fbpx
فيروس كورونادراسات

السياسات الدولية وإدارة أزمة كورونا: تجارب وخبرات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تعتبر أزمة كورونا إحدى أشد الأزمات الوبائية خطورة على مر التاريخ نظرا لما أحدثته من تغييرات وتفاعلات فجائية على مختلف الأصعدة لم تقتصر فقط على الجانب الصحي بل أفرزت انعكاسات ضاغطة على الاقتصاد العالمي، كما شهد العالم من خلالها انتكاسة حقيقية على مستوى تدبير السياسات العامة لمعالجة مسارها، ولذلك ظهرت الحاجة إلى ضرورة تطوير أدوات إدارة الأزمات وبالأخص الأزمات الصحية، بحيث شكلت أزمة وباء كورونا المستجد العابر للحدود اختبارا حقيقيا لصناع القرار في جميع دول العالم حول إدارتهم لها، بحيث اختلفت الأساليب والوسائل المتبعة في تدبيرها من دولة إلى أخرى.

فبينما فشلت غالبية الدول في امتحان إدارة الأزمة بسبب القيادات المتسلطة أو الضعيفة التي أثبتت عدم كفاءتها في زمن الأزمات نتيجة استخفافها بطبيعة وخطورة الأزمة وغياب رؤى واضحة لمعالجتها عكستها القرارات الخاطئة والعشوائية التي شكلت منعطفا خطيرا في تحول الأزمة إلى كارثة حقيقية، نجحت أخرى في الاختبار بفضل الحكامة الجيدة التي جسدتها مجموعة من القيادات عبر رسم استراتيجية موسعة اتخذت على إثرها قرارات عاجلة وحاسمة كانت سببا رئيسا في احتواء الوباء وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية. فانطلاقا من ذلك ما هي أبرز الدول التي شكلت نماذج يحتذى بها في إدارة أزمة كورونا؟ وما هي الاستراتيجية التي نهجتها هذه الدول لتشكل تجربة رائدة في ظل هذه الأزمة الوبائية؟

أولا: مفهوم إدارة الأزمات في ظل أزمة فيروس كورونا

أصبح لمفهوم الأزمة تشعبات واسعة إذ لم يقتصر على الأزمات السياسية، الاقتصادية والأمنية بل امتد إلى الطبية والنفسية والاجتماعية والثقافية خصوصا في ظل جائحة كورونا التي أفرزت مفهوما واسعا وشاملا للأزمة، وكيف لأزمة صحية أن يكون لها تأثيرات واسعة على مختلف المجالات. ويعتبر العديد من الباحثين أن عالم الآرمات اليوم له خصوصياته التي تجعلها أزمات توصف بأنها فوق التقليدية نتيجة لتأثيراتها العاجلة والواسعة باعتبارها لا تؤمن بمنطق الحدود الوطنية.

وقد ظهر مفهوم الأزمة لأول مرة في العلوم الطبية قبل أن ينتقل ويتوسع إلى باقي العلوم والحقول المعرفية الأخرى، ليصبح مفهوما شاملا لكافة أشكال وأنواع الأزمات. وتعتبر الأزمة بمفهومها العام: “ذلك الخلل الفجائي الذي يؤثر تأثيرا ماديا على النظام بأكمله، باعتبارها تهدد العناصر الأساسية الرئيسية التي يقوم عليها هذا النظام، ولذلك يجب توفر عنصرين في الأزمة، أولهما حدوث خلل ذي تأثير شديد على النظام ينجم عنه آثار مادية أو مالية جسيمة، وثانيهما أن تشكل تهديدا للنظام واستمراريته[1] .

ومن كل ذلك، يمكن استنتاج أن الأزمة تتميز بخصائص عدة أبرزها[2]:

  • عنصر المفاجأة: بحيث يكون الحدث مباغتاً، الأمر الذي يؤدي عادة إلى نشوب حالة من الارتباك التي تشل نمط الحياة الاعتيادي، وكذا حدوث خلل لدى النظام بجميع هياكله نتيجة حالة التوتر والفزع التي أفرزته الأزمة.
  • عنصر الوقت: وهو عامل ضاغط، بحيث يخلق عنصر المفاجئة مشكلة على مستوى الوقت المتاح لمواجهة مخاطر الأزمة، فتصاعد أحداثها وبكيفية متسارعة ومتوالية، يفقد المعنيين بإدارة الأزمة القدرة على الاستيعاب الجيد لمدركاتها، لذلك فعنصر الوقت يعد من أهم سمات الأزمة لأن صناع القرار يجدون أنفسهم أمام متلازمة اتخاذ القرار الحاسم والسريع.
  • عنصر المعلومة: يعتبر توفر المعلومات الكافية المدخل الأساسي لعملية اتخاذ القرار في مراحل ومستويات الأزمة، لذلك فإن عدم توفر المعلومات والبيانات المتعلقة بالأزمة يخلق إشكالية كبيرة في عملية اتخاذ القرارات المناسبة التي يجب أن تتواءم مع طبيعة الأزمة ومدى خطورتها، ولذلك ففي ظل أزمة فيروس كورونا كان لغياب عنصر المعلومة حول الفيروس الأثر البالغ في اتساع رقعته الجغرافية وبمعدل انتشار سريع وخاطف، ما وضع أغلب الحكومات في مأزق اتخاذ القرار الملائم للوضعية الوبائية.
  • عنصر التهديد المادي والبشري: تشكل الأزمة تهديدا مباشرا للنظام العام سواء على المستوى المادي أو البشري، وتمثل أزمة فيروس كورونا مثالا على مدى التهديد الذي نجم عنها والذي خلف خسائر مادية لا حصر لها شملت جميع القطاعات وأبرزها القطاع الاقتصادي الذي سجل ركودا اقتصاديا شبيها بأزمة 1929، وخسائر بشرية بالغة وصل معها عدد وفيات الفيروس إلى معدلات قياسية بحيث تجاوزت المليون حالة وفاة .

ويرى العديد من الباحثين أن أزمة فيروس كورونا المستجد من الأزمات الشديدة باعتبارها حدثا صادما وغير متوقعا شكّل ضغطا كبيرا على صانعي القرار في مختلف بلدان العالم، وذلك بسبب ضخامته وخطورته وسرعة انتشاره الذي كان يستلزم معها توفر الآليات والوسائل العلمية للحد من استفحاله أو التقليل من انتشاره. وقد كان للأخطاء المرتكبة من طرف صانعي القرار على المستوى العالمي من خلال التقليل من أهمية الحدث على الرغم من انبعاث مؤشرات خطورته من بلده الموطن الصين، الأثر البالغ في إدارة هذه الأزمة الصحية نتيجة الفهم الخاطئ وضعف التعامل مع أحداثها مما أدى إلى تحولها لكارثة عالمية بسبب ما خلفته من أضرار لا حصر لها سواء بشرية أو مادية عصفت بالنظم الصحية والاقتصادية وخلفت آثارا نفسية واجتماعية بالغة.

وقد أثبتت أزمة فيروس كورونا أهمية علم إدارة الأزمات في العصر الحالي والذي شهد العديد من المتغيرات الفجائية والمتشابكة، تجاوزت فيها تأثيراتها الحدود القومية إلى المستويات الإقليمية وصولا إلى العالمية، ويجمع العديد من الباحثين في مختلف المجالات سواء في علم الإدارة أو العلوم السياسية أو العلاقة الدولية بأن إدارة الأزمات معناها هو كيفية التغلب على الأزمة بأدوات وأساليب علمية وموضوعية لتجنب عواقبها وذلك من خلال اتخاذ إجراءات طارئة يفرضها ضغط وحجم الأزمة وذلك من أجل إصلاح الخلل الناجم عنها في سبيل خلق التوازن للتكيف مع متغيراتها المختلفة[3].

ولذلك، ومن خلال نموذج أزمة فيروس كورونا، فإن  إدارة الأزمة تستوجب التحكم في أحداث فجائية سواء قبل وقوعها وأثناء حدوثها أو بعد الانتهاء من محطاتها، وذلك عبر مجموعة من الإجراءات والمخططات الاستراتيجية  التي ترسمها الدولة للتعامل مع الأزمات الطارئة للسيطرة عليها، وهي تتجلى في التالي[4]:

  1. أهمية التخطيط في القدرة على التنبؤ بالأحداث المستقبلية أي على ما قد يحدث،
  2. محاولة التعرف على حجم وطبيعة الأزمات المحتملة خصوصا الفجائية مثل الأزمة الصحية لجائحة كورونا العالمية،
  3. التعامل الفعال مع الأزمة وذلك من خلال إيجاد كافة البدائل المتاحة لمنع وقوعها مستقبلا أو على أقل تقدير التقليل من حدة آثارها والإعداد لمواجهتها عند حدوثها.
  4. المرونة والقدرة على التعامل السريع مع تغيرات الأزمة بحيث شهدت أزمة فيروس كورونا المستجد أحداثا وتطورات متسارعة بفعل تغير الوضعية الوبائية بين الفينة والأخرى وتصاعد تأثيراتها سواء الصحية أو الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
  5. توفير المعلومات الكافية بالسرعة المطلوبة بما يُمكَن من تحديد أبعاد الأزمات ووضع المؤشرات لما سيترتب عليها من نتائج.
  6. القدرة على خلق مناخ تنظيمي عبر التنسيق الفعال بين مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة سواء الصحية أو التنظيمية أو الإدارية وغيرها لمواجهة مخلفات الأزمة والحد من آثارها السلبية.

ولذلك فإن العناصر الشديدة الأهمية التي يجب توافرها في إدارة الأزمات  والتي تمثل أزمة كورونا أكبر مثال حي لكيفية إدارة الأزمات بطريقة ناجحة هي كفاءة القيادة ووعيها في معالجة الأزمة عبر استراتيجية وتخطيط واضح المعالم لمجابهة كافة التحديات، ويتحمل القادة في مثل هذه الأزمات الفجائية مسؤولية قيادة فريق العمل أو خلية الأزمة لاتخاذ القرارات المناسبة التي تتوافق مع ظروف وتحديات وسياقاتها.

وقد كان للقيادة دور حاسم في التعامل مع الأزمة الوبائية لأزمة كورونا بحيث أثبتت بعض التجارب نجاحها في وضع استراتيجية فعالة للتعامل مع هذه الرجة الوبائية بينما فشلت أخرى في تدبيرها نتيجة الاستهانة بخطورة الوضع الوبائي من جهة وتسييس هذه الجائحة العالمية من جهة أخرى.

ولذلك كان على الدول في بداية جائحة كورونا العالمية أن تضع تقييما موضوعيا حول مدى خطورة الوضع الوبائي ومن ثم تحديد أولويات التعامل مع الأزمة، وذلك من خلال تأمين صحة المواطن وتحقيق التوازن في استخدام الموارد الطبية المتاحة سواء الآلياتية أو البشرية، لأن طبيعة الأزمة وتعقيداتها والتعامل مع عنصر الزمان يحتاج إلى اتخاذ قرارات عاجلة دقيقة وواقعية لتفادي تفاقم الوضعية الوبائية.

ثانيا: نماذج ناجحة في إدارة أزمة فيروس كورونا

في الوقت الذي تشهد فيه غالبية البلدان انتكاسة في تدبير ومعالجة أزمة فيروس كورونا المستجد كوفيد-19، تفرز الأزمة من جهة أخرى تجارب إيجابية في إدارة أزمة هذه الجائحة، فعلى الرغم من اختلاف المناخ العام لمعالجتها إلا أن النتائج العامة أثبتت نجاح البعض منها ولو بشكل نسبي في السيطرة على الأزمة ومخلفاتها، وأبرز هذه الدول هي: 

نيوزيلندا

تعتبر نيوزيلندا من أهم الدول التي استطاعت النجاح في تدبير جائحة كورونا العالمية، من خلال نهجها استراتيجية تعتمد على المزج والتفاهم بين الحكومة والمواطن وذلك من خلال الثقة المتبادلة للطرفين وهو ما انعكس واقعيا من خلال الحد من انتشار فيروس كوفيد-19 وجعل نيوزيلندا من أكثر البلدان نجاحا في تدبير جائحة كورونا. فما هي إذا أسباب النجاح حكومة جاسيندا أرديرن؟ وماهي الاستراتيجية التي نهجتها الحكومة النيوزيلندية للسيطرة على الأزمة؟

