fbpx
مختارات

الثورات العربية: المرجعية ومعادلة التغيير

تثير الثورات العربية، في بزوغها وتطوراتها العديد من الإشكاليات الفكرية والحركية، لعل في مقدمة هذه الإشكاليات المرجعية أو العقيدة السياسية، وكذلك فهم معادلة التغيير التي قامت بها أو التي يمكن أن تكون هذه الثورات أداة لها:

أولاً: المرجعية السياسية:

ما من ثورة كبرى ولا حركة تغيير كبرى إلا وقامت على مرجعية أو عقيدة فكرية وسياسية محددة المعالم، تظل الشعوب والنخب تتمسك بها جيلا بعد جيل. . فيما يلي بعض الملاحظات ذات صلة.

1ـ مصدر العقيدة وماهيتها:

هذه العقيدة السياسية لا تستورد ولا ينفرد فرد أو مجموعة بكتابتها، وإنما تأتي من رحم المجتمع بقيمه وثقافته وأولوياته، وتكون في الواقع نتاج عملية تاريخية ممتدة، أو تطور اجتماعي ممتد، وتظهر خلالها سلسلة من الأفكار والتوافقات الوطنية الواسعة على قيم عليا ومبادئ أساسية، والثورات تندلع للتعبير عنها وتتمسك بها وتعمل على أن تترجم أسس هذه العقيدة على الأرض.

وهذه المرجعية تظهر في شكل مبادئ أساسية وقيم عليا يستند إليها الأفراد والجماعات والسلطة بمؤسساتها المختلفة في تحديد معايير الانتماء والهوية الجامعة، وأدوات الضبط السياسي والاجتماعي في المجتمع، وطبيعة العلاقات بين الجماعات والأفراد داخل المجتمع وفيما بين هؤلاء والسلطة، واختيار الأولويات في مرحلة تاريخية معينة.

هكذا سارت الأمور في كثير من الحضارات القديمة والحديثة مع اختلاف سند مرجعياتها من كهنوتية دينية (كالحضارات القديمة في مصر وبابل وآسيا وفي أوروبا العصور الوسطى) أو إسلامية (تجمع بين مبدأ التوحيد والقيم الدينية التي تنظم الدين والدنيا وبين العقل وحرية التفكير والإبداع في إنزال هذه القيم على الواقع المتغير زمانا ومكانا) أو وضعية (كالحضارة الغربية الحالية التي تقوم على مبادئ عصر التنوير الأوروبي).

وهكذا كانت الثورات الكبرى في القرون الأخيرة في إنجلترا وفرنسا وأمريكا والصين وروسيا وكوبا وإيران، وهذه الثورات لم تحقق أهدافها في عامين أو ثلاثة، ولم تسلم من وقوف خصومها في الداخل والخارج ضدها، وكان لها تكلفة مرتفعة، لكنها في النهاية استندت إلى عقيدة أو مرجعية سياسية ونجحت في تحرير شعوبها وصارت موضع فخر واعتزاز حتى اليوم، وصارت تدرس في المقررات الدراسية في المدارس والجامعات.

2ـ القيم الكبري والمبادئ الحاكمة:

في ثوراتنا العربية التي انطلقت في عام 2010، نادت الشعوب بالكرامة والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وهذه قيم أساسية رفعتها الشعوب بتلقائية وعفوية؛ لأنها تمثل جوهر ما تحتاجه الشعوب فعلا، وقد بذلت في الشهور الأولى للثورات جهود ضخمة لترجمة هذه القيم العليا إلى مبادئ محددة وبرامج عمل، وظهرت عدة وثائق ذات صلة كوثائق الأزهر في مصر، وغيرها، فما الذي أوقف هذا الجهد وحال دون البناء عليه؟.

هناك أسباب كثيرة، أهمها تفرق القوى التي قامت بالثورة، وتنافسها على مغانم صغيرة بعد اعتماد مسار سياسي يقوم على التنافس قبل التوافق (تنافس في الانتخابات وتنافس في كتابة الدساتير)، بجانب قلة العقول الواعية من السياسيين والمثقفين والمفكرين، لكن هناك أيضا اختراق خصوم الثورات في الداخل والخارج لصفوف الثورات، وعمليات التشويه وغسيل المخ والترويج للأكاذيب والمغالطات التي قام بها أنصار الثورات المضادة ممن تعودوا على العيش في ظل الاستبداد والفساد وعلى الخنوع، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، ومن الأسباب أيضا إرث الأنظمة البائدة ونمط السلطة الذي ظهر في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، أي ما يقرب من مائة عام.

3ـ بين العقيدة والهوية:

لقد أثبتت السنوات الخمس الماضية من الثورات العربية والثورات المضادة لها عدة أمور، لابد أن يتم استغلالها في مصلحة الثورات والمطالب التي رفعتها، فالسنوات الخمس أثبتت، أولا أن السلطة التي ثارت عليها شعوبنا العربية قسمت الأمة العربية والإسلامية إلى دويلات قطرية صغيرة، مثلت الشكل الأسوأ في تاريخ هذه المجتمعات؛ لأنها ضربت وحدتها الثقافية والروحية والسياسية، ولأنها ضربت عقيدتها السياسية التي ظلت قائمة لقرون على العروبة والإسلام ودون أي تناقض مصطنع، كالذي ظهر منذ ظهور هذه الدويلة القطرية العربية، ولهذا عندما حوربت هذه الثورات من خصومها في الداخل والخارج حوربت إقليميا وعالميا، فلم يفرق هؤلاء الخصوم بين الأقطار العربية واعتبروا أن الخطر واحد؛ لأنهم يدركون جيدا أن الحكومات القائمة تسيطر في واقع الأمر على أمة واحدة بآمال وتحديات واحدة ومصير مشترك، وأن مبدأ القوميات ذاته يقوم على تجميع الأمة الواحدة وليس تقسيمها كما حدث معنا.

وأثبتت السنوات الخمس أيضا أنه لا يمكن استيراد العقيدة السياسية من الخارج، هذه الدويلات جربت فيما يقرب من مائة عام استيراد العقيدة السياسية من الخارج (القومية المتصادمة مع الدين، الاشتراكية، الليبرالية، الخليط من كل هذا وذاك)، لكنها فشلت لأن الأمم الحية لا تستورد عقائدها السياسية من الخارج، إنما تستنبتها من مجتمعاتها ومن ثقافات مجتمعاتها وقيمها الروحية والدينية وتراثها الفكري والتاريخي والديني ومن عاداتها وتقاليدها المحلية، وهذا لا يعني الانغلاق على الذات، بقدر ما يعني عدم تجاهل مكتسبات الحضارات والشعوب الأخرى لكن بعد القيام بعمليات توطين لها في الثقافات المحلية.

كما أثبتت أيضا أن محاربة الدين غير ممكنة، قامت السلطة في الدويلات القطرية الحالية بالسيطرة على الدين سيطرة تامة، ونزعت الدين من المجتمع ومن الأفراد، ووظفته في خدمة السلطة، وسيطرت على الجامعات والمؤسسات الدينية وحولت العلماء إلى موظفين، لم يحدث هذا في الملك العضوض الذي عرفته المجتمعات الإسلامية، حيث لم يتم تأميم الدين، وظل العلماء يتمتعون باحترام السلطة وظهرت مدارس ومذاهب فكرية متعددة، وظلت الهُوية عربية إسلامية، وظل الحكام يرفعون هدف حماية الدين ونشر رسالته وخاضت الجيوش معارك للدفاع عن الإسلام، ولم يحدث في الدول القومية العلمانية في الغرب المعاصر، فالعلمانية خلصت الدين والمجتمع والأفراد والسياسة من سلطة الكنيسة وخرافاتها، لكنها حافظت (في معظم صورها) على الدين كمصدر للقيم، وعلى حق المتدينين في إقامة أحزاب وجمعيات أهلية، وصارت حرية الاعتقاد من الحريات الأساسية هناك.

وأخيرا أثبتت السنوات الماضية أيضا أن السلطة في الدويلات الحالية قهرية مستبدة تعمل لمصالح ضيقة، ومرتهنة في بقائها على تحالفات خارجية، ويسيطر عليها وعلى الثروة أقليات وراثية أو عسكرية، وأنه لا أمل في إصلاح هذا النمط من السلطة؛ لأن النخب الحاكمة تجعل الصراع صفريا وتزرع كل يوم بذور انهيارها أو الثورة عليها.

أمام ثورات العرب فرصة تاريخية للتغيير والتعبير عن موازين القوة الحقيقية التي تمتلكها هذه الشعوب، ولا يؤخر الشعوب إلا اختلاف نخبتها وقواها الحية واهتزاز بوصلة الثورة لديهم، وعدم وجود عقل مدبر لها يدرك عمقها التاريخي ويستوعب معطيات واقعها ويستشرف آفاق وفرص النهوض.

ولن يتم هذا إلا عبر بناء مصالحات تاريخية بين كل التيارات الوطنية على اختلاف أيديولوجياتها وتطوير العقيدة السياسية للثورة انطلاقا من احتياجات الواقع الاجتماعي في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ووحدة المصير ووحدة الأوطان، وهذه العقيدة لا مفر من قيامها في اعتقادي على العروبة، والإسلام، ووحدة العرب ومصيرهم المشترك كمنطلقات مرجعية، وعلى الديمقراطية كنظام للحكم وإدارة المجتمعات، وليس كفلسفة أو مذهب سياسي، وعلى أساس أن حضارات شتى ساهمت في تطوير هذا النظام بما في ذلك الحضارة العربية الإسلامية، بجانب أنه لا يمكن تجاهل مكتسبات الحضارة أثناء تطوير نظم حكم وطنية حديثة تنظم العملية السياسية وتحمي الحريات والحقوق وتمهد الطريق لظهور حكومة عربية اتحادية واحدة تدير التنوع العربي وتضع مجتمعاتها على بداية طريق النهضة المنشودة.

ثانياً: معادلة التغيير:

من المشكلات التي تواجهها الثورة المصرية وغيرها من الثورات العربية الاتفاق على معادلة التغيير التي يمكن أن تحقق مطالب الثورة، ففي الثورات الكلاسيكية الكبرى التي شهدتها القرون الثلاثة الأخيرة، تم تبني عددا من الأهداف الكبرى، وتحققت هذه الأهداف عبر تغيرات عميقة وممتدة، شهدتها هذه المجتمعات في بنيتها السياسية والاجتماعية، وانتهت بتغيير نظام الحكم وتغيير النظام الاجتماعي القائم.

وذلك كما حدث مع الثورة الفرنسية عام 1789 التي انتهت إلى القضاء على الحكم الملكي المطلق وطبقة الإقطاعيين وظهور نظام سياسي جمهوري وتمكين الطبقة البرجوازية، وكما حدث أيضا مع الثورة البلشفية 1917 والماوية الصينية 1949 والإيرانية 1979. وعادة ما يتوفر لمثل هذا النوع من الثورات قيادة واضحة، وتنظيم محدد، وهدف مركزي. وباستثناء الحالة الفرنسية وما تبعها من تأثر أوروبي واضح، انتهت هذه الثورات إلى أنظمة حكم مطلق.

أما في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، فقد شهدت أمريكا اللاتينية العديد من الثورات المسلحة من أجل التحرر الوطني ضد الاستعمار الإسباني والبرتغالي والفرنسي، وانتهت هذه الثورات إلى ظهور دول مستقلة جديدة ذات نظم حكم مطلقة أو حكومات عسكرية.

وفي أجزاء أخرى من العالم ظهرت ثورات أخرى هي في حقيقتها حركات تحرر وطني مسلحة، قامت بها جبهات وطنية مسلحة، ناضلت من أجل الاستقلال، وحققت نجاحات متباينة، كما حدث في ثورة الفيتناميين والجزائريين ضد المستعمر الفرنسي، وثورات وانتفاضات الشعب الفلسطيني ضد الصهاينة. وفي الغالبية العظمى من هذه الحالات انتهت الأمور بعد الحصول على الاستقلال إلى ظهور نظم حكم مطلق أو حكومات عسكرية أيضا.

وبعبارة أخرى فقد نجحت الثورات المناهضة للاستعمار في الحصول على الاستقلال، وأنجزت في بعض الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها فشلت في ملف الحريات والمساواة والديمقراطية، وانتهت إلى نظم حكم مطلق بصور مختلفة.

أما في فترة ما بعد الحرب الباردة فقد شهدت بعض الدول حركات تغيير أطلق على بعضها ثورات ملونة كما حدث في شرق أوروبا، كان هدفها الأساسي هو الوصول إلى نظم حكم ديمقراطية تعددية. وقد شاركت في هذه الثورات فئات اجتماعية متعددة ولم تكن حصرًا على طبقة اجتماعية بعينها، كما حصلت هذه الثورات على دعم قوي من المنظومة الغربية الليبرالية بهدف التخلص من خصمها الاشتراكي، لتنتهي إلى إقامة نظم سياسية تعددية وحماية الحريات والحقوق.

وقد اتسم هذا التغيير بعدة أمور، أولها السرعة في الوصول إلى الهدف (نحو عشرة أيام في شرق ألمانيا وخمسة في رومانيا)، بجانب الحصول على دعم أوروبي وأمريكي، وحلول المعارضين في مراكز السلطة، وحدوث تغيير حقيقي (سياسي واقتصادي) بحيث صار الفارق كبيرا بين الماضي والحاضر.  كما اتسمت هذه الثورات الملونة بالسلمية بشكل عام.

وفي كل حالات التغيير الثورية وغير الثورية كان تركيز الخطاب والبرنامج السياسي على أصل المشكلة وليس على الأدوات التي استخدمها الحكام للبقاء، ففي جنوب أفريقيا كان التركيز على المساواة في الحقوق المدنية، وفي شرق أوروبا كان إقرار التعددية وكسر احتكار الحزب الواحد للحياة السياسية، وفي أمريكا اللاتينية كان إخراج العسكريين من السلطة وإقامة حكم مدني ديمقراطي.

وبعد نجاح الانتقال تمت ترجمة هذه الأهداف إلى عمليات إعادة هيكلة حقيقية للمؤسسات المختلفة ضمن حكم دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية وحسب رؤى محددة، لكن الخطاب السياسي للسياسيين كان خطابا ايجابيا وغير معاد لمؤسسات الدولة أثناء مرحلة النضال من أجل تحقيق الانتقال.

الموجة الأولى من الثورة المصرية كانت أقرب إلى هذا النوع الأخير من الثورات، حيث كان هدفها إقامة النظام الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أن خصوم هذه الثورة تصدوا لها عن طريق تحويل نضال الشعب من أجل الحرية إلى حرب على الإرهاب.

وعلى الرغم من هذا لا يزال الشعب يناضل من أجل حريته، وهو في نضاله هذا لا يزال في أمس الحاجة إلى توسيع قاعدة المؤمنين والمناضلين من أجل الحرية، بعد كل حملات التضليل الإعلامي والسياسي، ولهذا لا مفر من معادلة سياسية جامعة للثورة المصرية تكون قادرة على تحقيق أمرين، الأول هو كسب الأنصار من فئات المجتمع المختلفة ومن مؤسسات الدولة التي يستخدمها النظام بما في ذلك مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء وغيرها، والثاني هو تحديد معالم النظام السياسي الديمقراطي البديل بقيمه ومؤسساته وضوابطه وضماناته.

في الحالات الناجحة للانتقال، لم يطالب السياسيون بهدم وزارة الداخلية، ولم يعبر البعض عن عدم الحاجة إلى المؤسسة العسكرية كما يحدث عندنا. ففي الواقع هذا النمط من الخطاب السياسي يطيل عمر الإستبداد؛ لأنه يدفع هذه المؤسسات إلى الاستمرار في تحالفها مع الحكومات المستبدة خوفا من الخطاب الذي يهددها ويتوعدها.

أعتقد أن هدفنا لابد أن يكون أولا إنهاء حكم الأجهزة السرية والفساد والامتيازات، وكسر احتكار عصبة صغيرة للسلطة والثروة، ووقف هيمنتها على الشعب وعلى مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء وعلى الجامعات والإعلام، وإنهاء التوظيف السياسي لهذه المؤسسات، وثانيا تحديد معالم النظام السياسي المدني الديمقراطي، الذي يقوم على وحماية كرامة الإنسان وحرياته وقيم المجتمع وهويته، وسلطة الشعب وحكم القانون والمساواة أمامه، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير المستوى المعيشي الكريم لكل المصريين بلا تمييز. وهذا النظام كفيل أيضا بإعادة مؤسسات الدولة إلى القيام بوظائفها الأصلية دون توظيف سياسي.

أما تهديد وتوعد مؤسسات الدولة التي يعمل بها ملايين الموظفين وتعتمد عليها عشرات آلاف من الأسر فيعمق مشكلاتنا ويوسع الفجوة بين الثورة وبين قطاعات غفيرة من الناس الذين يرغبون بالفعل في أن يكونوا في صف الثورة غير أن خطاب السياسيين يبعدهم عنها.

تنويه:

تم نشر هذا الموضوع على جزأين في موقع البديل الالكتروني، وتم إعادة نشرهما هنا لتعميم الفائدة:

الجزء الأول: د. عبد الفتاح ماضي، لكل ثورة مرجعيتها، البديل، 31 يناير 2016، الرابط

الجزء الثاني: د. عبد الفتاح ماضي، كيف نفهم معادلة الثورة المصرية، البديل، 21 فبراير 2016، الرابط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close