دراسات

الربيع العربي ـ الواقع والآفاق: رؤية استشرافية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة

انطلقت ثورات الربيع العربي بعد تراكم المظالم والتدهور الذي لم يترك مجالا واحدا إلا حل فيه الخراب والانهيار بفعل الفساد والاستبداد والحكم القمعي، والذي يعمل بالوكالة عن قوى استعمارية تسعى للهيمنة على مقدرات الإقليم وثرواته وإرادته المستقلة.

انطلقت الثورات لتحمل معها مطالب الناس وأحلامهم وطموحاتهم عبر مخاض وميلاد عسير يمهد لمستقبل جديد وتغيير اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي جذري، من حيث القيم والأفكار والعلاقات والأدوات، ولعظم ذلك يكون من المنطقي أن تواكب كل ثورة، ثورتان: ثورة في التوقعات والطموحات أمام اتساع الآمال في التغيير، وثورة مضادة تقف خلفها قوى النظام القديم التي هددت الثورة مصالحها، ونالت من مكتسباتها.

ولا تشكل ثورات الربيع العربي استثناءً من هذه القواعد، فقد وُلدت مُحملةً بثورة مضادة ليس فقط داخل دول الثورات، ولكن ثورة مضادة في عموم الإقليم، مدعومة من أطراف دولية، وجدت في هذه الثورات تهديداً حقيقياً لمصالحها ونفوذها ورغبتها في استمرار تبعية دول المنطقة ونظمها وشعوبها لتدور في فلكها، في إعادة جديدة بآليات جديدة للاستعمار ومنظومته.

وفي إطار هذه الاعتبارات تقوم هذه الورقة على تناول محورين أساسيين، وذلك على النحو التالي:

أولاً: الربيع العربي: الواقع وتحدياته

ثانياً: الربيع العربي: آفاق المستقبل

المحور الأول

الربيع العربي: الواقع وتحدياته

يتفق الكثير من المحللين والمتابعين أن الثورات العربية قد كسرت حاجز الخوف في المجتمعات العربية وأسست لتاريخ جديد لا يمكن التراجع عنه، وأنها أعادت العرب إلى التاريخ بعد أن كانوا خارجه لعدة قرون عانوا خلالها من الاستعمار والاستبداد والهيمنة والتبعية، وأصبح المؤكد استناداً لكثير من المؤشرات أن هذه المنطقة، والنظم السياسية والاجتماعية التي تحكم دولها، لن تعود لما كانت عليه قبل هذه الثورات، وأن المسار الثوري، طال أم قصر، سيقود فى النهاية لإقامة دول ديمقراطية أكثر قوة وفاعلية، وأكثر تعبيراً عن إرادة شعوبها وتحقيقاً لآمالهم وطموحاتهم.

ونظراً لأن الثورات العربية لم تكتمل مراحلها ولم تنجز كامل أهدافها ولم تستقر بعد، فإن  الوقت لازال مبكرا لإعطاء حكما قاطعا حول مدى تأثيراتها في البنية الاجتماعية والنظم السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية للمنطقة العربية.

وفي إطار هذه الاعتبارات، و بعد  رفع الواقع القائم و عمل تقدير دقيق للموقف في دول الثورات العربية، تبرز مجموعة من المظاهر والتحديات، من بينها:

  1. انفراط قواعد الحياة العامة ونظم الأمن السابقة، وحاجة دول الربيع لإعادة بناء هذه المؤسسات بوصفها الضامن لانتقال سلمي للسلطة نحو مرحلة الديمقراطية والحرية في البلاد.
  2.  تحدي التجانس: فثورات الربيع ليست كيانا متجانسا فالتناقضات قد تعصف بالقوى الفاعلة فيها، ليس فقط على مستوي دول الإقليم ولكن على مستوي الدولة الواحدة، بل على مستوي الفصيل أو الكيان الواحد.
  3. تعدد المشكلات البنيوية في دول الربيع، فالثورات والانتفاضات أنعشت الولاءات الأولية (القبلية والطائفية والعرقية والدينية والجهوية)، بما انعكس سلباً على مفهوم وكيان الدولة الوطنية في هذه البلدان، هذا بجانب وجود معوقات ترتبط بالبنية الفكرية والسياسية لهذه المجتمعات، برزت في ردود فعل سلبية تجاه العمليات الثورية.
  4. تحدي بقايا النظم السابقة: فثورات الربيع العربي لم تنجح خلال السنوات الخمس الماضية في في استئصال جذور الأنظمة السابقة، وفي تطهيرها من رموز الفساد والتسلط، فهذه العناصر ما زال خطرها قائما وتجعل مسار التغيير صعبا وبطيئا، كما أن الحشد والحشد المضاد أعاق عملية التحول إلى الديمقراطية.
  5. تحدي الوضع الاقتصادي المتهالك وضعف وهشاشة أجهزة الدولة ومؤسساتها في جميع دول الربيع العربي، مما يجعلها غير قادرة على القيام بوظائفها بفاعلية وكفاءة.
  6. أسلحة القوى والمليشيات التي ترتبط بفترة المواجهة والحرب، تشكل أيضا تحديا أمام عملية التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، وتقتضى الضرورة إلى نزعها ووضع حد لمظاهر التسلح في المجتمع(1 ).
  7. تنامي قضايا الأقليات وإثارتها من جانب القوى الدولية، حيث تشكل ورقة الأقليات (الدينية، العرقية، المذهبية، الطائفية، الإثنية)، في حال فشل السياسات الداخلية في إدارتها، أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها القوى الخارجية في إدارة صراعاتها مع بعض الأطراف الأخري، يزيد من خطورة هذه الورقة في المنطقة العربية، أنه لا توجد دولة عربية تتسم بالتجانس الكامل، بل إن بعض الدول تتعدد فيها الأقليات ومعها تتعدد أنماط ومظاهر التدخل الإقليمي والدولي، ومع تبادل الاتهامات بالخيانة والتشكيك في الولاء والانتماء تستفيد أطراف الخارج في نشر سياسات التفكيك والتدمير الداخلي في هذه الدول.
  8. دور القوى الأجنبية، التى تسعى في ظل الأوضاع العربية الحالية إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: إشاعة الفوضى وتقويض الأمن والاستقرار في الدول العربية، وتمزيق وحدة المجتمعات العربية وإثارة الصراعات الداخلية بين مختلف قوى المجتمع وخصوصا على أسس طائفية، وإضعاف استقلال الدول العربية وقدرتها على التحكم بمقاديرها، واستغلال هذا الصراع لصالح أهدافها الاستراتيجية أو تستبدل كل ذلك بدعم غير محدود لسلطة مركزية قمعية تتحكم وتسيطر على الشعوب وثرواته وتكون تابعة لأجندات تلك القوى الأجنبية ومصالحها على حساب الشعب وأمنه ومصالحه.
  9. تعاظم احتمالات تقسيم عدد من الدول العربية على خلفية تطورات الثورات الشعبية والانتفاضات الاجتماعية التي شهدتها هذه الدول، وفي مقدمة هذه الدول كل من سوريا وليبيا واليمن الأكثر عرضة للتفكيك وإعادة التركيب، بعد العراق والسودان واللذان أصبح تقسيمهما أمراً واقعاً.
  10. ظهور وتمدد قوى التطرف والإرهاب – وخاصة داعش – والتي أصبحت تمثل تهديدا داخل المجتمعات الراغبة في التغيير وكذلك تمثل تهديدًا إقليميا ودوليًا.
  11. ظهور فاعلين جدد من غير الدول علي ساحات هذه الدول، فهناك 15 قوة تقريبا تتنازع في العراق، و8 فصائل رئيسية في السودان، وعدة أطراف في فلسطين، ولبنان، وعدد لا يحصي من الفاعلين في الصومال(2 )، بجانب عشرات القوى في سوريا واليمن وليبيا، وكذلك في مصر.
  12. أكدت تحولات الربيع العربي خلال السنوات الخمس الماضية أن الصراعات التي تشهدها دول الربيع لن تبقى ذات طبيعة سياسية فقط، يقتصر الانخراط فيها على النخب التي تملك مشاريع وأجندات خاصة، لكن ممارسات النظم الاستبدادية والتسلطية والعسكرية سوف تدفع كل فئات المجتمع إلى الانخراط فيها.
  13.  مشاركة بعض الأقليات والطوائف المختلفة في ثورات الربيع العربي كانت من بين أهم العوامل التي ساهمت في زلزلة نظم الفساد والاستبداد، الأمر الذي يفرض على جميع القوي الثورية ترسيخ وتعزيز حقوق الجميع في وطن جديد، يكونوا شركاء حقيقيين في بناء حاضره ومستقبله، يجمعهم إيمانهم بوطن حر تكون الكلمة العليا فيه للشعوب لا لحكم الفرد أو القمع أو سيطرة منظومة المصالح الخاصة والفساد والاستبداد.
  14.  أكدت تحولات السنوات الخمس الماضية أن التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية، كانت أكثر إيمانا بقيم الديمقراطية، وأكثر حرصاً على ترسيخها وتعزيزها، مقارنة ببعضٍ من تيارات أخري، كانت هذه القيم بالنسبة لها أقرب إلى الشعارات منها إلى الرسوخ، وهو ما جعل بعض تلك التيارات الأخرى تتحالف مع نظم الفساد والاستبداد وتستدعي المؤسسات العسكرية للانقضاض على استحقاقات الثورات الشعبية.

المحور الثاني

الربيع العربي: آفاق المستقبل

إن الثورات العربية القائمة على خلفية عوامل الفقر والاضطهاد والتهميش ومصادرة الحريات الشخصية والعامة، سيبقي رهانها على المستقبل واضحًا وحاسماً وفاعلاً، في ظل مجتمعات عربية تشهد عملية تغيير جذري في الوعي والقيم، أمام عملية تثوير حقيقية لكل القطاعات وعبر كل المستويات، لم تستطع آلات القمع والبطش والاستبداد الحيلولة دون تناميها وتصاعدها.

لقد أظهرت ثورات الربيع العربي أهمية الحاجة للتغيير الحقيقي الجذري وليس لمطالب جزئية إصلاحية لا تؤثر في منظومة الفساد والاستبداد والحكم القمعي، كما أثبتت إرادة الملايين وصمودها وثباتها وإبداعها في مجال التغيير الثوري بعد عدة سنوات من اندلاع الثورات في مواجهة كل التحديات التي أمامها، أن ما كان يُوصف بالصعب أو المستحيل ليس إلا مجرد تحديات يمكن تخطيها بالعزيمة والإصرار وحسن التخطيط والعمل الدؤوب المبدع المتواصل، فالثورات ما قامت إلا للتخلص من هذا الواقع، و ما تعمل الا على تجاوز كل المعوقات والتحديات حتي يتحقق ذلك.

إن نظرة متفحصة لحال الأمة العربية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن المستقبل للثورات وإرادة الشعوب، فإرادة المستبدين وحلفائهم لم تقدم أي شئ على أي صعيد لشعوبها ولا بلادها، وتشهد المؤشرات الاقتصادية والخدمية والتنموية والصناعية والزراعية والتعليم والبحث العلمي بذلك.

لقد تحجرت نظم الاستبداد والفساد ولم تعد تملك حتى خداعا فكريًا أو ثقافيًا أو سياسيًا، أصبحت لا تملك إلا الرصاص والقمع والتعذيب.

إن شرارات الربيع العربي أثبتت أن أعمدة نظم الاستبداد والفساد والظلم ليست قوية كما هي ظاهرة حتى وإن تسلحت بالرصاص والقنابل ، فقد نجحت تلك الشعوب في لحظات فارقة أن تقوض تلك المنظومة وتضعفها وكادت أن تقضي عليها ، والمتأمل لحال الشعوب العربية يدرك أن الربيع العربي لم يكن مجرد لحظة طارئة أو حالة عابرة بل هو رغبة اصيلة متجذرة تنبئ ان المستقبل لها لا للقشرة المستبدة الحاكمة.

إن التأمل الدقيق لعمق المطالب العادلة وتجذرها في المجتمعات العربية التي جهرت بها وثبتت عليها بجعلنا ندرك أن النظم المستبدة عاجزة عن مواجهة تلك المطالب وعاجزة عن تعطيل وتأخير هذا المستقبل المنشود، لذا فهم لا يملكون إلا إعادة تدوير أدوات حكم بالية قديمة أملا أن تخدع الشعوب وتخدرها تحت وطأة مداعبة الأحلام بوعود زائفة أو تخويفهم بالقمع والترهيب، لكن تتابع الأحداث وتفاقم الأزمات وتزايد الوعي المجتمعي وتزايد النخب والقوى الحية جعل من تلك الخدع أمرا سريع الانكشاف مما يفسر بعضا من أسباب قوة عزائم الثائرين حتى الآن.

وإذا كان الواقع ينبئ عن ضعف بنيوي وانهيار وشيك في منظومات الفساد والاستبداد ، وينبئ أيضاعن حركة المجتمعات التي تحركت نحو المستقبل وتلمست بعضا من مطالبها ولم تعد تطيق صبرا الجلوس والخنوع ، كما يؤكد عن الوعي بوجود أمة واحدة متقاربة رغم الحدود والتقسيمات، إلا أن الهموم واحدة والآمال مشتركة بل وحالتها الثورية ورغبتها الثورية واحدة وظاهرة دون اتفاق أو تنسيق، فإننا نرى أنه على القوى الحية التي تسعى لمستقبل أفضل والتي تؤمن بضرورة التغيير الجذري والتطهير الحقيقي، تبني عدد من السياسات والإجراءات، في مقدمتها:

  1. تعزيز دور الشعب في مواجهة قوى الثورة المضادة وقوى الاستبداد والفساد في الداخل والخارج، وهو ما يفرض على القوي الثورية تنسيق الجهود، وتوزيع الأدوار وحسن الاستفادة من الإمكانات والقدرات ليس فقط داخل كل دولة من دول الربيع العربي على حدة، ولكن في إطار من التشبيك مع القوي الثورية في هذه الدول، بل والعمل على خلق شراكات حقيقية وراسخة مع كل القوى المؤمنة بالحرية والديمقراطية، في كل دول العالم، في مواجهة كل نظم الفساد والاستبداد والتسلط.
  2.  إعداد قيادات جديدة لخوض غمار التغيير الثوري، قيادات قادرة على نشر الوعي الحقيقي، وتثوير مختلف الفئات والمستويات، في ظل ائتلافات حقيقية – لا شكلية – وكيانات متماسكة، وبناء جبهات ثورية، ليس فقط لحماية الثورة، ولكن لتحقيق وترسيخ عمليات التغيير الجذري.
  3.  ضرورة التقييم الجاد للرؤى والأفكار ومسارات العمل وآلياته، والنظر الجدي في أي مراعات مطلوبة وفق مقتضيات المرحلة وما بها من تغيرات كبيرة وسريعة ، وعدم القبول بأي مبررات لتسويف عمليات التقييم والمراجعات .
  4.  الحرص والاهتمام بالمرجعية الدينية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لأن استبعاد الدين بأي شكل من الأشكال، أو جعله مادة للخلاف بين القوى السياسية المتصارعة، محكوم عليه بالفشل، ويترتب عليه من المخاطر أكثر مما يترتب من مكاسب لأي فريق، فهو مصدر تعبئة لجهود المواطنين من أجل تغيير حضاري يُرسي نظام ديمقراطي مدني ويبني تنمية شاملة.
  5. تبني سياسات من شأنها تحييد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي حتى تضمن الثورات مزيدا من القدرة على الاستمرار والفاعلية في تحقيق أهدافها، فالمؤسسة العسكرية أداة قادرة على إغراق أي ثورة في بحور من الدماء والفوضي والتنكيل بكل القوي والعبث بكل المقدرات، كما حدث في ليبيا وكما يحدث الآن في سوريا، وكما شهدت مصر في مجزرتي رابعة والنهضة وغيرها.
  6. الإعداد الجيد لإعادة الهيكلة السريعة والفاعلة للأجهزة الأمنية وتفكيك آلات القمع والقهر، من خلال تبني استراتيجية محددة الأركان، واضحة السياسات، سعياً نحو احتواء وتطهير الأجهزة الأمنية وفصلها عن قوى الثورة المضادة، مرحلياً، وصولاً لإصلاح عقيدتها الأمنية والعسكرية التي تنال من كل الحقوق والحريات.
  7. العمل على تحييد العامل الخارجي : أمام طبيعة الدور الذي قامت به القوى الخارجية (الإقليمية والدولية) في دعم الثورات المضادة ودعم أركان النظم التي قامت ضدها الثوارت في دول الثورات العربية وخاصة في التجربة المصرية تأتي أهمية تبني عدد من السياسات التي من شأنها تحييد دور هذا العامل، والذي جاء مرتبطاً بطبيعة التداعيات التي أفرزتها، أو يمكن أن تفرزها هذه الثورات إقليمياً ودولياً، حيث تختلف التداعيات الإقليمية والدولية باختلاف زوايا النظر إليها، وباختلاف الدولة التى قامت فيها الثورة، وباختلاف الأطراف المباشرة المعنية بهذه الثورة، حيث تختلف درجة هذه الاهتمامات من ثورة إلى أخري، فما يهم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والاتحاد الأوروبي من مصر هو التزامها باتفاقيات كامب ديفيد، وعدم تحرير إرادة الشعب وسيطرة الإسلاميين علي النظام الجديد، وما يهم الاتحاد الأوروبي من ليبيا هو استمرار تدفق النفط، ومن تونس التصدي للهجرات غير الشرعية وعدم وصول الإسلاميين للحكم، ووقف انتقال العدوى الثورية لباقي دول المغرب العربي، … وهكذا.

وحتي يمكن للثورات العربية التعاطي بفاعلية مع هذه الأبعاد، وتحييد دور العامل الخارجي في دعم الثورات المضادة والنظم السابقة، تأتي أهمية التأكيد على أن هذه الثورات تمثل بداية عصر جديد للشعوب العربية التي استعادت ثقتها بنفسها، وبداية لتشكيل أوضاع إقليمية جديدة، تراعي مصالح الدول والشعوب العربية بالمقام الأول، أوضاع من شأنها الحد من استراتيجيات الهيمنة والوصاية والتدخل التي مارستها وتسعي إلى الاستمرار في ممارستها بعض القوى الدولية، خاصة وأن استكمال هذه الثورات لنجاحاتها من شأنه أن يحول بين أي سلطة عربية جديدة والعودة إلي سياسات التبعية للخارج وإلي القمع والاستبداد في الداخل.

  1. ترسيخ الاستقلال التنظيمى للجماعات المكونة للمجتمع: فالوجود الشرعى للأحزاب السياسية والجماعات ذات المصالح واندماجها فى نظام دستورى مشروع يمثل قيمة أساسية لتعزيز الحرية والديمقراطية، الأمر الذى يعنى أن التعددية تنطوى على التسامح والقبول بحكم الأغلبية والحكومة المقيدة وحماية الحقوق الأساسية.
  2. التمثيل المكثف للمصالح المتعددة الخاصة والعامة داخل إطار الحكومة وتأثير جماعات المصالح الخاصة سياسيا وإداريا من خلال أساليب عمل جماعات الضغط والتمثيل المباشر فى بعض الهيئات ومشاركتها فى صنع القرارات في بعض الإدارات العامة.
  3. التأكيد على أن الروابط والعلاقات بين الأفراد والجماعات هى الأساس، والدولة ليست سوى تعبير عن هذه العلاقات التكاملية، وأساس هذا التكامل هو الالتزام بالقيم المشتركة والإحساس بالانتماء المجتمعى واحترام القانون والاعتقاد بنزاهته والاعتدال فى العمل السياسى والالتزام بالعمل التدريجى، والحفاظ على التماسك الاجتماعى الذى ينبع من الرضا والاتفاق بين الأفراد والجماعات، واعتماد الوسائل السلمية لتغيير نمط العلاقات السائدة.

خلاصة:

قامت ثورات الربيع العربي كعمل شعبي خالص نتيجة لتراكم نضال طويل، في وقت تراكم فيه العجز والفشل والتدهور في منظومات الفساد والاستبداد.

ورغم ما يمكن أن تواجهه الثورة من تحديات إلا أن التحليل الدقيق يدلل على قدرتها على تجاوز تلك التحديات، وأن ما أنجزته في لحظات مباغتة وصادمة لمنظومات الفساد والقمع والاستبداد يمكنها أن تـُتمّه وتحققه وتحميه، بما اكتسبته من خبرات وقدرات أمام منظومات فاسدة بالية تملكتها عوامل الضعف والتحجر والانهيار، وهو ما يتطلب العمل الجاد على تقليص التأثيرات السلبية للانتماءات الضيقة على عملية التحول الديمقراطي، وتعزيز وحماية قيم المشاركة السياسية من خلال التحرك بفاعلية لبناء ثقافة للعيش المشترك تستند إلى تكريس أسس ومبادئ المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية.

وكذلك العمل على إعادة بناء أجهزة الدولة ومؤسساتها – وبخاصة الأمنية – على أسس جديدة، بل وإعادة تأسيس مفهوم الدولة وشرعيتها في الوعي الجمعي لمختلف الفئات والتكوينات الاجتماعية التي تعيش على أراضيها، بحيث تستقطب تدريجياً الولاء الأسمى لمواطنيها.

وأن تعمل قوى الثورة الحية الصلبة على إنجاح عملية التحول الديمقراطي من خلال تطوير فعلها الثوري وخطاباتها السياسية، وتحديث ِهياكلها التنظيمية، وتوسيع قواعدها الاجتماعية من خلال ممارسة العمل الثوري والسياسي بين الجماهير وليس عبر وسائل الإعلام، سعياً نحو بناء وتعزيز وترسيخ الإرادة الشعبية، التي تشكل الضامن الأكبر لإنجاح الثورات.

—————————————–

الهوامش

(1) آفاق التحول إلى الديمقراطية في بلدان الربيع العربي في ظل الواقع العربي الراهن، النص متاح على الرابط
(2) د. محمد عبدالسلام، ما بعد الثورات: إدارة الصراعات الداخلية في المنطقة العربية، مجلة السياسة الدولية، يوليو 2012.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *