الخليجتقارير

الخطاب الإعلامي السعودي وقانون جاستا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد

يتناول هذا التقرير قراءة في اتجاهات الإعلام السعودي (خلال الفترة من 29 سبتمبر إلى 3 أكتوبر) نحو قرار الكونجرس الأمريكي بمجلسَيْه، الشيوخ ثم النوَّاب، برفض نقض الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لقانون “العدالة ضد الإرهاب”، الذي يتيح لذوي ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، بمقاضاة الدول “المرتبطة” بـ”أعمال إرهابية”، وذلك على النحو التالي:

 

أولاً: ملامح عامة لتناول الإعلام السعودي للحدث:

يشير مسمَّى “جاستا” التي أُطلقت القانون، إلى اختصارات الحروف الأولى لعبارة “العدالة ضد رعاة الإرهاب”، وهو يسمح للمحاكم الأمريكية بالنظر في قضايا تتعلق بدعوات تعويض أية دولة “ترتبط” بعمل “إرهابي”. وكلمة “ترتبط” مختلفة في مدلولها القانوني والسياسي عن كلمة “تورط”؛ حيث تفتح المجال أوسع أمام مقاضاة دول لم تتورط حكوماتها بشكل رسمي في أنشطة مصنَّفة إرهابية في القانون الأمريكي. وقبل رصد الصورة في الإعلام السعودي؛ فإنه من الأهمية بمكان، توضيح عدد من الأمور المرتبطة بالقانون؛ لرسم حقيقة الموقف بدقة:

1ـ لا يشير القانون صراحة إلى المملكة العربية السعودية، ولكن كلمة “ترتبط” تُدخِل الرياض في المسألة؛ لأن غالبية الـ19 متهمًا في أحداث سبتمبر، سعوديون وانطلقوا من السعودية، وهنا القانون يمكِّن من مقاضاة الحكومة السعودية؛ لأن معنى ذلك أن الحكومة السعودية تهيئ المناخات التي تسمح بارتكاب إعمال إرهابية، سواء على المستوى الفكري (العمل الخيري والتعليم الديني “متهمان” رئيسيان هنا)، أو على المستوى الأمني بالتراخي أو التغاضي أو كذا.

2ـ لم تذكر لجنة التحقيق الأمريكية الرسمية بشأن هجمات سبتمبر أية مسؤولية رسمية للسعودية في المسألة، وأقرت بأن السعودية “لا دور لها في تلك الأحداث”.

3ـ يعدِّل التشريع الجديد في الأصل، قانونًا صدر في العام 1967م، يعطي الحصانة للبلدان أخرى من الملاحقة القضائية في الولايات المتحدة. وأهم أوجه التعديل، ما جاء في المادة الثالثة، والتي كانت بعنوان: “مسؤولية الدول الأجنبية عن الإرهاب”، ونصَّت على أنه:

“لن تكون هناك دولة أجنبية محصنة أمام السلطات القضائية الأمريكية في أي قضية يتم فيها المطالبة بتعويضات مالية من دولة أجنبية نظير إصابات مادية تلحق بأفراد أو ممتلكات أو نتيجة لحالات وفاة تحدث داخل أمريكا وتنجم عن فعل إرهابي أو عمليات تقصيرية أو أفعال تصدر من الدول الأجنبية أو من أي مسؤول أو موظف أو وكيل بتلك الدولة أثناء فترة توليه منصبه بغض النظر إذا كانت العمليات الإرهابية تمت أم لا”.

كما أشارت المادة الرابعة إلى أنه تم بشكل عام تعديل الفصل (2333) من المادة (18) من القانون الأمريكي المتقدم، الخاصة بالحصانة السيادية للدول الأجنبية بإضافة النص التالي “يؤثر التعديل الذي تم في هذه المادة على حصانة الدول الأجنبية تحت أي قانون آخر، وذلك حسب تعريف هذا التعبير الوارد بالمادة (1603) من الباب (28) من القانون الأمريكي”.

4ـ قضية الـ100 مليار دولار تعويضات التي يمكن أن تترتب على القانون؛ لا سند لها من الواقع؛ حيث هي في النهاية تقديرات إعلامية.

وبشكل هام؛ كان هناك معالم عامة وقضايا مشتركة بين التقارير ومقالات الرأي التي نُشِرت في الوسائط السعودية المختلفة للحدث، ولكن قبل عرضها؛ تنبغي الإشارة إلى أنه لم تكن هناك حدودٌ قاطعة للتناول في كل مقال أو مادة؛ وإنما كان كل مادة من المواد المرصودة تتناول أكثر من جانب من الجوانب التسع التالية:

1ـ دور الولايات المتحدة في صناعة الأزمات الإقليمية والدولية، ودور القانون في مفاقمة هذه الحالة، وتعميق الفوضى في الشرق الأوسط.

2ـ الأغلبية الكبيرة التي تم إقرار القانون بها في مجلسَيْ النواب والشيوخ الأمريكيَّيْن، ودلالات ذلك وأسبابه.

­3ـ عنصرية القانون، واستهدافه للمسلمين والدين الإسلامي في صورة المملكة العربية السعودية.

4ـ مظاهر تورط الإدارة الأمريكية المبطن في إقرار القانون، من خلال الإشارة إلى بعض ما نُشِر في الصحف الأمريكية، مثل الـ”وول ستريت جورنال”، في هذا الصدد.

5ـ تجاوُز القانون لاعتبارات القانون الدولي فيما يتعلق بحقوق السيادة الأصيلة للدول وحصانتها.

6ـ الإجراءات السعودية والبدائل المتاحة، مثل المقاطعة الاقتصادية، وسحب الأرصدة السعودية من المصارف الأمريكية، والمعاملة بالمثل للجنود الأمريكيين في مناطق النزاعات، وفي هذا الصدد مالت مختلف الآراء التي تم تداولها ونشرها، إلى عدم كفاءة التعامل السعودي مع الموقف قبل إقرار القانون، وعدم قدرة الرياض على تبني الخيارات سالفة الذكر بعد إقراره.

7ـ دور اللوبي الصهيوني في تحريك الرأي العام الأمريكي لدعم القانون، ولدى المشرِّعين الأمريكيين.

8ـ فقدان الولايات المتحدة لسيطرتها الدولية، وهنا تدخل جزئيًّا مع هذه الفكرة، المقالات التي تتناول الدور الروسي في المنطقة، وفشل واشنطن في معالجة الأزمة السورية.

9ـ الهجوم على ثورات الربيع العربي، والتأكيد على الدور الأمريكي في تأجيج الصراعات الأهلية في المنطقة، والتي أعقبت اندلاع الثورات.

 

ثانياً: تفاصيل الحدث في الإعلام السعودي وكيف تناوله:

الملمح الأول في هذا الصدد، هو أن الإعلام السعودي قد تأخر في التعليق على موقف مجلس الشيوخ الأمريكي؛ فقد صدر أول تعليق للإعلام السعودي في قناة “العربية” وصحيفة “الحياة” اللندنية، في وقت مبكر من صباح الخميس، 29 سبتمبر 2016، أي بعد تصويت مجلس النواب الأمريكي على مشروع القانون ببضعة ساعات؛ لكي يصبح مشروع القانون، قانونًا نافذًا.

ولا يمكن تفسير ذلك بفارق التوقيت بين الساحل الشرقي للولايات المتحدة، والشرق الأوسط؛ حيث إن تقرير “العربية” تم بثه بعد ساعات من التصويت بالفعل، فيما كان تعليق “الحياة” من أن إقرار مشروع القانون؛ سوف يعرِّض مصالح الولايات المتحدة للخطر، لأنه، سوف يتيح المعاملة بالمثل للجنود الأمريكيين في الدول التي تتواجد فيها قوات أمريكية.

وهذه النقطة مهمة بالفعل؛ حيث إن ذلك الأمر – تفادي محاسبة الجنود الأمريكيين في مناطق انتشارهم عبر العالم – كان وراء رفض إدارة الرئيس الأسبق، بيل كلينتون، التوقيع على ميثاق روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

وفي ذات هذا الاتجاه، كان من الملاحظ أن “الحياة” اللندنية تفادت تمامًا التعليق على الأمر؛ حيث خلت مقالات الرأي منذ يوم 28 سبتمبر، وحتى الأول من أكتوبر 2016م، من أي مقالٍ للرأي يتناول الأمر.

وكان التركيز الرئيسي على الأزمة السورية والخلاف الأمريكي الروسي، والدورة السنوية الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، والمناظرة الرئاسية الأمريكية الجديدة، بخلاف قناة “العربية” وصحيفة “الشرق الأوسط”، باعتبارها مصادر دولية؛ حيث نقل موقع “العربية” الإلكتروني مقالات “الشرق الأوسط”، ومصادر أخرى عن هذا الأمر.

