ترجمات

الدليل الأميركي لمكافحة التمرد ج:1

الجزء الأول: النظرية والمبادئ

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ترجمة

خالد أحمد – أحمد مولانا

في إضافة نوعية للمكتبة العربية، يقدم المعهد المصري للدراسات، ترجمة حصرية لدليل الحكومة الأميركية لمكافحة التمرد”، الصادر عام 2009، الذي ساهمت الإدارات والوكالات التالية في صياغة مشروع مسودة دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد: وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وزارة العدل، وزارة الخزانة، وزارة الأمن الداخلي، وزارة الزراعة، وزارة النقل، مكتب مدير المخابرات الوطنية.

وقام بصياغة هذا الدليل مكتب الشؤون (السياسية – العسكرية) بوزارة الخارجية بمساهمة رئيسية من ديفيد كيلكولن (مستشار خاص لوزير الخارجية لمكافحة التمرد)، ومات بورتر (لفتنانت كولونيل في المارينز الملكي بالمملكة المتحدة)، وريت كارلوس بورغوس (كولونيل بالجيش الأمريكي).

وتمت إتاحة الدليل إلكترونيا، عن مكتب الشؤون السياسية العسكرية- يناير 2009، بتوقيع كل من كوندوليزا رايس (وزيرة الخارجية الأميركية) وروبرت غيتس (وزير الدفاع) وهنريتا فور، مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

ونحن في المعهد المصري للدراسات، إذ نقدم هذه الترجمة الحصرية، لهذا العمل المهم والكبير، نؤكد على كامل حقوق الفكرية للجهات الأصلية التي أصدرت التقرير، وكذلك حقوق الملكية الفكرية للنسخة العربية للمعهد المصري، على أن يكون هذا العمل خطوة نحو طريق ممتد لمزيد من الجهود في هذا السياق.

المحتويات

مقدمة فريق الترجمة

مقدمة الدليل

الملخص التنفيذي

الفصل الأول: النظرية والمبادئ

الجزء (أ): التمرد

تعريف التمرد

الخصائص:

الأيديولوجيا:

التمويل:

ديناميكيات عابرة للحدود:

الجزء (ب): مكافحة التمرد

أشكال مختلفة لمكافحة التمرد.

الغرض:

المقاربات:

أولوية الوسائل غير العسكرية:

مقدمة فريق الترجمة

حدثت ثورة في تعريب العلوم العسكرية بالعالم العربي أثناء حقبة الحروب النظامية مع إسرائيل وبالأخص عقب هزيمة يونيو ١٩٦٧، إذ انبرى عدد من الخبراء لترجمة أبرز الكتب العسكرية لإفادة الجيوش العربية في مرحلة إعادة البناء. فتُرجمت أعمال المنظر البروسي كلاوزفيتز والمؤرخ العسكري البريطاني ليدل هارت والجنرال فولر وغيرهم. ولكن عقب بدء مسيرة كامب ديفيد والتطبيع مع الكيان الصهيوني، تراجعت جهود الترجمة والتأليف في ذلك المجال الحيوي والهام، في حين انتشرت ترجمة المعارف بعيدة الصلة عن احتياجات أمتنا المسلمة في اللحظات الراهنة.

على الضفة الأخرى من العالم، نجد اهتماما كبيرا ومتزايد في الغرب بالكتابة والتدوين في المجالات العسكرية المتنوعة، وبالأخص المرتبط منها بمستجدات الواقع. ففي حقبة الحرب الباردة والصراع مع السوفييت والتي اتسمت بانتشار الحروب بالوكالة وحروب الأغوار، تزايدت الكتابات الغربية في مجال مكافحة حروب العصابات، ثم عقب أحداث سبتمبر والغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وما تبع ذلك من غرق أمريكا في مستنقعات المواجهة مع الجماعات الجهادية وتنظيمات المقاومة انفجر سيل هائل من الكتابات الغربية في مجال مكافحة الإرهاب ومحاربة التمرد. فنشر الجيش الأميركي في ديسمبر 2006 “دليل الميدان للجيش الأميركي وقوات المارينز في مكافحة التمرد” والذي صدر بعد عشرين سنة من آخر إصدار أميركي رسمي في ذلك المجال، ثم نشرت الحكومة الأميركية عام 2009 دليلا لمكافحة التمرد تميز بالشمولية والعمق والإيجاز.

واليوم في ظل موجة الثورات المضادة التي تتعرض خلالها شعوبنا المسلمة للحرب بالوكالة على يد ما كان يُفترض أنها جيوش وطنية، أصبح من المهم العناية بتلك المجالات العسكرية والأمنية، وإدخالها في دائرة اهتمام الحركات الإسلامية والوطنية. لذا سعيت مع بعض الزملاء لتدشين فريق عمل يُعنى بترجمة أبرز الإصدارات الغربية المرجعية في مجالات مكافحة التمرد والشؤون الأمنية والاستخبارية.

مقدمة الدليل

شاركت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة في حملات طويلة لمكافحة التمرد بأفغانستان والعراق، ودعمت العديد من الحكومات الصديقة التي تواجه أعمال تخريب داخلي في سائر أنحاء العالم. وللقيام بذلك أعادت الولايات المتحدة تعلم الدروس القديمة لمكافحة التمرد، ووضعت مفاهيم وأساليب جديدة لدعم الحكومات المعتدلة والمؤيدة للحرية.

إننا يمكننا القول بأن هذا الدليل هو الأول من نوعه فيما يقرب من نصف قرن، وهو أفضل عمل عقائدي في موضوعه، إذ يستخلص زبدة ما في الفكر المعاصر والمعرفة التاريخية والممارسة الواقعية المكتسبة بشق الأنفس، كما يتسم بالعملية بالرغم من صرامته الفكرية.

لقد أصبحت الحرب غير النظامية أكثر تنوعا من الصراع التقليدي بدرجة كبيرة، ونظرا لأن مكافحة التمرد تضع أعباء كبيرة على كاهل البيروقراطيات في العمل مع الحلفاء والمنظمات غير الحكومية، فقد لزم الاهتمام بالأطر الفكرية المتماسكة لتوفير التوجيه والمرونة اللازمين للتكيف مع الظروف المختلفة.

إن اعتماد هذا الدليل من قبل قادة وزارة الخارجية ووزارة الدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، يعطي مثالا للشراكة التي كانت ومازالت مطلوبة بين هذه الإدارات وغيرها، إذا أردنا أن ننجح في المستقبل.

وعلى الرغم من أن قدرا كبيرا من قدرتنا على ربط الجهود المشتركة معا ينبع من ميدان المعركة، فإن هناك دورا هاما للأفكار والسياسات المتعلقة بالأسئلة الأولية، وهو ما يوفره هذا الدليل.

إن خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية1 (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب؛ ومن ثم فإن المعرفة الدقيقة ولاسيما فهم “التركيبة البشرية”2 أمر ضروري. فضلا عن أهمية التحلي بالصبر للنجاح في تلك الصراعات الطويلة.

لقد قدمت الولايات المتحدة ابتكارات ميدانية ملحوظة في مجال مكافحة التمرد، ولعل أهم تلك المبادرات الجديدة يتمثل في إنشاء فرق إعادة الإعمار الإقليمية التي تجمع بين الأفراد المدنيين والعسكريين لتنفيذ الأعمال الإنمائية التي مثلت ضرورة للنجاح في العراق وأفغانستان. ومثلما تتطور تلك الصراعات، فقد تطورت فرق المساعدة المؤقتة، إذ تغير تكوينها، وفي بعض الحالات تغيرت مهمتها أيضا.

وهذا الدليل يسلط الضوء على نوع من التفكير والمعارف المتراكمة التي أدت إلى تأسيس هذا الابتكار الناجح، وتكييفه على مر السنين.

من المنتظر أن يمثل التمرد عنصرا ضخما ومتزايدا ضمن التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. فمع أن احتمال نشوب صراع تقليدي ما زال قائما، إلا أن الحقيقة أن القوى الرئيسية للنظام الدولي في اللحظة الراهنة مترددة بشدة بشأن الانخراط في صراع من هذا النوع. بينما نجد أن التمرد يمكن أن يزدهر في البيئة الحديثة، فالتوترات التي أوجدتها العولمة بانهيار هياكل الدول الضعيفة، والضغوط الديمغرافية والبيئية والاقتصادية، وسهولة التعاون بين الجماعات المتمردة والمجرمين، وظهور الأيديولوجيات الراديكالية المدمرة، تنبئ بفترة تكون خلالها الحكومات الحرة المعتدلة في خطر. وفي عالم اليوم، لا يمثل فشل الدولة مجرد مشكلة للمجتمعات المحلية، بل يمكن أن يتعدى ذلك سريعا ليشكل تهديدا للأمن العالمي.

وبالرغم من أن مشاركة الولايات المتحدة في مكافحة أي تمرد محدد هى مسألة خيار سياسي، إلا أن انخراطها في مثل هذه الصراعات خلال العقود القادمة هو أمر شبه مؤكد. وسيساعد دليل مكافحة التمرد في تهيئة وإعداد صانعي القرار من نواح عديدة للقيام بما ينتج عن هذه الحقيقة من مهام.

وننبه أن هذا الدليل سيخدم على نحو أفضل إذا لم يعامل كمجموعة محددة وصارمة من الوصفات، وإنما يجب التعامل معه كمحفز للتفكير الإبداعي المنضبط.

الدكتور إليوت أ. كوهين – مستشار وزارة الخارجية.

الملخص التنفيذي

إن التمرد هو الاستخدام المنظم للتخريب والعنف للاستيلاء على أو تقويض أو تحدي السيطرة السياسية على منطقة ما. ومن ثم فهو في المقام الأول صراع سياسي يستخدم فيه الطرفان القوة المسلحة لإفساح مجال يتيح لهما تفعيل نفوذهما وأنشطتهما السياسية والاقتصادية.

ولا يحدث التمرد دائما من قبل مجموعة واحدة ذات هيكل قيادة مركزي على النمط العسكري، بل إنه قد يقع من قبل منظومة معقدة تتكون من أطراف فاعلة مختلفة ذات أغراض متعددة، وترتبط ارتباطا غير محكم بشبكات ديناميكية غير هرمية.

تتطلب حركات التمرد كي تنجح: قيادة كاريزمية، وأنصار، ومجندون وإمدادات، وملاذات آمنة، وتمويل (غالبا ما يكون من أنشطة غير مشروعة). وهي لا تحتاج دعما فعالا إلا من جانب عدد قليل من الأفراد القادرين على تقديم الدعم، في الوقت الذي يوفر فيه القبول الضمني من قبل نسبة كبيرة من السكان المتنازع على ولائهم احتمالية أكبر للنجاح. ويتحقق ذلك القبول على أفضل وجه عندما تكون القضية السياسية المحركة للتمرد ذات جاذبية قوية، فتوظف الهوية الدينية أو القبلية أو المحلية من أجل استغلال المظالم المجتمعية المنتشرة واحتياجات السكان.

يسعى المتمردون إلى السيطرة على السكان من خلال مزيج من الإقناع والتخريب والإكراه، بينما يستخدمون تكتيكات حرب العصابات ليكافئوا قوة قوات الأمن الحكومية.

ويهدف المتمردون عادة إلى إطالة زمن الصراع، واستنزاف طاقة الحكومة، وكسب تأييد شعبي كاف لإجبار خصومهم على الاستسلام أو تسوية النزاع سياسيا. ونتيجة لذلك تتطور حالات التمرد خلال سلسلة من المراحل، مع التأكيد على أن كلا من تطور تلك المراحل ونتائجها سيختلف حسب كل حالة تقريبا.

إن مكافحة التمرد عبارة عن مزيج من الجهود المدنية والعسكرية الشاملة التي تهدف إلى احتواء التمرد الحادث ومعالجة أسبابه الجذرية في آن واحد. وخلافا للحرب التقليدية، فإنه كثيرا ما تكون الوسائل غير العسكرية هي أكثر العناصر فعالية، بينما تلعب القوات العسكرية دورا مهيئا للساحة.

إن مكافحة التمرد عملية معقدة للغاية تتطلب من صناع السياسات فهما دقيقا لمجال تخصصهم، كما تتطلب معرفة واسعة بمجموعة متنوعة من التخصصات ذات الصلة.

يجب أن تكون مكافحة التمرد عملية مرنة وقابلة للتكيف. فتركز استراتيجياتها عادة على السكان بدلا من العدو، وتسعى إلى تعزيز شرعية الحكومة المتضررة بالتوازي مع الحد من نفوذ المتمردين. ولا يمكن تحقيق ذلك في كثير من الأحيان إلا بالتزامن مع الإصلاح السياسي لتحسين نوعية الحكم، ومعالجة المظالم ذات الأولوية، التي قد يكون الكثير منها مشروعا.

وبما أن حملات مكافحة التمرد الأمريكية عادة ما تنطوي على المشاركة في دعم حكومة أجنبية (إما بشكل مستقل أو كجزء من تحالف) فإن النجاح غالبا ما يعتمد على رغبة تلك الحكومة في إجراء التغييرات السياسية اللازمة. حيث إنه لا يمكن للاعب خارجي -مهما كانت درايته الفنية وحماسته- أن يعوض بشكل كامل نقص الإرادة، أو العجز، أو السلوك غير المثمر من جانب الحكومة المدعومة.

يستخدم هذا الدليل نموذجا لمكافحة التمرد يتألف من خمس مهمات رئيسية:

أولا: المهمة السياسية: هي المهمة الرئيسية، وتوفر إطارا للمصالحة السياسية يدور حول إصلاح الحكم، وهذا هو ما تدور حوله جميع أنشطة مكافحة التمرد الأخرى. وبوجه عام فإن استراتيجية “مكافحة التمرد” تكون جيدة بقدر وجود خطة سياسية في القلب منها.

ثانيا: المهمة الاقتصادية: تسعى إلى توفير الخدمات الأساسية وتحفيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل، مما يولد الثقة في الحكومة، وفي نفس الوقت يحد من أعداد الشباب والشابات العاطلين عن العمل الذين يسهل على المتمردين استقطابهم.

ثالثا: المهمة الأمنية: هي عامل مهيئ للوظائف الأخرى، لكنها لا تنطوي فحسب على تنمية القوة العسكرية للدولة المتضررة، وإنما تشمل تنمية القطاع الأمني بالكامل بما في ذلك الإطار القانوني المرتبط به، وآليات الرقابة المدنية والنظام القضائي. فإرساء الأمن ليس مقدما على الأنشطة الاقتصادية والحكومية، بل يجب أن يتم تطوير النشاط الأمني والاقتصادي والحكومي بشكل متواز.

رابعا: المهمة المعلوماتية: تشمل الاستخبارات (المطلوبة للحصول على الفهم) والتأثير (لتعزيز قضية الحكومة المتضررة). ومن الضروري أن تتماشى حملة التأثير مع الخطاب الاستراتيجي الذي يتردد صداه على مسامع الجماهير المعنية، والمعتمد على الحلول الحقيقية من جانب الحكومة المستهدفة. كما يجب أن تتوافق الإجراءات المادية مع الخطاب.

إن ما يجعل عملية مكافحة التمرد مختلفة عن العمليات الأخرى لتحقيق الاستقرار والمهام الإنسانية3 ، هو أن كلا من مهام عنصري المعلومات (الاستخبارات والتأثير) يتنافسان بقوة مع مهام المعلومات4 التي يحصل عليها المتمردون.

خامسا: تسهم هذه المهام الأربع السابقة في تحقيق الهدف العام المتمثل في تمكين الحكومة المتضررة من فرض سيطرتها وتعزيزها، ثم نقل المهام من قوات التدخل إلى القوات الوطنية، ومن المؤسسات العسكرية إلى المؤسسات المدنية.

ولا يخفى أنه من الملح التنسيق بين الأنشطة السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، وهو ما يتطلب توحيد الجهود بين جميع الجهات المشاركة في مكافحة التمرد (الحكومة المتضررة، والوكالات الحكومية الأمريكية، وشركاء التحالف). ويتم تحقيق ذلك على أفضل وجه من خلال نهج متكامل للتقييم والتخطيط.

ويؤدي التقييم المشترك للتمرد من قبل الأطراف المشتركة في مكافحته، إلى إيجاد فهم عميق للعوامل الثقافية والأيديولوجية والدينية والديموغرافية والجغرافية التي تؤثر عليه. فيوفر هذا الفهم الأساس لصياغة السياسات، وتقييم كل من المخاطر وتكاليف التدخل التي قد تعود بالضرر على المصالح الأمريكية، وهو ما يساهم في تحديد ما إذا كان ينبغي أن تتدخل الولايات المتحدة أم لا، وما هو الشكل الذي ينبغي أن يتخذه هذا التدخل.

فقرار التدخل لا ينبغي أن يتم اتخاذه بشكل طائش وغير مبال، لأن حملات مكافحة التمرد أثبتت عبر التاريخ أنها تكون أكثر كلفة وطولا وصعوبة مما كان متوقعا في بدايتها.

إن أشياء كثيرة تتوقف على درجة فهم صانعي السياسات لمدى استعداد الحكومة المتضررة لتقبل المساعدة والمشورة والإصلاح، فمن الحماقة التدخل ما لم يكن هناك احتمال معقول للتعاون.

وإذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب.

إنه لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة).

وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة. ويتبع ذلك التخطيط التفصيلي والمتكامل، كما تستخدم عملية المتابعة والتقييم المستمر لقياس التقدم، وتحديد ما هي التغييرات المنهجية الضرورية لتحقيق النجاح.

قد يكون من الصعب تعريف النجاح في إدارة عمليات مكافحة التمرد، ولكن تحسين أداء الحكومة سيؤدي عادة إلى تهميش المتمردين وايصالهم إلى النقطة التي يتم فيها تدميرهم أو تحييدهم أو تقليص خطورتهم حيث تتناقص أعدادهم وتضعف قدراتهم. وعندما نضمن أن النجاح صار مسألة محسومة وقضية وقت فقط لا غير، فعندئذ يمكن ايقاف التدخل الأميركي قبل القضاء نهائيا على التمرد في الميدان.

وفي نهاية المطاف، فإن الغاية النهائية المنشودة هي وجود حكومة يُنظر إليها على أنها شرعية، وتسيطر على مؤسسات مجتمعية وسياسية واقتصادية وأمنية تلبي احتياجات السكان، وتملك آليات كافية لمعالجة المظالم التي أججت دعم البعض للتمرد.

الفصل الأول: النظرية والمبادئ

الجزء (أ): التمرد

الجنرال الأمريكي صمويل سومنر مع سلطاني بايانغ وأواتو- الفلبين- 1902 (الصورة من مكتبة الكونغرس)
الجنرال الأمريكي صمويل سومنر مع سلطاني بايانغ وأواتو- الفلبين- 1902 (الصورة من مكتبة الكونغرس)

تعريف التمرد :

يمكن تعريف التمرد بأنه “الاستخدام المنظم للتخريب والعنف للسيطرة على أو تقويض أو تغيير الحالة السياسية لمنطقة ما”. فيسعى المتمردون إلى تدمير سلطة الحكومة أو إزاحتها، والسيطرة الكاملة أو الجزئية على الموارد والسكان في منطقة معينة. ويفعلون ذلك عبر استخدام القوة التي تشمل: حرب العصابات والإرهاب والإكراه والتخويف والدعاية والتخريب والتعبئة السياسية.

والمتمردون يقاتلون القوات الحكومية بالقدر الكافي فقط لتحقيق أهدافهم السياسية، فجهودهم الرئيسية لا تستهدف قتل عناصر مكافحة التمرد، إنما تستهدف إنشاء نظام تنافسي للسيطرة على الشعب مما يجعل من المستحيل على الحكومة إدارة أراضيها وشعبها. ولذلك فإن نشاط المتمردين يهدف إلى إضعاف سيطرة الحكومة وشرعيتها مع زيادة سيطرة المتمردين ونفوذهم.

الخصائص:

لقد تبعت العديد من عمليات التمرد الأكثر شهرة في القرن العشرين نموذج “الحرب الممتدة” الماوي (نسبة لماوتسي تونج). وهو نموذج يتكون من منظمات متجانسة ذات هيكل قيادة مركزي هرمي، وأهداف محددة بوضوح ونهج متسلسل لتحقيقها. في حين أصبحت حركات التمرد الحديثة تتشكل على هيئة مصفوفات معقدة تضم جهات فاعلة غير نظامية ذات أهداف متنوعة للغاية. وكثيرا ما تفتقر تلك الحركات إلى هيكل قيادة مركزي، ولكنها ترتبط عادة بشبكات ديناميكية أفقية (غالبا ما تتواصل دون خطورة عبر أنظمة الاتصالات الحديثة).

وتتفاوت الدوافع داخل هذا المزيج الانتقائي لشبكات التمرد، من التطرف الديني إلى الإجرام البحت. كما أنه قد لا تُبَيت مجموعات كثيرة من المتمردين النية لتولي سلطة الحكم، حيث يتمثل العامل المشترك الوحيد بينهم في السعي للتحرر على المستوى المحلي، والتخلص من سيطرة الحكومة وحلفائها الدوليين.

الأيديولوجيا:

خلال القرن العشرين كان المحرك للمتمردين في كثير من الأحيان هو الماركسية أو الدين أو القومية أو مزيجا منهم. وكثيرا ما قادت عمليات التمرد “النخبة الفكرية” المتعلمة جامعيا، والتي كانت ظروفها الشخصية في بعض الأحيان بعيدة عن أوضاع وظروف المتمردين الذين ألهمتهم.

وغالبا ما تتشكل التمردات الحديثة في مصفوفات معقدة، تضم فاعلين غير نظاميين لهم أهداف مختلفة على نطاق واسع. وسيتمثل الدافع للتمرد لدى بعض الفاعلين الرئيسيين في الأيديولوجيا أو على الأقل سيزعمون ذلك، دون أن تمتد هذه الأيديولوجيا لتشمل شبكة المتمردين بأكملها.

تتجسد خصائص التمردات الحديثة في النقاط التالية:

• قد تكون الكاريزما الشخصية لقادة المتمردين في بعض الأحيان أكثر أهمية من الأيديولوجيا في إقناع الآخرين بالانضمام إلى حركتهم.

• بعض الجهات المتمردة ستكون مهتمة بالعائد المالي أكثر من اهتمامها بالأيديولوجيا. وينطبق ذلك على الشباب العاطل عن العمل الذي يتقاضى أجرا للقتال من قبل زعيم العصابة الإجرامية الذي يستغل حالة الفوضى.

• المطالب الأساسية للسكان واحتياجاتهم والمظالم التي يعانون منها ربما تكون أقل تحفيزا من الأيديولوجية الفكرية لقادة المتمردين، ولكنها قد تُستغل لتوفير الدعم.

• المقاتلون والمتعاطفون والمؤيدون الذين يبررون أفعالهم بواسطة الخطابات والرموز التي توفرها الدعاية الإعلامية للمتمردين، قد لا يكونون على دراية كاملة بالأيديولوجيا التي تحرك المتمردين.

• الكراهية التي تبرز أثناء النزاع المسلح بسبب الفظائع وعمليات نزع الملكية غالبا ما تطغى على الدوافع الأولية التي دفعت الأفراد والمجموعات المحلية للانضمام إلى التمرد أو دعم الحكومة.

• قد يعتمد اللاعبون المشاركون في نزاع محلي اندلع سابقا على المتمردين أو الحكومة، باعتبارهم حليفا خارجيا يساعدهم.

• في المجتمعات القبلية (کما هو الحال في أجزاء من جنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا) قد يؤدي في كثير من الأحيان دعم إحدى القبائل أو الفصائل للحكومة إلى دفع القبائل المنافسة لدعم المتمردين والعكس بالعكس.

بناء الشبكات:

يحتاج المتمردون إلى مؤيدين ومجندين وملاذات آمنة ومال وإمدادات وأسلحة ومعلومات استخبارية عن الإجراءات الحكومية. فيمكن أن ينشب تمرد عنيف بدعم من نسبة صغيرة من السكان. ولا يحتاج المتمردون من معظم السكان الآخرين إلا الإذعان فقط (بالرضوخ أو الهدوء وعدم الاعتراض).

ويتم تحديد منزلة الفرد النشط داخل شبكة التمرد من خلال خليط يتكون من عدد من العوامل، فيشمل:

• مستوى احترام وثقة المجتمع تجاهه.

• السمعة المكتسبة من مساهمته في أعمال التمرد السابقة.

• درجة الحافزية5 لديه، سواء أكانت أيديولوجيا أو غير ذلك.

• ولاءه الملموس لأعضاء الشبكة الآخرين.

• مستوى خبرته في مجال معين.

• إمكانية توفيره للموارد سواء أكانت بشرية أو غير ذلك.

• مدى استعداده لتحمل المخاطر.

توفر شبكات المتمردين دعما حيويا للحركات التي تدعمها، ولكنها قابلة للعطب والتعطيل. كما تؤسس شبكات القيادة والدعم خطوط تواصل بين الخلايا المنعزلة التي قد يكون أمنها العملياتي محصنا. بينما يمكن أن تُنفذ بعض المهام الرئيسية من قبل أفراد مشكوك في ولائهم، مثل المهربين الجنائيين الذين يوفرون الإمدادات اللوجستية أو يسهلون حركة الأفراد. وتوفر البنية التحتية الحديثة للمعلومات التي تتضمن الهواتف المحمولة والإنترنت، وسائل للاتصال السريع والربط الشبكي بين المتمردين، ولكنها أيضا معرضة للاستغلال من قبل خصوم المتمردين.

إن شبكات المتمردين الأكثر أمانا تتكون من أعداد صغيرة من الناشطين ممن يتمتعون بالثقة ويعملون وفق أمن عملياتي محكم. ومع ذلك فإن معضلة المتمردين تتمثل في أنه من أجل تعزيز التمرد واستغلال النجاح، يجب أن تتوسع هذه الشبكات الصغيرة مما يعرضها للاستهداف من قبل قوات الأمن الحكومية. كما يمكن أن يؤدي المنع الفعال إلى دورة من التوسع والانكماش في شبكات المتمردين، فيتم بناء الأمن والثقة بين عناصر الشبكة الواحدة عدة مرات ثم يتم فقدهما.

التمويل:

من أجل تمويل أنشطتهم يمكن للمتمردين أن يشجعوا الاقتصاد غير المشروع، والذي قد يأخذ بعدا دوليا في بعض الأحيان بعيدا عن الرقابة الحكومية والضرائب والحظر. فتقلل هذه الأنشطة المالية غير المشروعة من الإيرادات الحكومية، وتزيد من مستوى الفساد بين المسؤولين المحليين، وتضعف سيطرة الحكومة وشرعيتها.

قد تشمل الأنشطة الإجرامية: السرقة والابتزاز والاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر، وغسل الأموال والقرصنة وتزوير الوثائق والرشوة والاختطاف وأنشطة السوق السوداء. وغالبا ما تدفع هذه التدفقات التمويلية المتمردين إلى عقد تحالفات مع عصابات الجريمة المنظمة. وفي بعض الحالات تتحول حالات التمرد التي طال أمدها إلى عصابات أو شبكات إجرامية منظمة تحفزها الأرباح والمصالح الاقتصادية الذاتية بدلا من الأيديولوجيا.

كما يمكن الحصول على التمويل أيضا من خلال جمع التبرعات من حكومات أجنبية متعاطفة، ومجموعات من مهاجري الشتات، ومن الأفراد. وقد تكون هذه التدفقات التمويلية بسيطة ومباشرة أو معقدة ومخفية، وفقا للجهود التي تُتخذ على الصعيد الدولي لمنعها. وفي حالات فجة يمكن نقل الأموال عبر تواطؤ منظمة ثالثة تستتر خلف غطاء تنفيذ أعمال خيرية.

ديناميكيات عابرة للحدود:

تحتاج معظم حركات التمرد إلى ملاذ آمن، ربما تجده في البلدان المجاورة. وعلاوة على ذلك كثيرا ما تدعم أو تقود عمليات التمرد المعاصرة شبكات عابرة للحدود تتيح الوصول إلى الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والإنترنت ووسائل الإعلام العالمية والنظم المصرفية الدولية.

كما تتاح الاستفادة من الدعم الدولي المقدم من مجتمعات الشتات أو المجتمعات المحلية، والمؤسسات الدولية، والحكومات الأجنبية الصديقة والشعوب، أو وسائل الإعلام الدولية.

وإذا قدمت بلدان أخرى الدعم للحكومة المتضررة، فقد يستهدف المتمردون الرأي العام في تلك البلاد مباشرة، بالضغط عليهم لوقف مساعدتهم. وقد تمارس هذه الضغوط انطلاقا من الإقليم المتضرر عبر اختطاف وتعذيب وقتل المدنيين من مواطني الدول الداعمة للحكومة، ثم تُبَث العملية في كثير من الأحيان دوليا للوصول إلى السكان الأصليين. وبدلا من ذلك يمكن تحقيق أثر مباشر أكبر من خلال شن الهجمات الإرهابية داخل البلد الداعم للحكومة (وقد تحظى تلك الهجمات بتسهيلات من قبل المجموعات المهاجرة أو غيرها من المجموعات المجتمعية المتعاطفة). ولذلك يجب على واضعي السياسات أن يضعوا في اعتبارهم الديناميكيات الإقليمية والعالمية، فضلا عن الموقف الداخلي للدول الأكثر عرضة للاستهداف المباشر.

الاستراتيجية السياسية للتمرد:

للحصول على الدعم (أو على الأقل القبول) من الشعب، قد يطبق المتمردون مزيجا من الإقناع والتخريب والإكراه.

• الاقناع: غالبا ما ينطوي على تعزيز أيديولوجية المتمردين، ولكن يمكن أن يشمل أيضا توفير الأموال والخدمات الاجتماعية الأساسية، والسيطرة على الأرض أو مراكز السلطة.

وقد يلبي المتمردون احتياجهم للأنصار من خلال عقد التحالفات مع الأحزاب السياسية وزعماء القبائل والجماعات العرقية أو الدينية وأمراء الحرب وشبكات الجريمة المنظمة واللصوص المحليين.

وللقيام بذلك سوف يستغلون الميول المجتمعية والمظالم الشائعة أو الاحتياجات، وسيتلاعبون بالعناصر الدينية أو القبلية أو الإثنية أو المحلية التي تتجاوب معها بعض المجموعات الفرعية من السكان المستهدفين. هذه التوجهات لا ينبغي بالضرورة ربطها مباشرة بأيديولوجية زعماء المتمردين المستخدمة في حشد الدعم. وقد تؤدي هذه الشراكات إلى تفاقم الصراع محليا، ودوام عدم الاستقرار، كما تساعد على تعبئة الدعم للتمرد.

تمثل الدعاية عنصرا أساسيا للإقناع وتستخدم غالبا على المستويات المحلية والوطنية والدولية للتأثير على تصورات المؤيدين المحتملين للتمرد وقادة الرأي والمعارضين، وتعزيز قضية التمرد، والحط من عزيمة الحكومة. وبشكل أكثر تحديدا يمكن تصميم الدعاية للسيطرة على العمل المجتمعي، وتشويه سمعة الحكومة، وإثارة ردود فعل مفرطة من قبل قوات الأمن، أو لإثارة التوتر الطائفي.

• التخريب: هو العمل الذي يستخدمه المتمردون لاختراق المؤسسات الحكومية والمنظمات أو التلاعب بها أو تقويضها أو تعطيلها. وفي الوقت نفسه، قد يستغل المتمردون الهياكل التنافسية للسلطة، مثل السلطة القبلية، والسلطات الدينية، أو الشبكات الإجرامية التي تتحدى السلطة وسيطرة الحكومة المركزية. ولتحقيق ذلك يسعى المتمردون إلى البقاء خارج إدارة السلطات المحلية. ولا يخفى أن هذه التكتيكات ستكون فعالة بشكل خاص في المناطق التي تكون فيها الخدمات الحكومية ضعيفة أو غائبة.

• الإكراه: يمكن أن يعضد الإقناع، أو أن يحل محله كوسيلة لتعبئة الدعم، وفقا لمستوى قدرة القوات الحكومية على حماية السكان. فيسعى المتمردون إلى ترهيب أنصار الحكومة أو المتعاونين معها، ودفع قادة المجتمع المحلي لاتخاذ موقف من النزاع. وغالبا ما يؤدي ذلك إلى استخدام العنف على النحو التالي:

– يمكن للمتمردين استخدام العنف لتخويف أو للقضاء على من يعارضون أهدافهم. وعلى وجه الخصوص فإن هجمات المتمردين ضد البنية التحتية والموظفين الحكوميين ستقوض معنويات الحكومة وثقتها وقدرتها، وتضعف سلطتها وسيطرتها على المناطق المتضررة.

– ويتضخم هذا التأثير من خلال تصوير هذا العنف دعائيا، وتصوير الحكومة على أنها ضعيفة، والمتمردين على أنهم أقوياء، وإبراز تفاقم المظالم المحلية. فالدعاية في بعض الأحيان هي الغرض الرئيسي لعنف المتمردين.

– كما أن استهداف أفراد من عرقيات أو مجموعات طائفية مختلفة قد يولد إحساسا بالهوية الاجتماعية والتكافل بعيدا عن الحكومة.

– وقد يتمكن المتمردون من تشجيع الأشخاص على التوجه إليهم لا إلى الحكومة لإعادة النظام العام، عبر خلق حالة من عدم الاستقرار العنيف.

– أما إذا استطاع المتمردون استثارة إجراءات حكومية مفرطة ضد السكان، فإن الموت أو الإصابة أو سوء المعاملة أو الإهانة ستصبح حوافز قوية لاتخاذ إجراءات انتقامية ضد الحكومة.

تحدي الأمن الحكومي: عادة ما يكون للمتمردين قدرة عسكرية تقليدية أقل من الحكومة (على الأقل في المراحل المبكرة من التمرد) لذلك يميل المتمردون إلى استخدام تكتيكات حرب العصابات لإلحاق الضرر بالحكومة دون السماح لمقاتليهم بالاشتباك مع قوات حكومية متساوية أو أكبر. هذه التكتيكات مثل الغارات والكمائن والاغتيالات والتخريب، والفخاخ المتفجرة، والأجهزة المتفجرة البدائية التي تستفيد من التنقل والتخفي والخداع والمفاجأة لإضعاف أو تشويه سمعة أو شل قوات الأمن الحكومية الأقل مرونة في الحركة.

كما يحاول المتمردون إدارة وتيرة فاعلية أنشطتهم بمستوى من الجهد يتيح استمرار الصراع إلى أجل غير مسمى. ومن خلال إطالة أمد الصراع، يأمل المتمردون في استنفاد قدرة الحكومة على المقاومة، سعيا لفرض تكاليف عليها لا تستطيع تحملها مما يجبرها على الاستسلام في النهاية.

إنه على الرغم من أن التحولات (أو التغيرات) في أنشطة المتمردين تكون محددة (أو نابعة من سياق معين)، إلا أن التحليل التاريخي يظهر أن المتمردين يطبقون عادة أربعة تكتيكات أساسية أو متفرعة منها، لهزيمة قوات الأمن الأقوى منهم:

(1) الاستفزاز: فغالبا ما يرتكب المتمردون أعمالا (مثل الفظائع) تهدف إلى دفع المعارضين للرد على نحو غير عقلاني بطرق تضر بمصالحهم. فعلى سبيل المثال يمكن أن ترتكب القوات الحكومية أعمالا انتقامية عشوائية أو تتخذ تدابير أمنية قاسية تنفر أجزاء من السكان نظرا لشعورها بالإحباط، بسبب عدم قدرتها على التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين. وبدلا من ذلك قد تُستحث جماعة قبائلية أو دينية أو إثنية أو مجتمعية على مهاجمة جماعة أخرى من أجل ايجاد واستغلال حالة من عدم الاستقرار.

(2) الترهيب: حيث يقوم المتمردون بتخويف أفراد الحكومة (وخاصة رجال الشرطة والحكومة المحلية) لثنيهم عن اتخاذ إجراءات فعالة ضد المتمردين، كما يقتلون علنا أولئك المدنيين الذين يتعاونون مع الحكومة أو قوات التحالف، مما يثني الآخرين ممن يسعون إلى العمل مع الحكومة.

(3) الإطالة: حيث يسعی المتمردون إلی إطالة أمد الصراع من أجل استنفاد طاقة خصومهم وإضعاف إرادتهم السياسية وتجنبا للخسائر أيضا. كما أنه عادة ما يتواءم المتمردون مع التدابير الحكومية المضادة التي تمثل ضغطا شديدا عليهم، فيلجئون للهدوء من خلال (تقليص النشاط والاختباء في الأماكن الوعرة التي يتعذر الوصول إليها أو التخفي بين جماعات سكانية متعاطفة أو خائفة) ثم يظهرون لاحقا لمواصلة القتال.

(4) الانهاك: حيث يقوم المتمردون بأنشطة من قبيل الكمائن والتفجيرات والهجمات على المرافق الحكومية والأصول الاقتصادية والبنية التحتية للنقل، مما يدفع قوات الأمن لتنفيذ العديد من الأنشطة الدفاعية المرهقة والمرتفعة التكلفة والتي تستهلك الموارد الشحيحة دون تحقيق تقدم مهم في استراتيجية مكافحة التمرد.

مراحل التمرد:

يتطور كل تمرد بصورة مختلفة، ولكن يمكن ملاحظة بعض الأنماط العامة. فربما تمر عمليات التمرد ببعض أو كل مراحل (التخريب والتطرف، كالاضطرابات الشعبية، والعصيان المدني، ونشاط العصابات المحلية، فحرب عصابات على نطاق واسع، وصولا إلى تدشين نزاع مسلح شبه تقليدي). وبدلا من ذلك، قد يركن المتمردون الى السكون إذا تم التصدي لهم بفاعلية أو إذا فشلوا في الحصول على دعم شعبي كاف. وقد تظهر مرحلة أو أكثر في وقت متزامن في البلد أو المنطقة التي تعاني من التمرد.

قد ينجح التمرد في الإطاحة بالحكومة (أمر نادر الحدوث تاريخيا)، وقد يجبرها على القبول بتسوية سياسية (وهذه النتيجة الأكثر شيوعا)، ويمكن أن ينضم المتمردون إلى الحكومة ويتوقف القتال (وهذا شائع أيضا)، أو أن يتم سحق التمرد، أو أن يتم احتواءه بواسطة جماعات إرهابية محلية أو عابرة للحدود، أو أن يتحول المتمردون إلى العمل في شبكات إجرامية، أو أن يتلاشى وجودهم.

إن الإجراءات التي تنجح في كبح التمرد في بداياته تختلف عن الإجراءات الفعالة ضد التمرد القوي أو المتدهور. وبالتالي يجب على المخططين وصناع القرار أن يفهموا بوضوح المرحلة التي بلغها التمرد، من أجل تطوير استجابات مناسبة.

الجزء (ب): مكافحة التمرد

التعريف:

يمكن تعريف مكافحة التمرد بأنها: الجهود المدنية والعسكرية الشاملة التي تُتخذ لهزيمة واحتواء التمرد ومعالجة أسبابه الجذرية في آن واحد.

وتتمثل أفضل ممارسة لمكافحة التمرد في اندماج وتكامل المكونات السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية التي تعزز الشرعية والفعالية الحكومية وتحد في نفس الوقت من نفوذ المتمردين على السكان. ولذلك ينبغي أن تُصَمَّم استراتيجيات مكافحة التمرد لحماية السكان من العنف الذي يمارسه المتمردون مع تعزيز شرعية وقدرة المؤسسات الحكومية على الحكم الرشيد، وتهميش المتمردين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

الخصائص:

إن مكافحة التمرد تحتاج جهدا معقدا يدمج بين أنشطة مجموعة كاملة من الوكالات المدنية والعسكرية، وبالتالي تركز على السكان (التأمين والسيطرة على سكان محددين أو قطاع من السكان) أكثر من تركيزها على العدو (تركز على هزيمة مجموعة معينة من العدو). وهذا لا يعني أن مكافحة التمرد أقل عنفا من أي صراع آخر، بل على العكس من ذلك، تنطوي أيضا على خسائر في الأرواح مثل أي شكل آخر من أشكال الحرب. وهي مهمة صعبة للغاية، كما أنها غالبا ما تكون مثيرة للجدل سياسيا، وتشمل سلسلة من الأحداث الغامضة التي يصعب تفسيرها، وغالبا ما تتطلب موارد ووقتا أكثر بدرجة كبيرة مما كان متوقعا في البداية. إذ عادة ما تقلل الحكومات التي تشرع في مكافحة التمرد من الحاجة إلى التزام طويل الأجل وذي تكلفة مرتفعة نسبيا (من حيث التكلفة المالية ورأس المال السياسي والموارد العسكرية والحياة البشرية).

غالبا ما تكون القدرات المطلوبة لمكافحة التمرد مشابهة جدا لتلك المطلوبة لعمليات حفظ السلام، والمساعدة الإنسانية، وتثبيت الاستقرار، وبعثات المساعدة الإنمائية. ومع ذلك فإن القصد من حملة مكافحة التمرد يتمثل في بناء الدعم الشعبي للحكومة بالتوازي مع تهميش المتمردين، فهي في جوهرها منافسة سياسية مدعومة بقوة السلاح ضد المتمردين. وبالتالي فإن السيطرة على (البيئة، السكان، مستوى الأمن، وتيرة الأحداث، العدو) تمثل الهدف الأساسي لحملة مكافحة التمرد. وهو الهدف الذي يميزها عن عمليات السلام أو التدخل الإنساني.

بسبب هذه الخصائص العامة تنبع الطبيعة المحددة لأي حملة من عمليات مكافحة التمرد من خلال التفاعل المعقد بين 3 عوامل رئيسية هي:

1- خصائص البيئة (المادية والاقتصادية والسياسية والبشرية) التي تحدث فيها.

2- طبيعة الجماعة (أو الجماعات) المتمردة.

3- طبيعة الحكومة التي تكافح التمرد وقوات الأمن التابعة لها.

أشكال مختلفة لمكافحة التمرد

• عملية مكافحة التمرد المحلية مقابل عملية مكافحة التمرد الخارجية: تواجه الدولة اختلافات نظرية وعملية مهمة للغاية بين تنفيذ عملية مكافحة تمرد داخل حدودها الوطنية، والتدخل في بلد أجنبي دعما لحكومة أخرى. فغالبا ما يكون التدخل لمكافحة التمرد في بلد أجنبي أمر تقديري، بينما مكافحة التمرد (الداخلي/ المحلي) لا تتاح فيه رفاهية الاختيار.

فالقوات العاملة في أراضي حكومة أخرى معرضة لتفوق المتمردين عليها بميزات من قبيل معرفتهم بالأرض، فهم يعيشون في البلد ولا يخططون أبدا للمغادرة، في حين أن القوات الأجنبية يجب أن تخطط في نهاية المطاف للانتقال والمغادرة. ويدرك السكان ذلك، ومن ثم تتضاءل احتمالات دعمهم لها. ولابد للحكومة التي تكافح التمرد على أرضها أن تتمتع بصبر استراتيجي كبير للبقاء في صراع طويل الأمد.

ومن ضمن المزايا الأخرى لمعرفة المتمردين بأرضهم: فهمهم التفصيلي للجغرافيا والثقافة والتاريخ وعلم الاجتماع والسياسات الخاصة بالبلد الذي يعملون به، وإن كانت الدولة الأجنبية المتدخلة غالبا ستتعلم ذلك.

وبما أن الولايات المتحدة لا تواجه حاليا أي تمرد داخلي محتمل، فمن المرجح أن تكون جميع حملات مكافحة التمرد التي تقوم بها على شكل تدخلات خارجية دعما لحكومة أجنبية (أو تدخلات في البلدان الفاشلة / المنهارة). فالتدخل لدعم مكافحة التمرد يستحق دراسة متأنية لمجموعة من العوامل التي يتناولها الفصل الرابع (التقييم والتخطيط) بالتفصيل.

• مكافحة التمرد الثنائية مقابل مكافحة التمرد متعددة الأطراف:

إن الولايات المتحدة قد لا تكون الدولة الأجنبية الوحيدة المستعدة لمساعدة الدولة المتضررة في مكافحة التمرد. وهناك اختلافات مهمة بين الحملات التي تدعمها قوة تدخل واحدة، وتلك التي تتضمن تحالفا متنوعا أو قوة تابعة للأمم المتحدة.

مع أنه كثيرا ما يُنظر إلى التحالفات المشتركة لمكافحة التمرد باعتبارها تحظى بشرعية أكبر من التدخل أحادي الجانب من جهة الولايات المتحدة. لكنها تتطلب التعاون والتنسيق بشكل فاعل. فإلى حد ما يكون التدخل المشترك أقل كفاءة منه فيما لو تدخلت أميركا بشكل أحادي الجانب. ويُغطي هذا الأمر بمزيد من التفصيل في الفصل الرابع.

• المستويات المختلفة من القبول: لن تحظى كل تدخلات مكافحة التمرد الخارجية بموافقة كاملة من الحكومة المتضررة. وستكون هناك اختلافات كبيرة بين الحملات التي تتم بموافقة (كاملة أو جزئية) وتلك التي تتم في حال عدم وجود حكومة فعالة.

وهناك تباين أخير (يُعترف بأنه صعب بشكل خاص) حيث يحدث التمرد عقب حرب تقليدية تقوم خلالها قوة أو تحالف غاز بالإطاحة بالحكومة القائمة، وتحاول هذه القوة بناء حكومة جديدة من الصفر (أو تبني إصلاح جذري للهيكل القائم) في الوقت الذي يعارض فيه المتمردون ذلك بشكل متزايد. ففي هذا السيناريو ربما لم يكن من المتوقع النظر في تحديات مكافحة التمرد، أو أنه لم يُؤخذ احتمال التمرد نفسه في الاعتبار خلال دراسة القرار الأصلي للغزو. ومع ذلك فبحلول الوقت الذي يتجلى فيه تهديد المتمردين، قد لا يكون أمام الحكومات المتدخلة من خيار سوى البقاء ضمن التزام بحملة طويلة الأمد ومكلفة لمكافحة العصيان.

إنه من المهم أن ندرك أن قرارات التدخل في أفغانستان والعراق لم تتخذ كقرارات للاضطلاع بحملات في إطار مكافحة التمرد. بل كانت العوامل الاستراتيجية والتي تم النظر فيها مختلفة جدا. ومن ثم فإن استخدام هذه الأمثلة في دراسة التدخل لمكافحة التمرد قد يكون مضللا، ويجب على صانعي السياسات توخي الحذر في رسم أوجه التشابه.

الغرض:

تختلف مكافحة التمرد عن العمليات المدنية والعسكرية الأخرى سواء في الأساليب المستخدمة أو من ناحية الهدف. فالهدف من مكافحة التمرد هو بناء دعم شعبي لحكومة تقمع أو (تشترك في قمع) حركات التمرد.

المقاربات:

تعد مكافحة التمرد استجابة لمجموعة محددة من تهديدات التمرد، وتتطلب تقييما متعمقا لهذه المصفوفة من التهديدات على أساس الفهم المتين للأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية ذات الصلة، إلى جانب معرفة تفصيلية بدوافع المتمردين، وأهدافهم، وتنظيمهم، وأساليبهم.

من الأمور الأساسية لاكتساب ثقة السكان ودعمهم: تحسين نوعية الحكم من خلال الإصلاح السياسي وتعزيز سيادة القانون، وتحقيق التنمية الاقتصادية المرجوة، وفي الوقت نفسه ينبغي استخدام مزيج من الدبلوماسية والتفاوض، وأساليب الشرطة، والعمل الاستخباراتي، والقتال العسكري والأنشطة غير القتالية لتدمير أو احتواء أو تهميش أو استقطاب المتمردين. وبالتالي فإن العمل الفعال ينطوي على توازن دقيق بين الأبعاد البناءة (إقامة حكومة فعالة تحظى بشرعية) والأبعاد المدمرة (تدمير حركات التمرد).

وكما لوحظ، فإن هناك نهجان أساسيان لاستراتيجية مكافحة التمرد:

• النهج المتمحور حول العدو: وهو الذي يصور مكافحة التمرد كسباق مع عدو منظم، ويركز أنشطته على المنظمات المتمردة. فيعتبر أن هزيمة العدو مهمة أساسية والأنشطة الأخرى بمثابة جهود داعمة.

وهناك العديد من الاستراتيجيات المتغيرة في هذا النهج، بما في ذلك المتغيرة مقابل الثابتة، والمباشرة مقابل غير المباشرة، والعنيفة مقابل غير العنيفة، واستراتيجيات الاستئصال(أي قطع الرأس) مقابل استراتيجيات التهميش. ويمكن تلخيص هذا النهج بأنه (اهزم العدو أولا، و كل شيء آخر سوف يتبع ذلك).

• النهج المتمحور حول السكان: وهو الذي ينقل الترکيز في مكافحة التمرد من هزيمة المنظمة المتمردة إلى الحفاظ على أو استعادة دعم السكان.

ويعتبر هذا النهج أن العمل العسكري ضد المتمردين لا يمثل مركز الثقل رغم أهميته، ويفترض بدلا من ذلك أن مركز الثقل يتمثل في علاقة الحكومة مع السكان. ويمكن تلخيص هذه المقاربة بأنها (حماية ودعم السكان أولا، وكل شيء آخر سوف يتبع ذلك).

إن النهج المتمحور حول العدو قد يكون فعالا ضد التمرد البسيط الذي يقوده أو يتحكم فيه مركزيا شخص كاريزمي أو قوي. في حين أظهرت التجربة التاريخية أن النهج الذي يركز على السكان يحوز فرصا أكبر للنجاح في مواجهة حركات التمرد الناضجة والتمردات المعقدة غير الهرمية.

وفي الواقع نادرا ما تكون حملات مكافحة التمرد متمحورة حول على العدو أو حول السكان كل على حدة. لكنها تشمل بشكل عام عناصر من كل منهما، تماشيا مع تغير التوازن النسبي بمرور الوقت. وكثيرا ما ينطوي كسب دعم السكان للحكومة الشرعية على لزوم كسر الروابط الأيديولوجية أو المالية أو التخويفية بين قادة المتمردين ومؤيديهم، ولو كان ذلك مع تجمع عائلي أو قروي في كل مرة 6.

خطط مكافحة التمرد ينبغي أن تبحث عن خطوط كسر محتملة حيث يكون توافق المصالح بين القيادة الأيديولوجية وجزء معين من شبكة المتمردين أضعف ما يكون. ويمكن بعد ذلك إنشاء إسفين من خلال استخدام الجزرة (الفوائد السياسية والاقتصادية والإنمائية) والعصا (الاعتقال والإزعاج).

يجب أن يكون الأفراد الرئيسيون (المتمردون الذين يربطون القبائل كلها أو التجمعات الأخرى بالقيادة المتمردة) من أولويات المصالحة أو الاحتجاز، ولكن من أجل تحقيق ذلك، فإن الفهم العميق لعلم الاجتماع الإقليمي والدوافع النسبية أمر بالغ الأهمية. ويمكن اعتبار ذلك نهجا متمحورا حول العدو، لأنه يركز على شبكة المتمردين، إلا أن هدفه النهائي هو إقناع قطاعات كاملة من السكان بقضية الحكومة.

أولوية الوسائل غير العسكرية:

على الرغم من أن توفير الأمن يمثل نشاطا ضروريا في مكافحة التمرد، إلا أنه لن يقوض حركة التمرد بمفرده. وينبغي- حيثما أمكن- تطبيق التدابير المدنية والعسكرية في وقت واحد لتحقيق النجاح عبر استراتيجية متكاملة تنزع الشرعية عن التمرد وتقوضه، كما تبني سيطرة الحكومة وتعزز الدعم الشعبي. وتشكل القوات العسكرية في مكافحة التمرد- إلى حد ما- نظام دعم للإدارة المدنية؛ يتمثل دوره في توفير ما يكفي من الحماية والاستقرار لتمكين الحكومة من العمل بأمان مع السكان، من أجل تحقيق الانتعاش الاقتصادي والمصالحة السياسية وتفعيل المساعدة الخارجية غير الحكومية.

وحدة الجهد:

عادة ما تتطلب مكافحة التمرد بذل جهود مشتركة من قبل الأطراف المعنية. ومن المستحسن جدا توحيد الجهود على الصعيد الوطني (بين مختلف الوكالات التابعة للحكومة المتضررة) وعلى الصعيد الدولي (بين الدولة المتضررة وجميع الدول الداعمة). ولا يمكن تحقيق ذلك بسهولة ولا سيما في سياق عملية تدخل ائتلافية. ومن ثم فإن من الأمور الجوهرية وجود آليات قوية للقيادة والسيطرة، فضلا عن الجهود الدبلوماسية الرامية إلى الحفاظ على تماسك الائتلاف ودعمه. ويجب النظر في ذلك بالتفصيل في بداية الحملة، وتوفير الموارد والاهتمام الكافي خلالها.

وفي سيناريوهات الائتلاف الأكثر تعقيدا، قد يكون تعيين مستشار استراتيجي عام واحد للحكومة المستهدفة هو الوسيلة الوحيدة لضمان توحيد الجهود (يتم ذلك بشكل مثالي من خلال تفويضه وتخويله المسؤولية عن تنسيق جميع المساعدات المدنية والعسكرية الدولية).

مكافحة التمرد كبيئة خاصة

بالنسبة للقوات العسكرية، غالبا ما تتضمن مكافحة التمرد نطاقا واسعا من المهام والقدرات أكثر مما هو مطلوب في النزاعات التقليدية. فالقوات المسلحة المهيئة لخوض عمليات القتال الرئيسية عادة ما تحتاج تدريبا خاصا (وربما حتى إعادة هيكلة) لتلبية الاحتياجات الفريدة في مكافحة التمرد. أما بالنسبة للوكالات المدنية المشاركة في الأنشطة الدبلوماسية والإنمائية والإعلامية. فإن أنشطة مكافحة التمرد الخاصة بها تتعلق بالعمل في بيئات مختلفة أكثر من كونها أداء لمجموعة مهام مختلفة، إذ غالبا ما تقوم هذه الوكالات بأنشطتها في بيئات فوضوية ومعادية وغير مستقرة. وكثيرا ما تحتاج المهام إلى أن تُنفذ بطرق مختلفة إلى حد كبير، وتتطلب تدريبا خاصا وفي بعض الأوقات تتطلب تطوير قدرات جديدة.

وبغض النظر عن طرق الإنجاز، فإن الجهود الدبلوماسية والإنمائية والمعلوماتية المبذولة يحتمل أن تكون محفوفة بمخاطر حدوث نتائج غير مقصودة، مما يتطلب فهما دقيقا للسياق المحلي.

النجاح في مكافحة التمرد

يمكن اعتبار جهود مكافحة التمرد ناجحة عند استيفاء الشروط التالية:

1- عند النظر إلى الحكومة المتضررة على أنها حكومة شرعية تسيطر على المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية التي تلبي احتياجات السكان، وتملك آليات مناسبة لمعالجة المظالم التي أججت دعم التمرد.

2- تحييد حركات التمرد وقادتها أو تهميشهم أو فصلهم عن السكان.

3- حل قوات المتمردين المسلحة أو تسريحهم أو إعادة دمجهم في الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد.

وتجدر الإشارة إلى أنه عادة ما يكون القضاء التام على نشاط المتمردين أصعب من الحد منه باعتباره تهديدا كبيرا للحكومة المتضررة. وقد يصبح من الصعب للغاية التعرف على المتمردين وتتبعهم وإعاقتهم بمجرد انخفاض قوتهم العددية ونشاطهم إلى ما دون المستوى الحرج. ونتيجة لذلك فقد يستمر وقوع حوادث التمرد بمعدل منخفض لسنوات عديدة بعد أن يتم كسر التهديد الرئيسي. وعادة ما يتراجع الدعم الدولي لمكافحة التمرد بالتنسيق مع الحكومة المتضررة بمجرد أن تنجح الأخيرة في

احتواء التمرد. فيعني الجمع بين هذه العوامل أن تدخلا في مكافحة التمرد ببلد متضرر قد ينتهي قبل عدة سنوات من توقف التمرد فيها.(7 ).

—————

الهامش

1 ينص دليل الميدان للجيش الأميركي الخاص بمكافحة التمرد على أن “المعركة قد تكون تحيات ومصافحة حارة أثناء الصراع مثلما قد تكون بالقنابل والأسلحة”.

2 – يشمل فهم التركيبة البشرية: فهم المجتمع والبنيان الاجتماعي والثقافة واللغة والقوة والسلطة والمصالح السائدة فيه.

3 –  تهدف مهام حفظ السلام إلى ايقاف العنف، بينما تهدف جهود مكافحة التمرد إلى القضاء على التمرد بما يتضمنه ذلك من استخدام للعنف.

4 – يسعى المتمردون لجمع معلومات عن خصومهم، وللتأثير على الجماهير لتعزيز قضية التمرد.

5 – أي درجة التحفيز وقوة الدوافع لدى العنصر المتمرد، ومستوى إيمانه بالقضية التي يقاتل من أجلها.

6 – أي تقسيمهم الى مجموعات، ومهاجمة مجموعة واحدة كل مرة.

7 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *