fbpx
تقديرات

الدور السعودي في أزمة حلايب وشلاتين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

تفجر صراع كان مكتوماً بين مصر والسودان عقب توقيع القاهرة والرياض اتفاقية ترسيم الحدود المائية والذي بموجبه تنازلت مصر عن جزيرتي تيران وصنافير الواقعتين في البحر الأحمر للسعودية، فالاتفاقية التي وقعت بين مصر والسعودية لم يطلع أحداً عليها ولم تنشر بنودها مما أثار حفيظة السودان خوفاً من دخول  مثلث حلايب وشلاتين في الاتفاقية مما يعني ضمهما إلى مصر رسمياً، الأمر الذي دفع الخرطوم للتحرك السريع لحسم القضية العالقة من خمسينيات القرن الماضي.

رد الفعل السوداني بدأ بعد ساعات من توقيع الاتفاقية، إذ سارع وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور إلى تهنئة نظيره السعودي عادل الجبير بالاتفاق، وهي تهنئة أثارت غضباً سودانياً على اعتبار أنها يمكن أن تمثّل اعترافاً سودانياً بالاتفاق الذي ضم مثلث حلايب وشلاتين لمصر، خصوصاً أن هناك سابقة في محكمة العدل الدولية اعتبرت أي حديث من وزير خارجية الدولة وإن كان شفاهياً بمثابة التزام للدولة المعنية، لكن الخارجية السودانية عادت وأصدرت بياناً بعد نحو يومين من إعلان الاتفاق السعودي المصري، لتؤكد رفضها ضم مثلث بلدات حلايب وشلاتين وأبو رماد إلى مصر باعتبارها مناطق نزاع وأراضي سودانية، مؤكدة أنها تملك من الوثائق ما يؤكد حقها لهذه المناطق.

ثم تطور الأمر بتحذيرات من قبل الخرطوم للقاهرة من الاستمرار في الخطوة، وطالبتها بالجلوس للتفاوض لحسم الملف أو اللجوء للتحكيم الدولي، وهو أمر سارعت مصر لإعلان رفضها له، عبر تصريح رسمي لوزراة الخارجية رداً على البيان السوداني، لتشدد على فرض سيادتها على المثلث باعتباره أراضي مصرية.

دخول السعودية كطرف في الأزمة بين مصر والسودان بعد اتفاقية ترسيم الحدود أثار التساؤلات حول أهمية هذا المثلث للأطراف المعنية وهي مصر والسودان وأيضاً السعودية كونها جار للدولتين على الجانب الشرقي من البحر الأحمر؟ وفي هذه الورقة سنتناول الخلفية التاريخية للقضية، وهل هناك دور سعودي وراء التصعيد السوداني الأخير؟، وما هي الأهمية الإستراتيجية للموقع المثلث؟، كذلك السيناريوهات المتوقعة لحسم القضية.

أولاً: الخلفية التاريخية للقضية:

لم يكن للحدود السياسية بين مصر والسودان أيه دلالة حيث أن الدولتين كانتا يُنظر إليهما كبلد واحد، وكانت أهمية الحدود بينهما قاصرة على الأمور الإدارية فقط، ولذلك كانت الحدود مفتوحة للعبور دون قيود.

واستقر الوضع على هذا المنوال حتى عام 1820 حين ضم والي مصر آنذاك، محمد علي باشا السودان، ووضعه تحت سلطته السياسية، وامتدت حدود مصر السياسية جنوبًا لتضم الإقليم السوداني بأكمله.

وحينها اعترف السلطان العثماني محمود الثاني، بسلطة الوالي المصري على المناطق التي فتحها من الجنوب، وأقرّ عدم أحقية ولاة مصر في التنازل عن أية امتيازات تكون قد أعطيت لهم سواء في مصر أو في السودان، كما منعتهم من التخلي عن أي جزء من هذين الإقليمين، أو إبرام أية معاهدات سياسية بشأنهما.1

وفي يناير عام 1899، وقّعت مصر وبريطانيا ما عُرف بـ”اتفاقية السودان”، باعتبارهما قائمتين على الحكم الثنائي المصري البريطاني في السودان آنذاك. ونصت الاتفاقية على أن يُطلق لفظ السودان على جميع الأراضي الواقعة جنوبي دائرة عرض 22 شمالًا، غير أن الاتفاقية، لم تتجاوز قيمتها كونها خطًا إداريًا يفصل بين إقليمين يخضعان قانونًا لوحدة سياسية واحدة هي سلطة الوالي المصري، والذي كانت سلطاته مقيدة بالمحتل البريطاني في وقتها.

لكن الوضع تبدل منذ يناير عام 1956، وهو تاريخ اعتراف مصر باستقلال السودان، ومنذ ذلك التاريخ تحول الخط (22 شمالًا) إلى حد سياسي دولي بالمعني القانوني، وفي عام 1958، بدأ النزاع المصري السوداني بشكل فعلي على مثلث حلايب وشلاتين عندما أرسلت الحكومة المصرية مذكرة إلى الخرطوم على خلفية إجراء الانتخابات البرلمانية في السودان في 27 فبراير 1958، محتجة على أن الجهة السودانية المشرفة على هذه الانتخابات خالفت اتفاق عام 1899 بشأن الحدود المشتركة بين الدولتين وذلك لإدخالها المثلث ضمن الدوائر الانتخابية السودانية. وطالبت المذكرة بحق مصر في استعادة المناطق الواقعة تحت الإدارة السودانية شمال دائرة عرض 22 شمالا إلى سيادتها. ومع ذلك استمرت المنطقة مفتوحة أمام حركة التجارة والأفراد من البلدين دون قيود من أي طرف حتى عام 1995 حيث دخلها الجيش المصري، وأحكم سيطرته عليها.

وكانت خطوة الجيش المصري رد فعل على محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، في العاصمة الإثيوبية أديس ابابا، والتي اتهمت القاهرة الخرطوم بالضلوع فيها، ومنذ ذلك الحين، يتم فتح ملف النزاع حول المنطقة بين الحين والآخر؛ حيث يطرح كل طرف الحجج والأسانيد القانونية التي يعتمد عليها في إثبات حقه في السيادة علي هذه المنطقة.

ثانياً: الموقف المصري من الأزمة:

استند الموقف المصري على الحجج الآتية2:

1- أن التعديلات الإدارية على الحدود مع السودان تمت بهدف التيسير على القبائل التي تعيش على جانبي خط الحدود؛ وهي بذلك تعد قرارات إدارية صدرت استجابة لرغبات المسؤولين المحليين في المناطق المتنازع عليها، ولم يحدث أن أبرمت مصر أية اتفاقات دولية بينها وبين السودان أو بريطانيا (أثناء الحكم الثنائي للسودان)؛ لإضفاء الصفة الدولية على هذه التعديلات.

2- أنه اعتمادا على اتفاق بين السودان وهيئة المساحة المصرية عام 1909 قام بمقتضاه الطرفان برسم خريطة للمنطقة أشير فيها إلى الحدود السياسية وفق دائرة عرض 22 شمالا جنبًا إلى جنب مع خط آخر اصطلح على تسميته بالحدود الإدارية في ضوء التعديلات الإدارية.

3ـ القول بأن مصر تنازلت عن سيادتها على المناطق المتنازع عليها يفتقر إلى دليل مقنع؛ لأنها كانت خاضعة لسيادة الدولة العثمانية، وقت إجراء التعديلات، ولم تكن تستطيع التنازل أو البيع أو رهن أي جزء من أراضيها إلا بموافقة الباب العالي، وهو ما لم يحدث، ووفقًا للقانون الدولي فإن التنازل عن الإقليم لا يكون صحيحًا وملزمًا قانونًا إلا بموافقة الأطراف المعنية على ذلك صراحة.

4ـ أن السودان لم يكن يباشر إلا اختصاصات محددة في المناطق الواقعة إلى الشمال من خط عرض 22 شمالا، وهي اختصاصات اقتضتها الضرورات العملية لتنظيم شؤون السكان على جانبي الحدود، وهذه الاختصاصات لم تصل إلى الدرجة التي تستحق معها أن تكتسب صفة أعمال السيادة.

5ـ من أهم مظاهر الوجود المصري في  مثلث حلايب وشلاتين، أن هناك شركة مصرية (هي شركة علبة المصرية) تعمل في مجال استخراج المعادن في هذه المنطقة، وقد أنشئت هذه الشركة في عام 1954، وظلت تباشر عملها حتى أدمجت في “شركة النصر للفوسفات” المصرية عام 31963، ويعود النشاط التعديني المصري في المنطقة إلى عام 1915؛ حيث صدرت بين عامي 1915 و1918 ترخيصات للبحث والتنقيب في المنطقة لاستغلال الثروة المعدنية، كما تم رفض عشرة تراخيص منها سبعة تراخيص لشركة “شرق السودان” السودانية، وكانت القاهرة تأخذ في الاعتبار أن كل ما يحدث شمال دائرة عرض 22 شمالا يتم في أرض مصرية، وكانت تخطر السودان فقط بما يصدر من تراخيص.

ثالثاً: الموقف السوداني:

يرى السودان أن المناطق المتنازع عليها الواقعة شمال دائرة عرض 22 قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من السودان، وأنها لم تعد أرضا مصرية، بل هي أرض سودانية خالصة، وذلك استنادا على بعض الحجج والأسانيد التي أبرزها ما يلي:

1ـ إن السودان ممثلا في دولتي الإدارة الثنائية (مصر وبريطانيا) ظل يدير هذه المناطق منذ إجراء التعديلات الإدارية على خط الحدود الذي أنشئ بناء على اتفاق 1899، ومن خلال الحيازة الفعلية لهذه المناطق قام بمباشرة كافة أعمال السيادة عليها، التي تعد دليلًا حاسمًا على انتقال السيادة إليه فيما يتعلق بهذه المناطق.

2ـ أنه على فرض أن التعديلات التي دخلت على خط الحدود كانت ذات صفة إدارية بحته، إلا أن قبول مصر لاستمرار السودان في إدارة هذه المناطق، وعدم الاعتراض على هذا الوضع طوال الفترة ما بين عامي 1899 و1958 يدل على أن مصر قد تنازلت عن حقوقها السيادية في هذه المناطق، كما يُعد ذلك سندًا للسودان للتمسك بالمناطق المذكورة تأسيسًا على فكرة التقادم القائمة على مبدأ الحيازة الفعلية وغير المنقطعة من السودان من جانب، وعدم وجود معارضة لهذه الحيازة من مصر من جانب آخر.

3ـ إن مصر عندما اعترفت بالسودان كدولة مستقلة ذات سيادة عام 1956، لم تشر في اعترافها إلى أية تحفظات بشأن الحدود؛ وهذا يعني أنها كانت ترى عدم وجود أية مطالب لها في هذه المناطق، أو أنها قد تنازلت عن هذه المطالب، كما أن مصر لم تعترض على المذكرة التي بعث بها السودان إليها في يناير/كانون الثاني عام 1956 والتي أشار فيها الجانب السوداني صراحة إلى أنه يحتفظ بموقفه الخاص فيما يتعلق بجميع الاتفاقيات التي عقدتها نيابة عنه دولتا الإدارة الثنائية(مصر وبريطانيا).

4ـ أن السودان يتمسك بمبدأ المحافظة على الحدود الموروثة منذ عهد الاستعمار؛ فالسودان قد ورث حدوده الحالية، ومنها حدوده الشمالية عن دولتي الإدارة الثنائية، ويرى السودان أن مبدأ قدسية الحدود الموروثة قد أكدت عليها “منظمة الوحدة الأفريقية”(الاتحاد الأفريقي حاليا) في ميثاقها الذي تم إقراره صراحة من جانب مؤتمر رؤساء الدول والحكومات الأفريقية في اجتماعه الأول بالقاهرة في يوليو 1964، ولم تعترض مصر عليه، كما اعترضت كل من الصومال والمغرب في ذلك الوقت.

رابعاً: تصعيد القضية بعد بيع تيران وصنافير:

بعد ساعات من توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، وبيع جزيرتي تيران وصنافير المصريتين، صعد السودان من لهجته حول القضية وطالب بحلها، ثم توالت ردود الفعل المصرية، على لسان المتحدث باسم وزراة الخارجية ثم بيان من وزراة الخارجية بخصوص الأزمة4.

فقد حاول السودان استغلال الأوضاع السياسية في مصر وحالة الضعف التي يعيشها نظام السيسي على المستوى الإقليمي والدولي، انطلاقاً من توقيعه اتفاقية ترسيم الحدود المائية مع السعودية ومن ثم التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، في استمرار المطالبة بمثلث حلايب وشلاتين والتصعيد من أجل الحصول عليها في هذا التوقيت والذي يعتبر فرصة ذهبية ربما لن تتكرر للسودان في المطالبة بحل القضية المتنازع عليها منذ سنوات.

رد الفعل السوداني على اتفاقية ترسيم الحدود المصرية مع السعودية كان سريعاً فبعد تهنئة وزير الخارجية السوداني لنظيره السعودي على الاتفاق سارعت وزارة الخارجية السودانية بإصدار بيان يطلب من القاهرة إطلاعها على بنود اتفاقية ترسيم الحدود والتي تخشى الخرطوم أن يكون مثلث حلايب وشلاتين قد أدرج ضمن الحدود المصرية، كما طالبت القاهرة بسرعة التفاوض المباشر حول القضية وإلا ستذهب الخرطوم إلى التحكيم الدولي لحل الأزمة5.

الرد المصري على التصريحات السودانية لم يتأخر كثيراً، فعقب بيان الخارجية السودانية مباشرة، قال المتحدث بأسم وزراة الخارجية المصرية أحمد أبوزيد  إن “حلايب وشلاتين أراض مصرية، وتخضع للسيادة المصرية، وليس لدى مصر تعليق إضافي على بيان الخارجية السودانية(6)، هذه التصريحات زادت من الإصرار السوداني على المضي في خطوات فعالة في اللجوء إلى التحكيم الدولي ومجلس الأمن من أجل حسم هذه القضية.

ولم تستجيب الادارة المصرية لتصريحات السودان معتبرة أن هذه القضية أمن قومي بالنسبة لها ولا نقاش فيها، فمن أجل ذلك اتخذت عدة خطوات في حلايب وشلاتين لتؤكد مصرية المثلث الحدودي، منها نقل إدارة مثلث حلايب وشلاتين من محافظة البحر الأحمر إلى أسوان، باعتبار أنها أقرب إلى أسوان منها إلى البحر الأحمر.

وفي المقابل لم يتخذ السوادن خطوات أو إجراءات فعلية غير التصريحات الرسمية بشأن القضية، والتي قابلتها مصر بحزم حول أحقيتها في ملكية المثلث الحدودي، ولم توجه الخارجية السودانية طلبا لمصر أو لأية منظمة دولية لبدء التحكيم في القضية.

خامساً: الدور السعودي في القضية:

برز التنسيق السعودي السوداني بشكل واضح منذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز للحكم في يناير 2015، ومشاركة السودان بأكثر من 2000 جندي في عملية عاصفة الحزم التي تقودها الرياض مع دول خليجية وعربية أخرى في اليمن.

كما برزت حالة من التوافق بين الرياض والخرطوم والتي بسببها طلب الرئيس السوداني عمر البشر من الملك سلمان التوسط لحل أزمة حلايب وشلاتين مع مصر في شهر أكتوبر 2015، الأمر الذي لم تُعقب عليه الرياض بالموافقة أو الرفض مما فتح الباب أمام اعتبارها صفقة بين الرياض والخرطوم رداً على العلاقات الدافئة بينهما والتي بدأت فعلياً قبل أشهر من وفاة العاهل السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز.

