fbpx
قلم وميدان

ما بعد الاستفتاء: سياسة تركيا الخارجية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

لطالما وصفت الأحداث الكبيرة و/أوالمفاجئة بأنها “زلزال سياسي” لما لها من تأثيرات مباشرة وارتدادات غير مباشرة لكن عميقة وجذرية وطويلة الأمد، ولعل الاستفتاء الشعبي الأخير الذي أجرته تركيا في 16 أبريل/ نيسان 2017، من التطورات التي تستحق هذا الوصف، بانعكاساته المباشرة على المشهد التركي الداخلي وعلى سياسة أنقرة الخارجية.

وبعيداً عن بعض المبالغات في تحليل نتائج الاستفتاء تهويلاً أو تهويناً، يمكن بأريحية الجزم بأنه حدث مفصلي قد لا تعود تركيا بعده لما كانت قبله لما له من تأثيرات مباشرة على عدة نطاقات وسياقات أهمها عمل الحكومة والبرلمان والعلاقة بينهما ووزن الأحزاب في المعادلة السياسية الداخلية، والثقافة والممارسة السياسية في البلاد سيما لجهة دور النخب والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في العمل السياسي والرقابة على العمل الحكومي، فضلاً عن سياسة تركيا الخارجية موضوع المقال.

بين المحددات والفواعل:

بادئ ذي بدء، لا بد من الإشارة إلى أن ما جرى هو “إقرار” النظام الرئاسي ضمن التعديل الدستوري وليس “تطبيقه” الذي سيسري فقط بعد انتخابات الرئاسة والبرلمان المتزامنة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وبالتالي فأي تغير مهم في السياسة الخارجية لتركيا بفعل النظام الرئاسي لن يكون سريعاً وتلقائياً ولكن بطيئاً متدرجاً وعلى المدى البعيد.

أكثر من ذلك، فالمحددات التي تصوغ سياسة أنقرة الخارجية اليوم لن يطرأ عليها الكثير من المتغيرات مع بدء تطبيق النظام الرئاسي، فمفردات الأمن القومي التركي والمصالح الاقتصادية والخلفية الفكرية والأيديولوجية للحزب الحاكم والتطورات الإقليمية والدولية كلها عوامل تتغير تكتيكياً بشكل بسيط في إطارات شبه ثابتة منذ فترة ليست بالقصيرة.

هذا على مستوى المحددات، أما على صعيد الفواعل والمؤسسات المساهمة في صناعة السياسة الخارجية فسيطرأ عليها بعض المتغيرات بطبيعة الحال، فالنظام الرئاسي سيضمن سيطرة أكبر للرئيس – أياً كان – على مؤسسات الدولة (البيروقراطية) وسيتيح له عكس رؤيته عليها سيما في السياسة الخارجية، إضافة إلى زيادة نفوذه في مؤسسات أخرى تشارك أيضاً في بلورة القرار الخارجي مثل جهاز الاستخبارات والمؤسسة العسكرية فضلاً عن الحكومة التي ستتبع له بالكامل.

بيد، لا ينبغي إغفال الدفعة المعنوية التي كسبتها تركيا، خصوصاً الرئيس اردوغان وحزب العدالة والتنمية، بفعل نتيجة الاستفتاء، سيما في ظل التناغم الكامل بين الرئيس والحكومة والصلاحيات الواسعة المعطاة للرئيس وفق الدستور الحالي (المستفتى على تعديله) بما يمكن أن يُطلق عليها حالة “نظام رئاسي فعلية” أو بالأمر الواقع وإن لم يكن دستورياً. وبالتالي، ثمة ما سينعكس سريعاً وتلقائياً على الموقف التركي مع عدة أطراف في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

العلاقات التركية ـ الأميركية:

على صعيد العلاقة مع واشنطن، هناك ملفان وترا العلاقات الثنائية في عهد إدارة أوباما وما زالا عالقين حتى الآن وهما ملف تسليم فتح الله كولن والدعم المقدم للفصائل الكردية المسلحة في سوريا. وهذا الملف الثاني مهم جداً بالنسبة لأنقرة لارتباطه بالملف الكردي الداخلي، وبالأمن القومي التركي بشكل عام فضلاً عن كونه أحد مفاتيح الدور التركي في سوريا بشكل عام.

يعني ذلك أن تركيا ستكون في موقف أفضل وأكثر ندية بعد الاستفتاء، ومن باب أولى بعد تطبيق النظام الرئاسي، في التفاوض مع الإدارة الأمريكية حول الملفات المختلفة وفي القلب منها القضية السورية. مسارات مهمة وحساسة مثل معركة الرقة والسيطرة على مدينة منبج وربما عفرين يمكن أن تـُفعَّلَ وتـُسرَّع. كما أن قدرة تركيا على إشهار “فيتو” في وجه أي سيناريوهات أو حتى تفاصيل معينة متعلقة بمسار الحل في سوريا ستكون أكبر، ولا شك أن هذا عامل له تأثيره المباشر على القضية السورية، ولعل في اتصال ترامب السريع على اردوغان والتوافق على اللقاء خلال قمة الناتو الشهر المقبل وترتيب زيارة لاردوغان إلى روسيا في نفس الفترة إشاراتٍ على ذلك.

