثيل له. راكمت هذه الحضارة أيضاً معرفة يُتغنى بأن ماكينتها البحثية لها القدرة دوماً على دراسة أي مشكلة وحلها ليس بطريقة واحدة بل بعدة طرق لتطرح عدة حلول. نظم كلية تضبط حركة حياة البشر في هذا العصر. كلما اقتربت جغرافياً من مراكز هذه الحضارة تجلت هذه النظم في الواقع بوضوح وارتسم في المخيال الحرية والانضباط والعلم والنظام الصارم. يشعر الإنسان بالفعل أنه أصبح سيداً لهذا الكون، لا ينازعه فيه شيء، وأن زمن الأخطار الكبرى التي تهدد البشرية بشكل جمعي أصبح ماضياً تاريخيا مُتجاوزاً.

تتداخل وتعتمد النظم الكلية على بعضها البعض. فلا سياسة بدون اقتصاد، ولا اقتصاد بدون إدارة أو قوانين ضابطة، ولا سياسة ولا اقتصاد بدون نُظم تيسير تقنية تعطيهما القدرة على الفعل. فلا يصح الحديث عن أحد النظم الكلية دون الحديث عن الآخر. فقط لغرض الدراسة يمكن الحديث عن واحدة لكن باستحضار تأثير النظم الأخرى. ولغرض الدراسة هنا سيكون الحديث عن التكنولوجيا كمنظومة كلية مع استحضار السياسي والاقتصادي.

كيف نرى التكنولوجيا؟ التكنولوجيا بين الواقع والخيال

لا شك أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أصيلًا من حياة إنسان اليوم بغض النظر عن جغرافيته أو مستواه الاجتماعي، قوته أو ضعفه. كما أنها جزء أصيل من الحركة الاقتصادية الكوكبية تجذب رؤوس الأموال كما تجذب فتاتها من الفقير قبل الغني. تأثيرها طاغٍ على القوة بشقيها الخشن والناعم. يسعى إليها كل ساعٍ، كلٌ له مشربه، تعزيز قوة ونفوذ وقدرات، مراكمة مال وثروة، تسهيل لحركة الحياة، تطويع لما كان عصياً، وغيرها مما يتداخل مع حركة المرء وسكونه في عالم اليوم. هذا التشعب والتداخل يجعل من الصعب وضع تعريف واضح وجامع لظاهرة التكنولوجيا، كما يصعب وضع تصور واحد يمكن من خلاله النظر في ظاهرة التكنولوجيا في تداخلها مع مختلف الظواهر الأخرى كالسياسة والاقتصاد والاجتماع الإنساني.

جدير بالذكر أن نذكر أن مستوى التحليل في هذه الدراسة كلي وليس جزئي. فنحن نتطرق للتكنولوجيا كظاهرة عامة من حيث كونها مجال للفعل الإنساني كما ذكرنا آنفا. فنُعالجها على مستوى أُممي أو مستوى العلاقات الدولية. ولا نتطرق لها من مستوى جزئي كدراسة التكنولوجيا في علاقتها وتأثيرها على العملية الانتخابية.

بالنسبة للتعريف؛ فيمكن وضع مستويين للتعريف، مستوى مجرد يمكن من خلاله تعريف التكنولوجيا بما لا يمكن الاختلاف عليه باختلاف الزمان والمكان، وآخر سياقي يكون أكثر تعبيراً عن واقع التكنولوجيا في سياقنا اليوم الذي يختلف قطعاً عن سياق الماضي، وسيختلف أيضاً عن سياق المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله. أما بالنسبة للتصور، كيف نرى التكنولوجيا فنحكم عليها؟ فهناك مدارس مختلفة تتناول ذلك، سنقوم بتوضيحها باختصار ومن ثم ترجيح التصور الأكثر تعبيراً عن الواقع.

مشكلة التعريف:

تُعرّف التكنولوجيا في المعاجم على أنها تطبيق المعرفة العلمية لأغراض عملية وخاصة في الصناعة[2]. فالمسلمون الأوائل استخدموا علم الهندسة والجبر في تطوير الإسطرلاب. كذلك استخدم العلماء علم الديناميكا وميكانيكا السوائل في ابتكار الغواصات. واستخدم العلماء أيضاً علوم الرياضيات والميكانيكا ثم الكهرباء لابتكار الحاسب الآلي (الكمبيوتر). هذا التعريف للتكنولوجيا يمكن أن يعبر عن الواقع بشكل عام ومجرد، لكنه يعجز، أو على أقل تقدير يصبح غير مفيد، إذا أسقطناه على المنتجات التكنولوجية في حاضرنا اليوم. فمثلاً إذا أسقطنا هذا التعريف على منتج تكنولوجي كمنصات التواصل الاجتماعي أو منصات البث الجديدة والبديلة للمحطات التليفزيونية مثل Netflix، وHBO وغيرها، لن يكون مفيداً. إذ يصعب تتبع معرفة علمية في حقل من الحقول أدت لابتكار هذه المنتجات.

كذلك هذا التجريد يوحي بحتمية خطيرة وهي: من يملك المعرفة العلمية يستطيع أن يطبقها لتحقيق أغراضه العملية. والواقع يقول إن صناعة تكنولوجيا المعلومات مثلاً – والتي تعتبر أعلى قيمة اقتصادية عالمياً، حيث تجاوزت صناعات مثل النفط وغيرها – تهيمن عليها دولة واحدة فقط وهي الولايات المتحدة. في حين أن أوروبا واليابان واستراليا المتقدمة معرفياً ليسوا على الخريطة. فكيف يمكن القول إن المعرفة العلمية ولّدت ابتكارا في مكان وعقُمت أن تلد قرينه في غيره من الأماكن؟

مشكلة التصور:

تميل معظم حقول العلوم الاجتماعية لدراسة التكنولوجيا ومنتجاتها كمعطى يبدأ منه النظر إلى الظاهرة التكنولوجية. ولا يتم التطرق للسؤال عن كيفية إنتاج هذا المنتج التكنولوجي. فالمنتج التكنولوجي قبل أن يكون في شكله النهائي يمر بمراحل تصميم عديدة. وكثيراً ما تتعدد الآراء والرؤى في هذه المرحلة، فيمكن أن يُقترح أكثر من تصميم ليكون عليه المنتج النهائي. لذلك من المهم – هنا – الوقوف قليلاً لطرح أسئلة هامة. من أراد لهذا المنتج التكنولوجي أن يكون في هذه الصورة النهائية؟ ما المراحل التي مر بها لكي يخرج على هذا الشكل ولا يأخذ شكلاً آخر؟ من له القدرة على اتخاذ القرار في عملية التصميم قبل الإنتاج وكذلك في مراحل التطوير بعد إنتاجه؟ طغت النظرة الحتمية لتصور التكنولوجيا كمنتج نهائي على دراسة المنتجات التكنولوجية، بغض النظر عن كون هذه المنتجات أدوات محايدة وغير قادرة على الفعل، أو أن لها خصائص ذاتية تستطيع من خلالها توجيه الفعل الإنساني. سنذكر باختصار هذه الاتجاهات وأيهم أقدر على الإجابة على مثل تلك الأسئلة.

أولى هذه الاتجاهات هو الأداتي، والذي تُتصور فيه التكنولوجيا باعتبارها أداة محايدة والفاعل الإنساني هو فقط من له القدرة على توجيهها لفعل الخير أو الشر. على عكس ذلك، يأتي الاتجاه المعاكس للاتجاه الأداتي وهو الكمون الذاتي للمنتجات التكنولوجية، والذي يعتبر أن المنتجات التكنولوجية تحمل داخلها قيماً لها القدرة على التغيير في الواقع. وهذا الاتجاه منقسم لفريقين: أحدهما متفائل يرى أن التكنولوجيا بمنتجاتها تؤدي إلى التحرر والانعتاق، وآخر متشائم يراها تؤدي إلى الظلم والاضطهاد نتيجة منطقها الذاتي. بين فريقي الأداتي والكمون الذاتي للتكنولوجيا يظهر اتجاه ثالث وهو الاتجاه البنائي، والذي يرى أن السياق الذي يتم فيه إنتاج التكنولوجيا من أهم محددات اتجاهاتها. ففي سياق معين تؤثر التكنولوجيا على المجتمع كما يؤثر المجتمع على مسار إنتاج التكنولوجيا. إذاً هناك علاقة تفاعلية بين التكنولوجيا والمجتمع تحت سلطان السياق الذي يظلمها. لقد خلق هذا التفاعل المتبادل تمييزًا حادًا بين التكنولوجيا والمجتمع وأضفى عقلانية متأصلة على التكنولوجيا نفسها. هذا التمييز وإن كان مفيداً وموفقاً أكثر واقعياً من سابقيه إلا أنه غير مستدام، لأنه لا توجد خيارات تقنية حرة حتى لو أخذنا في الاعتبار تأثيرات السياق الاجتماعي على بنية العالم[3].

استدعاء السياق في تصور التكنولوجيا مهم، لكن لا يمكن اعتبار التكنولوجيا فاعل بذاته كالمجتمع. من أجل ذلك طور “Andrew Feenberg” النظرية النقدية للتكنولوجيا. يحاول “فيمبرج” في نظريته تكوين تصور منضبط عن التكنولوجيا يستحضر وجود السياق بتعقيداته على كل من التكنولوجيا والمجتمع. يرى “فينمبرج” أنه في ظل سياق تاريخي معين، تنحاز التكنولوجيا نحو الفاعل الذي لديه الموارد والقدرة على توجيه عملية التصميم لإنشاء المصنوعات التكنولوجية التي تصب في مصلحته واهتماماته. لكن التكنولوجيا أيضًا متناقضة حيث يمكن أن تأخذ المصنوعات التكنولوجية التالية – المبنية على سابقتها – مسارًا آخر[4]

نعيش اليوم في سياق حداثي معولم تسيطر عليه الرأسمالية الليبرالية. ينعكس ذلك على معظم البنى والهياكل التي يمارس من خلالها الناس معاشهم من السياسة للاقتصاد للترفيه، كما تُقدم من خلالها الخدمات كالصحة والتعليم وغيرها. لا تنفك صناعة التكنولوجيا عن هذا السياق بل تنمو في أحضانه. لنأخذ مثالاً على ذلك، تكنولوجيا المعلومات. نتجت تكنولوجيا المعلومات من صراع القطبين: الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، بعد إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي، “Sputnik” في ستينات القرن الماضي، وشعور الولايات المتحدة بالتراجع أمام غريمها، ومن ثم جيشت أمريكا إمكاناتها من أجل هذه المعركة. بعد ذلك، وبفضل “آل جور”، ربطت الولايات المتحدة اقتصادها بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ليصبح الدافع الرئيسي لتطوير التكنولوجيا الرقمية هو كيف تكسب أمريكا المال في المقام الأول لتعزيز قوتها وفرض نموذجها الرأسمالي. لكن عملية التطور التكنولوجي تحتاج إلى إبداع يستعصي غالباً على الأطر والأهداف والسياق، فكان لزاماً وجود بؤرة لا تخضع لهذه المحددات لكنها مدمجة في كليتها تحت المظلة الأمريكية. فكان وادي السيليكون Silicon Valley هو تلك البؤرة داخلياً، ونموذج الأعمال المستخدم داخله هو الأداة الاستعمارية الخارجية لسرقة إبداعات العقول خارج أمريكا. وتبدو هذه “السرقة” بريئة جرت وفق التراضي وبحسب فاعليات السوق، ولكنها في النهاية ليست إلا جزءاً من احتكارٍ رأسمالي مدعومٍ بقوى الهيمنة العالمية. فنجد أن أي ابتكار متعلق بالتكنولوجيا الرقمية خارج أمريكا عند وصوله إلى مستوى معين من التوسع والانتشار لا يمكنه الاستمرار إلا إذا بيع لرأس مال أمريكي؛ مثل “Souq.com”، “Careem”، “Gittigidiyor”، وغيرهم، حيث إن ليس لهم خيار حقيقي، إما أن تبيع الآن وتقبض أو سوف يطحنك الفيل بعد فترة غير طويلة. غير أن هذا التهديد الحقيقي للمبادرات الخاصة يمكن أن يتبدّد فيما لو يتمّ تبنٍ من قبل الدول وحماية لهذه الشركات (ونعلم أن هذا ليس سهلاً ضمن الاتفاقات التجارية العالمية، ولكن ينبغي ألا نلغيه من ذهننا).

إذا طبقنا تصور “فينمبرج” للتكنولوجيا على هذا المثال يمكن القول – إنه في السياق الرأسمالي المعولم الذي نعيشه – : تكنولوجيا المعلومات منحازة للفاعل الأمريكي الذي يمتلك من القدرات أن يوجه صناعة تكنولوجيا المعلومات لصالح الأهداف الأمريكية. لكن هذه التكنولوجيا لا تنزل على فراغ، إذ يمكن لفاعلين آخرين أن يستخدموا منتجات هذه الصناعة في تطوير منتجات تكنولوجية أخرى ضد أهداف المصالح الأمريكية، ومثال على ذلك تكنولوجيا البتكوين والبلوكتشين[5]. سيتم التفصيل في ذلك لاحقاً.

إذاً يمكن أن نحسن رؤيتنا للتكنولوجيا عن طريق إعادة صياغة تعريف وتصور واقعي عنها. فيمكن تعريف التكنولوجيا على أنها تطبيق المعرفة العلمية في ظل سياق معين لأغراض عملية تحمل قيم وانحيازات الفاعل. ويمكن أن نتصور التكنولوجيا على أنها بنت السياق واللاعب الذي أراد لها أن توجد من البداية، لكنها ليست ساكنة بل متفاعلة مع الفاعلين الآخرين فيمكن لفاعل آخر أن يبني على ما هو موجود لينتج تكنولوجيا جديدة ليست بالضرورة في نفس اتجاه سابقتها.

التكنولوجيا بين القيمة والفعل الإنساني

يحكم حركة الحياة العامة للناس في زماننا نظرة كلية للعالم شكلت سياقاً حداثياً رأسمالياً معولماً. ويتحكم به لاعبان رئيسيان، يتفقان في سلطان السياق ويختلفون في أنواع المصالح وفقاً لواقعهم ومحيطهم الجغرافي وتاريخهم الاستعماري وأطماعهم المادية الاستهلاكية الأنانية. وعليه يوجهون طاقاتهم ومواردهم في إنتاج تكنولوجيات تساهم في تحقيق تلك المصالح تحت سلطان السياق. لكن كيف يحدث ذلك في الواقع؟ كيف يتحول السياق الرأسمالي إلى اتجاهات تطوير أساسية لينتج التكنولوجيا؟ يمكن استحضار مثال التكنولوجيا الرقمية، والتي يعبر عنها بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وأنظمة التشغيل للحواسب والهواتف والذكاء الاصطناعي AI وإنترنت الأشياء IoT وغيرها من التطبيقات المبنية عليها. لن نتطرق لكل هذه الاتجاهات، لكن سنركز على شبكة الإنترنت كمظلة عامة للتكنولوجيا الرقمية. كيف نشأت؟ ولماذا أخذت الشكل التي هي عليه الآن؟

مرت الشبكة العنكبوتية بمرحلتين أساسيتين حددت مسار إنترنت اليوم. الأولى في أواخر خمسينات القرن الماضي حينما كان الصراع بين المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة على أشده. في البداية أطلق الاتحاد السوفييتي عام 1957م أول قمر صناعي في الفضاء وسمي سبوتنيك Sputnik. شعر الأمريكيون بالتفوق التكنولوجي للاتحاد السوفييتي عليهم. وكان الشعور بالتهديد يتعدى الطبقة السياسية إلى عامة الناس. مما جعل السيناتور Lyndon Johnson يقول “سوف يقوم السوفييت بإلقاء القنابل علينا من الفضاء مثل الأطفال الذين يلقون الحجارة على السيارات في الطرق السريعة”[6]. وكرد فعل على صفعة سبوتنيك موّلت الحكومة الأمريكية عدة مشاريع بحثية مثل NASA، وThe Advanced Research Project Agency (ARPA). وكانت أول المشاريع التي عملت عليها ARPA هي ربط أجهزة الكمبيوتر العملاقة في هذا الوقت لزيادة قدراتها في البحث العلمي، وهذه كانت النواة الأولى للإنترنت.

المرحلة الثانية من تطور الإنترنت كانت في بداية تسعينات القرن الماضي وتحديداً بعد فوز المرشح الديمقراطي “بيل كلينتون” على منافسه “جورج بوش” الأب. حيث بنى الجمهوريون برنامجهم الانتخابي على تكوين “نظام عالمي جديد” من خلال تعزيز السلام والاستقرار في ظل سيطرة الليبرالية والأسواق الحرة وحكم القانون الدولي. أما الليبراليون فبنوا توجههم على قيادة أمريكا للاقتصاد العالمي القائم على الأسواق الحرة وحقوق الإنسان. وبالفعل فاز كلينتون وجاء معه نائبه “آل جور” الذي كان يحمل مشروع قانون يقضي بربط الاقتصاد الأمريكي بتكنولوجيا الكمبيوتر.

كان لدى “آل جور” شعور بتراجع الريادة الأمريكية في مجال التكنولوجيا لصالح اللاعبين الجدد في النظام الدولي، ألمانيا واليابان. حيث صرح في 1989″التفوق التكنولوجي الأمريكي، الذي كنا نظن أنه نوع من السمة الوطنية، سوف يزول[7]. لذلك طور مشروع القانون الوطني لتكنولوجيا الكمبيوتر عالي الأداء والذي عرف بعد ذلك بمشروع قانون “جور” Gore Bill. وكان ذلك من أهم أسباب اختيار كلينتون له كنائب رئيس. أصبح حلم آل جور حقيقة بعد تولي كلينتون الرئاسة وأصبح هو رسمياً نائب الرئيس، حيث دخل القانون حيز التنفيذ في 1991.

خَدمت تكنولوجيا المعلومات بنية الاقتصاد الأمريكي وقادت أكبر شركاته للتفوق على العمالقة التقليديين مثل شركات الطاقة. وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي قيمة أعلى 20 موقعًا على الإنترنت 5.9 تريليون دولار، 75٪ منها أمريكية بينما البقية 25٪ صينية[8]. ووفقاً للنيوز ويك 70٪ من حجم البيانات المتدفقة عبر الإنترنت Internet traffic تحدث على مواقع تمتلكها شركات أمريكية. يسيطر على المخيال العام لشريحة كبيرة من الناس أن مؤسسي تلك المواقع هم شباب عصامي حادّ الذكاء طوروا مشروعهم في جراج منزلهم، بعد ذلك خرج مشروعهم إلى العلن وانتشر كالنار في الهشيم. هذه فكرة مسطحة بعيداً عن الواقع، جوجل طور على يد “شابين” من جامعة ستانفورد، واحدة من أفضل جامعات العالم، ومول مشروعهم بـ 25 مليون دولار. فيسبوك طوره شاب خريج هارفارد، ومول مشروعه في أول سنتين بأكثر من 13 مليون دولار.[9] 

الفجوة بين اتجاهات التطوير واحتياجات الناس:

هذا النموذج الرأسمالي المعولم يتعدى تأثيره التكنولوجيا الرقمية. فإذا دققنا في أمر التكنولوجيا بشكل عام لوجدنا تقدم وتراكم في مجالات بعينها عن أخرى قد تكون أكثر إلحاحاً في الطلب. لنأخذ مثلاً مشكلة ندرة المياه القابلة للشرب. لا يخفى على متابع ندرة المياه في المناطق الفقيرة بأفريقيا وغيرها من مناطق العالم. لكن اللافت أن تجد مليون شخص في كاليفورنيا لا يستطيعون الوصول لمياه شرب نقية[10]. إضافة إلى ضعف سكان أمريكا ممن لا يستطيعون الموصول لمياه نقية حول العالم. قارن ذلك بتخطي تغطية الإنترنت لنصف سكان الكوكب.

مشكلة مياه الشرب ليست مشكلة هامشية بل هي أساس من أساسيات حياة البشر على الأرض. مع هذا التراكم والتقدم التقني في مجالات عدة، عجزت التكنولوجيا عن وجود حل حاسم لمشكلة مياه الشرب، والعجز هنا ليس عجز تقني بل عجز النموذج الرأسمالي الذي تُبنى عليه حلول تلك المشاكل. ضعف الطالب والمطلوب.

حتى في مجال الاتصالات نفسه، تطورت طريقة الدفع لتكون عبر استخدام الهاتف مباشرة دون الحاجة إلى كارت الدفع. على بساطة القيمة المضافة لهذا التطور لكن الخطوات العملية اللازمة لتنفيذه واقعياً ضخمة للغاية. فهو يشمل اتفاقات بين البنوك وشركات الهواتف وشركات التأمين السيبراني ومزودي خدمات الإنترنت وأصحاب المتاجر التي ستوفر هذه الخدمة وحملة إعلامية ضخمة لإقناع المستخدمين بأهمية وفائدة هذه النقلة التكنولوجية. في حين أن مشكلة في نفس المجال وهي ارتفاع تكلفة وبطء نقل الأموال بين الناس، لم تجد لها حلا. متوسط نسبة التحويل 7٪ لكل عملية تحويل، ومتوسط وقت التحويل عبر الحدود 48 ساعة وقد تصل لأيام.

هل عجز الإنسان عن حل تلك المشاكل وغيرها لقصور في المعرفة العلمية وبالتالي أصبح غير قادر على تطوير أدوات ووسائل مناسبة؟ أم أن نموذج التطور التكنولوجي مرتبط ارتباطاً عضوياً بالنظام الاقتصادي الرأسمالي الهادف لمعاظمة الثروة؟ وهذا النظام الرأسمالي يستمد مشروعيته القانونية من أنظمة حكم سياسية ذات تاريخ استعماري؟ ويعمل وفق نظم إدارية تُخلَّق من أجل سرعة العجلة الاقتصادية وقبضة التحكم السياسية؟

الحاجة لنموذج جديد:

لا يمكن الحديث عن أي دور للتكنولوجيا في التغيير وفق هذا النموذج الذي يسيطر على صناعة التكنولوجيا في العالم. حيث يستبطن هذا النموذج رؤية كونية رُتبت على أساسها أولوياته، وشكلته كبنية فاعلة في حياة الناس. تقتضي هذه الرؤية الكونية تغييب المطلق وحضور النسبي شاخص فيما اتفق عليه البشر. فحين يغيب الإله عن رؤية الكون تكون النظرة المادية هي المرجع الذي يتفق عليه الناس. وتجربة الحداثة ببناها السياسية والاقتصادية والتقنية تقول لنا أن الأثرة والاحتكار هو ما تؤول إليه حياة الناس.

فالاقتصاد والسياسة تم احتكارهما من قلة، ومساحة الرأي تم هندسة توجيهها عن طريق الماكينة الإعلامية الممولة والموجهة من المحتكرين، ونموذج التطور التكنولوجي لا يعمل في فراغ؛ فيحركه مصالح المحتكرين على الطرفين وينازع المجتمع هذه المصالح على الهامش. لذلك فأي بنية تكنولوجية جديدة تستبطن هذه الرؤية وهذا النموذج سيتم احتواؤها وستصب في نهاية المطاف في مصالح المحتكرين. وسيتم التطرق بشيء من التفصيل في ذلك بعد قليل. لذلك الحاجة لنموذج جديد للتطوير التكنولوجي لم يعد خياراً بل أساسًا لمن أراد نتيجة مختلفة عما آلت إليه تكنولوجيا اليوم. لكن التحدث عن نموذج جديد لاتجاه كلي كالتكنولوجيا ليس بالأمر السهل، ولكن ما يحدث الآن من تغييرات وأحداث كبرى قد تكون معبراً من القديم الذي يحتضر إلى الجديد الذي لم يولد بعد. وجائحة كورونا بالتأكيد حدث يجب الوقوف عنده.

فيروس كورونا بين سياقين

تعتبر جائحة كورونا ظاهرة في طور التشكل، ولا يمكن الجزم بأن تأثيرها متماثل على كل بقاع الأرض من حيث آثارها المباشرة الضارة. لذلك تعميم أثر الظاهرة المباشر بشكل كوكبي الآن ليس صحيحاً ويحتاج بعض التريث. غير أن الجائحة انتشرت بتأثيرها الضار المباشر في مراكز الحضارة الغربية، أوروبا وأمريكا بشكل ملفت، وهي مراكز الحضارة ومستقر نظمها السياسية والاقتصادية والمصدر الأول لنمط الحياة المادي وأشكاله ومنتجاته الترفيهية والتقنية والأداتية. لذلك يمكن تعميم التأثير على هذه النظم والأنماط مع مراعاة أن الوقت الغير متوقع لانتهاء الوباء أو على أقل تقدير درجة اليقين في الوصول لحل ناجز بشري لهذه الجائحة، مثل الوصول لعلاج أو مصل يثبت فعاليته بإحداث تأثير، عامل هام جداً في عمق التأثير ودرجته من حيث درجة اضطراب تلك النظم والأنماط أو انهيار بعضها.

ما يمكننا مشاهدته حتى الآن هو تأزم اقتصادي منتظر لا يمكن التنبؤ بعمقه لكن حزم التحفيز المتتالية والتي فاقت 10 تريليون دولار حتى الآن[11]، قابلة للزيادة في المستقبل، تنبئنا بأن مستقبل الاقتصاد الرأسمالي على محك غير مسبوق. خاصة وأن أكثر من 6 تريليونات منهم من نصيب مركز الرأسمالية -الولايات المتحدة- وحدها[12] هذه الأرقام قابلة للزيادة. يدير هذه الأزمة الاقتصادية نظم سياسية تسوس مجتمعات مأزومة داخلياً، يصعد اليمين على قمة هرمها في عديد من دول أوروبا وأمريكا. في ظل هذا المناخ وتحت هذا السياق الأورو- أميركي تتطور وتخدم التكنولوجيا كلاً من الاقتصاد والسياسة والمجتمع على حد سواء.

لا يمكن تنزيل هذا التحليل السياقي بمناخه على واقعنا الإسلامي. إذ أن كياناتنا السياسية وكذلك نظمها الاقتصادية غير ذات وزن أو قول في الاتجاهات العالمية من سياسة واقتصاد وتكنولوجيا، لذلك لا يمكن وصفها في تحليل كلي كفاعل مستقل. لكن هذا لا يعني أن مجتمعاتنا تشارك هذه الكيانات تلك الصفة. فحزام الثورات الممتد مكاناً وزماناً في أمتنا يخبرنا أن المجتمعات يمكن أن تكون فاعلا مستقلا وإن تعثر في سعيه لهذا الاستقلال. ووفق ما اقترحنا من تعريف للتكنولوجيا) تطبيق المعرفة العلمية في ظل سياق معين لأغراض عملية تحمل قيم وانحيازات الفاعل) يمكن اعتبار مجتمعاتنا الثائرة كفاعل، وبالتالي مهم أن نرى كيف يمكن لجائحة كورونا أن تؤثر عليه على صعيد التطور التكنولوجي؟ لكن قبل الخوض في ذلك نحاول فهم تصور المجتمع المسلم عن التطور التكنولوجي.

      لطالما حار العقل المسلم في تناوله للتطور التكنولوجي ابن الحضارة الغربية ومجمل الوصف هو الشعور الذاتي والجمعي بالعجز والتخلف والتأخر أمام هذا التطور. فأصبح اللهث خلف قطار هذا التطور – وليس والوصول إليه – هو مسلّمة عقلية لمن ينتمي لهذه الأمة، ومن أعلن الانشقاق عنها صراحة على حد سواء، حتى صار من الأمور المسلم بها لدى العامة. على خلاف ذلك، فالباحث المسلم المدقق يرى بوضوح فلق الصبح أن هذا التطور التقني ما هو إلا تجلٍ واضح لأنظمة وأدوات تخدم المشروع الحداثي ومرتبطة عضوياً بجذوره الفلسفية وبنيته الفكرية والسياسية والاقتصادية والإدارية.

تأثر العقل المسلم بسلطان السياق الحداثي، على الرغم من انطلاقه من نظرة كلية مختلفة للعالم[13]. إضافة إلى هذا التأثر يوجد حالة من التيه لا يستقيم معها إدراك ووعي مصالح يسعى لتحقيقها واكتساب أدواتها. فينظر العقل المسلم للمنتجات التكنولوجية على أنها منتج نهائي محايد منزوع السياق، معزول عن مصالح منتجيه، يصفونه بالسكين يمكن استخدامه في النفع أو في القتل، فالعهدة على المستخدم وليس السكين. ويقفون أمامه بصغار، يسعى صاحب الهمة فيهم أن يلحق بقطاره المتوهم.

يعبر عن هذا التيه بعض الأنشطة العابرة للحدود والتي أخذت زخماً هذه الأيام، ومنها مبادرة مليون مبرمج عربي. على الرغم مما توفره هذه المبادرة من تمكين الشباب العربي من أدوات تكنولوجية إلا أنه لو أردنا الحكم على هذه المبادرة آخذين في اعتبارنا فكرة سلاسل القيمة The value chains لوجدنا أن هذا أقل درجات سلاسل القيمة في هذه الصناعة. وأقل ما يقال على ذلك أنه زراعة في أرض الغير، حيث تقوم مثل هذه المبادرات بتوفير الأيدي العاملة الرخيصة والمدربة لتستفيد منها شركات البرمجيات الضخمة. إذ لا تكون شركات البرمجيات كبيرة ووازنة في السوق إلا حينما يكون لها عدد معتبر من المبرمجين الذين يتقنون منتجاتها ويستطيعون تحويلها لمنتجات نهائية للشركات المتوسطة والصغيرة. ويمكن أن يُقبل مثل تلك المبادرات من مجموعات شبابية يفتقدون الدراية بواقع صناعة البرمجيات ككل، لكنها حينما تأتي من جهة رسمية فهذا يُعد خللا في الإدراك أو خيانة واعية.

تُعلمنا الثورات أن هذه التصورات ليست ساكنة، بل في حالة تدافع ومراجعة مستمرة. يكفي الشعور العام بأننا في حالة انكشاف لا يصلح معها إلا اكتساب لأدوات قوة تجعل لنا وزناً نستعين به بعد الله أن نغير المعادلة. (لذلك تعتبر جائحة كورونا فصل من فصول التحولات الكبرى في المشرق العربي لا ينفصل عنه إلا بقدر ما يكمل جزء من صورة الواقع المركب. لذلك فتأثير هذه الجائحة مزدوج، أحدهما في مركز الحداثة والآخر في الأطراف. والفاعل في كلا السياقين هو من يحدد وجهة التطور التكنولوجي ويخطط لما سيحصده في المستقبل.

في مركز الحضارة الغربية الفاعل مُعرف، أصحاب رؤوس الأموال والممسكين بزمام السياسة. وهدفهم واضح مراكمة رأس المال وإحكام السيطرة على الجماهير. لذلك فجائحة كورونا يمكن أن تحدث مستويين من التغيير. الأول موضعي داخل المنظومة؛ كتبديل مواقع بين اللاعبين، فيصعد لاعبين أقدر على التكيف مع الظروف الجديدة بحيث يمكنهم تقديم الخدمات التقليدية أونلاين كالخدمات التعليمية وتجارة التجزئة وغيرها. وكذلك تتمكن الدولة والممسكين بزمام السياسة من إحكام السيطرة على الجماهير بزيادة المراقبة وانتهاك الخصوصية بداعي إدارة الأزمة. المستوى الثاني من التغيير لا يتعلق مباشرة بالتكنولوجيا ولكن يتعلق بالتغيرات في البنية السياسية والاقتصادية التي ستحدثها الجائحة، وغيرها من العوامل المتراكمة.

تُفاقم الجائحة الوضع الاقتصادي المتأزم كما أشرنا وكذلك الوضع السياسي الذي لا يقل تأزماً. فنموذج الأعمال الذي تتطور من خلاله التكنولوجيا هو نموذج رأسمالي يخدمه بنية قانونية تُيسّر وتُسيّر حركته للأمام. فأي خلل يعتري هذا النموذج وهذه البنية لابد أن ينعكس على البنية التكنولوجية بالسلب. لذلك يصعب تحديد مدى الضرر الذي سيلحق بالبنية التكنولوجية الرأسمالية. لكن ما يهمنا هو ما يمكن أن يُتيح هذا الضرر من فرص ومساحات للفعل في سياقنا وعلى أرضنا.

في سياقنا وواقعنا لا يوجد بنية تكنولوجية يمكن لجائحة كورونا أن تؤثر عليها. فنحن تبع لما يُنتج في الغرب. لكن استحضار سؤال التغيير وتحديات الواقع يمكن أن تكون للتكنولوجيا أدوار مهمة تخلق ممكنات لكل فاعل يبتغي منفعة أمته ورضا ربه.

نظام محكم، المتاح من مفاتحه من التكنولوجيا أكبر بكثير من الجغرافيا

تعتبر عملية التغيير معقدة خاصة لو كانت البنى والهياكل الحاكمة راسخة ومستقرة في أذهان الناس قبل تجليها الفعلي في حياتهم. لكن التغيير درجات والاستجابة له أيضاً درجات. أصعب ما يمكن تغييره أو ما يكاد يكون مستحيلاً هو الجغرافيا. على الرغم من وجود حضارتين عريقتين، الصين والهند، في مكان جغرافي متقارب إلا أنه لم يحدث مواجهات كبيرة بينهما. يرجع ذلك إلى وجود سلسلة جبال الهيمالايا التي تعتبر حاجز طبيعي بين الإمبراطوريتين على مر التاريخ.[14]

ساهمت سلاسل الجبال في عزل كتلتين بشريتين عن بعضهما البعض، ولا سيما أنهما ينحدران من عروق مختلفة. وتطورت لغاتهما على نحو متفارق في جذر اللغة وهندستها. كما أن ثمة مناخا مختلفا بين مواضع الكتلتين البشريتين، وساهمت الموارد في كل منهما في توفير غذاء وحماية سمح بالتكاثر الهائل في الأعداد تكاثراً منفصلاً عن بعضهما البعض. ولكن رغم ذلك نجد أن الديانات عبرت الأثير واخترقت الشواهق، حيث تشكّلت وانتقلت البوذية من الهند إلى أرض الصين ووصلت اليابان وكوريا، وجرى بينها وبين الكنفوشية تفاعل شديد ولا سيما أن الرهبان البوذيين هم الذين نشروا المبادئ الكنفوشية. ولعل الأهم من ذلك هو الصيغة التي تطوّرت فيها تلك الحضارتان، حيث قامت الحضارة الهندية وفق رؤية دينية مقابل قيام الحضارة الصينية وفق رؤية مادية وإن تحكمها أخلاقية بنفسٍ ديني[15]. برغم هذا التداخل عمل الحاجز الطبيعي على مواجهة الإمبراطوريتين.

على عكس الجغرافيا يمكن استغلال التكنولوجيا في إحداث تغييرات جوهرية وفي أوقات ليست كبيرة. ويمكن أخذ مثال على ذلك: بدايات الثورة المصرية مطلع 2011.

قبل الثورة امتلك النظام المصري منظومة أمنية استخباراتية راسخة تعتبر الأقوى في المنطقة. مسلحة بعدة وعدد يفوق تعداد الجيش المصري في حينها[16]. ولهده المنظومة رصيد من الخبرة في التعامل مع التجمعات والتظاهرات ما مكنتها من احتواء أي تظاهرات سواءً في الميادين المفتوحة أو داخل أسوار الجامعات. واجهت هذه البنية العتيدة شبابا غير مهيكل لكنه مسلح بأدوات تكنولوجية مكّنت له طرق اتصال وتدفق معلومات فعال، كذلك مكّنته من تنظيم تحركاته بخفة ورشاقة. في غضون ثلاثة أيام، ما بين 25 إلى 27 يناير، استُهلكت هذه البنية الضخمة أمام أعداد لم تكن كبيرة لكنها استخدمت أسلوباً لم يكن مدركاً في رصيد الخبرة الأمني ما جعل هذه المؤسسة تنهار في نهاية الأيام الثلاثة، وكان يوم 28 يناير المعروف بجمعة الغضب تحصيل حاصل لما تم قبله. ومثال آخر على ذلك: رغم سعة الجهاز الاستخباري السوري فاجأتها التكنولوجيا البسيطة للفيسبوك، إلى أن حصلت على الدعم التقني من إيران وشكلت ما يُسمى بـ”الجيش الإلكتروني” للدفاع عن النظام القائم من ناحية الإعلام الافتراضي ومن ناحية أدوات الرصد. أما الحالة اليمنية فكانت ذا طبيعة شعبية مفتوحة فيها تبنٍ واسع لرموز مجتمعية إلى جانب اعتصامات دامت شهوراً، فلم يستدع هذا الوضع الالتجاء الكبير إلى التواصل الافتراضي.

نتعلم من ذلك أن أي عملية تغيير يكون أسهل أدواتها التكنولوجيا إن طورت واستخدمت مدركة الواقع إدراك من يعيه لا من يهابه. لكن لأن هذه التكنولوجيا لم تكن من تطويرنا، لكننا مستخدمين ومستهلكين لها فقط، تعلم النظام المصري الدرس وطور من أدواته ما يمكنه من استيعابها مستقبلاً. فما لبثت الميزة أن أصبحت أكبر تحدٍ لأي ثائر يريد تحريك الشارع. استخدام المتاح من التكنولوجيا مهم ومفيد لكن لا مناص من تطوير التكنولوجيا الخاصة بنا لا من أجل المواجهة فقط بل والبناء أيضاً. [17]وهذا لا يحدث إلا إذا استوفينا شروط التطور التكنولوجي وخلقنا مناخاً مناسباً له.

التطور التكنولوجي له خصائص فريدة يمكن أن نعتبرها أيضاً شروطاً لتحقيقه، نذكر هنا أهمها:

  • بيئة مفتوحة: عملية التطور التكنولوجي هي آخر عملية من عمليات الإنتاج المعرفي، لذلك فهي تتطلب ما يتطلبه الإنتاج المعرفي من وجود بيئة مفتوحة من أصحاب الاهتمام المشترك. بيئة يستطيع فيها أصحاب الخبرة والمبتدئين أن يتبادلوا المعلومات فيما بينهم بدون عوائق سواءً إدارية نتيجة بيروقراطية هرمية أو حتى ضيق أفق فردي.
  • الخطأ أساس من أسس التعلم: في هذه البيئة المفتوحة يتعامل المهتمون بدرجات خبراتهم المتفاوتة مع مشكلات تحتاج إلى نوع من الإبداع. لذلك فالخطأ هو جزء أساسي من عملية التطور التكنولوجي لا يمكن النظر له – بأي شكل من الأشكال – على أنه نقيصة.
  • لا يوجد حل مثالي: محاولة ابتكار حلول عملية لمشكلات واقعية باستخدام المعرفة العلمية أمر أبعد ما يكون عن النمطية. لذلك وفي هذه البيئة المفتوحة تتعدد الطرق لإيجاد حل لمشكلة ما، وبمجرد الوصول له فذلك إنجاز كافٍ بغض النظر هل يمكن إيجاد حل أفضل أو لا، الحل الأنسب هو الحل الأمثل، والأنسب يستدعي ظروف الواقع وإمكانياته وإكراهاته أيضاً.
  • التراكم: تطوير حلول لمشكلة ما اليوم هو جزء من حل لمشكلة ما في المستقبل. هكذا يكون التراكم في البيئة المفتوحة جزءًا أساسيًا من منظومة التطور التكنولوجي.
  • قواعد وقوانين حاكمة: هذه البيئة المفتوحة تحتاج إلى أطر ناظمة وقوانين حاكمة في حالة النزاع على المصالح أو حتى اختلاف وجهات النظر. يمكن أن تُطور هذه الأطر من خلال جهة التشريع الرسمية ويمكن أيضاً أن يطورها المنخرطين في عملية التطوير. ويمكن أن تتنوع أيضاً. وفي ذلك أمثلة كثيرة لرُخص وقوانين طُورت بأيدي العاملين في التطوير التكنولوجي والإنتاج المعرفي والفني. من أمثلة ذلك General Public License (GPL), A Creative Commons (CC) license, The Free Art License (FAL)، وغيرها.
  • قيم عليا حاكمة: يمكن تقسيم القيم لمستويين: الأول خاص بالنظرة للكون وعلاقته المباشرة بالذات، والثاني خاص بفاعلية هذه الذات في المحيط الإنساني. ففي المستوى الأول يتجلى الفارق بوضوح بين النظرة التوحيدية والنظرة المادية النفعية. وفي النظرة التوحيدية تحقيق مراد الله بسعي الذات في الحياة هو القيمة العليا للبشر. وذلك بالتوفيق بين ما أراده الله منه من تكليفات وما خصه به من إمكانات ومواهب فيصبح كل ما ينتجه الإنسان أثناء سعيه في الدنيا منسجمًا مع مراد الله له فيها. أما في النظرة المادية فتحقيق اللذة ودفع الألم عن الذات هو القيمة العليا لها. وذلك بالسعي لإنتاج كل ما يعزز هذه القيم دون النظر إلى أي وازع متعالٍ عن الذات ومحيطها.

أما في المستوى الثاني للقيم فيمكن أن يتشابه المنظور التوحيدي مع المنظور المادي للقيم العليا. إذ هو متعلق بفطرة الإنسان عامة بغض النظر عما يعتقد. والقيمة العليا للتطور التكنولوجي هي الإبداع. فالمشتغل بالتطور التكنولوجي يعتبر ما يقوم به نوع من الفنون يحتاج أن يطلق فيه طاقته دون حدود أو قيود.

لذلك أكثر مكان يمكن أن يوفر بيئة حاضنة لكل ما سبق، بما فيه هذه القيمة العليا، هو وادي السيليكون Silicon Valley في كاليفورنيا. بقعة جغرافية ذات مناخ يختلف كلياً عن غيره حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. يمكن أن نعتبر هذا المكان فقاعة تم الاتفاق على الحفاظ عليها لكي تكون بيئة حافظة ومهيئة لقيمة الإبداع لكل من يريد العمل في التطور التكنولوجي من خيرة العقول. لذلك تجد مخرجات هذه البقعة لا يضاهيها في الجودة أو الإبداع أي بقعة أخرى داخل أمريكا أو خارجها في أوروبا أو غيرها.

هذه الخصائص أو الشروط تتشابه مع الجو العام للثورات كما ذكرنا أنفا. هذه الطاقة الفتية المبدعة المقدامة مهّدت لعملية تغيير كبرى لا يمكن لأنماط الإدارة والإنتاج المستخدمة في مجالات الحياة المختلفة أن تنتج ما أنتجته هذه الثورات من هزة فاصلة ما أتى بعدها لم يكن كما سبقها.

لذلك في أي مشروع تغيير ثوري يبتغي مواجهة أعدائه والمشاركة في بناء واقع جديد، أن يعي أن التكنولوجيا من أهم أدواته وأسرعها قدرة على التغيير. ومهما كانت بنى الواقع وهياكله محكمة في أذهان الناس وفي واقعهم يمكن لطاقة التغيير مع الإبداع التكنولوجي أن يغيروا تلك المعادلة. ويشترط لذلك الوعي بطبيعة الواقع وكذلك بشروط وخصائص التطور التكنولوجي.

مع وضوح الفرصة لكن الاحتواء موجود وفعال

بقي أن نذكّر هنا بشيء هام ألا وهو نجاح التطور التكنولوجي في عمليات البناء والتدافع مع البنية الرأسمالية القائمة ممكن، لكن استمرار ذلك النجاح ليس أمراً حتمياً أو مضموناً. فمن أهم ما يميز منظومة الحداثة وبنيتها قدرتها على الاحتواء، حيث يمكن باستخدام التكنولوجيا، أو أي شيء آخر، بناء بُنى بفلسفة ومنطق مغاير لما تبنيه هذه المنظومة. لكن ما يلبث أن تستخدم المنظومة قدرتها العالية على التكيف لتحتوي هذه البنى وتدمجها في منظومتها، ومن ثم تفقد تلك البنى الجديدة بوصلتها وقدرتها على التغيير. بل تكون سبباً في استمرار المنظومة الحداثية الرأسمالية الأكبر[18]. مثال برمجيات مفتوحة المصدر Open Source Software OSS)) خير شاهد على ذلك.

بدأت صناعة البرمجيات كغيرها من الصناعات وفق النموذج الرأسمالي الربحي في مطلع خمسينات القرن الماضي، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك فرق بين عتاد الحاسوب وبرمجته أي بين الـ Software and Hardware. وكانت عملية البرمجة عبارة عن عملية بحث علمي يقوم بها طلاب الجامعة كجزء من دراستهم وأبحاثهم بالتوازي مع ذلك، لكي يتم تطوير حلول برمجية للاستخدام العام فعلى المرء تكوين شركة على نموذج فورد الإنتاجي حيث تقسيم العمل وتوزيعه وضبطه بشكل هرمي. استمر المساران في العمل يغذي كل منهما الآخر إلى أن تمدد مسار العمل الأكاديمي خارج أسوار الجامعة وكون لنفسه منظومة متكاملة تحت مسمى برمجيات مفتوحة المصدر. مخرجات هذا النموذج كانت أكثر جودة وأعلى كفاءة من مسار تطوير البرمجيات الربحية، ويرجع ذلك إلى أن نموذج الشركات يحد من انطلاقة وإبداع عملية التطور التكنولوجي التي ذكرنا بعض منها في هذه الورقة[19].

ظل المساران متوازيين؛ مسار الشركات الربحية برزت فيه كيانات ضخمة كـ IBM، وAT&T وXerox وMicrosoft، ومسار مفتوح المصدر برزت فيه أسماء ومجموعات من طلبة الجامعة في عدة جامعات أمريكية وأوروبية مع عدد كبير من الهواة. في فترة الخمسينات والستينات كانت أنظمة التشغيل Operating Systems الخاصة بالحواسيب هي أهم منتج في عالم البرمجيات[20]. وكان التطوير مشترك بين المسارين إلا أن كل مسار يقوم بإصدار نسخ من نظام التشغيل وفق رخصة ملكية خاصة به. فمجموعات OSS تقوم بإصدار نسخة نظام التشغيل Unix وفق رخصة ملكية Berkeley Software Distribution (BSD) والتي تتيح نظام التشغيل بشكل مفتوح يمكن قراءة أكواده كذلك بشكل مجاني للمستخدمين. أما الشركات فكانت تصدر نفس النسخة برخصة حقوق ملكية Copyright والتي تتيح نظام التشغيل بشكل مغلق لا يمكن قراءة أكواده، ويتم الحصول عليه بمقابل مادي. في 1983 قامت شركة AT&T بإصدار نسخة مدفوعة من نظام تشغيل Unix وصل سعرها سنة 1988 لـ 100،000$، وبعد عدة سنوات وصلت لـ 250،000$. لذلك كان الصراع على أشده بين الشركات ومجموعات OSS[21]. صرح “بيل جيتس” في السبعينات أن البرمجيات مفتوحة المصدر تعتبر تهديد لصناعة البرمجيات ويجب محاربتها[22]. كما ذكرت برقية مسربة من داخل شركة مايكروسوفت، عرفت بعد ذلك بوثائق الهالوين Halloween documents، أن البرمجيات مفتوحة المصدر أكثر جودة من منتجاتنا. [23]

ما ميّز منتجات البرمجيات مفتوحة المصدر عن نظيراتها الربحية ليس مهارة العاملين فيها فقط بل تبنيهم نموذج تنظيمي وإداري ونظام ملكية يتوافق أكثر مع متطلبات التطور التكنولوجي التي ذكرنا بعض منها. هذه البنية تكونت في أجواء الطلبة المفتوحة في الجامعات ثم انتقلت لفضاء الإنترنت بعد ظهوره. استطاعت هذه الحركة تطوير نماذج ملكية وكذلك نماذج إنتاج واتصال ومتابعة أكثر فاعلية وكفاءة من نموذج الشركة الرأسمالي والذي يعتمد على نظام حقوق الملكية وعلى نظام هرمي مركزي للإنتاج[24].

تأثير حركة OSS في صناعة البرمجيات كبير ولا يمكن تجاوز تأثيره. فأول نظام تشغيل للحاسب الآلي في التاريخ Unix (UNICS) طور مفتوح المصدر عام 1969 [25].  71.8% من أنظمة تشغيل خوادم الإنترنت Public servers on the Internet مفتوحة المصدر[26]. أعلى 500 Supercomputer يعمل بنظام تشغيل Linux مفتوح المصدر[27]. أنظمة التشغيل الرسمية لشركة Apple OS X طور من خلال نظام Unix مفتوح المصدر[28]. معظم شركات هوليوود Disney, DreamWorks, and Pixar وغيرهم يستخدمون برمجيات مفتوحة[29]. أشهر منصة يرتادها مبرمجو المصدر المفتوح GitHub فيها أكثر من 50 مليون مبرمج[30]. مع كل ذلك التأثير فقد توقع كثير من الباحثين الهيمنة المستقبلية لحركة OSS على صناعة البرمجيات وضمور النموذج الربحي[31]. على العكس من ذلك، تكيفت المنظومة الرأسمالية مع اللاعب الجديد وطوعت نفسها وطوعته تحت سطوتها[32].

مع احتدام الصراع بين النموذجين وتفوق نموذج حركة OSS على نموذج الشركات اضطرت كبار شركات تكنولوجيا المعلومات تبني بيئة عمل مفتوحة المصدر ليس بتخليها عن خصائصها الأساسية كبُنى وهياكل هدفها تعظيم رأس المال، بل استخدامها كاستراتيجية إبداع As innovation strategy. تقتضي هذه الاستراتيجية حماية بيئة العمل الخاصة بالشركة، كما أنها تقلل من تكلفة عملية الإنتاج. وقد تم تنفيذ ذلك عملياً عن طريق التعديل في نموذج الشركة بتوسيع قسم البحث والتطوير وخلق مساحات مفتوحة في هيكل الشركة المركزي الهرمي ولكنها ظلت محكمة على الأطراف” controlled openings at the edges”[33]. في 2008 أنشأت جوجل Google Open Source [34]، وفي 2012 أنشأت مايكروسوفت Microsoft Open Technologies (MS Open Tech) [35] واشترت بعدها في 2017 أكبر منصة لمبرمجي OSS وهي GitHub بمبلغ 7.5 مليار دولار[36].

تحتاج ظاهرة البرمجيات مفتوحة المصدر (OSS) دراسة أكثر تفصيلاً لا يسعنا معالجتها في هذه الدراسة. لكن لأغراض هذه الورقة نكتفي بهذه الإطلالة للبرهنة على قدرة المنظومة الأكثر تعبيراً على قيمها العليا في الواقع على احتواء أي نوع من أنواع التمرد عليها، طالما أن هذا النموذج الجديد لا يتبنى قيم عليا مخالفة للمنظومة السائدة ينازعه فيها.

أدوار ممكنة للتكنولوجيا في التحولات الكبرى

وفق ما اقترحناه من تعريف وتصور للتكنولوجيا في هذه الورقة يمكن استدعاء ثلاثة أطراف رئيسية قبل الحديث عن أي دور للتكنولوجيا في أي تحولات كبرى في عالم اليوم: (1) الفاعل الذي يملك الرؤية والموارد، (2) والتكنولوجيا كأداة لها منطقها الذاتي، لكنها في نفس الوقت تتشكل وفق إرادة الفاعل، (3) والمجتمع الذي يتفاعل مع ما ينتجه هذا التشكل فيتأثر ويؤثر فيه. هذه الأطراف الثلاثة تتشكل وتتفاعل مع بعضها البعض تحت سياق الواقع، وواقعنا كما ذكرنا هو رأسمالي حداثي. سنأخذ مثالين على أدوار مكنت التكنولوجيا من تجاوز سياق الواقع وخلق واقع جديد في طور التشكل. الأول عن المال، والثاني عن منظومة تكنولوجيا معلومات (إنترنت) جديدة.

المثال الأول: المال

الاقتصاد الرأسمالي وإعادة تعريف المال

على الرغم من تعدد أشكال المال عبر تاريخ البشرية، إلا أن وظائفه كانت ثابتة وواضحة؛ وسيط للتبادل ومخزن للقيمة. تربع الذهب على عرش المال لفترة كبيرة من تاريخ البشر. على الرغم من وجود أشكال أخرى للمال سواء كانت معادن مثل الفضة والنحاس، أو من الأحجار النادرة أو من صدف البحر النادر، إلا أن الذهب أثبت كفاءة عالية لتحقيق هاتين الوظيفتين[37]. ما ميز الذهب عن أشكال المال الأخرى هي نُدرته الناتجة عن صعوبة استخراجه، بالإضافة إلى استخدامه كحلي ودخوله في العديد من الصناعات. حتى مع التطور التكنولوجي ظلت القدرة على استخراجه محدودة مهما زاد الطلب عليه. أقصى طاقة إنتاجية يمكن أن تزيد المعروض منه بنسبة حوالي 1.5٪ فقط. [38]

أعادت الرأسمالية تعريف المال، فأصبح هناك النقد والمال. فالنقد هو ذلك الشكل التقليدي المذكور في الفقرة السابقة، والذي يسمى الآن البنكنوت banknotes وهذا لا يمثل سوى 3٪ فقط من حجم المال.[39]أما بقية الـ 97٪ فهي على شكل أرقام في السجلات الرقمية في البنوك. لكن كيف حدث ذلك؟! للإجابة على هذا السؤال علينا النظر إلى المال في الإطار الأوسع للاقتصاد الرأسمالي. فالنظرة الرأسمالية تتفق في جذورها مع النظرة الحداثية للكون والحياة. فالإنسان كائن مادي يسعى وراء اللذة ويجتهد لدفع الألم. من أجل ذلك عليه إحكام السيطرة على الكون وموارده لاستغلالها لتحقيق أهدافه. موارد الكون نادرة ولا تكفي لإشباع رغباته، لذلك فالتنافس عليها ملمح أساسي من ملامح هذا الاقتصاد.

هذه النظرة المادية النفعية انعكست على المنظومة الاقتصادية. فسعي الناس لإنتاج السلع والخدمات التي يحتاجها (الاقتصاد) يعتمد بالأساس على مبدأ النمو Economic Growth. أي أن معيار التقدم الاقتصادي هو زيادة القيمة السوقية للسلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد بمرور الوقت من أجل تحقيق ذلك، فالاستدانة هي جزء أساسي من عجلة الاقتصاد الرأسمالي. لكن المؤسسات التي تمتلك المال، البنوك، لا يمكنها القيام بهذه الوظيفة بما لديها من نقد محدود. لذلك ظهرت أشكال مختلفة من الديون، الائتمان Credit للأفراد والسندات Bonds، والضمانات الحكومية Securities. لا يتم تمويل هذه الأشكال من الديون بالنقد الموجود لدى البنوك، ولكن تقوم البنوك بخلق مال رقمي (97٪ من حجم المال كما ذكرنا آنفا) على سجلاتها الإلكترونية تعطيه للأفراد ليكونوا أقدر على الاستهلاك أو للمستثمرين ليقوموا بإنتاج سلع وخدمات أو للحكومات في حالة عجز الموازنة. ثم يقوموا بعد ذلك بتسديد هذه القيمة الوهمية مضاف إليها الربا (الفوائد). وبدون هذه الديون لن يحدث النمو الاقتصادي.[40]

يتم خلق هذا المال الرقمي وفق شروط وقيود من أجل ضمان استردادها. لكن بمرور الوقت يدخل الاقتصاد في حالة ركود Recession وهذا ما يسمى في الاقتصاد بالدورة الاقتصادية The economic cycle.

التكنولوجيا في ظل التحولات الكبرى الأدوار الممكنة-1

(الدورة الاقتصادية. المصدر: corporatefinanceinstitute.com[41])

كما يظهر في هذا الرسم الفرضية الرئيسية هنا أن الركود هو جزء أساسي من النمو الاقتصادي يمكن احتواؤه في فترة زمنية معينة عن طريق محفزات وحلول مؤقتة حتى يستأنف الاقتصاد النمو مرة أخرى.

هذه النظرة للاقتصاد المدفوع بعمليات استدانة من رأس هرم المجتمع إلى قاعدته تعيد تشكيل المجتمع وتعرف أدواره. فلا يمكن تخيل استقرار هذه المنظومة الاقتصادية بدون عمليات استهلاك شره على المستوى الفردي، وكذلك عمليات إنتاج لسلع وخدمات تنمو مع الوقت تستهلك موارد كوكبنا وتنذر بكوارث غير مسبوقة. في هذا السياق تم إعادة تعريف المال ليصبح رافعة من روافع الاقتصاد. وبذلك تم تعديل وظائفه من وسيط للتبادل ومخزن للقيمة، إلى وسيط للتبادل ومخزن سيء للقيمة (القوة الشرائية للدولار أكثر عملة مهيمنة تقل بمعدل حوالي 2٪ كل عام[42])، ووقود لعملية الاستدانة القائم عليها الاقتصاد. إذاً لم تعد الندرة خصيصة أساسية من خصائص المال[43].

راكمت المنظومة الاقتصادية قوى وقدرات عالية للدول الغربية الكبرى. كما جاءت معها أزمات اقتصادية وعدم مساواة وتفاوت في مستويات المعيشة عزز عدم الثقة في هذه المنظومة وفقد الثقة في شكل المال الجديد. الكساد الكبير The Great Depression 1929، وأزمة الرهن العقاري 2008 وغيرها من الأزمات. يمتلك 1٪ من سكان الأرض 44٪ من ثرواتها[44]. هذه الأزمات وهذا التفاوت جعل عدم الثقة في المال الجديد يزداد كما عزز النظرة التقليدية للمال وهي الندرة وليس الوفرة.

البتكوين والعودة للأصل:

أخذ المجتمع زمام المبادرة وقرر استخدام التكنولوجيا في إنتاج شكل جديد من المال وفق ما استقر في وجدانه عبر العصور. نوع جديد من المال يحمل أهم خصيصة فقدها مال اليوم وهي الندرة، بمعنى عدم القدرة على إنتاجه بسهولة. كانت مبادرة المجتمع عن طريق أحد الفاعلين خارج إطار بُنى الحداثة التقليدية، الدولة والشركة، إنها حركة سايفربنك Cypherpunk الأناركية[45].

ترى حركة “سايفربنك” أنه يمكن للمجتمع باستخدام التكنولوجيا أن ينظم شؤونه بعيداً عن سلطة الدولة، وكذلك يمكن إدارة فعالياته الاقتصادية بعيداً عن مؤسسة الشركة Corporation[46]. حلم استخدام التكنولوجيا للتأثير على حركة المجتمع بدأ قبل ظهور حركة سايفربنك بعقود[47]، لكنه تجسد في توجه وحركة اجتماعية على يد “تيموثي ماي” Timothy C. May عام 1988 حينما كتب مانيفستو التشفير الأناركي The Crypto Anarchist Manifesto. استهل “ماي” المانيفستو بقوله “شبح يطارد العالم الحديث، إنه شبح التشفير الأناركي” “A specter is haunting the modern world, the specter of crypto anarchy.” شدد فيه ماي على استخدام تكنولوجيا الكمبيوتر والتشفير في إحداث ثورة اجتماعية واقتصادية من أجل تحرير المجتمع. لم يلبث الأمر طويلاً حتى تبلورت هذه الشعارات والأفكار المجردة إلى أهداف أكثر وضوحاً وتحديداً على يد إريك هوز Eric Hughes نص عليها في مانيفستو جديد تحت اسم “مانيفستو سايفربنك” “A Cypherpunk’s Manifesto”[48].

حدد هوز أربعة أهداف رئيسية يجب العمل عليها من أجل تحقيق هذا المجتمع المفتوح. الهدف الأول هو “التشفير” لكي يتمكن أفراد المجتمع من تحقيق الخصوصية في تعاملاتهم دون التجسس عليهم من الدولة، من أجل السيطرة، أو الشركة، من أجل مُعاظمة رأسمالها. الهدف الثاني هو “بريد إلكتروني مشفر” من أجل خصوصية المراسلات. الهدف الثالث هو “التوقيع الرقمي” من أجل موثوقية التعاملات. آخر هدف هو “المال الإلكتروني” “electronic money”[49].

لم يكن من الصعب من الناحية الفنية تحقيق أول ثلاثة أهداف من هذه الأربعة، فكل من التشفير والبريد المشفر والتوقيع الإلكتروني تم تطويرها بنجاح. كذلك لم يكن هناك عائق من ناحية الثقافة المجتمعية أن يتقبل المجتمع هذه الابتكارات ويدمجها في استخداماته اليومية. لكن تحقيق الهدف الرابع بإنشاء عملة إلكترونية، تنطلق من الإنترنت كمنصة عامة، واجه صعوبات فنية وثقافية على حد سواء. على مدار 15 عاماً، منذ تأسيس الحركة عام 1993 إلى ظهور البتكوين عام 2008، طُورت كثير من المحاولات لتحقيق هذا الهدف. من أمثلة هذه المحاولات قيام Hal Finney بابتكار عملته “RPOW”[50] وNick Szabo وعملته “Bit Gold”[51] وAdam Back وعملته “HashCash”[52] وWei Dai وعملته “b-money”[53] وغيرهم[54]. جسدت هذه المحاولات وغيرها العوائق الفنية والقبول المجتمعي التي تواجه تحقيق عملة إلكترونية.

على الرغم من أن العالم الرقمي، الإنترنت، مبنى على مبدأ التدفق الحر للمعلومات، The free flow of information، إلا أن هذا التدفق الحر لا يمر إلا عبر وسيط يقدم لك الخدمة. فيمكن لأي شخصين تبادل المعلومات عبر الإنترنت لكن لابد من وسيط يتسلم المعلومات من المرسل ليعيد إرسالها إلى المستقبِل. يسمى هذا بنموذج الخادم-العميل The client-server model. تعتبر الشركة في معظم الحالات مقدم الخدمة أو الوسيط الذي يتم من خلاله نقل المعلومات بين الأطراف. إذاً، على كل من يريد استخدام الإنترنت في تقديم خدمة أو تنفيذ مشروع ما أن يبدأ من مُسلمة أنه وسيط ينبغي أن تمر من خلاله ما يتم تداوله بين المستخدمين[55]. لا يمكن البناء على هذا النموذج لإنشاء عملة رقمية وذلك لسببين رئيسيين. الأول أنه مخالف لمبادئ الحركة الأناركية التي لا تؤمن بسلطة الشركة في تنظيم الفعاليات الاقتصادية. والثاني مخالف لفكرة الندرة في المال، إذ حتى لو أرادت أن تأخذ المؤسسة الوسيطة شكل غير الشركة الرأسمالية، مثل جمعية عامة، فستظل وسيط له اليد العليا في إنتاج الكميات التي يريدها من العملة الجديدة، ومن ثم لن يكون هناك فرق جوهري بينها وبين المال التقليدي من حيث تدني قيمته مع الزمن لذلك النموذج الفني الذي يعتمد على وسيط، والمؤسسي الذي يعتمد على هيكل الشركة لبنية الإنترنت التقليدية لا يمكن استخدامهم في إنشاء عملة.لم تهدأ هذه المحاولات على مدار عقد ونصف لحل هذين السببين وغيرهما من التحديات. محاولات تسعى لتحقيق أهداف غير أهداف وادي السيليكون Silicon Valley، قلعة الابتكارات التكنولوجية الرأسمالية الحصينة، وإن كانت تستفيد وتستمد قوتها منه ومن مناخه المفتوح[56]. وتسعى أيضاً في غير اتجاه المؤسسة الأكاديمية، وإن كانت تستفيد من الرصانة العلمية والمجتمع البحثي[57]. المرونة والإخلاص للهدف جعل هذه الفترة فترة مراكمة لخبرات وتجارب تُمكِّن من يأتي بعدها أن يبني عليها.

التكنولوجيا في ظل التحولات الكبرى الأدوار الممكنة-2

على أحد أكبر المنصات المهتمة بتشبيك وتسهيل عمل شبكات اجتماعية منظمة، وتسمى “P2P Foundation”[58] قام شخص مجهول الهوية عرف نفسه بساتوشي ناكاموتو”Satoshi Nakamoto” في أكتوبر 2008 بإعلان أنه يعمل على نظام صرف آلي يعمل بالكامل بين طرفين فقط بدون طرف ثالث وسيط[59]. ما فعله ناكاموتو أنه استفاد من التراكم النظري والعملي، وابتكر تكنولوجيا جديدة “بروتوكول” سمي Blockchain لاستخدامها كنظام مصرفي آلي لعملته الإلكترونية الوليدة بحيث يمكن عبره نقل المال بين شخصين دون طرف ثالث ضامن كالبنك في حالة المال التقليدي.

تغلب ناكاموتو على أكبر معضلتين واجهتا من سبقه، النموذج الفني الذي يجعل بنية الإنترنت قائمة على وجود وسيط مركزي كمقدم لكل خدمات الإنترنت. والنموذج المؤسسي لهذا الوسيط الذي يحظى باليد العليا للتحكم في إنتاج المال وبالتالي على أهم خصيصة له وهي الندرة.

لكي يتغلب ناكاموتو على معضلة النموذج الفني لبنية الإنترنت، لم يعتمد على نموذج الخادم-العميل The client-server model الذي ذكرناه، لكنه اعتمد على نموذج الند للند الشبكي [60]Peer-to-Peer model. فبدلاً من أن تنتقل المعلومات من المرسل للمستقبل عبر وسيط مركزي (مقدم الخدمة)، ستنتقل من المرسل إلى المستقبل عبر شبكة من المتطوعين بأجهزتهم الحاسوبية. وبدلاً من اتخاذ القرار في الشركة بشكل مركزي في نموذج الخادم العميل، اعتمد ناكاموتو في تصميمه عملية الإجماع Consensus بين المشاركين لاتخاذ القرار[61]. يبرز هنا سؤال هام، تقوم الشركة بدور الوساطة لتقديم الخدمات على نموذج الخادم العميل من أجل المال، فلماذا يقوم المتطوعون باستخدام أجهزتهم وإنفاق الوقت والمال[62] في نموذج الند للند؟

في حالة نموذج ناكاموتو المقترح، البتكوين، يشارك المتطوعون بأجهزتهم الحاسوبية ليحصلوا على مكافأة مالية تتمثل في أمرين. الأول عند إرسال عملة بتكوين من طرف لآخر سيحصل المشاركين على رسوم تحويل. الثاني سيكافأ بعدد من العملات الجديدة من البتكوين نظير خدمتهم للشبكة وهذا ما يسمى التعدين
Mining[63].

التكنولوجيا في ظل التحولات الكبرى الأدوار الممكنة-3

نموذج الند للند. (المصدر: www.skalex.io)

يبقى هنا سؤال هام، كيف ستتحقق الندرة لعملة البتكوين وفي كل تحويلة يتم إنتاج أعداد منها لمكافأة المشاركين؟

 وضع ناكاموتو معادلة مفادها أن عملية صك عملات جديدة ستبدأ ببداية إطلاق شبكة البتكوين بأعداد كبيرة نسبياً، 50 وحدة بتكوين لكل تحويلة، ثم تقل عملية الصك للنصف كل حوالي أربع سنوات، لتصبح 25 وحدة بتكوين لكل تحويلة ثم 12.5 وحدة، ثم 6.25 وحدة، وهكذا حتى يقل المطروح مع الوقت وتنتهي عملية التعدين حوالي سنة 2140 م. وحينها، لن يتبقى كمكافأة مالية للمشاركين في الشبكة غير عمولة التحويل فقط[64]، ولن يتم إنتاج أي وحدات جديدة من عملة البتكوين، والتي سيكون عددها حينها 21 مليون وحدة، مهما زاد الطلب عليها.

في يناير عام 2009 أطلق ناكاموتو شبكة البتكوين. وفي أول تحويلة قام بها على الشبكة اختار ناكاموتو عنوان صحيفة The Times البريطانية والذي يقول “Chancellor Alistair Darling on brink of second bailout for banks Billions may be needed as lending squeeze tightens”[65] “المستشار أليستير دارلينج[66] على وشك الإنقاذ الثاني للبنوك، قد تكون هناك حاجة إلى المليارات مع الضغط الشديد للإقراض”. حور ناكاموتو بعض الشيء في العنوان وكتب: “The Times 03/Jan/2009 Chancellor on brink of second bailout for banks”[67]، “التاريخ 3 يناير 2009، المستشار على وشك الإنقاذ الثاني للبنوك”. في رسالة على إثبات موعد إطلاق الشبكة من جهة، ومن جهة أخرى رسالة رمزية على رفض سياسيات النظام المالي للرأسمالية.

لأول مرة في تاريخ الحداثة يُنتج المجتمع باستخدام التكنولوجيا المال بعيداً عن سلطة الدولة الحديثة وبُناها المؤسسية. لم تستخدم البُنى المركزية للحداثة من شركات هادفة للربح أو منظمات غير ربحية، ولكن ابتكر كيان جديد قائم على القيادة بالفكرة، والتشغيل التنفيذي بواسطة شبكات موزعة يمكن المشاركة فيها في أي وقت كما يمكن الخروج منها أي وقت أيضاً. والدافع للمشاركة قيمي من حيث الإيمان بالفكرة ومصلحي من حيث التكسب المادي المباشر من المشاركة. لا يمكن القول إن شبكة البتكوين التي تقدر بملايين الدولارات وتعمل على مدار الساعة ويشارك في تشغيلها والاستفادة منها آلاف البشر، لا يمكن القول إنها منظمة أو شركة أو مؤسسة غير حكومية بالمعنى التقليدي. بل هي منظومة مال جديدة بعيدة عن الدولة وبُنى الحداثة التقليدية.

إذا استدعينا التعريف المقترح في بداية الورقة للتكنولوجيا، والذي يقترح أن التكنولوجيا تعرف على أنها تطبيق المعرفة العلمية في ظل سياق معين لأغراض عملية تحمل قيم وانحيازات الفاعل. لوجدنا أنه في حالة البتكوين كتكنولوجيا جديدة تم تطبيق المعرفة العلمية المتراكمة عبر الزمن في ظل سياق رافض لنسخة المال في عصر الحداثة وما آل إليه، ويحمل انحيازات الفاعل الأناركية التي تؤمن أن المجتمع يمكن أن يدير شؤونه بعيداً عن سلطة عليا مركزية كالدولة والشركة.

وإذا استدعينا التصور المقترح للتكنولوجيا أيضاً، والذي يقترح أنه يمكن أن نتصور التكنولوجيا على أنها بنت السياق واللاعب الذي أراد لها أن توجد من البداية، لكنها ليست ساكنة بل متفاعلة مع الفاعلين الآخرين فيمكن لفاعل آخر أن يبني على ما هو موجود لينتج تكنولوجيا جديدة ليست بالضرورة في نفس اتجاه سابقتها. لوجدنا أنه في حالة البتكوين أيضاً تم تطوير التكنولوجيا الجديدة على ما أنتجته تكنولوجيا المعلومات التقليدية التي هي بنت السياق الحداثي وبُناه. لكن جاء الفاعل الذي لا يؤمن بدور هذه البنى ليبني على ما هو متاح من تكنولوجيا وينتج نوعا آخرا من التكنولوجيا مخالف لمسار تطوير تكنولوجيا المعلومات التقليدية.

نجاح المجتمع بواسطة أحد الفاعلين، التيار الأناركي، في البناء على تكنولوجيا قديمة لإنشاء تكنولوجيا جديدة بهدف إنتاج نوع جديد من المال نجاح لا تخطئه عين. لكن هذا النجاح ينتظر التكامل والبناء عليه وإلا فالاحتواء ينتظره ليدمجه في المنظومة الرأسمالية كأحد أدواتها. وما تيار المصدر المفتوح Open Source Software (OSS) عنا ببعيد.

أيضاً، لا يمكن للمال الجديد فقط أن ينشئ تصورا اقتصاديا كلي مغايرا للاقتصاد الرأسمالي. لكنه محفز للطاقات ويُعلي من خصوبة العقل وهمة النفس للتفكر والسعي في تطوير اقتصاد يحقق القيم العليا لفاعلي الأمة في مختلف الأقطار.

المثال الثاني: منظومة تكنولوجيا معلومات (إنترنت) جديدة

لم يقف البتكوين عند كونه منظومة تكنولوجيا معلومات جديدة تعمل من أجل المال. لكن، من أجل الوصول لهذه المنظومة الجديدة، كما ذكرنا سابقاً، تم تجاوز بنية الإنترنت التقليدية المبنية على نموذج الخادم العميل Client-server model وبناء بنية جديدة لنقل المعلومات على نموذج الند للند Peer-to-Peer model. وكما بُني النموذج التقليدي للإنترنت من أجل التدفق الحر للمعلومات Free flow of information، يمكن للنموذج الجديد تحقيق نفس الهدف ولكن وفق منطق جديد يتجاوز مركزية النموذج التقليدي للإنترنت، والذي يمثله الشركة في معظم الأحيان، إلى نموذج لا مركزي شبكي مرن. هذا النموذج يسمى بلوكتشين [68]Blockchain.

بعد خمس سنوات من انطلاق شبكة البتكوين وتحديداً في 2013 م قام شاب، يبلغ حينها 19 عاماً، يدعى Vitalik Buterin بنشر ورقة بحثية يقول فيها “كانت تكنولوجيا blockchain الخاصة بـناكاموتو أول حل لامركزي موثوق به. والآن، بدأ الاهتمام يتحول بسرعة نحو الجزء الثاني من تقنية Bitcoin، (يقصد تكنولوجيا البلوكتشين) وكيف يمكن استخدام مفهوم blockchain لأكثر من مجرد المال.”[69] هذا كان بداية ثاني أكبر شبكة بلوكتشين بعد البتكوين، حتى الآن، إيثريوم Ethereum. تدعي إيثريوم أنها يمكن أن تكون الشبكة العامة التي يمكن للمطورين البناء عليها لإنتاج برمجيات وأدوات تكنولوجية تخدم المال وبقية الصناعات الأخرى المعتمدة على الإنترنت[70]

لنعطي مثالاً لتقريب الصورة. لنقل إن زيدًا يريد إرسال رسالة إلى عمرو. في حالة الإنترنت التقليدي فما على زيدٍ إلا أن يختار إرسال هذه الرسالة عبر البريد الإلكتروني الذي تقدمه جوجل أو مايكروسوفت، أو يختار أحد برامج الدردشة مثل واتساب، أو فيسبوك ماسنجر. بالتالي أي خيار يختاره زيد لإرسال رسالته سيعطي الشركة الوسيط القدرة الكاملة على التجسس أو منع أو استخدام محتوى الرسالة في أهداف تجارية، كتحليل كلماتها وإرسال إعلانات لزيد وعمرو قريبة من محتوى الرسالة. أما في حالة البلوكتشين فسيختار زيد أحد شبكات البلوكتشين التي تتيح إرسال الرسائل. وعبر حاسبه الشخصي أو حتى هاتفه المحمول سيقوم بإرسال رسالته لعمرو. حينها ستذهب الرسالة إلى أقرب طرف في الشبكة وستتأكد الأجهزة المرتبطة بالشبكة أن هذه الرسالة سليمة وليست عملية اختراق وأن هناك شخص يدعى زيد وآخر يدعى عمرو، حينها يجب أن يحدث إجماع من أكثر من 50٪ من أجهزة الشبكة لكي يتم تحويل الرسالة[71]. هذا مثال تقريبي عن اختلاف البنية بين الإنترنت التقليدي والبلوكتشين وما يترتب عليه من القدرة على توفير خدمات الإنترنت التقليدي دون الحاجة لوسيط.

لدى تكنولوجيا البلوكتشين كمون لأداء وظيفة الإنترنت كوسيط لتبادل المعلومات، كما مُكنت من قبل من أداء وظيفة المال في البتكوين[72].  هذا يرشحها لأن تكون مُمَكَّنَة لأداء وظائف تتعدى ما يقوم به الإنترنت التقليدي. فعن طريق الإنترنت يمكن أن أرسل أنا معلومات أو بيانات وأحتفظ بنسخة منها معي. هذا لا يصح في عالم المال. فحين أرسل المال لشخص آخر لا يصح أن يكون معي ومعه في نفس الوقت، بل يجب أن يتأكد الانتقال مني له. هذا أحد الفروق الجوهرية بين البنيتين، الإنترنت التقليدي والبلوكتشين. هذا يمكن أن يفتح الطريق لتطبيقات تتعدى المال ولا يستطيع الإنترنت التقليدي تحقيقها. من ضمن هذه الأمثلة إصدار الأوراق الموثقة أو الرسمية وتداولها، كالهويات والأوراق الثبوتية الشخصية ومعظم مهام ما يسمى الشهر العقاري أو النفوس. كل ذلك يمكن القيام به بكفاءة دون الاعتماد على سلطة الدولة المركزية بل بالاعتماد على شبكات اجتماعية واسعة[73]. لكن هذا لا يمكن تحقيقه لأن التكنولوجيا يمكن أن تقوم به، بل لابد من فاعل متبني سياق محدد، ويرى منفعة مباشرة من بذل الطاقة والجهد لتحويل ذلك إلى واقع بين الناس.

نجاح ينتظر البناء عليه أو احتواءه

لا شك أن النجاح في إنجاز عملة البتكوين وما تلاه من تطور منظومة البلوكتشين ذات الطابع الشبكي اللامركزي، لا شك أنه نجاح مستحق لقوى المجتمع في ردة فعلها على انحيازات الدولة في المال ومنظومة المعلومات. لكن استمرار هذا النجاح، أو على الأقل الوصول به لحالة من القبول العام الذي يستبدل معه الشكل الحالي للمال أو لمنظومة المعلومات، أمر غير حتمي أو مضمون. بدون وضع البتكوين في تصور للاقتصاد مغاير للنظرة الرأسمالية فلن يقدر البتكوين وحده – مهما تحمس مؤيدوه – على إحداث تغيير جوهري في منظومة المال.  بل قد يتم احتواؤه كأداة استثمارية أو كمخزون للقيمة كغيره داخل النظام الاقتصادي الرأسمالي. ينطبق الكلام نفسه عن تكنولوجيا البلوكتشين والكمون الذي تتيحه للمجتمعات كبنية تحتية تكنولوجية يمكن أن تيسر بعض فعاليات المجتمع بعيداً عن مركزية الدولة وبيروقراطيتها، والتكتلات الرأسمالية وهيمنتها. يمكن أيضاً أن تُستدمج داخل المنظومة التكنولوجية كأداة جديدة تحسن من إنتاج وكفاءة المنظومة الرأسمالية نفسها.[74]

ما دور التكنولوجيا في التحولات الكبرى؟

يموج عالم اليوم بأحداث كبرى، كاضطراب اجتماعي نتج عنه ثورات في بلداننا، وصعود لليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا يلوح باضطراب سياسي شديد في مراكز الحضارة الغربية. وإضراب اقتصادي بُشر به في أزمة 2008 الاقتصادية وأخرى متوقعة نتيجة كورونا. وملفات عالقة كالتغير المناخي وغيرها. أحداث يغذي بعضها بعضاً، مما يؤذن بأفول القديم المألوف في انتظار جديد غير معروف. لكن الجديد إما أن يكون إعادة إنتاج لحُطام القديم وإرثه، وإما على هدىً من نموذج مختلف ينظر للكون والإنسان وتفاعلهما بنظرة مختلفة عن القديم. ولا يكون ذلك، إلا بفاعلين يتمثلون هذه النظرة ويسعون لتحقيقها.

باستحضار تصور منضبط للتكنولوجيا يمكن للفاعلين أن ينجزوا بما للتكنولوجيا من كمون ما لا يمكنهم بغيرها من مسارات الفعل الأخرى منفردة. سنستعرض أربعة أدوار ممكنة للفاعلين في التحولات الكبرى.

1- الأمل:

تهيمن منتجات الحضارة الغربية من بنى وهياكل وأنماط حياة وغيرها، على العقل فلا يستطيع تجاوزها حتى لو رأى فيها قصوراً بيناً. يصح هذا في دعاة التغيير فما بالك بعموم الناس؟

لا اقتصاد بدون ديون ربوية فلا يمكن الاستغناء عن المؤسسات الاقتصادية. والورق الملون أو الأرقام المسجلة على حاسوب البنك هي المال، وغاية المراد أن نعيد ربطه بالذهب مرة أخرى في تصور بسيط لا يستقيم مع باقي متغيرات الواقع الاقتصادي. كذلك السياسة، غاية المراد أن تقام دولة على صورة دول الغرب التي تئن الآن من انقسامات مجتمعية وشقاق سياسي وفقد لبوصلة أخلاقية. وسؤال التنمية في بلادنا لا يختلف عما سبق، فهي تقدُم للأمام حتى وإن كان نحو الهاوية، مع وجود اجتهادات معتبرة للإجابة عن هذا السؤال. على وضوح ما يعتري حضارة اليوم من قصور إلا أن الخيال العام لم يُطور رؤى بديلة مستبصرة بقيم وأسس غير التي قامت عليها حضارة الغرب.

يعطي الكمون التكنولوجي الأمل لدعاة التغيير وعموم الناس عن طريق القدرة على استخدام التكنولوجيا في تطوير تجارب نوعية في مجالات الحياة المختلفة تعطي الأمل في إمكانية حدوث التغيير. ذكرنا هنا المال وتجربة البتكوين، كذلك تكنولوجيا المعلومات. ويوجد أمثلة أخرى لسعي في مجالات مختلفة كالسياسة. مثال ذلك ما قام به حزب Flux Party في أستراليا والذي يستهدف إلى استبدال الهيئات التشريعية المنتخبة بنظام جديد قائم على استخدام التكنولوجيا في تفويض عموم الناس للخبراء في كل مجال تخصصهم بدلاً من السياسيين المنتخبين غير المتخصصين[75].

بعيداً عن السياسة والاقتصاد، طَور مجتمع مفتوح المصدر Open Source Software (OSS) نظاما إداريا فضفاضا وفعالا في نفس الوقت على عكس نظم الإدارة الهرمية المركزية السائدة حالياً، والتي هدفها تحقيق أهداف مؤسسي الشركات أو أصحاب رأس مال، ويصبح الفرد العامل متغيرا تابعا يُنظر لحقوقه في إطار تحقيق هذا الهدف.

لا يهم نجاح كل هذه التجارب وغيرها، بل وجود الأمل في القدرة على إنجاز تغيير ولو جزئي بسيط على الأرض هو أمر أساسي ودور أساسي ليس فقط للتكنولوجيا ولكن لأي عمليات تحول تبتغي واقع أفضل. فالكلام مع الناس عن واقع يأملونه بغير وجود إشارات على إمكانية تجلي هذا الواقع المأمول أمر غير مقنع لعموم الناس. ووجود تجارب صغيرة أو كبيرة، محكمة أو يشوبها قصور هو أمل يأجج المشاعر ويبعث على النفير ويقيم الحجة.

2- تهيئة مناخ التغيير/الجديد:

لا تحدث التحولات الكبرى بزوال ما هو قائم وظهور الجديد فجأة. بل هي صيرورة تاريخية. يلعب فيها الكُمون التكنولوجي دوراً هاماً لأي فاعل على الأرض. فعند تحقق الأمل يسعى الفاعلون لبناء تجارب تكون بنت سياق هذا الواقع الانتقالي المركب. فيفشل بعضها وينجح الآخر. وما ينجح في مرحلة الانتقال قد لا يكون مناسباً استمراره في حالة الاستقرار. لكنه لازم لتهيئة الواقع للانتقال بيسر بين مرحلتين. فالتغيير السريع والفعال أليق بالبُنى التكنولوجية منه إلى البُنى الأخرى من سياسة واقتصاد وثقافة وغيرها منفردة.

3- توجيه طاقات وتشبيك:

كشفت التحولات الكبرى عن طاقات في المجتمع تسعى لتغيير ما هو قائم. تتعدد مسارات تفريغ هذه الطاقات. فإما أن تُكبت أو تذهب في اتجاهات هدامة تضر أكثر مما تنفع. وإما أن تذهب في اتجاهات بناءة وإيجابية إذا كانت على بصيرة. من أفضل مسارح توجيه هذه الطاقات التطور التكنولوجي لما له من خصائص الانفتاح الذي يقبل التجربة والخطأ. فيكون مستودع لما تنتجه هذه الطاقات من خبرات وتجارب في جو يتناسب مع أجواء السيولة التي تعتري فترات التغيير.

أيضاً، هذا الانفتاح ينتج مع الوقت مجتمع تذوب داخله حواجز الجغرافيا والثقافة واللغة. فيعمل على تشبيك الفاعلين أصحاب الاهتمامات المشتركة، فيعزز قيم الجديد المُبتغى ويُنسي أثار القديم الغابر.

4- البناء:

عمليات البناء أكثر صعوبة وأطول وقتاً وأكثر مشقة من عمليات الهدم. فالساعون لا يبنون في فراغ. بل كل بنىً تتفاعل مع الواقع بتعقيداته فتقبل واحد وترفض آخر. وقد ترفض لا لعيب في البنية ولكن لعدم الملاءمة والانسجام. والمرشِّد لهذه الحالة أن تكون عمليات البناء التي يسعى إليها الفاعلون تجسيد لقيمهم التي يتبنونها من ناحية، ومن ناحية أخرى واعية بالواقع التي تُبنى عليه. يوفر التطور التكنولوجي عمليات بناء مبدع، أسرع، وأقل كلفة من عمليات البناء في غيره من المجالات، من أجل تجسيد القيم في بُنى وكيانات مؤسسية منضبطة. بالإضافة إلى أن التمكن من أدواته ييسر البناء في باقي المجالات، إذ أن التكنولوجيا تتداخل مع هذه المجالات وتؤثر فيها كما تتأثر بها.

خاتمة

يؤثر السياق الذي نحياه اليوم على تصوراتنا عن الأنظمة الحاكمة لحياتنا من سياسة واقتصاد وإدارة وتكنولوجيا. فأي أدوار مبتغاه لأي من هذه الأنظمة في التحولات الكبرى التي نعيشها مبنية على مدى تبصرنا بهذه التصورات. اقترحنا في هذه الورقة ثلاثة أطراف رئيسية تتفاعل مع بعضها في ظل الواقع المهيمن، يمكن من خلالها تكوين تصور منضبط للتكنولوجيا: (1) الفاعل الذي يملك الرؤية والموارد، (2) التكنولوجيا كأداة لها منطقها الذاتي، لكنها في نفس الوقت تتشكل وفق إرادة الفاعل، (3) المجتمع الذي يتفاعل مع ما ينتجه هذا التشكل فيتأثر ويؤثر فيه. هذه الأطراف الثلاثة تتشكل وتتفاعل مع بعضها البعض تحت سياق الواقع، وواقعنا – كما ذكرنا – رأسمالي حداثي.

بعد ضبط التصور يمكن الاستفادة من الإنتاج المتراكم من رؤية أو نموذج حضاري آخر والبناء عليه في جو من الانفتاح الذي هو خصيصة لازمة من لوازم التطور التكنولوجي. فنشحذ الهمم ونوجه الطاقات وفق رؤية منضبطة للواقع وللمستقبل. فنسند للكمون التكنولوجي أدوارا لا يمكن للأنظمة الحاكمة لحياتنا القيام بها منفردة.


الهامش

[1] هذه الورقة إنتاج مشترك للمعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية ومركز إنسان للدراسات الحضارية.

[2] راجع معجم أكسفورد

[3] Imam, H. (2019) Blockchain Technology and The Future of US Power in International Relations (Master’s Thesis).

[4] Feenberg, A. (1991) Critical Theory of Technology (Oxford: Oxford University Press).

[5]  Imam, H. (2019) Blockchain Technology and The Future of US Power in International Relations (Master’s Thesis).

[6] McCarthy, D. R. (2015). Power, information technology, and international relations theory: The power and politics of US foreign policy and the internet. Basingstoke: Palgrave Macmillan.

[7] Ob. Cit.

[8] الرابط

[9] هذه الفكرة لا تنقض أن الشباب العصامي موهوب. فرؤوس الأموال المخاطرة Venture capitals تتطلع لهذه المواهب.

[10] الرابط

[11] Cassim Z., Handjiski B., Schubert J., Zouaoui Y. (2020). The $10 trillion rescue: How governments can deliver impact. McKinney.

[12] الرابط

[13] بين سياقين المسلم والحداثي، مازن هاشم.

[14] راجع منتجات معهد إنسان للدراسات الحضارية حول التغيير والتبدل الحضاري.

[15] انظر أعمال Khalid Blankenship.

[16] تعداد قوات الأمن وقوات الجيش مطلع 2011؟؟

[17] راجع منتجات معهد إنسان للدراسات الحضارية حول معادلة التغيير، المواجهة والبناء.

[18] راجع خصائص المنظومة الغربية في منتجات مركز إنسان للدراسات الحضارية.

[19] Weber S. (2004). The Success of Open Source. Harvard University Press.

[20] المصدر السابق.

[21] المصدر السابق.

[22] Radits, M (January 25, 2019). A Business Ecology Perspective on Community-Driven Open Source: The Case of the Free and Open-Source Content Management System Joomla. Linköping University Electronic Press.

[23] المصدر السابق.

[24]  Weber S. (2004). The Success of Open Source. Harvard University Press.

[25] المصدر السابق.

[26] Usage Statistics and Market Share of Unix for Websites, November 2020. w3techs.com. Retrieved 16 November 2020.

[27] https://www.top500.org/statistics/details/osfam/1/

[28] https://en.wikipedia.org/wiki/Unix-like

[29] https://www.aswf.io/

[30] https://github.com/search?q=type:user&type=Users

[31] Weber S. (2004). The Success of Open Source. Harvard University Press.

[32] Schrape, J.-F. (2019). Open-source projects as incubators of innovation: From niche phenomenon to integral part of the industry. Convergence, 25(3), 409–427. https://doi.org/10.1177/1354856517735795

[33] المصدر السابق.

[34] https://opensource.google/

[35] https://opensource.microsoft.com/

[36] https://news.microsoft.com/2018/06/04/microsoft-to-acquire-github-for-7-5-billion/

[37] Ammous. S. (2018). The Bitcoin Standard: The Decentralized Alternative to Central Banking (1st. ed.). Wiley Publishing.

[38] المصدر السابق.

[39] https://www.bankofengland.co.uk/knowledgebank/how-is-money-created

[40] Fisher, W.C. (1895). Money and Credit Paper in the Modern Market. Journal of Political Economy, 3, 391 – 413.

[41] https://corporatefinanceinstitute.com/resources/knowledge/economics/economic-cycle/

[42] https://www.officialdata.org/us/inflation/1800?amount=1#buying-power

[43] راجع نظرية النقد الحديث Modern Monetary Theory.

[44] https://inequality.org/facts/global-inequality/

[45] الأناركية توجه يرى أنه يمكن للمجتمع أن ينظم نفسه بنفسه دون الحاجة لسلطة عليا. راجع Wasserstrom, R. (1978) ‘Comments On “ANARCHISM AND AUTHORITY”.’. Nomos, 19, 111-114.

[46] May, T. (1988)  ‘The Crypto Anarchist Manifesto’ https://www.activism.net/cypherpunk/crypto-anarchy.html.

[47] Narayanan, A. (2013) ‘What Happened to the Crypto Dream?’ IEEE Security & Privacy 75-76.

[48] Hughes, E. (1993) ‘A Cypherpunk’s Manifesto’

https://www.activism.net/cypherpunk/manifesto.html.

[49] المرجع السابق

[50] Finney, H. (2004). RPOW – Reusable Proofs of Work.

[51] Szabo, N. (2005). Bit Gold.

[52] Back, A. (2002). Hashcash – A Denial of Service Countermeasure.

[53] Dai, W. (1998). b-money.

[54] هناك محاولة كانت مختلفة من حيث التطبيق أو تنزيلها إلى الواقع وهي عملة ” DigiCash” والذي قام بها العالم ديفيد شاؤم David Chaum، الملقب بأبو تقنية التخفي عبر الإنترنت، والذي كان أيضاً عضواً في حركة سايفربنك. يكمن اختلاف هذه المحاولة بخروجها على مبادئ الحركة؛ حيث أدرك شاؤم أنه في حاجة إلى مؤسسات قائمة بالفعل لمساعدته في إصدار عملته الرقمية؛ فبدأ الحديث مع الحكومة والبنوك في نهاية التسعينات لإصدارها لكن لم يجد هناك أي تجاوب وبعد خمس سنوات من افتتاح شركته تم إعلان إفلاسها وأغلقت. راجع Greenberg, A. (2012). This Machine Kills Secrets: How WikiLeakers, Cypherpunks, and Hacktivists Aim to Free the World’s Information.

[55] ظهرت نماذج أخرى مثل Torrent وغيرها لكنها لم تحقق نجاحاً كبيراً وواجهت تحديات قانونية ومخالفات حقوق ملكية حدت من انتشارها والبناء عليها. راجع De Filippi, P., Wright, A. (2018). Blockchain and the Law: The Rule of Code. Cambridge, Massachusetts; London, England: Harvard University Press.

[56] معظم المطورين كانوا جزء من مجتمع وادي السيليكون أثناء عملهم. راجع مراسلات تيموثي ماي مع زملاؤه والذي كان مهندساً في شركة إنتل Intel حتى سن 35 عاماً ثم تقاعد منها عام 1986. كمثال:

 https://www.activism.net/cypherpunk/crypto-anarchy.html

[57] استفادت الحركة من المؤتمرات العلمية وقدم أعضاءها أوراقاً بحثية فيها. راجع الرابط في المصدر السابق.

[58] https://p2pfoundation.net/

[59] مراسلة من ناكاموتو في العاشر من أكتوبر عام 2008 إلى المشاركين في القائمة البريدية الخاصة بالتشفير Cryptography Mailing List.

https://satoshi.nakamotoinstitute.org/emails/cryptography/1/#selection-21.0-21.14

[60] Schollmeier, R. (2001) ‘Definition of Peer-to-Peer Networking for the Classification of Peer-to-Peer Architectures and Applications’ Proceedings of the First International Conference on Peer-to-Peer Computing, IEEE 101–102.

[61] Nakamoto, S. (2008) ‘Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System’.

https://bitcoin.org/bitcoin.pdf

[62] يجب تشغيل أجهزة الحاسوب المشاركة في الشبكة على مدار الساعة. وهذا يترتب عليه استهلاك طاقة كهربية مكلفة مع عمليات صيانة دورية للمحافظة على استمرارية عمل الحواسيب دون انقطاع من أجل استمرار الخدمة.

[63] Nakamoto, S. (2008) ‘Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System’.

https://bitcoin.org/bitcoin.pdf

[64] المصدر السابق.

[65] https://www.thetimes.co.uk/article/chancellor-alistair-darling-on-brink-of-second-bailout-for-banks-n9l382mn62h#:~:text=Alistair%20Darling%20has%20been%20forced,failed%20to%20keep%20credit%20flowing.

[66] المستشار Alistair Darling وزير الخزانة البريطاني آن ذاك.

[67] https://en.bitcoin.it/wiki/Genesis_block

[68] Imam, H. (2019) Blockchain Technology and The Future of US Power in International Relations (Master’s Thesis).

[69] Buterin, V. (2013) ‘Ethereum White Paper’

https://cryptorating.eu/whitepapers/Ethereum/Ethereum_white_paper.pdf

[70] بعد ظهور إيثريوم ظهرت شبكات أخرى لتحقيق نفس الهدف في جغرافيات مختلفة، مثل Rootstock (RSK)، وTezos، وNeo وغيرها. كل هؤلاء وغيرهم هدفهم تقديم البنية التحتية لكي يبني عليها المطورون خدمات وأدوات تكنولوجية في مجالات مختلفة. أيضاً ظهرت بعض الشبكات المتخصصة التي بنيت من الأساس لتقديم خدمة واحدة فقط، وليست منصة عامة، من أجل عدم الرغبة في تحكم المنصات العامة السابقة في توجهها في التصميم والانتشار أو من أجل ضخامة المهام التي تحتاج إلى شبكة مستقلة لخدمتها مثل، Namecoin Filecoin وغيرها.

[71] يتم الكشف عن صحة عملية الإرسال بعيداً عن محتوى الرسالة. كما تتم بشكل تلقائي من الحواسيب دون تدخل أصحاب تلك الحواسيب في هذه العملية.

[72] لا تزال تكنولوجيا البلوكتشين في مهدها وهناك تحديات في السرعة والكفاءة بشكل عام يتم العمل عليها وتحقيق تقدم مع الوقت. فلا يمكن مقارنتها من حيث الجاهزية للاستخدام العام مع تكنولوجيا الإنترنت التي تم تطويرها عبر عشرات السنين حتى الآن.

[73] يوجد أمثلة على إصدار هويات اللاجئين، راجع:

https://bteam.org/assets/reports/Blockchain-Based-Digital-ID-Platform-for-Refugee-Camps-in-Kenya.pdf

[74] على صعيد الدول، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى احتواء تكنولوجيا البلوكتشين ليتبناها في مواجهة ضغط هيمنة شركات تكنولوجيا المعلومات الأمريكية وانتهاكها لخصوصية مواطنيها. انظر:

https://ec.europa.eu/digital-single-market/en/blockchain-technologies

https://www.blockchain4europe.eu/

https://www.eublockchainforum.eu/

أما على صعيد الشركات ففيسبوك وشركاؤها يسعون لذلك عن طريق تطوير عملتها دييم Diem (المعروفة سابقاً بـ ليبرا)، وإن كانت هناك تحديات كبيرة للمشروع. كذلك IBM أنشأت قسم خاص بتكنولوجيا البلوكتشين لتطوير أدوات تكنولوجية عليها تُفقد البلوكتشين جوهره اللامركزي. انظر: https://www.diem.com/

عملة فيسبوك وتموضعها في منظومة المال: https://www.youtube.com/watch?v=Ya3Uj4Gh3wE&t

انظر أيضاً: https://www.ibm.com/blockchain

[75] https://voteflux.org/

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close