وهنا تبرز عدة اعتبارات قد تشكل دوافع للدعم السعودي للسودان في القضية، من وجهة نظر البعض، منها:

1ـ مكافأة السودان على مواقفها الداعمة للسعودية:

فمع بدء عملية عاصفة الحزم التي قادتها الرياض ضد الحوثيين في اليمن مارس 2015، أعلنت عدة دول عربية مشاركتها في العملية العسكرية، لكن مع استمرار المعركة دون حسم وفي ظل تمنع دول عن المشاركة بقوات برية مثل مصر وباكستان، وافقت السودان على المشاركة بلواء بري في الأراضي اليمنية7، الأمر الذي صب في مصلحة القوات العربية على الأرض سيما في وجود حالة من الضغط الاماراتي على السعودية بسحب قواتها المتواجدة في مدينة عدن بسبب التقارب السعودي مع  عناصر حزب الاصلاح  مما أثار حفيظة السعودية، لكن مع دخول القوات السودانية أعاد ذلك نوعاً من التوازن على الارض لصالح السعودية، ومن ثم يعد هذا الموقف دعما كبيرا من السودان للسعودية التي بلا شك ستحاول مكافأتها عليه.

ايضا كانت السودان من اوئل الدول العربية التي قامت بطرد السفير الايراني كما قامت بسحب سفيرها من طهران دعماً للموقف السعودي من محاصرة المقار الدبلوماسية السعودية في إيران، بعد إعدام رجل الدين السعودي نمر نمر مطلع العام الجاري8، وكان الموقف السوداني محل ترحيب كبير من قبل السعوديين خاصة في ظل الحديث عن تقارب إيراني سوداني  بعد سنوات من القطيعة بين الرياض والخرطوم في فترة الملك عبدالله، كما صوتت السودان في الجامعة العربية لصالح قرار اعتبار حزب الله منظمة إرهابية في اجتماع طارئ لوزاء خارجية للجامعة العربية، وهو ما شكل دعماً سياسياً واضحاً للتوجهات السعودية9.

2ـ رغبة السعودية في التحكم في الحدود المصرية شرقاً وجنوباً:

أدخلت اتفاقية ترسيم الحدود بين القاهرة والرياض، السعودية ضمن الحدود المصرية من ناحية الشرق ووضعت مضيق تيران، الممر الاستراتيجي لمصر، تحت قبض السعودية، وبموجب ذلك باتت الرياض شريكاً لمصر في حدودها، الأمر ذاته ينطبق على مثلث حلايب وشلاتين الذي يمثل هو الآخر عمقاً استراتيجياً لمصر من ناحية الجنوب، ففي حال التوصل إلى حل بشأن حلايب وشلاتين ونقل ملكيتهما للسودان بدعم سعودي، سيصبح من السهل الاتفاق بين الخرطوم والرياض الاستثمار السعودي في المنطقة لما تتمتع به من ثروات طبيعية ومكانه استراتيجية تعود بالنفع على الرياض وتصبح الحدود الجنوبية المصرية تحت رحمة السعودية أيضاً، خاصة وأن النظام السوداني سيكون مستعداً لرد الجميل السعودي في عودة حلايب وشلاتين للسودان بعد أكثر من 60 عاماً من النزاع مع مصر.

ورغم ما يبدو للكثيرين بشأن العلاقة بين مصر والسعودية خلال الفترة الأخيرة ووصولها لمرحلة التعاون الاسراتيجي بعد زيارة الملك سلمان لمصر في أبريل 2016، وأن فكرة سيناريو دعم السعودية للسودان على حسب مصر، يعد درباً من الخيال، لكن في الواقع الأمر غير ذلك فعلى الرغم من الاعلان عن توقيع الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين والمنح التي أُعلن عنها من الجانب السعودي في أبريل 2016، فإن الزيارة والاتفاقيات مثلت أزمة للنظام الانقلابي المصري داخلياً بسبب التنازل عن تيران وصنافير، كما أن النظام السعودي لازال يشعر بالقلق من تصرفات نظام السيسي خاصة في قضيتين أساسيتين للرياض وهما الوضع في اليمن وفي سوريا والتي يتخذ فيها نظام السيسي موقفاً متعارضاً مع السياسة السعودية، كذلك فكرة التقارب المصري الايراني التي لازلت تزعج النظام السعودي، مما يرجح فكرة دعم السعودية للسودان على حساب مصر في قضية حلايب وشلاتين.

3ـ النظر للمنطقة كإحدي بوابات السعودية لإفريقيا:

تُمثل أفريقيا قارة مهمة لدول العالم لكونها مليئة بالموارد الطبيعية كما أنها أرضاً خصبة لأي اسثتمار، من هذه الزاوية تفكر الإدارة السعودية الجديدة خاصة بعد الاعلان عن رؤية المملكة الجديدة 2030، والتي تعتمد بالأساس على الاسثمارات خارج القطاع النفطي بسبب تراجع أسعار النفط بشكل حاد خلال السنوات الماضية، ومن هنا تمثل حلايب وشلاتين أهمية كبرى للسعودية في ظل غياب كبير للدور المصري في القارة السمراء ورغبة السعودية في قيادة العالم العربي والإسلامي ومزاحمة إيران التي تتمدد بشكل كبير في الدول الإفريقية عبر الدعم والمنح الإقتصادية من أجل نشر المذهب الشيعي في بعض البلدان الإفريقية10.

4ـ إنشاء منطقة تجارة حرة في حلايب وشلاتين:

يتميز مثلث حلايب وشلاتين بوجوده على البحر الأحمر مباشرة، في الجهة المقابلة لميناء ينبع السعودي، مما يسهل حركة التجارة بين السعودية وأفريقيا إذا ما تم عمل ميناء بحري كبير في هذه المنطقة كما أن أهميتها الإقتصادية ستتضاعف إذا ما تم تدشين منطقة تجارة حرة فيها على غرار المنطقة الحرة لميناء جبل على الإماراتية، كما يمكن إقامة مشروعات صناعية كبيرة في هذا الاقليم بعد تجهزه بشبكة طرق حديثة وبنية تحتية قوية تستوعب حجم التجارة المتوقعة فيه، كما ستزيد أهمية هذه المنطقة بشكل كبير من خلال إقامة مصانع للمنتجات الافريقية كالجلود واللحوم وتصديرها إلى دول الخليج العربي عبر السعودية، ومن هنا تأتي أهمية هذا المكان بالنسبة للسعودية.

سادساً: حلايب وشلاتين ـ المسارات المستقبلية:

في إطار هذه الاعتبارات تبرز عدة مسارات متوقعة، للتسوية المستقبلية لقضية حلايب وشلاتين، وذلك على النحو التالي

السيناريو الأول: تصعيد عسكري سوداني:

يقوم هذا الاحتمال على رفض مصر لاي حوار مع السودان بشأن القضية الأمر الذي سيدفع في اتجاه التصعيد من جانب الخرطوم، ويجبرها للتدخل عسكرياً في حلايب وشلاتين لحسم هذه القضية، خاصة في وجود أصوات داخل معسكر الجيش السوداني تنادي بهذه الخطوة، على غرار ما وقع عام 1958، عندما أعلن السودان التعبئة العامة رداً على التدخل العسكري المصري فيها11.

إلا أنه في ظل المعطيات السياسية الظاهرة، يعد هذا السيناريو أمراً مستبعداً، كون السودان الآن يعاني من أزمات داخلية كبيرة وخاصة في المجال العسكري في ظل حربه التي يشنها على المتمردين من حركة العدل والمساواة، كما أن الظروف السياسية الراهنة لن تسمح بالوصول إلى هذه المرحلة الخطيرة التي ستنعكس بشكل كبير على المنطقة برمتها، أيضا حالة عدم التكافؤ بين قوات الجيش السوداني والمصري ستدفع العقلاء في السودان إلى عدم الإقدام على هذه الخطوة لانها ستعتبر محازفة غير محسومة العواقب.

السيناريو الثاني: تصعيد سياسي سوداني:

القضية مثارة في مجلس الأمن منذ عام 1958، ورفض السودان في أبريل 2016، سحب الشكوى من المجلس كما نقل القائم بأعمال البعثة السودانية لدى الأمم المتحدة، حسن حامد حسن، يوم 23 مايو 2016 إلى رئيس مجلس الأمن لشهر مايو، السفير المصرى عمرو أبو العطا الممثل الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة، احتجاج الخارجية السودانية على التدابير المتخذه فى المثلث المتنازع عليه12.

وهذه الإجراءات الجديدة تهدف بالاساس إلى التصعيد الدبلوماسي السوداني من أجل استغلال حالة الضعف التي تمر بها مصر منذ ثورة 25 يناير، والتي زادت عقب الانقلاب العسكري في يوليو 2013، من أجل تحقيق أي مكسب سياسي في القضية المعلقة منذ أكثر من نصف قرن13، كما يحاول نظام البشير استغلال هذه القضية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية متعلقة بالانتخابات الرئاسية القادمة، باعتبار أن هذه القضية تمثل أهمية كبرى عند قطاع كبير من الشعب السوداني.

ومن هنا يعد هذا السيناريو قابل للتحقق بشكل كبير، ولكن يتوقف ذلك على مدى قوة النفوذ السوداني في مجلس الأمن من أجل عقد جلسه لهذه الأزمة، وأيضاَ موافقة مصر على التحكيم في القضية.

السيناريو الثالث: اتجاه النظام الحاكم في مصر إلى التنازل عن المنطقة:

يستند هذا الاحتمال على أن النظام المصري سيرضخ هذه المرة للمطلبات السودانية ويعترف بأحقية الخرطوم في مثلث حلايب وشلاتين، دون تحكيم دولي على غرار مع حدث مع السعودية بخصوص جزيرتي تيران وصنافير، وهذا السيناريو غير قابل للتحقق كون أن مصر لم تقدم على خطوة تيران وصنافير مع السعودية الا بعد تقديم الرياض دعماً اقتصادياً سخياً لنظام السيسي، وهذا الأمر لا ينطبق على السودان التي تعاني من أزمات أقتصادية كبيرة وليس لديها ما تقدمه لمصر، كما أن النظام المصري حاول منذ بدء تصعيد السودان في شهر أبريل 2016 التأكيد على أن مثلث حلايب وشلاتين هو أراضي مصرية خالصة وليس للسودان أي حق فيها، كما أن الحكومة المصرية لا ترغب في إثارة البلبلة في الداخل بالتنازل عن حلايب وشلاتين، تحسباً لاي احتجاجات مثلما حدث بعد الاعلان عن اتقافية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية.

أيضاً الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لحلايب وشلاتين أكبر بكثير من جزيرتي تيران وصنافير، الغير مأهولتين بالسكان، لكن حلايب وشلاتيين تتمتع بثروة سمكية كبيرة ومناجم للمنجانيز وثروات طبيعة أخرى، مما يجعل احتمالية تنازل مصر عنهما أمراً صعباً، وإن كان ليس مستحيلاً إذا تدخلت السعودية ومارست ضغوطها، وقامت هي بالدفع نيابة عن النظام السوداني كما حدث في شرائها جزيرتي تيران وصنافير.

السيناريو الرابع: بقاء الوضع كما هو عليه الآن:

يقوم هذا التصور على بقاء الأوضاع كما هي دون تحقيق أي تقدم في الملف العالق بين البلدين، كون أن القضية على حالها من أكثر من نصف قرن، وأن النظام السوداني يريد أن تصبح لديه أوراق ضغط على النظام المصري يستخدمها في الوقت المناسب مثل ورقة حلايب وشلاتين، وأن الأمر بالنسبة للسودان لا يزيد عن كونه ابتزازاً سياسياً ضد نظام السيسي، من وجهة نظر البعض.

كما أن النظام المصري يعتبر أن قضية حلايب وشلاتين قضية مهمة له في تلك الفترة حتى لا يوسم بالخيانة وأنه تنازل عن أراضي مصرية للسودان بعد التصريحات الكثيرة بشأن مصرية المثلث، على عكس قضية تيران وصنافير التي روج لها الإعلام الموالي للسيسي على أنها أراضي سعودية عادت لها مرة أخرى.

ويعد هذا الاحتمال هو الأقرب للتحقق بسبب عدم توازن القوى السياسية والعسكرية بين مصر والسودان ومن ثم ستحاول السودان استغلال الملف في أوقات قادمة في نفس الوقت لن يوافق نظام السيسي على التنازل على هذا المثلث.

خلاصة:

1ـ فتح تنازل نظام السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير الباب أمام السياسة السودانية لاستغلال حالة الضعف التي تمر بها مصر واخضاع المنطقة المتنازع عليها مع مصر إلى سيطرتها، لتحقيق مزيد من الضغط على نظام السيسي داخلياً والاستفادة من هذه الخطوة سياسياً في الداخل السوداني. إلا أن التصعيد الخطابي الذي استخدمه النظام المصري ضد التحرك السوداني الأخير يوحي بأن القضية لن تُحسم في هذه المرة، ولكن يبقي الباب مفتوحاً في ظل حاجة مصر الماسة لدعم سوداني في قضية سد النهضة الاثيوبي.

2ـ تلعب السعودية دوراً مهماً في ملف القضية، ففي البداية دعمت السودان في هذا الملف وبعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بينها وبين نظام السيسي، رفضت التعليق على الأمر كما أنها بالتوافق مع مصر رفضت نشر بنود اتفاقية ترسيم الحدود التي تخشى السودان أن تكون ضمت حلايب وشلاتين للحدود المصرية. ومن المحتمل أن تلعب السعودية دوراً مهماً في القضية خلال الفترة المقبلة لحاجتها إلى وجود موطئ قدم لها في أفريقيا عبر مصر أو السودان ومن ثم ستدفع في اتجاه تسوية القضية لصالح الطرف الذي سيقدم لها خدمات أكثر ومن المرجح أنه سيكون السودان، وخاصة في ظل التنافس الإقليمي بينها وبين مصر منذ تأسيس السعودية عام 1932.

3ـ يحاول نظام البشير تصدير أزمة جديدة لنظام السيسي، من خلال تصعيد هذه القضية، حتى يضع النظام المصري في موقف حرج، ويكون عليه إما أن يستجيب لطلب السوداني ويتنازل عن المثلث ومن ثم زيادة السخط العام المصري على السيسي، وإما التصعيد تجاه السودان ومن ثم يعطي ذلك مبرراً للسودان في دعم أثيوبيا في مشروع سد النهضة.

وفي إطار هذه الاعتبارات، يمكن القول أنه في كل الأحوال لم ولن تصبح قضية حلايب وشلاتين أمراً مصرياً سودانياً فقط، فهناك أطراف أخرى لها دور في حسم هذا الملف، في مقدمتها السعودية التي دخلت المعادلة بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع نظام السيسي، وشرائها جزيرتي تيران وصنافير (14).

—————————

الهامش

(1) مثلث حلايب وشلاتين، موسوعة ويكبيديا، الرابط

(2) 6 أسئلة تشرح حقيقة النزاع المصري السوداني حول حلايب وشلاتين، ساسة بوست، 14 أكتوبر 2014، الرابط

(3) النزاع المصري السوداني حول حلايب وشلاتين، معهد العربية للدراسات، أبريل 2013، الرابط

(4) Red Sea island transfer revives Egypt-Sudan border dispute, al-monitor, 2016/05 link

(5) حلايب وشلاتين.. بوادر أزمة بين مصر والسودان، موقع الجزيرة نت، 21 أبريل 2016، الرابط.

(6) القاهرة ترد على الخرطوم: حلايب وشلاتين مصرية، هافينغتون بوست عربي، 18 أبريل 2016، الرابط

(7) السودان السودان يدعم التحالف بلواء بري والإمارات تسحب جنودها من اليمن، موقع روسيا اليوم، 19 سبتمبر 2015.

(8) السودان تستدعى سفيرها من طهران، موقع دوت مصر  4 يناير 2016، الرابط.

(9) الجامعة العربية تصنف حزب الله منظمة إرهابية، الجزيرة نت، 11 مارس 2016، الرابط

(10) د. الحسين الشيخ العلوي، صراع الإرادات السعودي-الإيراني في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، مركز الجزيرة للدراسات، نوفمبر 2015، الرابط

(11) د. عمر فضل الله، لماذا ستعيد مصر حلايب وشلاتين الى السودان؟، موقع النيلين، 19 أبريل 2016، الرابط

(12) محجوب محمد صالح، نزاع السودان ومصر حول حلايب، صحيفة العرب القطرية، 3 يونيو 2016، الرابط

(13) السودان يرفض سحب شكواه ضد مصر بالأمم المتحدة بشأن “حلايب وشلاتين”، اليوم السابع، 1 يونيو 2016، الرابط

(14) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close