fbpx
قلم وميدان

الثورة المصرية خبرات ومراجعات: مبارك والإخوان

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

عشيّة ثورة يناير 2011، كان المشهد في مصر يفرض نفسه على المُدقق، فالحاكم بلغ من الكبر عتيًا، والشعب، في صورته الكادحة مرهق على جميع الأصعدة، والجيش عبر قياداته يتملل، في نفس الوقت، من طول حكم “حسني مبارك” ومحاولته التمكين لابنه من بعده، أما الولايات المتحدة فقد رأت أن “مبارك” استنفذ أغراضه، فرّغ مصر من طاقاتها، وأغرق الشعب في المشكلات على جميع الأصعدة، وكانت “تلك” لحظة نادرة في تاريخ مصر المعاصر، أحسنت أطراف المعادلة السابقة استغلالها، ومن قبل قراءتها عدا الإخوان من آسف!

امتداد عمر مبارك كان إشكالية أمام الجميع، (مواليد 4 من مايو 1928م)، وتاريخ وفاة إنسان، وفاة طبيعية ليس للغرب أو الجيش فيها يد، أمر لا يستطيع العالم معرفته، فـ”مبارك” مستميت في إعطاء الغرب ما يريدونه من مصر، وروت مجلة “روزاليوسف” المصرية بعد الثورة أن أمريكا طلبت من المخابرات المصرية قاعدة بيانات المصريين الجنائية الخاصة ببطاقة الرقم القومي الجديدة، البطاقة الممغنطة التي تحوي المعلومات الخاصة بكل مصري، بخاصة الأمنية، وبالتالي موقفهم جميعاً من النشاط السياسي، ما إذا كان إسلامياً، وهو ما تمّ عن طريق وزير الداخلية الأسبق “حبيب العادلي” في 13 من أبريل/نيسان 2009م، وقبلها تمادى اللواء الراحل “عمر سليمان”، رئيس المخابرات الأسبق في رفض الأمر حتى استدعاه “مبارك” آمراً إياه بسحب يده، وبالتالي السماح بإرسال البيانات الخاصة لما يزيد عن ثمانين مليون مصري حينها، قائلاً لأحد كبار المسؤولين الأمريكيين الشاكين من الراحل: “أصل عمر سليمان ده (وطني) شوية”!

لم يتملل “مبارك” من تبعيته، واحتفظ بها منذ سنواته الاولى حتى النهاية، لكن أمريكا فعلت، كما روى الراحل الدكتور “عبد الحليم عويس”، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية السابق في كلية دار العلوم، إلى كاتب هذه الكلمات، إن “مبارك” عقب توليه الحكم طلب الاجتماع بأربعين من أساتذة التاريخ في مختلف الدول العربية، وفي بداية الاجتماع رحب بهم ترحيباً فاتراً، جعل الراحل يتعجب لماذا دعاهم، ثم قال لهم أريد أن استمع إليكم فقام أستاذ أردني مرموق فقال: إنه يتمنى عليه (أي مبارك) إعادة أمجاد “صلاح الدين الأيوبي” فرد الرئيس المخلوع على البداهة، من فوره: “صلاح الدين مين يا دكتور..(دول الأمريكان) يسمعوننا ويروننا، ويُصورون لنا صوت وصورة الآن”!

وكان اللقاء في القصر الجمهوري، واكمل الراحل الدكتور “عويس” القصة فقال إنه ظل بعد الكلمات صامتاً، لكنه عرف لماذا دعاهم “مبارك”.. ليدلل بالطرق الملتوية، بعد الواضحة، للأمريكيين إنه رجلهم في مصر والمنطقة!

وقد ظل على وفائه حتى خلعه، حيث احتفظ بأقل القليل من ورقة توت إخفاء السوءة فعلها على حياء شديد، ولم يبدها مثلما تملل الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” وقال للصحفي الأمريكي الذي سأله عقب اعتقالات سبتمبر/أيلول 1981م في مؤتمر صحفي: “لولا إنك في بلد ديمقراطي لأخرجتُ مسدسي وأفرغتُه في رأسك الآن”. وكان سؤال الصحفي الأمريكي: “هل استشرت الرئيس “جيمي كارتر” قبل هذه الاعتقالات”!

ويعلق مراقبون سياسيون عقب حادث المنصة الذي اغتال بعض من الجيش المصري قائده العام فيه (6 من أكتوبر/تشرين الأول 1981م) أن رد “السادات” على هذا النحو كان المسمار الأخير في نعشه.

أمامنا إذاً رئيس مخلص لأعدائه، ولكن عمره تجاوز الحد، وبديله (العسكري الجديد المطلوب) سيكون، لديهم، أكثر إخلاصاً لأنه سيدلل على صدق ولائه بما هو أفضل ممن استقر أركان نظامه، و”مبارك” يدرك حقائق الُّلعبة، وهو يرفض بشدة تعيين نائب له، ربما لأنه يدرك حجم الدور الذي قام به نفسه عقب اغتيال “السادات”، ولا يريد أن يأتي بأحد يقوم بالدور مجدداً في حقه، رغم أنه صرح عقب محاولة اغتياله في أديس أبابا عام 1994م بأنه سيفكر في الأمر، بحسب “الأهرام” شبه الرسمية.

وفيما كان الإخوان، قبيل الثورة، يراقبون المشهد مراقبة القانع بما في يده، المُحافظ على استمرار وضعه القائم، المتأمل في حدث يُزيح عن كاهلهم “الطاغوت الأكبر”، كما كانوا يتناقلون في سرهم، وفي أدبياتهم أن الأحزاب بل الحركات السياسية التي على الساحة ما هي إلا امتداد للحاكم، تأكل من فتات يمينه، وتحاول ادعاء المعارضة، ولذلك نظرت الجماعة، في مجملها، بتوجس إلى حركة “كفاية”، وإن كانت حاولت إظهار غير هذا، كما أخذت موقفاً من مؤسسيّ حزب “الوسط” بعد كثير مداولات حوله منذ نهاية الثمانينيات، وتم تقدم المهندس أبو العلا ماضي بأوراقه في 6 من يناير/كانون الثاني 1996م وبعد صدام شديد مع نظام المخلوع، أمر مرشد الجماعة آنذاك “مأمون الهضيبي”، بالانسحاب منه فلم ينصع البعض على النحو المعروف، والشاهد هنا أن الرؤية السياسية من تكوين حزب كانت مذبذبة لدى الجماعة، واحتملت مداولات لساعات طويلة بين أقطابها الكبار، وانتهت إلى ترك الأمر، لا إرجائه، والمحافظة على الجماعة بالتخلي عن الحزب، مع أنها المرة الوحيدة التي فكرت الجماعة فيها في تأسيس حزب منذ بدايتها في 1928م، حتى ذلك الحين!

كان الإخوان، في المحصلة قبل الثورة، يُمعنون في إعلانهم سلمية خطواتهم، وموافقتهم على استمرار النظام الذي تجاوز الشيخوخة، بل إنه كان منتشراً في أوساطهم الدنيا، وما هو أعلى أن مجيء “جمال مبارك” سيحقق قدراً من أنفاس الحرية حتى حين، مع أن أمر السلطة والوصول إليها أمراً نظرياً مؤجلاً لديها، وكان الراحل “جمعة أمين” يُقدر الموقف في مصر بأن الجماعة، وفقاً لمنظومة الإصلاح الخاصة بها وصلت إلى مرحلة “إصلاح الأسرة” بعد الفرد، وأمامها إصلاح الشارع، ثم المدينة، وهلم جراً حتى الدولة، فيما كان المرشد الراحل “مصطفى مشهور” يُقدر أن الإخوان سيصلون إلى الحكم في عام 2018م، وفق رؤيته للحراك في مصر مع إحسان الظن بالغرب.

والشاهد الذي يراه صاحب الكلمات هنا مُهماً، أن الجماعة كانت ماضية في جهودها الإصلاحية بخطوات مناسبة، ولا ينكر أحد مجهوداتها في مجال النهوض بالشعب المصري .. إلا أن هذا النهوض لم يكن تحركه رؤية دعوية شمولية من الأساس، مؤداها أن الإخوان ساعدوا الشعب المصري بغية رضا الله، والمزج بين المساعدات والانتخاب السياسي المتاح حينها لمجلس الشعب، بما يعني أن رسالة النهوض نفسها لم تصل إلى طرفيها بدقة، فلا الفرد الذي ساعد من الإخوان علم بدقة أنه أدى رسالة (لأجلها استخلفه الله في الأرض)، ولا المُقدمة إليه الرسالة (الدعم) فهم أن عليه تبعة منها، تساوي نمو وعيّه، ومن ضمنه إحسان اختيار الذين ينوبون عنه سياسياً.

والأصل في الناحيتين، مقدم المساعدة، والمُساعد بها إقرار منظومة وعي، بأن لكليهما حقوقاً لدى الدولة يتم سلبها ونهبها عنهما، وإنه يجب أن يأتي اليوم التي تُحكم الدولة بالعدل، وفق منظومة، أياً ما تكون سياسية، فقط تكون عادلة، وهو ما سنتطرق إليه في حينه، وإلى كلمات الشيخ الدكتور “القرضاوي”، حوار مع وكالة “الأناضول” في 26 من أغسطس/أب 2014م، مؤداه أن حضارة العدل التي ننشدها تجىء به، وفق أسس سياسية صحيحة، لا ينبغي التوقف لدى اسمها.

وبدلاً من “منظومة الوعي” هذه على مستوى المساعدات، والمحاضن التربوية المختلفة، وأنشطة الجماعة، كانت السياسة يتم اختصارها في أمور نظرية مؤجلة لدى الإخوان، و”كرسي مجلس الشعب” الذي كان يساوي تحقيق أغراض دنيا أمام الجماهير، بالصورة المعروفة لديهم، وتصورها لعضو المجلس، الهامش السياسي المُتاح في ظل نظام ديكتاتوري لا يترك إلا فتات الفتات للجماهير، ويزج بآلاف من أنصاره في تمثيلية الانتخابات بصورة استراتيجية، لكنه لما يتم الضغط عليه يترك الأمر مرحلياً وتكتيكياً، كما في 2005م، فيما لم يكن الإخوان يملكون إلا الاستكانة آنذاك دون وعي وأفق سياسي عملي من الأساس، وكان غيرهم يخطط بدقة للسنوات المقبلة!(1).

————————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close