وفي انتظار قرار الولايات المتحدة بخصوص معركة الرقة ومدى إصرارها على إبقاء غطائها لقوات سوريا الديمقراطية في منبج، تفكر تركيا في تفعيل خطتها بخصوص “سنجار” القريبة من الموصل لمنع سيطرة حزب العمال الكردستاني. وكانت أنقرة قد حذرت مع بدايات معركة الموصل من أنها ستعتبر سيطرة الحزب – المًصنف إرهابياً في تركيا – على سنجار تجاوزاً لأحد خطوطها الحمراء في العراق، الأمر الذي قد يضطرها للتدخل العسكري المباشر. الخطة التي أطلق عليها اسم “درع دجلة” على نسق “درع الفرات” تبدو جاهزة، وربما تنطلق في أي وقت في حال شعرت أنقرة أنها الحل الوحيد للحيلولة دون سيطرة الحزب على المنطقة.

العلاقات التركية – الأوروبية

فيما يتعلق بالعلاقات التركية – الأوروبية التي تشهد واحدة من أشد فترات التوتر بينهما، فتقع نتيجة الاستفتاء في القلب منها لسببين. أولاً لأن بعض الدول الأوروبية – تحديداً هولندا وألمانيا والنمسا – ألغت مهرجانات انتخابية لبعض القيادات التركية على أراضيها، مما ساهم في وصول التوتر إلى ذروته، وثانياً بسبب بعض التصريحات الأوروبية السلبية بخصوص الاستفتاء ونتيجته وانعكاساته المستقبلية في محاولة لاستثماره لزيادة الضغط على أنقرة.

وهناك عاملان آخران قد يشدّان أوتار العلاقات التركية – الأوروبية على المدى القصير:

العامل الأول: تقرير “منظمة الأمن والتعاون الأوروبية” بخصوص الاستفتاء والذي تحدث عن إجرائه في ظل “أجواء غير متساوية” ودعا رئيسُها إلى إعادة عد أصواته. بينما ترى أنقرة أن القرار منحاز وغير مهني، فضلاً عن اعتراضها الشديد على صور ظهرت لأحد مراقبي المنظمة على الاستفتاء وهو النائب الألماني أندريه قسطنطين هونكو وهو يحمل علم حزب العمال الكردستاني في إحدى فعاليات أنصاره في أوروبا، رغم أنه مصنف على قوائم الإرهاب الأوروبية أيضاً وليس فقط التركية.

العامل الثاني: تهديد حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية بتقديم شكوى لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية بخصوص الاستفتاء رغم إصرار الحكومة على عدم دخول ذلك ضمن اختصاصها. وفي حال تقديم الشكوى وقبول المحكمة النظر فيها ثم إصدار رأي أو قرار ما، سيطرح ذلك السؤالَ حول مدى إلزامية القرار لأنقرة فضلاً عن أثره على علاقات الأخيرة مع بروكسل.

كل ما سبق يوحي باستمرار التوتر التركي – الأوروبي ما بعد الاستفتاء وصولاً إلى ذروته على المدى القريب، أما على المديين المتوسط والبعيد فستعود المصالح الاقتصادية والمخاطر المشتركة وأوراق القوة التركية (في ملف اللاجئين والقضية السورية تحديداً) لتفرض نفسها مرة أخرى وتعيد الطرفين لطاولة الحوار، وحينها لن تجد بروكسل غير اردوغان عنواناً لتركيا لتتحدث معه، ليس فقط كرئيس هذه المرة ولكن أيضاً كزعيم خرج منتصراً من الاستفتاء وربما كرئيس للحزب الحاكم بعد عودته إليه. وفي كل الأحوال يبدو أن الطرفين باتا مقتنعين أكثر من أي وقت مضى بضرورة الجلوس للحديث الصريح المباشر حول ملف عضوية تركيا في الاتحاد والحلول العملية الممكنة للأمر، بعيداً عن القطيعة الكاملة.

القضايا الإقليمية:

فيما يتعلق بقضايا وملفات أخرى، مثل مصر والقضية الفلسطينية، فليس من المنتظر حصول تغيير كبير على موقف تركيا منها إذ لا تتصدر هذه القضايا قائمة أولويات أنقرة في الوقت الحالي ولا هي مرشحة لتطورات سريعة وعميقة قد تطور الموقف التركي إزاءها.

خلاصة:

في المحصلة، رغم أن النظام الرئاسي سيطبق في نهايات 2019، إلا أن الدفعة المعنوية التي حصل عليها اردوغان والعدالة والتنمية مع نتيجة الاستفتاء ستقوي من موقف تركيا في السياسة الخارجية نسبياً، كما يفترض أن تنضبط بوصلة السياسة الخارجية بعد 2019 وفق رؤى الرئيس (اردوغان حالياً هو أقوى المرشحين)، لكن يبقى في كل الأحوال انتظارُ تغيرات جذرية أو سريعة مبالغة غير منطقية وفق المعطيات الحالية (1).

———————————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close