استراتيجية نيوزيلندا في مواجهة أزمة فيروس كورونا

اختلفت استراتيجية الحكومة النيوزيلندية في مواجهة أزمة فيروس كورونا عن باقي الدول، بحيث نهجت أسلوبا مغايرا وغير تقليدي في تعاملها مع الأزمة عبر استحداث مجموعة من الإجراءات، وكانت أبرز أساليب خطة إدارة الحكومة للأزمة كالتالي:

المستوى الأول: الإغلاق الشامل: تعاملت الحكومة النيوزلندية بذكاء شديد حول قضية الإغلاق وذلك عبر استراتيجية محكمة ومدروسة، فكان الإغلاق عبر مراحل وبشكل تدريجي وحتى قبل تسجيل أول حالة في البلاد، بحيث وضعت رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن خطة واضحة المعالم من خلال اتخاذ قرار الإغلاق الكامل لمنع انتقال فيروس كورونا إلى الحدود النيوزيلندية[5]، وقد شملت سياسة الإغلاق أربع مستويات وذلك حسب الخطورة من الرابع إلى الأول وبشكل تدريجي وهي[6]:

المستوى الثاني: قررت الحكومة النيوزيلندية إعلان حالة الطوارئ، و إغلاق غالبية الأنشطة الاقتصادية والتجارية والمؤسسات التعليمية، مع ترشيد السكان بضرورة العزل الذاتي وعدم مغادرة المنازل إلا للضرورة القصوى وفي مسافات قريبة وذلك لحماية المجتمع من خطر فيروس كورونا المستجد كوفيد-19[7].

المستوى الثالث: بعد تاريخ 28 أبريل وعلى إثر ملاحظة استقرار الوضعية الوبائية، سمحت الحكومة وفق لجنة خاصة بتقييم المخاطر والإجراءات المتبعة، بعودة المدارس والمطاعم بشكل تدريجي ومحدود، ونشاط بعض الشركات، ومباشرة الموظفين والعاملين لعملهم مع تأمين عودة مليون مواطن إلى عمله، مع إلزام الشركات والإدارات باتخاذ التدابير الاحترازية وتدابير التباعد الاجتماعي من أجل سلامة جميع العائدين إلى مقرات عملهم.

المستوى الرابع: اتخذت الحكومة النيوزيلاندية قرار الانتقال من المستوى الثالث إلى الثاني، بتاريخ 14 مايو، وذلك بالسماح بإعادة فتح الأعمال التجارية واستئناف السفر الداخلي مع إبقاء الحدود الخارجية مغلقة في وجه غير النيوزيلنديين، بالإضافة إلى رفع قيود الإغلاق والمحافظة على التباعد الاجتماعي في التجمعات والأماكن العامة، كما قررت في 18 يونيو عودة الحياة الدراسية بشكل كامل[8].

المستوى الأول: وقد اتخذت رئيسة الوزراء النيوزيلندية قرار الانتقال إلى حالة التأهب في مستواها الأول، وذلك من خلال إلغاء قيود التباعد الاجتماعي التي كانت مفروضة في المستويات السابقة ورفع القيود على التجمعات العامة مع إبقاء الحدود مغلقة[9].

1ـ وضع خطط اقتصادية واجتماعية عاجلة:

كانت الحكومة النيوزيلندية من أوائل الدول التي اتخذت تدابير اقتصادية واجتماعية سريعة مع تنفيذها بطريقة فورية، بحيث ضخت حزمة مالية في بداية الأزمة تصل إلى 62 مليار دولار  نيوزيلندي أي ما يساوي أكثر من 20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك حتى  سنة 2023، كما تم الكشف عن حزمة من الإجراءات الاقتصادية لمواجهة تداعيات كورونا وذلك بقيمة وصلت إلى 12 مليار دولار نيوزيلندي أي ما يعادل حوالي 4 من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، بحيث تم دعم الشركات وأرباب العمل المتضررين من سياسة الإغلاق بحوالي 9 مليار دولار نيوزيلندي لتسهيل عملية دعم أجور العاملين فيها مع تبسيط المساطر الخاصة بالضرائب وإلغاء التعريفات الجمركية على جميع الواردات التي تقتضيها الظرفية على وجه الخصوص الطبية، مع تسهيل الحصول على القروض لفائدة الشركات الصغرى. أما اجتماعيا فتم دعم المواطنين خصوصا الفئات الأكثر احتياجا نتيجة زيادة معدلات الإنفاق بحوالي 3 مليار دولار، كما تم تعزيز خدمات الرعاية الصحية من خلال تخصيص 500 مليون دولار نيوزيلندي لصالح صندوق الرعاية الصحية[10].

2ـ تكثيف الاختبارات:

منذ يناير الماضي كانت نيوزيلندا على قدر كبير من اليقظة، بحيث نجحت في سياسة الاختبارات الشاملة والتي وصل عددها في بداية الجائحة إلى نسبة تقدر ب 30 ألف اختبار كل يومين مع تضاعف أعدادها مع مرور الوقت لتصل إلى حدود نهاية سبتمبر  إلى حوالي مليون اختبار مقارنة بعدد ساكنتها التي تتجاوز 5 مليون. وقد تم توسيع الاختبارات من خلال إنشاء مراكز خاصة في كل منطقة سكنية لإجراء هذه الاختبارات لمجموعات محددة من السكان تفاديا لانتقال عدوى الفيروس، وتتبع الحالات المخالطة بشكل دقيق، بالإضافة إلى التنسيق بين الأجهزة المختصة لتتبع الوضعية الوبائية عبر وسائل التواصل من خلال تقديم مجموعة من الخدمات[11].

3ـ عمليات التعقب:

من أجل مراقبة الوضعية الوبائية وتعقب الحالات المشتبه فيها والمخالطين، استعانت الحكومة النيوزيلندية بالتكنولوجيا عبر توظيف تطبيق إلكتروني وهو (NZ Covid Tracer) بهدف تحديد مواقع الحالات المصابة ومخالطيها، مع تحديد مواعيد وأماكن إجراء الاختبارات، وقد كان لعنصر التكنولوجيا دور فاعل وعامل مساعد للسيطرة على انتشار الفيروس[12].

4ـ مراقبة الحدود:

تعتبر الرقابة والسيطرة على منافذ وحدود البلاد، من أكثر الإجراءات الصارمة والشديدة الأهمية، التي ساعدت بنسبة كبيرة في منع انتشار فيروس كورونا المستجد على نطاق واسع في نيوزيلندا، بحيث أنه منذ شهر مارس أغلقت حدودها في وجه السياحة على الرغم من أن الاقتصاد النيوزيلندي يعتمد على مداخيل هذا القطاع بشكل كبير بحيث يصل عدد السياح الأجانب الذين يزورون نيوزيلندا سنويا بحوالي 4.5 مليون[13]. لكن الحكومة النيوزيلندية وحماية لمواطنيها والقاطنين بها رفعت شعار الصحة قبل الاقتصاد لحماية البلاد من تفشي واسع لفيروس كورونا المستجد.

أسباب نجاح التجربة النيوزيلندية

يرجع نجاح التجربة النيوزيلندية في تدبير وإدارة فيروس كورونا إلى مجموعة من الأسباب من أهمها:

1ـ القيادة الناجحة:

يعتبر عنصر القيادة ضروريا في مرحلة تدبير الأزمات، وذلك عبر وضع استراتيجية لمعالجة كافة التحديات المتولدة عنها، وقد كان للقيادة النيوزيلندية في شخص رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن دور رائد في تدبير محكم للجائحة عبر اتخاذ مجموعة من القرارات الحاسمة وذلك من خلال إدراكها السريع للخطر الذي يواجه مواطنيها جراء استفحال جائحة فيروس كورونا عالميا، ومواجهة ذلك بخطط خاطفة وعقلانية من خلال توفيرها لجميع المتطلبات التي تحتاجها البلاد في ظل هذه الظرفية الاستثنائية[14]. وقد ازدادت شعبية جاسيندا أرديرن في ظل أزمة فيروس كورونا أكثر من السابق بعد اتخاذها أحد أصعب القرارات -الإغلاق الشامل- والتي أشاد بها الجميع سواء المواطن أو علماء الأوبئة والأجهزة المختصة المعنية بمراقبة الوضعية الوبائية، بحيث أجمع العديد منهم وعلى رأسهم مايكل بيكر ونيك ويلسون بجامعة أوتاغو على القيادة الرائعة والحاسمة والإنسانية لرئيسة الوزراء والتي وضعت نيوزيلندا في المسار الصحيح نتيجة اليقظة الكبيرة للقيادة والتي ترجمت من خلال استجابتها السريعة لمواجهة مخاطر فيروس كورونا من خلال تنفيذ استراتيجية فعالة كان لها دور حاسم في نجاح التجربة النيوزيلندية[15].

2ـ علاقة الحكومة بالمواطن (تواصل-تضامن-شفافية):

تعتبر الحكومة النيوزيلندية من أكثر الحكومات اهتماما بالتواصل مع المواطن حتى قبل الجائحة  وكان لأسلوب التواصل الذي نهجته القيادة النيوزيلندية تأثير كبير في تعزيز مؤشر الثقة بقدرة الحكومة على مواجهة أزمة الفيروس، كما كان له دور مهم في رفع نسبة الأمان والطمأنينة لدى السكان بحيث ساهم هذا التواصل السلس في إيصال المعلومة بكل دقة وشفافية للمواطن وذلك استنادا إلى البيانات العلمية.

وقد ارتفع مؤشر الثقة في الحكومة منذ البداية من خلال الإجراءات الاستعجالية التي اتخذتها حمايةَ للمواطن، بحيث سهرت على التواصل الصريح والدائم عبر إرسال رسائل نصية مفصلة وتشجيعية يغلب عليها الطابع التضامني تشرح من خلالها الأسباب التي أدت إلى اتخاذ حزمة نت الإجراءات من طرف السلطات المختصة للحد من تطور الوضعية الوبائية وكذا التدابير الاحترازية والوقائية الواجب الالتزام بها[16].

بالإضافة إلى قيام رئيسة الوزراء شخصيا بتقديم النشرة الوبائية اليومية لفيروس كورونا المستجد، وذلك قصد اطلاع المواطن على مستجدات الوضعية لإبقاء الرأي العام على معرفة مستمرة، هذه الأمور التي انعكست إيجابا من خلال التزام السكان بكافة التوجيهات والإجراءات الصادرة عن الجهات الرسمية، بحيث وجهت رئيسة الوزراء في إحدى تصريحاتها الصحفية رسالة لهم مفادها ضرورة الاتحاد في مواجهة كوفيد-19 عبر القوة والتضامن، وقد ساهم كل ذلك في نسج علاقة تواصلية-تضامنية-شفافة ساهم في نجاحها الحكومة والمواطن معا. بحيث كان المواطن جزءا فاعلا في حل الأزمة وشريكا رئيسيا إلى جانب الحكومة في مواجهة جائحة كورونا[17].

3ـ أولوية صحة المواطن:

رفعت الحكومة النيوزيلندية شعار الصحة قبل الاقتصاد بحيث وضعت صحة المواطن ضمن أولوياتها على عكس العديد من بلدان العالم التي وضعت الاقتصاد قبل الصحة، وقد ترجم ذلك عبر استجابتها السريعة لمتطلبات المرحلة بفرضها العديد من القيود والتدابير والتي أكدت فيها أن تعريض حياة المواطن إلى الخطر  هو أكثر شيء يضر الاقتصاد[18].

ألمانيا:

تعتبر ألمانيا من أبرز الدول خصوصا في محيطها الأوروبي المتضرر من جائحة كورونا التي استطاعت إلى حد ما النجاح في خطتها لمواجهة خطر فيروس كورونا المستجد كوفيد-19، وذلك عبر اتخاذ الحكومة الألمانية حزمة من التدابير والقرارات التي استحسنها الألمانيون واعتبرها العديد من الخبراء من النماذج الناجحة في إدارة هذه الأزمة الصحية، فما الاستراتيجية التي رسمتها ألمانيا لتدبير أزمة كورونا؟ وما هي أسباب التفوق الألماني في الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر البشرية والمادية؟

استراتيجية ألمانيا في مواجهة فيروس كورونا

اتبعت ألمانيا استراتيجية مختلفة عن باقي البلدان الأوروبية، فعلى الرغم من الارتباك الواضح في بداية الجائحة بفعل تأثيرات المحيط الأوروبي الذي عرف موجة انتشار سريعة وعلى نطاق واسع للفيروس، إلا أنها استطاعت استدراك الأمر من خلال الاعتماد على استراتيجية متوازنة جعلتها في وضع أفضل من نظيراتها من دول الجوار الأوروبي وتبرز أهم الخطوط العريضة للخطة الألمانية في التالي: 

وضع خطة صحية محكمة: وضعت الحكومة الألمانية خطة استثنائية ومحكمة لمواجهة هذه الأزمة الطارئة عبر تجهيز كل المرافق الصحية بجميع المستلزمات الطبية اللازمة لمرضى كوفيد-19، وتعتبر المنظومة الصحية الألمانية الأقوى تطورا في العالم بحيث تتوفر على طاقم كبير من الأطباء الذي يتجاوز عدده نصف مليون طبيب وكذا أسطول ضخم من المستشفيات والذي يتجاوز تعدادها 1927 مستشفى بحيث تبلع طاقاتها الاستيعابية نصف مليون سرير، بالإضافة إلى مضاعفة  وحدات العناية المركزة إلى 40 ألف سرير وهو الأكبر أوروبيا، وقد ساهم هذا العامل بشكل أساسي في انخفاض معدلات الوفيات في ألمانيا[19].

الفحوصات الاستباقية: على خطى نيوزيلندا اتبعت ألمانيا أيضا خطة استباقية من خلال الفحص المبكر وذلك على نطاق واسع من أجل اكتشاف الحالات المصابة بشكل أسرع وحصر المخالطين لهم وإبقائهم في الحجر الصحي وذلك من أجل احتواء الفيروس على نطاق ضيق من خلال الإبقاء على سلاسل عدوى في مساحات محدودة. ومن أجل ذلك تم تخصيص أكثر من 100 مختبر متخصص، وقد وصلت عدد الفحوصات الأسبوعية إلى حوالي مليون اختبار بمعدل أكثر من 150 ألف فحص يومي، وقد كانت لهذه الخطة نتائج إيجابية باعتبارها من بين أحد الأسباب التي جعلت ألمانيا الأقل وفيات أوروبيا. وذلك من خلال إدراكها لطبيعة وخطورة وشدة انتشار هذا الفيروس الفتاك لذلك سعت بشكل كبير إلى تفادي ما عانت منه إيطاليا وغيرها من الدول التي انهارت منظومتها الصحية نتيجة الارتفاع المهول في عدد الإصابات والوفيات والاكتظاظ الذي شهدته مستشفياتها التي لم تعد تستوعب الأعداد الكبيرة من الإصابات، هذا الأمر الذي أثّر بشكل كبير على عمل الأطقم الطبية والصحية بشكل عام والتي كانت في مواجهة مباشرة مع الفيروس[20].

مشاركة الجيش في مواجهة فيروس كورونا: تعتبر خطة مشاركة الجيش وذلك من خلال مساعدته للمنظومة الصحية في أداء مهامها هي إحدى الخطوات الإيجابية التي ساعدت على نجاح التجربة الألمانية، بحيث يتوفر الجيش الألماني على أسطول كبير من الأطباء والممرضين، وفي هذا الجانب أعلن الجيش حالة التعبئة العامة من خلال استدعاء دفعات من جيش الاحتياط الذي استجابت أعداد كبيرة منهم لنداء تقديم المساعدة ومن بينهم الكوادر الصحية والتي شملت الأطباء والممرضين والصيادلة وحتى المساعدين الاجتماعيين، هؤلاء الذي كان لهم دور كبير وفاعل في هذه الأزمة الصحية، وقد ساهم عمل قيادة مركزية مشترك بين الجيش وفريق إدارة الأزمة بشكل كبير في احتواء متطلبات المرحلة عن طريق توفير كل الوسائل اللوجستية والبشرية اللازمة في هذه الظرفية الاستثنائية[21].

خطة اقتصادية اجتماعية وعاجلة: لم تقتصر ألمانيا على وضع خطة صحية استعجالية فقط، بل قامت بوضع خطة طوارئ اقتصادية-اجتماعية ترجمت عن طريق ضخ حزمة مالية ضخمة تتجاوز تريليون يورو، وذلك في سبيل مساعدة الشركات المتضررة خصوصا المتوسطة والصغرى وذلك من خلال تسهيل إمدادها بالقروض التي تحتاجها بصورة عاجلة. وأيضا تعويض الأشخاص الذين فقدوا أعمالهم بسبب الجائحة، بالإضافة إلى تقديم الدعم الكامل للمؤسسات الصحية بالأخص دعم مؤسسات البحث العلمي الخاصة التي تسعى إلى إيجاد لقاح لفيروس كورونا المستجد كوفيد-19. كما تم الاتفاق على تقديم دعم للأسر المعيلة بقيمة 300 يورو عن كل طفل[22]، وتوفير تمويل إضافي للبلديات لمواجهة تزايد البطالة. أما فيما يخص الضريبة، فقد اعتبرت الحكومة الألمانية التخفيض من قيمة الضريبة عنصرا هاما في خطة التحفيز الاقتصادي، حيث تم تخفيض معدل ضريبة القيمة المضافة من 19 بالمائة إلى 16 بالمائة وذلك لمدة ستة أشهر ابتداء من النصف الثاني من السنة الجارية، بالإضافة إلى تأجيل دفع ضرائب الدخل المستحقة على الشركات والرسوم الإضافية التضامنية، وغرامات التأخير في السداد بالنسبة للشركات التي تأثرت من أزمة كورونا[23].