وكان خالد الدخيل هو أول من كتب في هذا الأمر في الصحيفة، وتم تحديث مقاله يوم 2 أكتوبر 2016م بتوقيت الرياض، وكان العنوان “الكونغرس: فائض القوة وغرور السياسة”(1)، واضحًا فيما عكسه من رؤية الكاتب والرياض للحدث. ويلخص الدخيل، وهو من أهم الأقلام السعودية المحسوبة على النظام، في مقدمة مقاله الموقف بالقول:

“كيف ينبغي أن نفهم، أو نفسر إصرار الكونغرس الأميركي على إصدار قرار أطلق عليه اسم «قانون العدالة ضد الدول الراعية للإرهاب»، أو كما بات يعرف بـ «جاستا» (Jasta)؟ لن أتوقف هنا عند ما كثر الحديث عنه حول تصادم هذا القانون الأميركي المحلي مع القانون الدولي، والتداعيات الخطيرة التي ينذر بها ذلك على الولايات المتحدة قبل غيرها.

ما سأتوقف عنده هو الدلالة السياسية التي ينطوي عليها هذا القانون، انطلاقاً من أن «جاستا» في حقيقته هو جملة سياسية بلغة قانونية، وليس جملة معنية قبل أي شيء آخر بالحقوق القانونية لعائلات ضحايا أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) كما ينص على ذلك. وأنا أنطلق في هذا الافتراض من أربعة أمور: التسرع ثم المراجعة، أن عائلات ضحايا أحداث 11 من أيلول (سبتمبر) لن يستفيدوا كثيراً من جاستا في نهاية المطاف، موقف البيت الأبيض الضعيف أمام القانون، وأخيراً أن هذا القانون موجه في الأساس للسعودية وهي شريك للولايات المتحدة”.

ثم جاء مقال على القاسمي، الذي حمل عنوان: “جاستا… انقلاب «السحر» على «الساحر»”(2)، والذي تناول فيه مخاطر القانون على المصالح الأمريكية، ووصفه بأنه “سلاح بلا رصاص”، واتهم الولايات المتحدة بصناعة الفوضى في العالم، وفقدانها السيطرة على الأزمات الحالية التي تسببت فيها السياسات الأمريكية. ومن بين الفقرات اللافتة في المقال، في هذا الصدد:

 

“التلويح الأميركي بالعصا القانونية ليس إلا شعوراً مبطناً ومستتراً لفقدان السيطرة كجندي للعالم في تأليف الفوضى، وكقاض يعبث بموازين القوى كيفما شاء في الطرف القصيّ من حكاية التأليف، الشعور القاسي بالفقدان لا بد أن يوازيه عرض مرتب في هيئة قانون تمرر منه المصالح الحقيقية، وتغطى من خلاله التهم المماثلة التي تسطع لسنوات طويلة في جبين أميركا التي رأت أن أنجح وسيلة للتغطية هي تطبيق مسلسل «أشغل الآخرين قبل أن يشغلوك»”.

والمقالان استثناء حقيقي لمواقف الصحيفة من تناول الحدث؛ حيث يُلاحظ هنا أنه حتى يوم 2 أكتوبر لم يصدر أي مقال من كاتب غير سعودي في “الحياة”، عن الحدث. ولكن هذا الأمر له دلالته؛ حيث إنه ليس من المتوقع أن يكون كل المقالات والتقارير في مصدر إعلامي بعينه إزاء حدث بعينه؛ أن تكون المقالات والتقارير الحدثية والتحليلية الكبيرة، مباشِرة في تناولها للحدث؛ حيث قد يكون التناول سلبيًّا بمعنى أنه غير مباشِر، مثل التركيز على مكامن فشل السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

ويأتي في ذات السياق، الحملة التي تشنها بعض الوسائط الإعلامية السعودية الدولية، مثل “الحياة” و”إيلاف”، بجانب “الشرق الأوسط”، ضد المرشحة الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية، هيلاري كلينتون، باعتبار أنها كانت – بتوليها وزارة الخارجية في إدارة أوباما الأولى – “أحد شركاء الجرائم والسياسات الأمريكية الخاطئة في العالم العربي والشرق الأوسط”!

 

وأهم ما ركَّز عليه الإعلام السعودي للموقف في البداية، كان – بطبيعة الحال – نتيجة التصويت في مجلس النواب، كان برفض 338 نائبًا لـ”فيتو” أوباما، مقابل تأييد 74 نائبًا، وهو أكثر من أغلبية الثلثَيْن التي كان يحتاجها مجلس النواب لإسقاط الفيتو الرئاسي، كما أن مجلس الشيوخ كان قد رفض “فيتو” أوباما، بنسبة لافتة للغاية، وهي 97 صوتًا من إجمالي 100 عضو في المجلس، وتأييد صوت واحد لـ”فيتو” أوباما.

 

وهو ما يشير إلى أن هناك حالة من الإجماع على القانون في الحزبَيْن، الجمهوري والديمقراطي.

وذهبت بعض التقديرات في الإعلام السعودي، إلى أن هذه النِّسَب قد تحققت بسبب توقيت طرح القانون للتصويت؛ قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر المقبل، والتي تتم معها انتخابات تجديد ثُلُثِي للكونجرس الأمريكي بمجلسَيْه؛ حيث إن هذه النقطة الزمنية، أخافت نواب المجلسَيْن من أن يظهر هذا الحزب أو ذاك بمظهر المفرِّط في حقوق الشعب الأمريكي، ولاسيما وأن هناك رأيًا عامًّا ضاغطًا في هذا الصدد.

نبدأ بمقال للكاتب اللبناني، سمير عطا الله، في صحيفة “الشرق الأوسط”، بعنوان: “قانون الشيوخ والنواب”(3)، يعلق في مستهله على نسبة التصويت؛ فيقول:

“تبدو نسبة التصويت على مشروع رعاية الإرهاب، كوهلة أولى، وكأنها إعلان حالة الحرب على السعودية ودول أخرى. لكنها في أقصى وأقل تقدير، إعلان حال المواجهة. ولا يعقل أن الكونغرس تصرف بموجب قناعات شملت جميع أعضائه، بقدر ما تبدو المسألة «كلمة سر» أغلقت بموجبها جميع أبواب القانون الدولي، ليس فقط في وجه الدول المقصودة، بل خصوصًا في وجه الرئيس الأميركي وإدارته”.

 

بعد ذلك، يشن هجومًا حادًّا على الولايات المتحدة وسياساتها، وكأن الرياض لم تكن ولا تزال هي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، والداعم الرئيسي لسياساتها في المنطقة. وهو ذاته يعترف بذلك، ولا ينفيه؛ حيث نجده يقول:

“الدول التي يقصدها الكونغرس (في القانون) كانت حليفة أميركا في محاربة الإرهاب، لا في رعايته. وإذا كان المقصود تلك الدول الربيبة التي لعبت دورًا مزدوجًا، فلتبحث الولايات المتحدة عن غفلتها، وعن مسؤوليتها هي، في سذاجة العلاقة وخداع المخادعين”.

 

كما يشير إلى تورط الولايات المتحدة في جريمة العراق؛ حيث يقول:

“غريب أن يتهم الكونغرس دولاً أخرى برعاية الإرهاب، ويعرضها للمحاسبة، بعد أشهر قليلة على صدور تقرير «تشيلكوت» في بريطانيا الذي يتهم واشنطن ولندن بضرب العراق واحتلاله بموجب ذرائع كاذبة”.

في “الشرق الأوسط” كذلك، نقرأ مقالاً للكاتب الكويتي محمد الرميحي، كان الرئيس الأمريكي، باراك أوباما محوره الأساسي، وحمل عنوان: “تراث باراك أوباما السياسي!”(4) يبدأ بالقول:

“في مذكراتها المنشورة بعنوان «أسمى مراتب الشرف» التي سجلت فيها ذكريات سنوات عملها مع الرئيس جورج بوش (الابن)، تقول كوندوليزا رايس: «ليس المهم للسياسي ما تنشره عناوين الصحف في الغد؛ المهم ما سوف يكتبه التاريخ عنه». وإن استعرنا هذه العبارة من أجل محاكاتها مع تراث باراك أوباما السياسي، فأي حكم سوف يصدره التاريخ عن خياراته السياسية؟ ما يعنيني هنا موقفه من قضايا الشرق الأوسط التي تبعثرت في الفضاء السياسي العالمي، ومن الصعب حتى «لمها» في حزمة واحدة”.

 

ويحمل أوباما وإدارتيه مسؤولية تفاقم الأزمات والحروب الأهلية الحالية في المنطقة؛ حيث يقول:

“اعتراف نائب الرئيس الحالي جو بايدن، الذي نشره في مجلة الـ«فورن افيرز»، العدد الحالي سبتمبر (أيلول)/ أكتوبر (تشرين الأول)، حول «عمل الإدارة الديمقراطية الحالية»، فإن: «الإدارة الأميركية القادمة سوف تواجه عُسرا في التعامل مع السياسة الخارجية، معقدا وصعبا، لم تواجهه أميركا حتى في فترة الحرب الباردة، ولا حتى بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001». إنه في هذا النص يعترف وهو يودع عمله الرفيع بأن «حبائل خارجية عصيبة» سوف تواجه الإدارة الأميركية في الشؤون الخارجية بسبب تعقد الوضع الدولي، وتشابك قضاياه”.

 

ولكنه يضيف في هذه النقطة:

“من الإنصاف القول إن كل النتائج التي نراها اليوم في الشرق الأوسط، من حروب أهلية مدمرة وصعاب اقتصادية وهجرة إنسانية غير مسبوقة وفوضى ضاربة، ليس مردها جميعا إلى إدارة أوباما الحالية، فبعضها نبت وتراكم من إدارات سابقة، إلا أنه يصح القول إن «تفاقمها» جاء نتيجة «عدم الاحترافية» في الاختيار، أو ترتيب الأولويات، أو حتى تحديد التوقيتات، من قبل إدارة السيد أوباما”.

والمقال بشكل عام، يتتبع أداء إدارة أوباما في المنطقة، منذ خطابه الشهير في جامعة القاهرة عام 2007م، وحتى الأزمة السورية التي وصفها الكاتب بأنها “الفشل الأكبر” لإدارة أوباما. والمقال حفل بهجوم كبير على ثورات الربيع العربي، وحملها مسؤولية الاحتراب الأهلي الراهن في المنطقة.

أما على مستوى الإعلام الداخلي في المملكة؛ فقد كان الهجوم على القانون شديدًا، ونشرت صحيفة “عكاظ” تقريرها الرئيسي في هذا الصدد، نُشِر في 1 أكتوبر، أي بعد إقرار القانون بيومَيْن كاملَيْن – بالموقف الروسي المندِّد بالقانون والخطوة الأمريكية (5). كما تضمن التقرير رسمًا كاريكاتورياً يوضح كيف أن القانون الجديد يمثِّل “طعنة للعالم كله”!

الشكل رقم (1)

ويقول التقرير:

“هاجمت موسكو بشدة أمس الولايات المتحدة والكونغرس بمجلسيه، معتبرة إقرار قانون «جاستا» استخفافا مطلقا بالقانون الدولي ولجوءً للابتزاز يدمر سيادة الدول. وأكدت الخارجية الروسية في بيان أمس (الجمعة) أن كسر الفيتو الرئاسي يفضح جنون العظمة والسعي المتهور من قبل المشرعين الأمريكيين الذين ينطبق عليهم المثل «جنوا ما فعلت أيديهم». وانتقدت الخارجية القانون الذي يسمح لأي أمريكي برفع دعوى قضائية ضد أي بلد واتهامه بلا أساس بذنوب مميتة، مؤكدة أنه فضلا عن تدميره لمبادئ القانون الدولي فإنه يضرب الولايات المتحدة نفسها عندما تلجأ الدول إلى مبدأ المعاملة بالمثل”.

 

ونقل التقرير موقف الخارجية السعودية المندد بالتقرير، ورفض الاتحاد الأوروبي لـ””جاستا”، واعتباره “تعديًا واضحًا وصريحًا على سيادة الدول، ومخالفًا لكل ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة بشأن حرية سيادة الدول ومبدأ المساواة بينها”، وكذلك تحذير البرلمان الفرنسي من مخاطر هذا القانون، وتوقعات وزيرة الدفاع الأسترالية، مارس بين، أن الإجراء الأمريكي “سيضعف جهود مكافحة الإرهاب”

إلا أن الأهم، كان ما نقلته عن صحيفة الوول ستريت جورنال الأمريكية؛ حيث نقلت “عكاظ” مقالاً للكاتب الأمريكي، جيمس تارانتو، كشف فيه سبب غضب الإعلام السعودي على أوباما برغم نقضه الأول لمشروع القانون؛ حيث قال الكاتب حرفًا:

“أوباما بأنه لم يفعل ما يكفي لإيقاف القانون، ولم يدافع عن موقفه بقوة كافية”، واستشهد بتصريح رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بوب كوركر، الذي كشف أنه وأعضاء من مجلس الشيوخ “طلبوا مرارًا أن يلتقوا مسؤولين في البيت الأبيض لإيجاد حل وسط ولكن لم يأتهم أي رد”.

من “عكاظ”، نختار كذلك مقالاً للكاتب يحيى الأمير، بعنوان “جاستا.. الزمن الأمريكي الرديء”(6)، والمقال دعائي بطبيعة الحال، ولكنه أشار إلى نقطة مهمة، يبدو أنها سوف تكون محور التحركات السعودية خلال الفترة المقبلة تجاه هذا التطور، وهي المتعلقة بنفي اللجنة الأمريكية المختصة بالتحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر أية علاقة للسعودية أو أي من المسؤولين الحكوميين السعوديين، بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكنه عاد للتأكيد على أن التقرير، وبالتحديد الـ28 صفحة الأزمة التي كانت تحجبها الإدارة الأمريكية من التقرير، والمتعلقة بالسعودية، أشار إلى إمكانية “وجود بعض أدوار لشخصيات سعودية مسؤولة” في هذه الهجمات.

 

أما من صحيفة “الرياض”؛ فنختار مقالاً بعنوان: “الرد على قانون جاستا السابق واللاحق”، للكاتب مطلق بن سعود المطيري(7)، علَّق أول ما علق عليه في مقاله؛ هو موضوع نسبة الترجيح الكبيرة لإقرار القانون في مجلسَيْ الشيوخ والنواب الأمريكيَّيْن، وقال إن ذلك يفرض على الرياض التعامل وفق منطق الأمر الواقع، للتصدي للقانون وتبعاته. فنجده يقول:

“قانون جاستا الذي اصبح محصنا قانونيا ونافذ التطبيق بعد شبه الإجماع الذي حصده من أصوات المشرعين في المجلسين “الشيوخ والنواب” أقول: قانون وليس اقتراحا أو مبادرة، فالقانون ملزم والتعامل معه سواء بالرفض أو القبول يجب أن يكون قانونا، فكل الأدوات غير القانونية كانت مفيدة أو قد تمنع إصداره، فالضغط السياسي والحملات الإعلامية دورهما يكون سابقا وليس لاحقا، أما بعد أن صدر كقانون فلا يمكن منعه بالسياسة أو بالقصص الإعلامية، فقط التعامل معه يتم بنفس الروح والمسار أي بالقانون، والقانون يتعامل مع جريمة أو البراءة منها وليس مع سياسة قابلة للتفاوض”.

وينتقد في المقال ضعف تحضير الحكومة السعودية لهذه المرحلة، وقال إن المقاطعة ليست حلاًّ لأن الرياض لا تستطيعها مع الولايات المتحدة، كما يحذر من أن يتحول القانون إلى أداة لـ”محاكمة” الدين الإسلامي، في صورة السعودية.

 

وفي الإطار، كان المقال، مشتركًا مع مقالات ومواد أخرى، تناولت القضية من زاوية اتهام الولايات المتحدة بالعنصرية، وبأن إقرار القانون سيقود إلى فوضى إقليمية ودولية. ومن بين هذه المواد، تحقيقًا أجرته “الرياض” في أوساط نخبة أكاديمية مصرية وعربية مؤيدة للموقف السعودي، وأخذ عنوان: “إعلاميون وكتاب عرب لـ«الرياض» أكدوا أن القانون غطرسة وابتزاز: «جاستا» يدفع بالولايات المتحدة إلى حافة الهاوية”(8).

 

ومن بين هؤلاء، محمود الشناوي، أمين عام منتدى الشرق الأوسط للحوار الذي قال:

“إن إقرار قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” أو جاستا، يمكن أن يدفع بالولايات المتحدة الامريكية إلى حافة الهاوية اقتصاديا وأمنيا، إذا ما قررت المملكة تصعيد الموقف، واستخدام أوراق الضغط التي تمتلكها، للحفاظ على سيادتها التي ينتهكها القانون المزعوم، عندما يسمح بمقاضاة أي مسؤول سعودي أمام القضاء الأمريكي، من خلال اتهامات واهية ومغرضة حول دور مزعوم في دعم الارهاب، أو الاضرار بضحايا 11 سبتمبر”.

واتفق الشناوي مع المطيري في عدم قدرة الرياض على اللعب ملف المقاطعة، وسحب الأصول السعودية من البنوك الأمريكية، والتي قدرها بترليون دولار.

أما الإعلامية الجزائرية حبيبة طالب، فقد طالبت بإجراءات لمحاكمة الجنود والمسؤولين الأمريكيين على جرائمهم في مجال حقوق الإنسان وضد الإنسانية، على غرار الإجراء الأمريكي الأخير.

ويبدو أن هذا الأمر، سوف يكون هو فن الممكن السعودي خلال المرحلة المقبلة، وبدا واضحًا التركيز عليه في بعض المواد التي نُشِرَت في وقت متأخر بعد إقرار مجلس النواب الأمريكي للقانون.

في هذا الصدد، وفي الثاني من أكتوبر، نقلت “العربية. نت” على موقعها الإلكتروني، تقريرًا مصوَّرًا من قناة “العربية الحدث”، بعنوان: “العراق.. انتقادات لـ”جاستا” ومطالبات بتعويضات لضحايا 2003″(9)، وفيه نقلت القناة عن سياسيين عراقيين انتقاداتهم للقانون الأمريكي، ومطالبهم بقانون مماثل لتعويض المتضررين العراقيين جراء الانتهاكات التي تعرض لها البعض على يد القوات الأمريكية بعد العام 2003م.

الطريف أن قناة “العربية” لم تقدِّم وصفًا دقيقًا لهذا الذي جرى في العام 2003م، في العراق؛ حيث لم تصفه بالغزو أو ما شابه. المهم أنها نقلت عن القيادي في “المشروع العربي”، وهو هيئة سياسية شبه حزبية، ناجح الميزان، قوله إن:

“المشروع العربي في العراق يطالب مجلس النواب العراقي بتشريع قانون بتشكيل هيئة مستقلة بموجب المادة 108 من الدستور تعني بهذه المسألة باسم الهيئة الوطنية لدعاوى التعويضات وتخصيص ميزانية لها تمكنها من القيام بمهمة استلام الدعاوى المتعلقة بالتعويضات وتشكيل فريق دفاع دولي أو أميركي يتولى رفع مثل هذه القضايا الخاصة بالتعويضات أمام القضاء الأميركي”.

وفي تحقيق آخر بعنوان: “أكدوا أنه يخرق القانون الدولي والدستور الأميركي.. محامون وحقوقيون لـ«الرياض»: «جاستا».. ابتزاز سياسي عنصري”(10)، تنقل صحيفة “الرياض” عن عدد من المحامين والحقوقيين العرب، مجموعة من الآراء التي تؤكد على ما ذهب إليه المطيري في صدد أن القانون في جانب منه عنصري يستهدف الإسلام والمسلمين في صورة المملكة.

ووصف ضيوف التحقيق، ومن بينهم المحامي والحقوقي المصري، عمرو عبد السلام، نائب رئيس منظمة الحق الدولية لحقوق الإنسان ومستشار التحكيم الدولي، القانون بأنه “كلمة حق أريد بها باطل”، وهي عبارة لافتة للغاية؛ لأنها تدعم القانون من حيث المبدأ، شرط ألا يستهدف الرياض. وأضافوا أن هذا القانون:

“مسيس وهدفه تصفية حسابات سياسية، وان القانون الأمريكي الجديد سابقة خطيرة، هدفه ابتزاز سياسي تفوح منه رائحة العنصرية والبغضاء ضد العرب والمسلمين، وواضح أن الكونغرس المختطف من قبل اللوبي الصهيوني هو الذي شرع هذا القانون، فمن يحمي أمريكا من ضحايا إرهابها وهي الموغلة بقتل البشر واحتلال الأوطان وتصفية خصومها واعتقال الأف الأحرار في سجونها في أبو غريب وجوانتانامو، وهناك دول ومنظمات وأفراد تطالب الثأر من أمريكا وسياستها المتغطرسة الإرهابية والتى تكيل الكيل بمكيالين وتحكم العالم بمعايير مزدوجة”.

 

وفي الجانب القانوني والسياسي لإقرار القانون؛ قال عبد السلام:

“قانون جاستا عليه مأخذ قانونية عديدة من أهمها أن هذا القانون سيتحول من أداة قانونية إلى أداة سياسية وورقة ضغط وابتزاز من جانب أمريكا ضد أية دولة”.

ومن صحيفة “الجزيرة”، نختار مقالاً لأحمد الفراج، بعنوان: “حكاية تمرير «جاستا»!”(11)، جاء في السياق السابق؛ حيث انتقد القانون وسخر منه، ولكن كان أهم ما جاء فيه هو قضية حقيقة موقف الإدارة الأمريكية من مشروع القانون؛ حيث شكك بدوره في “فيتو” أوباما عليه. ومن بين ما قاله في هذا الصدد:

“ما يثير السخرية حقاً هو أنّ مشروع القانون كان مقترحاً من عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي، عن ولاية نيويورك، تشيك تشومر، وهنا يجب أن نتساءل عن جدية فيتو الرئيس أوباما، طالما أنّ من اقترح القانون هو أحد كبار أعضاء الحزب الديمقراطي، ومن أقرب حلفائه، ودليل ذلك هو تصويت كل الديمقراطيين في مجلس الشيوخ على نقض الفيتو، عدا السيناتور، هاري ريد، ولأنّ هيلاري كلينتون تريد أن تبقي شعرة معاوية مع المملكة، فقد لعبت، مع الحزب الديمقراطي، لعبة « استذكاء» مكشوفة، وذلك بأن امتنع نائبها المرشح، السيناتور تيم كين، عن التصويت، وكذلك امتنع منافس هيلاري على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، السيناتور برني ساندرز، وليت هؤلاء صوّتوا ضد فيتو الرئيس، أيضاً، لتكون نسبة التصويت 100%، بدلاً من 99%!”.

 

جدول رقم (1) قضايا “جاستا” في الإعلام السعودي

شكل رقم (1) قانون جاستا في الإعلام السعودي:

خلاصة:

1. من الواضح أن الرياض تعاني من حالة من الارتباك والحيرة فيما يتعلق بكيفية مواجهة الحدث، وهو ما بدا في تناول الإعلام السعودي للحدث؛ حيث لم يذكر أحدٌ من الكُتَّاب أو المصادر السعودية، أية إمكانية للحركة الجادة، مع الاعتراف الكامل بفارق القوة بين الطرفَيْن، وسوء إدارة الرياض للموضوع منذ البداية، وعدم التحسُّب له.

2. الخيار الرئيسي الذي كان من الواضح أنه يمكن أن يكون مجالاً للفعل السعودي، هو السعي إلى ممارسة ضغوط على حكومات إقليمية، وعربية وإسلامية، لتحريك قوانين مماثلة لمقاضاة المسؤولين السياسيين والعسكريين الأمريكيين في الدول التي شهدت تدخلات عسكرية أمريكية، وكان من الواضح أن البداية من العراق؛ حيث عملت الرياض على تحريك قوىً سُنِّية تدعمها في العراق، لتحريك مشروع بقانون في البرلمان العراقي بهذا المعنى. ولكن تبدو حرية حركة الرياض ضعيفة في هذا الاتجاه؛ حيث إن فارق موازين القوى بين دول المنطقة والولايات المتحدة، واضح، ولا توجد قوىً إقليمية تقبل بأن تحارب واشنطن بالوكالة نيابة عن الرياض.

3. يبدو أن هناك تواطؤًا من جانب الإدارة الأمريكية في هذا الموضوع، وأن القصة لا تتعلق بالرياض، بقدر ما هو يتعلق بالأزمة الراهنة في العلاقات الروسية الأمريكية؛ حيث يبدو من خلال تقارير أمريكية أشارت إليها المصادر السعودية، إلى أن القانون الجديد، خطوة أولى على طريق سياسات أخرى في هذا الاتجاه. ويبدو من رد الفعل الروسي القوي إزاء القانون، أن هناك معلومات أخرى لدى الروس حول حقيقة المستهدفات الأمريكية من القانون (12).

—————————–

الهامش

(1) الرابط

(2) الرابط

(3) الرابط

(4) الرابط

(5) روسيا تنتقد «جاستا»: الكونغرس الأمريكي يستخف بالقانون الدولي ويلجأ لـ «الابتزاز».. موسكو تهاجم واشنطن، الرابط

(6) 1 أكتوبر 2016م، الرابط

(7) 1 أكتوبر 2016م، الرابط

(8) 1 أكتوبر 2016م، الرابط

(9) الرابط

(10) 1 أكتوبر 2016م، الرابط

(11) 1 أكتوبر 2016م، الرابط

(12) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *