fbpx
قلم وميدان

الدولة العربية الحديثة وإشكالياتها الكبرى

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

من أولويات العمل لنهضة الأمة المسلمة ورفعتها هو الانتصار في معركة الفكر أولاً، فعلى الجماعة الثورية حين تخوض معركة التغيير وترفع ألويتها، أن تقرر لنفسها النموذج المعرفي الذي تنطلق منه وتنبثق عنه، وبناء نموذج حضاري رصين يضمن لهذه الأمة استقلاليتها الفكرية والثقافية ابتداء، إن أي تحرك ميداني في مجالات معركة التغيير والتحرر على أي صعيد، لن لأن يصنع انتصارا جوهريا بنيويا ما لم يستند في الأصل إلى ذلك النموذج الحضاري معبرا عنه ومتمثلا إياه، وينطلق من قيمه ومحدداته الفكرية والثقافية.

وحين تقرر الأمة أن تكون نهضتها تتماهى مع النموذج الحضاري لعدوها أو مع النموذج الحضاري السائد لكونه سائدا ومهيمنا، متغافلة بذلك حقيقة كينونتها ومتناسية هويتها وتفردها فإنها تسير في فلك التمدن لا التحضر، فالتمدن لا يعدو “استخدام أدوات المدنية الحديثة المتوفرة بسبب تقدم العلوم والتكنولوجيا واقتصاديات السوق الحر”، والتحضر هو “منهج تفكير وقناعات مع ما يستتبعه ذلك من تصرفات وممارسات على المستوى الشخصي والعام”(1).

 

ومفهوم الدولة الحديثة ونسقها السياسي والاجتماعي هو أحد تطبيقات النموذج الحضاري الغربي الذي يريد البعض تطبيقه كما هو على مجتمعاتنا، بل ويرى هذا هو منتهى الحضارة والترقي. ولكي تتسم الجماعة الثورية بالموضوعية العقلانية الهادئة، يجب أن تتناول موضوع “الحداثة” بشكل من التنوع في النظر إليه من عدة زوايا.

 

أولاً: نشأة الدولة الحديثة بالعالم الإسلامي:

يمكن القول إن ميلاد الدولة الحديثة في العالم الإسلامي كان عملية ممتدة بدأت منذ عهد الإصلاحات في الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد عرفت هذه الإصلاحات بالتنظيمات، والتي بدأت فيها الدولة العثمانية تطور من تنظيمها الإداري والقانوني على النسق الغربي كردة فعل لسلسلة من الهزائم العسكرية وتردى الأوضاع داخل الأقاليم بها (2)، ورجع البعض إلى ما قبل ذلك، إلى أوائل القرن التاسع عشر، حيث عهد الحملة الفرنسية ودولة محمد على (3).

ومن قراءة العوامل التي ارتبطت بظهور الدولة الحديثة في العالم العربي والإسلامي يمكن الخروج بملاحظة أساسية هي أن ميلاد الدولة الحديثة في المنطقة العربية كان تعسفيا قسريا، وأنه لم ينتج عن تطور اجتماعي وسياسي طبيعي، فالدول الاستعمارية مدفوعة بعوامل أيديولوجية اتبعت سياسات تستهدف إضعاف وتوهين البنى الاجتماعية والسياسية في المستعمرات مثل المؤسسات التعليمية والقضائية والسياسية، وإحلال بنى هذه المؤسسات بمؤسسات جديدة تتواكب مع تنظيمها السياسي الحديث (4).

فالدولة الحديثة صنيعة المستعمر بجدارة، ولم تكن وليدة التطور الاجتماعي بالجماعة البشرية بالدول العربية، وهذا ما قاله برهان غليون في “نقد السياسة” حين قال “لقد دخلت الدولة الحديثة في الحياة السياسية العربية كثمرة جاهزة، مقطوعة عن الخبرة التاريخية الطويلة التي أنشأتها، وفاقدة لنظم القيم والفكرية والأخلاقية التي تعطى للمجتمع القدرة على التعامل الصحيح معها، وهذا هو الذي يُفسر لماذا تحولت الدولة الحديثة في الواقع العربي إلى فكرة هشة الجذور والمرتكزات، وقليلة العمق في الشعور أو في الضمير الفردي والجمعي، مفتقرة في ذاتها إلى روح الحركة، وفاقدة للغايات الحافزة، وعاجزة عن الإنجاز” (5).

 

ثانياً: طبيعة نظر النخبة للدولة الحديثة:

لا شك أن النخبة هي المنوط بها القيادة الفكرية والثقافية لعموم الأمة وسوادها، وبعضاً من النخبة يرى “أن الدولة الحديثة بمثابة “القدر” الغالب على تلك الأمة الذي لا يمكن الهروب منه، وأن دور الطلائع الفاعلة الحقيقي يكمن فقط في عقلنتها لتكون أكثر ملائمة للشعوب والمجتمعات الإسلامية والعربية”(6)، وآخرون يرون أن الدولة الحديثة بكل تفاصيلها وتطبيقاتها يجب أن تنمحي تماما من حيز التفكير والتطبيق على حد سواء(7)، وآخرون يرون أن نسق الدولة الحديثة هو النسق اللازم اتباعه وتطبيقه دون أدنى مطالبة بالتفكير خارج أطره لأنه وفق وجهة نظرهم النموذج الحضاري الملائم لكل شعوب الأرض(8).

وجميعهم يرون أن الدولة الحديثة كمفهوم وتطبيق في إخفاق وتردى، وأصبحت الدولة الحديثة غير قادرة على الإجابة على الأسئلة الحرجة الكبرى لدى الجماعة الإنسانية، وأصبح هناك خللا بنيويا في مدى قدرتها على تحقيق الاستقرار الفكري والثقافي والذي نتج عنه بالضرورة خللا في كل مناحي الحياة، وكل يعزى ذلك إلى أسباب ودوافع تخدم أيدولوجيته “وأصبح الصراع الأن يدور بين فريقين: الفريق المنحاز للفكرة الغربية، والذي يرى أن إخفاق تجربة الحداثة كان بسبب الأبنية والتقاليد الموروثة، وعليه يجب القضاء على هذا البناء التقليدي. والفريق الثاني المنحاز للموروث، يرى أن استيراد الفكرة الغربية هو سبب حالة التغريب والاغتراب، وهو ما يسبب المزيد من التدهور، والحل في نظر هذا الفريق يكمن في العودة للأصول الموروثة”(9).

 

ثالثاً: إشكاليات الدولة الحديثة

حين يتفق كثيرون على أن حالة الدولة الحديثة في إخفاق وانحدار، بعيدا عن نظر كل فريق إلى المسببات والدوافع، فإننا نتساءل عما هي أهم المعضلات والإشكاليات الحقيقية للدولة الحديثة.

 

الإشكالية الأولى: الدولة الحديثة والاحتكار:

تكمن إحدى إشكاليات الدولة الحديثة في أنها تحتكر كل قدرات وإمكانات الأمة في يد السلطة، فالسلطة بالدولة الحديثة تحتكر العنف والمعرفة والتشريع والتقاضي والاقتصاد، حيث “يقوم الجانب السياسي في الدولة القومية الحديثة على أسطورة التحكم الكامل في كل مناحي الحياة، الاجتماعية والاقتصادية والطبيعية، حيث التحكم في أدوات الاقتصاد وفي حياة الفرد من ممارسة السلطة المباشرة سواء أكانت الآمرة أو التأثير، أي  القائمة على الإقناع، بجانب التحكم في الطبيعة لغرض الإنسان الذي تحكمه الدولة، وللوصول إلى أكمل نمط للدولة الحديثة”(10).

وكما يقول “بول كاهن” في تعريفه للسياسي في إطار الدولة الحديثة: “السياسي وحده يملك السلطة على الحياة والموت، ويبدأ عندما أستطيع أن أتخيل أنني أضحي بنفسي وأقتل الآخرين حفاظا على الدولة. ولا تتحقق الدولة الحديثة بشكل كامل عندما تحميني من العنف، بل عندما تجندني في قواتها المسلحة” (11).

 

الإشكالية الثانية: الدولة الحديثة وإلغاء الأمة والمجتمع

لم يقتصر دور بناة الدولة الحديثة بمجتمعاتنا على بناء مؤسسات الدولة فقط، ولكن كان دورهم أيضا هو تقليص دور المجتمع والعمل الأهلي وقدرة المجتمع على أدارة شئونه بنفسه، “فيصبح المطلوب ليس فقط بناء أنظمة قانونية لتحقيق الديمقراطية، ووضع نظام يحدد حقوق الإنسان، ضمن برنامج للحداثة والتقدم، ولكن المطلوب أيضا تفكيك البناءات التي تعد أولية وبدائية وتتعارض مع الحداثة. وهو ما يعنى وجود أعمال لتغيير بنية الأمة العربية الإسلامية كجزء من المشروع السياسي للحداثة الغربية” (12).

وقوانين الدولة الحديثة عملت على تفكيك البنية الاجتماعية للأمة، ولم تأت كتعبير متسق مع هذه البنية، ولم تخرج منها، فأصبحت هذه التعديلات الحداثية المؤسسية والتشريعات منقطعة الصلة بالبناء الاجتماعي الموروث، مما يترتب عليه حدوث ازدواجية بين البنية الاجتماعية وبنية الدولة، وهذا الوضع يؤدى في تصورنا إلى إضعاف كلا الطرفين، فتكون المحصلة بناء مشوها وغير فاعل للدولة، وتفكيكا للبنية الاجتماعية الموروثة، وتحجيم دورها وتقليل وظائفها وفاعليتها” (13).

وعليه فإن الدولة الحديثة جردت المجتمع من كل قوة ومن كل منعه، فجعلته غير فاعل ولا مؤثر في موجات التدافع البشري، ومكنت للاستبداد والسلطوية كما لم يكن من قبل.

 

الإشكالية الثالثة: الدولة الحديثة والحدود:

جاءت الدولة الحديثة بتقسيم الأقطار الإسلامية إلى وحدات جيوبولوتيكية تشغل حدوداً ثابتة ومحددة بدقة، وكان هذا السياق يصطدم بشكل فج مع ثوابت الأمة الهوياتية والثقافية، فكيف لهذه الفكرة أن تتسق مع أمة خرج من بينها “سليمان الحلبي” الذي غضب لأهل مصر وقتل “كليبر” إثر ذلك، وهو حلبي في الأصل والمنشأ؟ إن فكرة تقسيم المجتمعات الإسلامية إلى دويلات، يكون الانتماء والولاء عند مجتمع للدولة المرسومة حدودها مسبقا من قبل المستعمر، هو أمر كان صادما وغير مستساغا في الفكر والثقافة لدى الأمة.

إن وحدة الأمة كانت أهم ما يميزها ويجعل لحظات الضعف التي تعتريها لا تؤثر تأثيراً وجودياً عليها كمجموع، لأنه “عندما تتوحد الأمة وتصبح على اتصال مباشر بين أجزائها وشرائحها، وتلتحم في تفاعل إنساني، وتشترك في الفعل الحضاري، عندئذ تتحول الحضارة المشتركة إلى درجة من التوحد في البنية الاجتماعية، وتقوم الأمة الواحدة، والتي تختلف في درجات توحدها وتفاعلها من زمن لآخر، وبين مكان وآخر، ولكن يبقى الانتماء هو المشَّكل لهوية كل جماعة فرعية، والذي يفضى إلى الانتماء للأمة، بوصفه الفعل الأساسي للوجود الاجتماعي والحضاري والثقافي للأمة”(14).

 

خلاصة

إن تلك الحالة المشوهة التى نصل لها بعد سنوات من سيادة فكرة الدولة القومية الحديثة، تؤدى إلى دولة في أفضل الظروف غير قادرة على تحقيق النهضة، أو بنية اجتماعية للأمة، حين سحبت منها أدوات فاعليتها فلم تعد مؤهلة لتحقيق نهضتها، وعلى الجماعة الثورية في مصر أن تتمثل معركتها وأن تعنون أهدافها بأنها ثورة على الدولة الحديثة فكريا وثقافيا ابتداءا والتحرر والاستقلالية من تطبيقاتها السلطوية المستبدة. (15).

————————————-

الهامش

(1) حسن محسن رمضان، مقال بعنوان “الحضارة والمدنية ” موقع الحوار المتمدن

(2) نوح فيلدمان: ترجمة الطاهر بوساحيه، سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها، الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2014، ص: 93-95

(3) براق زكريا: الدولة والشريعة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت 2013 ص: 138

(4) Martin van Creveld, The Rise and Decline of the state (Cambridge، UK: Cambridge University Press , 2000, 319

(5) برهان غليون: نقد السياسة: الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط4، 2007، ص 560

(6) بشير نافع في إحدى محاضراته بمركز جسور – إسطنبول، مايو 2016

(7) النخب الإسلامية الراديكالية الأصولية

(8) النخب العلمانية

(9) رفيق حبيب: الأمة والدولة بيان تحرير الأمة، دار الشروق، 2001، ص 16

(10) وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، المركز العربي للأبحاث ودارسة السياسات، الدوحة، 2014، ص 88.

(11) إمام عبد الفتاح إمام، مدخل إلى الميتافيزيقا، نهضة مصر، القاهرة، 2005، ص 18

(12) رفيق حبيب، مصدر سابق، ص 40

(13) المصدر السابق

(14) المصدر السابق

(15) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close