fbpx
تقارير

التيارات المتنافسة داخل العدالة والتنمية التركي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يعدُّ حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا منذ 2002 حزباً “جماهيرياً” غير مصنف على أيديولوجيا بعينها أو محصوراً بشريحة مجتمعية محددة، بعبارة أخرى هو “حزب لكل تركيا” وفق شعاره الذي رفعه منذ التأسيس. هذا الحرص على أصوات كل الأتراك و/أو تمثيلهم جميعاً يفرض على الحزب التناغم مع هذا الشعار، ليس فقط على صعيد السياسات والقرارات والمشاريع، وإنما كذلك من خلال تنوع التيارات المتمثلة فيه على صعيد الكوادر والقيادات والهيئات على حد سواء.

التيارات المؤسِّسة

أُسس العدالة والتنمية في الرابع عشر من آب/أغسطس 2001 كتجمع إصلاحي من عدة تيارات ومشارب سياسية وفكرية، من باب أن المواطن التركي قد كفر بالنخبة السياسية والحزبية القائمة وبدأ يبحث عن حزب جديد، وأن تركيا بحاجة لنخبة سياسية مختلفة.

كانت النواة الصلبة من “الإسلاميين” الخارجين من عباءة الراحل نجم الدين أربكان وتياره “الفكر الوطني” أو الميللي غوروش، ولكن أيضاً ضموا إليهم رموزاً وشخصيات من غيرهم، إسلاميين ومحافظين وقوميين وحتى ليبراليين ويساريين. ضمت المجموعة المؤسسة لحزب العدالة والتنمية المجموعة الكبيرة التي خرجت من حزب الفضيلة بعد المؤتمر الفاصل في 2000 والذي خسر فيه ممثل التيار الإصلاحي عبدالله غل الانتخابات لصالح مرشح أربكان والحرس القديم رجائي قوطان، والذين قالوا إنهم “خلعوا قميص التيار” الوطني واختاروا نهجاً جديداً.

على رأس هذه المجموعة وتمثيلاً لها، كان هناك الرباعي رجب طيب أردوغان وعبد الله غل وبولند أرينتش وعبد اللطيف شنار، فضلاً عن أعداد كبيرة من المحافظين من مختلف التيارات، إضافة لكون التيار الإسلامي – المحافظ الشريحة الأكبر الداعمة للحزب.

وإلى جانب هؤلاء، كان ثمة شخصيات محسوبة على القوميين، من أبرزهم وزير/ة الداخلية الأسبق ميرال أكشنار التي استقالت من العدالة والتنمية في فترة التأسيس لتنضم لحزب الحركة القومية، والذي أُخرجت منه لاحقاً لتؤسس الحزب الجيد. ومن أبرز الأسماء الليبرالية – المحافظة كذلك – علي باباجان ومحمد تاكالي أوغلو، فضلاً عن دعم إعلاميين ليبراليين كثر لبرنامجه الإصلاحي.

ضم الحزب أسماء أقل من بين اليساريين لعل أبرزهم نعمت تشوبوكشو، ثم ضم أسماء أخرى في سنوات لاحقة في مقدمتهم أرتغرل غوناي وخلوق أوزدالغا الأمينان العامان السابقان لحزبي الشعب الجمهوري واليسار الديمقراطي على التوالي. بينما لا يمكن عد وحصر الأسماء “الكردية” في الهيئات القيادية للحزب سابقاً وحالياً.

وحدة رغم التنوع

الحزب الذي بدأ كحركة سياسية جماعية يقودها أردوغان، بدليل تنازل غل له عن رئاسة الحكومة بعد انتهاء فترة الحظر السياسي عليه، تحول مع السنوات إلى حزب يقوده أردوغان وحيداً. فقد استقال شنار من الحزب عام 2008 ليؤسس حزباً آخر قبل أن يغلق وينضم مؤخراً لحزب الشعب الجمهوري، بينما بقي أرينتش يراوح بين التناغم مع أردوغان والتمايز عنه أحياناً، في حين ابتعد غل عن الحزب لدى انتخابه رئيساً وأغلق عليه باب العودة له بعد انتهاء رئاسته.

بقيت التيارات الأخرى ضعيفة في الحزب وهيئاته القيادية، بل تراجع حضور بعضها مع الوقت، بينما تركزت القيادة أكثر فأكثر بيد أردوغان. فحتى حين اضطر للاستقالة من الحزب لدى انتخابه رئيساً عام 2014 أطلق عليه اسم “القائد الطبيعي” للحزب في مؤتمراته العامة التي انتخبت رئيسين آخرين، أحمد داود أوغلو  وبن علي يلدرم.

تميز أردوغان بذكاء سياسي ومهارات قيادية أمنتا له إجماعاً داخل الحزب، بحيث التفَّتْ حول زعامته التيارات السياسية والفكرية المختلفة كرئيس للحزب وزعيم للحركة السياسية، وكان دائماً قادراً على ضبط إيقاع الحزب والحكومة لتتبع مساراته السياسية وقراراته على مفترق الطرق بشكل مثير للانتباه.

لم يَعْنِ ذلك أنه لم تحصل اعتراضات على بعض المسارات والقرارات، لكنها كانت أكثر في البدايات الأولى، كما تشير واقعة رفض البرلمان مذكرة الأول من آذار/مارس 2003 والتي كانت ستسمح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق، رغم رغبة أردوغان بذلك. لكن ذلك تراجع بشكل ملحوظ مع مرور السنين وتفرد أردوغان بالزعامة.

في السنوات الأخيرة، يمكن القول إن رئاسة داود أوغلو  للحزب والحكومة في 2014 حملت توجهاً نحو التمايز عن أردوغان فكان الصدام. بدأ الأمر في مفارق محددة، مثل إعلان “النقاط العشر” التي أبرمتها الحكومة مع منظمة حزب العمال الكردستاني بطريقة غير مباشرة وبوساطة حزب الشعوب الديمقراطي في شباط/فبراير 2015، ولكنها وصلت لاحقاً لخلافات كبيرة دفعت بداود أوغلو  للاستقالة.

تشكلت مع الوقت شريحة متحفظة داخل الحزب على بعض القرارات والسياسات والخطاب، ولكنها لم تتحول لتكتل منظم، بينما وجدت الشخصيات القيادية المعارضة لأردوغان نفسها خارج الحزب وتؤسس أحزاباً جديدة مؤخراً، دون أن تؤثر بشكل ملموس حتى اللحظة على وحدة الحزب وتماسكه خلف قيادة أردوغان.

تيارات مختلفة

لعل مذكرة الأول من مارس هي الحدث الأبرز الذي لوحظ فيه افتراق الرأي داخل العدالة والتنمية، إذ من الصعب تذكر حادثة أخرى مهمة جرت فيها الأمور على غير ما يريده أردوغان.

وثيقة المبادئ العشرة تعثرت مع اعتراض أردوغان العلني عليها، ثم سقطت تماماً مع عودة الكردستاني لعملياته المسلحة، بينما لم يَطُلْ الجدل طويلاً حين دعا رئيس البرلمان إسماعيل كهرمان عام 2018 لعدم نص الدستور الجديد على علمانية الدولة بعد تدخل أردوغان للتأكيد على العلمانية والتزام الحزب بها كنظام لإدارة الدولة (وإن بتفسير يختلف عن اللائكية التقليدية المتشددة).

هذا التسليم الواضح لقيادة أردوغان للحزب نضج وتعمق مع عدة أزمات ومحطات فارقة مثل أحداث جزي بارك وقضايا الفساد في 2013 والانقلاب الفاشل في 2016، لكنه لا يعني أبداً أن الحزب بات جسماً متجانساً وفقد التنوع داخله.

كما كان داخل العدالة والتنمية تيارات متعددة سابقاً، توجد اليوم تيارات عدة، لكن مع اختلاف مهم، إذ لا تبدو الخلافات اليوم أيديولوجية وسياسية وفكرية في المقام الأول، وإنما تيارات نفوذ وإن تمايزت فكرياً. كما أن أهم مميزات هذه التيارات أن زعاماتها ليست من الشخصيات المؤسِّسة للحزب أو التاريخية فيه. فقد حسم أردوغان التوجهات الفكرية والأيديولوجية للحزب نحو خطاب (وفكر) يميني وقومي، كما حسم الخلافات مع عدد من القياديات المؤسِّسة التي وجدت نفسها خارج الحزب.

يضيّق ذلك مساحات الجدل الفكري والأيديولوجي داخل الحزب، ويفتح أبواب التنافس على التأثير والنفوذ وصناعة القرار والمراكز التنفيذية، لا سيما في ظل النظام الرئاسي مؤخراً. فجمْعُ أردوغان بين منصبَيْ رئاسة الجمهورية ورئاسة الحزب ومركزيته الشديدة في الإدارة وكونه صاحب القرار النهائي في كل صغيرة وكبيرة جعل هناك أهمية كبيرة للدوائر المحيطة بالرئيس من وزراء ومستشارين ومصادر معلومات ..الخ.

يمكن تمييز ثلاث تيارات رئيسة اليوم داخل حزب العدالة والتنمية: تيار بقيادة وزير المالية وصهر الرئيس براءة ألبيراق، وآخر بقيادة وزير الداخلية سليمان صويلو، وثالث من الشخصيات المحافظة القادمة من تيار “الفكر الوطني” بدون رمز أو قيادة واضحة بالضرورة.

ألبيراق: مفتاح الاقتصاد

يشترك براءة ألبيراق مع الرئيس أردوغان في أصوله العائدة لمنطقة البحر الأسود، فضلاً عن الأهم وهو اقترانه بابنته إسراء عام 2004.

ولد ألبيراق عام 1978، وأنهى دراسة إدارة الأعمال في جامعة إسطنبول قبل أن يكمل الماجستير والدكتوراة في الخارج. عاد إلى تركيا من الولايات المتحدة عام 2006 وعمل لسنوات طويلة في القطاع الخاص وخصوصاً القطاع المصرفي، ودرّس في عدة جامعات، كما كَتَبَ في عدة صحف.

كان 2015 عام الصعود السياسي السريع لألبيراق، حيث انتخب لعضوية الهيئة التنفيذية والقرار المركزي للحزب في أيلول/سبتمبر منه، وانتخب عضواً في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية في انتخابات حزيران/يونيو وانتخابات الإعادة في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وكذلك في انتخابات 2018. كما عين وزيراً للطاقة والمصادر الطبيعية في حكومة داود أوغلو  الأخيرة، واستمر مع نفس الحقيبة في حكومة يلدريم، واختاره أردوغان وزيراً للمالية والخزانة في أول حكومة بعد إقرار النظام الرئاسي.

يعدُّ ألبيراق ذراع أردوغان اليمنى في الحزب والحكومة للشؤون الاقتصادية، فهو يجمع بين أمرين مهمين جداً للرئيس: التوافق معه في الرؤية الاقتصادية وخصوصاً فكرة تخفيض الفائدة والتي خاض من أجلها صراعاً مع عدد من الوزراء والمصرف المركزي، والثقة التي باتت معياراً مهماً له مع الأزمات المتكررة التي واجهته وخصوصاً المحاولة الانقلابية الفاشلة.

يُنظر لألبيراق كممثل لجيل من الشباب الليبرالي الذي تلقى تعليمه في الخارج أو مجموعة من رجال الأعمال الشباب، وقد تميز عهده بتنفيذ أو البدء بمشاريع اقتصادية عملاقة خاصة في مجال الطاقة. كما أن البعض يربط بينه وبين مجموعة “البَجَعة” التي تحيل إلى عدد من الإعلاميين والناشطين المسؤولين عن شيطنة داود أوغلو  قبل استقالته عبر مدوّنة على الشبكة العنكبوتية، والتي يرى الكثيرون أنها استهدفت بعدَهُ شخصيات أخرى.

صويلو: القبضة الحديدية

تعود أصول وزير الداخلية سليمان صويلو لمدينة طرابزون في منطقة البحر الأسود، وتخرّج من كلية إدارة الأعمال في جامعة إسطنبول. وقد بدأ حياته السياسية في حزب الطريق القويم (يمين الوسط) وتدرج حتى موقع رئيس فرع إسطنبول فيه. انضم لاحقاً للحزب الديمقراطي وانتخب رئيساً له عام 2008، وكان معروفاً بانتقاداته الحادة لأردوغان والعدالة والتنمية. استقال من رئاسة حزبه بعد فشله في الحصول على النسبة التي وعد بها في انتخابات 2009 البلدية.

أيد بقوة التعديلات الدستورية التي اقترحها العدالة والتنمية في استفتاء عام 2010. ثم انضم له عام 2012 ليصبح عضواً في الهيئة التنفيذية والقرار المركزي للحزب وليُختار نائباً للرئيس لشؤون البحث العلمي، قبل أن يختار عام 2014 نائباً للرئيس كمسؤول عن ملف التنظيم.

انتخب لعضوية البرلمان في انتخابات حزيران/يونيو 2015، ثم في انتخابات الإعادة في نفس العام، ثم في انتخابات 2018، قبل أن يستقيل منه ليكون وزيراً في الحكومة بمقتضى النظام الرئاسي الذي يمنع الجمع بين المنصبين. وكان قد عُيِّنَ وزيراً للعمل والضمان الاجتماعي في حكومة داود أوغلو الأخيرة، ثم استمر في نفس المنصب في حكومة يلدريم عام 2016، إلا أن صعوده الكبير كان بعد الانقلاب الفاشل.

فقد وقع لوم كبير على وزير الداخلية أفقان آلا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، ليستقيل ويُختار صويلو خليفة له نهاية آب/أغسطس 2016، ثم ليستمر في الوزارة مع حكومة أردوغان بعد إقرار النظام الرئاسي وحتى اليوم.

أثبت صويلو جدارته في عدة ملفات في مقدمتها مكافحة الإرهاب، حيث تراجعت خلال عهده بشكل ملحوظ هجمات العمال الكردستاني، إضافة لمكافحة التنظيم الموازي لمجموعة كولن، فضلاً عن أداء الوزارة بشكل عام في أزمات بعينها مثل زلزال ملاطيا قبل عدة أشهر ووباء كورونا الحالي. ومن اللافت أن خطاب صويلو هو الأعلى نبرة والأكثر حدة إلى جانب أردوغان والعدالة والتنمية، في تغير 180 درجة عن السابق.

أدى كل ذلك إلى أن يكون صويلو محط ثقة أردوغان وذراعاً يمنى له، فضلاً عن دعم حزب الحركة القومية – حليف العدالة والتنمية – للرجل بعَدِّه بات رمزاً لتيار قومي محافظ داخل الحزب، وأحد أقطاب الخطاب القومي اليميني فيه.

المحافظون الصامتون

ثمة تيار ثالث يبدو أقل حضوراً اليوم في مشهد العدالة والتنمية رغم أنه التيار المؤسِّس، وهو التيار المحافظ القادم من خلفية “الفكر الوطني”. ولعل أبرز ما يميز هذا التيار أنه غير منظم ولا يلتفُّ حول رمز ما مثل التيارَيْنِ السابقين، لا سيما وأن الرموز الأكبر في هذا التيار خارج الأطر القيادية للحزب اليوم.

بالنظر للأسماء القيادية الباقية في الحزب اليوم، يمكن رصد اسمين كبيرين من هذا التيار، وهما للمفارقة لم يكونا من الأعضاء المؤسسة للحزب أيضاً، وهما وكيل الحزب – الاسم الثاني بعد أردوغان – نعمان كورتولموش ووزير العدل عبدالحميد غل، إذ لم ينضما للمجموعة التي خرجت بقيادة أردوغان لتأسيس العدالة والتنمية في حينه.

ينحدر كورتولموش من أسرة عريقة، وقد حصل على بكالوريوس في إدارة الأعمال قبل أن يصل لدرجة الأستاذية في مجال الاقتصاد. شغل مناصب قيادية في حزب الفضيلة، ثم انضم لحزب السعادة بعد حل الأخير، قبل أن يصبح رئيساً له عام 2008. انشق كورتولموش مع مجموعة من الكوادر عن حزب السعادة وأسس حزب صوت الشعب عام 2010، والذي حله عام 2012 لينضم للعدالة والتنمية ويصبح نائبَ الرئيس للشؤون الاقتصادية.

أصبح كورتولموش نائباً لرئيس الوزراء عام 2014، واستمر في حكومات داود أوغلو ثم يلدريم نائباً لرئيس الحكومة ومتحدثاً باسمها، قبل أن يوليه الأخير حقيبة الثقافة والسياحة عام 2017. عينه أردوغان عام 2018 وكيلاً لرئيس الحزب إضافة لعضويته في الهيئة التنفيذية للحزب، وهو عضو في البرلمان منذ 2015 وحتى اليوم.

وأما عبد الحميد غل – ذو الخلفية الحقوقية – فقد كان قيادياً في جناح الشباب في حزبي الرفاه والفضيلة، قبل أن يصبح عضو الهيئة الإدارية لحزب السعادة. وقد انضم لكورتولموش في حزب صوت الشعب، رئيساً لفرع أنقرة وعضواً في هيئته الإدارية، ثم انضم معه للعدالة والتنمية عام 2012.

مباشرة، أصبح غل عضواً في الهيئة التنفيذية للحزب الحاكم ونائباً للرئيس للإدارات المحلية. اختير عام 2015 سكرتيراً عاماً للحزب، وانتخب لعضوية البرلمان عام 2015 و2018 قبل أن يستقيل لتنصيبه وزيراً، وما زال عضواً في الهيئة التنفيذية للحزب، وهو وزير للعدل منذ 2017.

خارج أطر الحزب القيادية اليوم، هناك رمز كبير وقوي من رموز التيار المحافظ القادم من حركة “ميللي غوروش” وهو بولند أرينتش، أحد “الأربعة الكبار” (وفي رواية أخرى الثلاثة الكبار) الذين أسسوا الحزب في بداياته الأولى. عُرف أرنيتش لسنوات طويلة بالنسبة لكثيرين بأنه “الأخ الأكبر” و”ضمير الحزب” لخلفيته الحقوقية وصراحته وعدم تردده في الإدلاء برأيه في عموم القضايا الحساسة بما في ذلك مواقف معارضة لأردوغان أحياناً.

تنقل الرجل بين مناصب كثيرة ومهمة، رئيساً للبرلمان بين 2002 – 2007، ونائباً لرئيس الوزراء وناطقاً باسم الحكومة في حكومتين متتاليتين بين 2009 – 2015، ونائباً في البرلمان لخمس دورات متتالية اثنتان منها قبل العدالة والتنمية وثلاثة معه على امتداد حوالي 20 عاماً (1996 – 2015)، فضلاً عن مواقعه القيادية الكثيرة وطويلة الأمد في هيئات الحزب.

في 2015 أعلن أرينتش عدم رغبته في الترشح للبرلمان ونيته إنهاء مسيرته السياسية، وقد تعرض منذ تلك الفترة إلى انتقادات عديدة من قبل محسوبين على الحزب، وصُنِّف على أنه من المعارضين، قبل أن يلتقي مع الرئيس أردوغان على هامش تفكير الرئيس السابق عبدالله غل في الترشح للانتخابات الرئاسية منافساً لأردوغان عام 2018، معلناً تأييده للأخير، الذي عينه مؤخراً عضواً في اللجنة الاستشارية لرئاسة الجمهورية والتي ضمت رؤساء برلمان سابقين.

اللافت أن أرينتش الذي أعلن مراراً أنه زاهد في العمل السياسي حالياً وأنه تقلّد كل المناصب والمهام التي يريدها أي سياسي في تركيا، لم يقل شيئاً مشابهاً أو حاسماً في إجابته على سؤال أحد الإعلاميين الأتراك قبل أسابيع حول إمكانية قيادته حزب العدالة والتنمية بعد أردوغان، حيث ترك الباب موارباً قائلاً إن هذا المنصب “شرف كبير” لأي شخص.  

منافسة وصراع

إضافة إلى التيارات الثلاثة سالفة الذكر، هناك من يتحدث عن تيار يقوده نجل الرئيس التركي بلال أردوغان، ويتركز نشاطه على المؤسسات التعليمية والشبابية – وربما البلديات – مثل وقفَيْ “تورغاف” و”الرماة”. وفق هؤلاء، فقد حصلت بعض الاحتكاكات بين هذا التيار وتيار ألبيراق، خصوصاً قبيل الانتخابات البلدية 2018، ولكن يصعب القول إن هذا التيار كبير ومؤثر داخل الحزب، خصوصاً وأنه لا يضم أسماء كبيرة غير نجل الرئيس، والذي يعد بدوره بعيداً عن التجاذبات السياسية.

تدور المنافسة الحقيقية في كواليس الحزب بين تيارَيْ ألبيراق وصويلو، وبدرجة أقل تيار “الفكر الوطني”، وتزداد هذه المنافسة ضراوة مع الوقت. ومما يزيد من سخونتها جمع أردوغان بين رئاستَيْ الدولة والحزب، وتراجع الحزب نسبياً في السنوات القليلة الأخيرة، وعدد من المحطات والأزمات التي واجهها الحزب مؤخراً وفي مقدمتها انتخابات الإعادة لبلدية إسطنبول، إضافة لاحتمالية التغيير في مؤتمر الحزب القادم.

ذلك أن هناك فكرة تناقش داخل أروقة الحزب للفصل بين رئاستَيْ الدولة والحزب، أي اختيار رئيس له في المؤتمر القادم واكتفاء أردوغان برئاسة الجمهورية. قرار كهذا إن اتخذ سيجعل “الكعكة” المتنافَس عليها كبيرة وممتدة لمرحلة ما بعد أردوغان، التي لعلها مناط المنافسة الآخر المكمّل للحظوة لدى الأخير اليوم.

الإشارات الأولى للصراع الداخلي بدأت مع داود أوغلو، الذي سبقَ استقالتَه عام 2016 ظهورُ موقع إلكتروني شهّر به اسمه “البجعة”، ومنذ ذلك الحين يحيل البعض إلى ما تسمى “مجموعة البجعة” التي يفترض أنها مجموعة من الإعلاميين المحسوبين على ألبيراق، مستمرين حتى اليوم في التكتل والعمل ضمن حملات منسقة ضد بعض الشخصيات القيادية الأخرى.

إحدى هذه الحملات استهدفت وزير العدل عبدالحميد غل في أيلول/سبتمبر 2019. ففي مقال لها، انتقدت ديلاك غونغور الكاتبة في صحيفة صباح المملوكة لعائلة ألبيراق التعيينات في السلك القضائي معتبرة أن “محسوبين على كولن يعيّنون في أماكن حساسة”، وهو المقال الذي لاقى دعماً وتأييداً من كتاب محسوبين على “مجموعة البجعة” وفق البعض.

رَدُّ غل كان حاداً جداً، ناصحاً الذين “كانوا حتى الأمس يأكلون مع جماعة كولن من نفس المقلوبة” ألا يحاولوا إعطاءه دروساً في مكافحتها ومهاجمة القضاء التركي. وإن كان غل، حسب بعض التسريبات، التقى أردوغان شارحاً له الموقف، وخرج من اللقاء “راضياً”، فقد لفت الأنظار وسمٌ داعم له تصدر في تويتر، وقيل حينها إنه خرج “منتصراً” من الحدث.

قبل ذلك بعام تقريباً، في آب/أغسطس 2018، صورت الكاميرات صويلو وألبيراق وهما يصطدمان ببعضهما بالكتف. كان يمكن تفسير الأمر على أنه حدث عارض لولا ابتسامة الأول وعبوس الثاني، ما دفعهما لتقديم سردية أنهما كانا يمازحان بعضهما البعض، كما جمعت بينهما مناسبة في اليوم التالي لهذا الحدث تبادلا خلالها الضحكات والعناق والمزاح.

قبل هذه الحادثة وبعدها، قدم صويلو استقالته من وزارة الداخلية مرتين للرئيس أردوغان، الأولى سراً – وفق ما أشيع حينها – والثانية علناً. ففي شباط/فبراير 2018، ألقى صويلو ما فهم على أنه كلمة وداع طالباً “المسامحة” (تقليد تركي يستخدم لدى الوفاة أو الفراق أو مغادرة المنصب) من كوادر الحزب. لاحقاً نفى الرئيس أن يكون وزير داخليته قد قدم استقالته.

وفي نيسان/أبريل الفائت قدم الأخير استقالته لأردوغان، ولكن هذه المرة علناً وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ما حمّل الحدث دلالات مختلفة هذه المرة. كانت وزارة الداخلية قد أعلنت عن حظر تجول في عطلة نهاية الأسبوع، لكن الإعلان جاء قبل ساعة ونصف فقط من بدء سريانها، ما أدى لحالة هلع وتسابق من المواطنين لشراء الحاجيات الضرورية خلال الحظر، مع اكتظاظ كَسَرَ كلَّ قواعد التباعد الاجتماعي.

وضعَ البعضُ هذه الاستقالة في سياق انتقاد المعارضة له وللحكومة  بسبب الحدث، إلا أن شخصية الرجل بعيدة عن ذلك. ولذا، فإن الأرجح أنه قدم استقالته احتجاجاً على الانتقادات التي وجهت له من داخل حزبه، لا سيما وأن انتقاد القرار انتشر ليس فقط في وسائل الإعلام المعارضة وإنما كذلك في وسائل إعلام محسوبة على العدالة والتنمية.

رفض أردوغان استقالة وزير داخليته وجدد ثقته به مؤكداً أن الخطأ الذي حصل غير مقصود ويغفره لصويلو عملُهُ الدؤوب وإنجازاته، فعاد الأخير لمنصبه أقوى من السابق، ليس فقط بسبب ثقة أردوغان ولكن أيضاً بسبب ردة الفعل الشعبية التي حصلت.

ذلك أنه بمجرد تسرب خبر استقالته، أصبح “التريندَ” الأولَ في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال أعداد مهولة من الأتراك تطالب برفض استقالته وتدعو لتثبيته في منصبه ودعمه. وبغض النظر أكانت الهبة الشعبية عفوية بالكامل أم كان هناك جزء منها منظماً، إلا أنها قدمت صورة مختلفة هذه المرة لوزير الداخلية، وهي صورة السياسي القوي ذو الشعبية العالية. وهكذا، ورغم أنه كان متوقعاً ومنطقياً ألا يقبل أردوغان استقالة وزيره، خصوصاً في ظل جائحة كورونا، إلا أنه ظهر كمن اضطر لذلك تحت ضغط الشارع ولو جزئياً، بعد أن كان الوزير قد استقال أصلاً دون استشارته.

هذا الانطباع الذي وصل للكثيرين عن الخروج عن النسق والعودة بقوة الشارع، سواء أكان مقصوداً أم عفوياً، منح الرجل ثقلاً سياسياً كبيراً يكاد يكون مستقلاً عن أردوغان، وهو أمر غير معتاد في السياسة التركية خلال السنوات الأخيرة. ولذلك فليس من الصعب توقع انزعاج الرئيس مما حصل، ومن دلالاته ونتائجه، وهو ما يمكن أن يكون له ارتداد أو ثمن على صويلو في المستقبل.

حسابات المستقبل

إذن، يضم حزب العدالة والتنمية في صفوفه اليوم ثلاث تيارات رئيسة، تختلف أيديولوجياً، فأحدها أقرب للتيار الليبرالي والثاني للقومي والثالث محافظ. إلا أن الأيديولوجيا ليست مناط الاختلاف/الخلاف الوحيد ولا حتى الرئيس بينها، وإنما هو التنافس على النفوذ والحظوة لدى الرئيس لا سيما بعد انتقال البلاد للنظام الرئاسي.

إذ أنه لدى الحملة ضد وزير العدل عبدالحميد غل كان تقييم الكثيرين أن بعض أهم من شارك بها محسوب على تيار وزير المالية والخزانة براءة ألبيراق. مساهمة الإعلام المحسوب على الحزب في انتقاد قرار وزير الداخلية بفرض حظر التجول أيضاً مؤشر على ذلك. بل إن عضو اللجنة الاستشارية للرئاسة بولند أرينتش حين سئل عن الحملات التي وجهت ضده سابقاً – وما زالت – قال إن بعضها موجّه من أشخاص داخل دوائر الحزب سعياً لإبعاد الشخصيات المؤثرة والقوية عن الرئيس.

أكثر من ذلك، فقد وُجِّهَ سؤال مباشر قبل أشهر لصويلو حول الخلافات المزعومة بينه وبين ألبيراق، لا سيما بعد حادثة “الكتف” الشهيرة، ونفى ذلك بشدة وحسم. لكن ثمة من يقول بأنه لا يمكن تجاوز كل المعطيات والأحداث المذكورة وغيرها، وأنه لا دخان بغير نار كما يقال.

التقييم العام لوزيرَيْ العدل والداخلية إيجابي في عمومه، لا سيما الأخير. فقد أثبتت وزارته أداءً متقدماً على صعيد مكافحة الإرهاب خلال فترة رئاسته لها وبما لا يقارن مع السنوات التي سبقتها. حتى حدّته في الخطاب وقراراته المرتبطة ببعض رؤساء البلديات، التي تنتقده عليها المعارضة، تحظى بتأييد واسع داخل الشريحة القومية وكذلك المحافظة بدرجة أقل. وحتى اللحظة يبدو أداء وزارته في إدارة جائحة كورونا ناجحاً ومقبولاً من الشعب إلى حد كبير، لكنها تبقى تحدياً ماثلاً، ويمكن أن تغير رأيَ الشارع بخصوصه أو بخصوص أي مسؤول آخر، تبعاً للمسار والمآلات.

في المقابل، فإن أكثر الانتقادات الموجهة لأردوغان والحكومة اليوم من قبل المعارضة مركزة في الملف الاقتصادي، على صعيد معالجة الأزمة ومشاكل الاقتصاد البنيوية من جهة وعلاقة القرابة العائلية التي تجمع الرئيس بوزير المالية والخزانة من جهة أخرى. تُظهر بعض المؤشرات الاقتصادية مساراً إيجابياً للاقتصاد مؤخراً بعد الكلفة الباهظة لمكافحة الوباء، لكن بعض المؤشرات الأخرى تظهر تراجعاً مستمراً. وفي العموم، فإن المعارضة ترى وتَعْرِضُ المشهد بسوداوية كبيرة، متهمة الحكومة بعدم الشفافية والدقة في معطياتها، كما تنتقد التراجع الواضح والسريع في احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية. يقابل ذلك تمسك أردوغان بصهره وإصراره على كفاءته وتأكيده على مسار التعافي الاقتصادي. 

بيد أن هذه التيارات لا تتنافس فقط بقواها الذاتية وأدائها الميداني فقط، ولكن هناك عاملان آخران مهمان جداً في المعادلة.

الأول هو موقف حزب الحركة القومية، حليف العدالة والتنمية، وزعيمه دولت بهجلي، الذي لم يبدُ حتى اليوم متطلباً بخصوص التحالف مع الحزب الحاكم، مكتفياً بمناصب وكوادر داخل مؤسسات الدولة من جهة والتزام أردوغان والحكومة بسياسات وخطاب معين لا سيما فيما يتعلق بمكافحة “الإرهاب” والمسألة الكردية ومواجهة الكيان الموازي وكل ما يتعلق بالأمن القومي.

ومن هذه الزاوية، لن تكون هناك مبالغة كبيرة إن قلنا إن بهجلي وحزبه ينظران لصويلو على أنه أحد ضمانات ما سبق وبالتالي ركائز التحالف مع العدالة والتنمية، بالنظر إلى خلفيته وخطابه وكذلك سياساته لا سيما المرتبطة بحزب الشعوب الديمقراطي (القومي الكردي) ورؤساء بلدياته المتهمين بالتعاون مع منظمة حزب العمال الكردستاني. ولذلك فقد كان لافتاً أن تأييد بهجلي لقرار أردوغان برفض استقالة صويلو ومديح الأخير لم  يتأخر أبداً وجاء ببيان رسمي.

أكثر من ذلك، هناك شريحة من أنصار الحركة القومية يرون أن صويلو “رَجُلُهم” كتيار قومي في الحزب الحاكم والحكومة، أكثر من كونه قيادياً في العدالة والتنمية محبوباً من قبلهم. ولذلك، كان هناك من رأى بأن أحد خيارات صويلو المستقبلية – في حال خرج من العدالة والتنمية – قد تكون رئاسة الحركة القومية نفسه بعد بهجلي الذي يعاني المرض والتقدم في السن بشكل ملحوظ مؤخراً. بل هناك من عدَّ ذلك أحد أوراق “الضغط” على أردوغان التي راهن عليها صويلو في قرار استقالته الأخيرة، خصوصاً وأن التنقل بين الأحزاب اليمينية – المحافظة والقومية ويمين الوسط – معتاد ومتكرر جداً في السياسة التركية. 

العامل الآخر، والأكثر أهمية بالتأكيد، هو موقف أردوغان نفسه، وهو أمر يصعب الجزم به بكل تأكيد. ذلك أن ألبيراق ليست مجرد وزير بالنسبة له وإنما صهره الذي يثق به والذي سلّمه دفة الاقتصاد وهو ملف بالغ الحساسية والأهمية دائماً ومؤخراً على وجه التحديد، كما أن تصريحاته المتكررة توحي بثبات ثقته به ودعمه له وتأكيد على قدرته على قيادة الاقتصاد التركي لبر الأمان.

من جهة أخرى، يعد صويلو من أبرز الوزراء الذين يحظون بثقة أردوغان، وقد تقدم سريعاً وبقوة في الدوائر القيادية للحزب قبل أن يصبح وزيراً للداخلية، وقد حظي بدعم الرئيس في أكثر من محطة لا سيما لدى تقديمه استقالته أكثر من مرة كما سبق تفصيله. ومن زاوية ثالثة، فالتيار المحافظ هو الأكثر تعبيراً عن جذور الرئيس وخلفيته وأفكاره، وقد أسنَدَ له منصب “وكيل” الحزب وهو الأعلى بعد أردوغان نفسه، في شخص نعمان كورتولموش.

يبدو الرئيس راغباً إذن في الإبقاء على التوازن بين التيارات الثلاثة وشخصياتها القيادية، وهو أمر لطالما برع به كزعيم لا ينازعه أحد القيادة ويحظى بالتفاف الجميع حوله والسير خلف قراراته.

لكن، هل سيبقى الأمر على ما هو عليه اليوم؟ أم سيقدم أردوغان على قرارات يمكن أن تكسر هذا التوازن أو تظهر انحيازه لأحدها بشكل واضح؟ هناك محطتان قريبتان “قد” تشهدان مؤشرات على ذلك.

فهناك أولاً المؤتمر العام الدوري للحزب والذي كان يفترض أن يعقد خريف هذا العام قبل أن يتأجل للعام المقبل بسبب جائحة كورونا، وهو المؤتمر الذي يحمل عادة إشارات التغيير في الهياكل القيادية خصوصاً وأنه أول مؤتمر يأتي بعد الانتخابات البلدية الأخيرة التي حملت رسالة واضحة من الناخبين تطالب بالتغيير.

وثانياً هناك تعديل وزاري متوقع منذ مدة لكنه تأجل أكثر من مرة، لتجنب ظهوره في إطار “التغيير تحت الضغط”. أكثر من مرة سرت شائعات وكُتِبت مقالات حول تعديل وزاري وشيك، وذُكِرَتْ أسماء مرشحة للتغيير بما فيها بعض أقطاب التيارات المتنافسة في الحزب، لكن دون أن يحصل ذلك حتى اليوم.

في الخلاصة، فالتغييرات المحتملة في الحزب والحكومة في هاتين المحطتين ستحملان مؤشرات على قوة كل تيار من هذه التيارات وتوجه أردوغان بما يخصها، على صعيد إبقاء التوازن أو كسره لصالح أحدها أو بعضها. وتزداد أهمية أي تغيير محتمل على صعيد الحزب والحكومة لما لها من مؤشرات ضمنية متعلقة بمرحلة ما بعد أردوغان والشخصيات المرشحة لخلافته.

وتتضاعف الأهمية مع النقاش الدائر داخل الحزب وفي الرئاسة مؤخراً حول ضرورة تعديل بعض بنود النظام الرئاسي أو طريقة إدارته، بما في ذلك النظر في احتمالية الفصل بين رئاسَتَيْ الدولة والحزب، بمعنى اختيار رئيس آخر للحزب غير أردوغان. وهو ولا شك منصب يحلم كل قيادي في الحزب بأن يتولاه و”شرف كبير” على رأي أرينتش، لا سيما إن جاء في ظل وجود أردوغان، أي بقراره ورضاه وتزكيته، وبما يحمله ذلك بالتالي من إشارات متعلقة بالمستقبل.

أخيراً، يمكن القول إن مرحلة ما بعد أردوغان هي تحديداً ما تراهن عليه الأحزاب الجديدة التي أسستها قيادات سابقة في العدالة والتنمية، وتحديداً حزبا المستقبل بقيادة أحمد داود أوغلو  والديمقراطية والتقدم بقيادة علي باباجان.

ترى هذه الأحزاب أن العدالة والتنمية في تراجع على صعيد التأييد والشعبية، وأنه قد لا يستمر موحداً و/أو قوياً بعد أردوغان من باب أنه لا يوجد داخله اليوم شخصية قيادية مُجمَعٌ عليها وبالتالي قادرة على إبقائه موحداً وقوياً ومتماسكاً. وبهذا، تقدم هذه الأحزاب أنفسها كبدائل للعدالة والتنمية في المستقبل أكثر مما تحضُرُ كمنافس قوي له اليوم في ظل وجود أردوغان وقوته. وبالتالي فَرِهانُها هو حاضنة الحزب الشعبية على المدى البعيد.

وعليه، في الخلاصة، يثبت أردوغان مرة أخرى أنه ما زال الرقم الأصعب في السياسة التركية ومحور السياسة فيها حالياً. فهو رئيس قوي يلتف حوله حزبه كزعيم بلا منازع، وتتركز معظم انتقادات المعارضة على شخصه بما يتقدم أحياناً على سياساته وتجمعها في معظم الأحيان الخصومة معه أكثر من الرؤى والبرامج، والشخصيات القيادية في حزبه وحكومته تتنافس على رضاه والحظوة لديه، والأحزاب الجديدة تراهن على ما بعد تركه للسياسة فيما يبدو.

يجعل كل ذلك خلافة أردوغان السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً على مستقبل حزب العدالة والتنمية وتركيا على حد سواء، رغم أنه يغيب بطبيعة الحال عن النقاش العام والعلني اليوم، لكنه يفرض نفسه ضمناً على الجميع، ويبدو أنه سيكون في مقدمة العوامل المؤثرة في رسم المسار المستقبلي للدولة والحزب الحاكم فيها منذ 18 عاماً.

تركيا: جذور الصراعات الداخلية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close