عوامل نجاح التجربة الألمانية في تدبير جائحة كورونا

تعتبر التجربة الألمانية نموذجا فريدا في إدارة أزمة كورونا، بحيث تمكنت الحكومة الألمانية بفضل السياسة التي نهجتها في تدبير الجائحة وفي كافة المجالات من السيطرة إلى حد كبير على الأزمة سواء صحيا أو اقتصاديا واجتماعيا بخلاف الدول الأوروبية التي أخفقت إلى حد كبير في احتواء الأزمة، وترجع أسباب النجاح الألماني إلى مجموعة من العوامل من أبرزها:

القيادة الناجحة: أنجيلا ميركل أو كما يسميها البعض المرأة الحديدية نتيجة الحكمة والخبرة والشفافية التي يتميز بها أسلوبها القيادي في إدارة الأزمات والذي تترجمه إلى أفعال وليس أقوال، هذا الأسلوب الذي تعتمد من خلاله على الحقائق عبر تقديم المعلومة والتوافق من خلال إشراك الجميع سواء المعارضة أو المواطن إلى جانب المؤسسة الحكومية في صناعة القرار خلال الأزمات. وهو ما بلورته جائحة كورونا التي رفعت من خلاله ميركل شعار الديمقراطية التشاركية هي أساس النجاح في زمن الأزمات[24].

وقد لقي تدبير ميركل لأزمة كورونا إشادة واسعة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، فداخليا ساهمت أزمة كورونا في ارتفاع أسهم أنجيلا ميركل نتيجة التأييد الشعبي لها بسبب إدارتها الناجحة للأزمة، وذلك بحسب العديد من استطلاعات الرأي، فحسب معهد كانتار فقد تصدرت المستشارة الألمانية السياسيين الأكثر شعبية في البلاد بنسبة تفوق 70 بالمائة، هذا الأمر الذي ساهم في ارتفاع نسبة تأييد حزبها إلى معدلات قياسية بعد التراجع الكبير الذي عرفه قبل الأزمة، وذلك بحصوله على 40 بالمائة من تأييد المواطنين الألمان. أما المعارضة الألمانية فأشادت بشكل لافت بإدارة ميركل الحكيمة للأزمة في ظل هذه المرحلة الاستثنائية، واعتبارها نموذجا قائدا يحتذى به في استراتيجية مجابهة أزمة كورونا[25].

على المستوى الخارجي، أشادت منظمة الصحة العالمية عبر مدير مكتبها الأوروبي باستراتيجية ألمانيا في مواجهة كورونا من خلال قدرتها على التعامل السريع والناجع مع هذه الجائحة من خلال القيادة القوية والحكيمة للمستشارة الألمانية. فيما خصت العديد من الصحف العالمية صفحاتها للتجربة الألمانية في ظل جائحة كورونا تحت القيادة الحكيمة لأنجيلا ميركل.

كما أشاد مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس بجهود المستشارة الألمانية في مواجهة أزمة فيروس كورونا، بحيث اعتبرها شخصية قيادية وصوتا واضحا، مثمنا جهودها على الصعيد الدولي للتصدي للتداعيات الخطيرة التي أفرزتها جائحة كورونا[26].

الاستجابة السريعة: استجابت الحكومة الألمانية بسرعة كبيرة على عكس إيطاليا وإسبانيا وفرنسا في إدارة أزمة كورونا وذلك من خلال ازدواجية التعامل السريع في معالجة الأزمة الصحية بجانب تقديم الحلول الاقتصادية والاجتماعية الناجعة لاحتواء  التداعيات الخطيرة للأزمة، وذلك عبر ضخ المنظومة الصحية بالطاقة اللوجستية والموارد البشرية اللازمة حماية لصحة المواطنين، وتقديم حزمات مالية ضخمة من أجل مواجهة التداعيات الاقتصادية وتوفير الدعم للمؤسسات والشركات والموظفين والعاملين فيها ضمانا لحقوقهم، وتقديم المساعدة الاجتماعية عبر الدعم الأسري، وذلك في سبيل الحفاظ على التماسك الاجتماعي[27].

العلاقة القوية بين الحكومة والمواطن: تقوم العلاقة بين الحكومة والشعب الألماني على التعاون والتضامن، إذ يعتبر هذا العنصر من أهم عوامل نجاح التجربة الألمانية، بحيث لا يمكن لأي حكومة أن تنجح في إدارة أزمة جائحة كورونا دون مشاركة الشعب في تدبيرها، وقد أكدت العديد من الاستطلاعات الثقة الكبيرة الذي يضعها الألمان تجاه حكومتهم والتي تزايدت في ظل أزمة كورونا،  كما أكدت مدى رضى الألمان عن أداء مؤسسات الحكومة في معالجة الأزمات المتولدة عن جائحة كورونا، من خلال الاستجابة العاجلة في تقديم الخدمات العامة وتعزيز الدعم الاقتصادي والاجتماعي بالإضافة إلى شفافية الحكومة في مصارحة المواطنين بالوضع الحقيقي للأزمة . عامل الثقة في مؤسسات الدولة كان له دور إيجابي من خلال تفاعل الألمان وإدراكهم لخطورة الأزمة ومن تم مساعدة الدولة في مكافحة فيروس كورونا عن طريق الالتزام العالي بتطبيق الإجراءات والتعليمات الإرشادية الصادرة عن السلطات الحكومية[28].

تركيا

التجربة التركية في إدارة أزمة كورونا

تعد تركيا من أبرز الدول على الصعيد العالمي التي قدمت نموذجا ناجحا فيما يخص التعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد، من خلال نهجها استراتيجية مختلفة عن التي اتخدتها البلدان الأخرى، وذلك بفعل التضامن والتنسيق القوي بين كل مؤسسات الدولة والجهات المحلية فيما يخص مواجهة الأزمة الصحية، أو التبعات الاقتصادية والاجتماعية. ومن أجل الحد من المخاطر المتولدة عن الجائحة اتخذت السلطات التركية العديد من الإجراءات والتدابير العاجلة لدرء التحديات الصحية والاقتصادية والاجتماعية. بحيث اعتمدت على استراتيجية معتدلة وسطية في مكافحتها لفيروس كورونا زاوجت فيها بين الإغلاق الجزئي والكلي، والحظر الشامل والمؤقت. وانطلاقا من ذلك، ما هي الاستراتيجية التي وضعتها تركيا لمواجهة مخاطر فيروس كورونا؟ وما هي عوامل نجاح تجربتها في مواجهة التبعات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لفيروس كورونا؟

الاستراتيجية التركية لمواجهة كورونا

خطة صحية وسوسيواقتصادية عاجلة: وضعت تركيا خطة استباقية لمواجهة مخاطر فيروس كورونا الصحية والاقتصادية، وذلك قبل بداية انتشار فيروس كورونا في تركيا فقد استشعرت الحكومة التركية خطورة الوضع منذ بداية العام الجاري، من خلال ملاحظتها سرعة انتشار الفيروس الذي انتقل من العمق الآسيوي إلى العمق الأوروبي، ولذلك سارعت بوضع خطة صحية شاملة لمعالجة أي طارئ بكيفية عاجلة ومنظمة، ومن أجل ذلك قررت الحكومة التركية تشكيل لجنة علمية لمواجهة فيروس كورونا تضم الخبراء تضم 31 خبيرا في المجال الصحي في الأوائل من يناير 2020، مهامها مراقبة الوضع الوبائي وتقييم تطوره والتخطيط استنادا للنتائج المتوصل إليها، وذلك من أجل السيطرة على الوضع الوبائي على جميع المستويات سواء فيما يخص التدابير الاحترازية والإجراءات الوقائية للحد من انتشاره[29]، أو على صعيد تعزيز القطاع الصحي بجميع التجهيزات اللوجستية من خلال تحديد المستشفيات الخاصة بمرضى كورونا، بالإضافة إلى تجهيز أماكن العزل الخاصة داخل المستشفيات وأيضا توفير الطاقة البشرية الكافية من أجل الاستجابة لكل متطلبات الوضعية الوبائية[30].

وفي نفس الوقت، وضعت الحكومة التركية مجموعة من الحزم والتدابير للتقليل من الخسائر الاقتصادية والأضرار الاجتماعية، وعلى إثر ذلك أعلنت عن خطة استعجالية تحت مسمى ˝درع الاستقرار الاقتصادي˝ خصصت لها ميزانية 100 مليار ليرة أي ما يعادل 15.5 مليار دولار، وتضمنت حزمة درع الاستقرار مجموعة من البنود من أهمها إطالة فترة تسديد قروض الشركات والمصانع المتضررة من كورونا ودفعات الفائدة للبنوك لمدة ثلاثة أشهر، تأجيل سداد أقساط الضمان الاجتماعي المستحقة من 3 إلى 6 أشهر، وكذا تقديم الدعم للمصدرين في مرحلة الأزمة نتيجة التراجع الكبير في قيمة الصادرات، بالإضافة إلى الدعم المخصص من أجل الدعم الاجتماعي والأسري وذلك عبر ضخ ملياري ليرة إضافية لميزانية وزارة الأسرة والعمل لتقديم المساعدات المالية للعائلات المتضررة من الجائحة ومحدودة الدخل، وذلك من خلال منحة شهرية تصل إلى 1000 ليرة، وأيضا رفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد بقيمة تصل إلى 1500 ليرة[31].

الكشوفات المبكرة وسياسة التعقب: فاقت عدد اختبارات فيروس كورونا في تركيا أكثر من 11 مليون[32]، بمعدل يومي يفوق 100 ألف تحليل، ويرجع السبب في ذلك اعتمادها في أزمة كورونا على نظام مختلف عن باقي الدول في احتواء الفيروس، وهو البحث عن مصدر العدوى وليس المسح الشامل، وتم الاعتماد من خلاله على التكنولوجيا عبر تطبيق °فيلياسيون “Filyasyon وهو مصطلح طبي يعني عملية مسح سلسلة الأشخاص المحتمل إصابتهم، ويراقب حوالي  أكثر من ربع مليون شخص من خلال هذا التطبيق في مجموع البلاد، كما اعتمدت تركيا في عملية الرصد والكشف على معدات محلية الصنع دقيقة وسريعة، وفريق أنشئ لهذا الغرض اسمه ” تتبع أثر كورونا” مهمته البحث عن المخالطين للمرضى وتحييدهم للتأكد من سلامتهم وذلك للحد من انتشار العدوى[33].

وتعتبر استراتيجية التشخيص المبكر وزيادة عدد الفحوصات من أهم الطرق الناجحة لاحتواء زيادة العدوى السريعة للفيروس. وبذلك يتم تشخيص الحالات مبكرا، مما يؤدي إلى تسريع مراحل العناية دون تطورها إلى معدلات كبيرة.

الإغلاق والتقييد الجزئي: اعتمدت تركيا على نهج معتدل فيما يخص سياسة الإغلاق الجزئي للاقتصاد وتقييدها المشروط لحركة المواطنين وذلك بصفة تدريجية، بحيث خضعت المؤسسات الاقتصادية لإغلاق جزئي. بحيث لم تغلق تركيا اقتصادها بالكامل على عكس باقي الدول وهذا العامل ساهم بشكل كبير في عدم تدهور الأوضاع بشكل كبير. فعلى الرغم من تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي إلا أن الاقتصاد التركي شهد نموا بنسبة 4.5 في الربع الأول من العام الجاري[34].

أما على مستوى التقييد الجزئي لحركة المواطن فقد اتخذت الحكومة التركية ابتداء من شهر أبريل قرار حظر  التجوال على 31 ولاية في نهاية كل الأسبوع بالإضافة إلى العطل الرسمية، كما تم تقييد حركة الأشخاص ما دون سن العشرين أو فوق الخامسة والستين من العمر  بشكل كامل، مع السماح لباقي المواطنين بالخروج لكن في مناطق ومساحات محدودة مع شرط التقيد بالإجراءات الاحترازية والوقائية. كما أغلقت حدودها بشكل تدريجي سواء البرية والجوية على حسب وضعية الدول من الأكثر تضررا إلى الأقل تضررا من هذه الجائحة العالمية.

عوامل نجاح تركيا في مكافحة فيروس كورونا

يرجع نجاح التجربة التركية في إدارة أزمة فيروس كورونا إلى مجموعة من العوامل، أبرزها كالتالي:

نظام صحي قوي: تعتبر البنية التحتية الصحية التركية أهم عامل لنجاح تجربتها في مواجهة كورونا، بحيث أبانت الأزمة مدى القوة التي يتميز بها النظام الصحي في تركيا، بحيث تفوقت الأخيرة في ظل الجائحة على بلدان تحتل مكانة على المستوى الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وغيرها، وذلك بفضل التجهيزات المتطورة في المستشفيات وخبرات العاملين في القطاع الصحي، بحيث يتواجد بتركيا حوالي 1518 مستشفى على قدر كبير من الجاهزية يضم حوالي 240 ألف سرير، إضافة إلى 40 ألف سرير في وحدات العناية المركزة بمعدل 43 سرير لكل 100 ألف نسمة، كما تتوفر المستشفيات التركية على أكثر من 100 ألف غرفة مجهزة للعزل.

أضف إلى ذلك، فقد تبنت الدولة التركية استراتيجية تعزيز المنظومة الصحية عبر بناء مدن طبية كبيرة، والتي استطاعت من خلالها أن تتبوأ مكانة متقدمة على الصعيد العالمي، بحيث لم يقتصر بناؤها في المدن الكبرى بل شملت مدنا مختلفة، وبقدرات تجهيزية ضخمة وتقنية عالية[35].

وتستثمر تركيا بشكل لافت في القطاع الطبي على غرار القطاعات الأخرى، بحيث ارتفع الإنفاق في هذا المجال منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في العام 2002 من حوالي 19 مليار ليرة أي ما يعادل 2.7 مليار دولار إلى حوالي 190 مليار ليرة أي ما يعادل 27.1 مليار دولار بحدود العام 2019، لترتفع الموازنة العامة في العام الحالي وخصوصا في ظل جائحة كورونا إلى 188.6 أي ما يعادل 32 مليار دولار، وبذلك ارتفعت حصة النفقات الصحية من مجموع الموازنة العامة من 12 بالمئة في العام 2002 إلى أكثر من 17 بالمئة في العام 2020[36].

أما على المستوى البشري، فتتوفر تركيا على أسطول من الكوادر الصحية، في القطاعين العام والخاص بامتلاكها مليونا و 500 ألف موظف في القطاع الصحي من ضمنهم نحو 165 ألف طبيب، 205 ألف من فئة التمريض، و 360 ألف فرد من فرق الدعم الطبي، كما أعلنت الحكومة التركية في ظل الجائحة رفعها للثروة البشرية في المجال الصحي بتوظيفها 32 ألف عامل جديد في المجال الصحي بمختلف الأطقم[37].

القيادة الناجحة والتنسيق بين المؤسسات: تعتبر القيادة الناجحة والتنسيق بين السلطات التركية من بين أهم الأسباب التي أوصلت تركيا إلى بر الأمان خلال مواجهتها لمعضلة فيروس كورونا، بحيث كان للقيادة السياسية برئاسة الرئيس أردوغان والدعم الذي قدمته تأثير واضح من خلال تكاتف عمل المؤسسات الحكومية بحيث كان هناك تنسيق عال وفعال بين الوزارات المعنية الصحة، الداخلية، النقل والتعليم، والتضامن وغيرها وهذا ما ترجم واقعيا من خلال اتخاذ مجموعة من القرارات السليمة مع سرعة تنفيذها وذلك في إطار خلية الخاصة بإدارة  هذه الأزمة[38].

الشفافية في تقديم المعلومة: حرصت المؤسسات الحكومية وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة على تقديم رسائل واضحة وشفافة وذلك من خلال اطلاع المواطنين على عمل كافة أجهزة الدولة في مواجهة مخاطر فيروس كورونا على جميع الأصعدة، وحرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنفسه على إحاطة المواطن بسير عمل الأجهزة الحكومية في ظل الجائحة والنتائج المتوصل إليها في المجالات الصحية والمالية والاقتصادية، وقد كان لعامل الشفافية في تقديم المعلومة دور مهم في ارتفاع مؤشر ثقة المواطن في المؤسسات الحكومية.

التضامن على الصعيد الداخلي والخارجي: قامت  الرئاسة التركية بالتركيز على عنصر التضامن كعامل محفز للنجاح في اجتياز اختبار أزمة كورونا، بين جميع مكونات الدولة التركية حكومة وشعبا، وبالفعل فقط كانت أولى المبادرات هو إطلاق مجموعة من الحملات التضامنية بين هذه المكونات حفاظا على التماسك والترابط بين الجميع، ومن ضمن هذه المبادرات تلك التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحت مسمى Biz Bize Yereriz” “ومعناها “نحن بنا نكتفي يا تركيا”، وذلك من خلال حث رجال الأعمال وأصحاب الدخل العالي والطبقات الميسورة بالتضامن عبر مساعدة المواطنين الذين تضرروا من الجائحة[39].

من جهة أخرى، فقد أولت السلطات التركية اهتماما كبيرا بمواطنيها في الخارج، بحيث أطلقت وبتوجيهات من الرئيس رجب طيب أردوغان خطة خاصة وواسعة النطاق لجلب آلاف المواطنين الأتراك العالقين من الخارج، بحيث وصل عدد المواطنين الذي استفادوا من عملية الإجلاء إلى حوالي 70 ألف مواطن من 114 دولة[40].

أما على الصعيد الخارجي، فقد نشطت السياسة الخارجية التركية عبر بوابة الدبلوماسية الإنسانية وسياسة التضامن الدولي بحيث صنفت تركيا من أوائل الدول على الصعيد العالمي التي كانت لها حركية كبيرة وواسعة النطاق على صعيد تقديمها لمساعدات طبية وإنسانية عاجلة للعديد من دول العالم والتي فاق عددها 100 دولة، بحيث وجدت تركيا في أزمة كورونا مناسبة لترسيخ وضعها كقوة إنسانية عن طريق إطلاقها شعار الإنسانية أولا. وهذا ما ترجم في عدم اعتمادها على عامل الانتقائية في تقديم المساعدات، بحيث قدمت دعما شمل أيضا الدول التي تعيش معها فتورا أو توترا في العلاقات. وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وأرمينيا[41].

تجربة كوريا الجنوبية في إدارة أزمة كورونا

تعتبر كوريا الجنوبية الدولة النموذج التي يحتذى بتجربتها عالميا على مستوى مكافحتها لفيروس كورونا، بحيث أخذت العديد من الدول باستراتيجيتها لمواجهة الوباء وعلى رأسها ألمانيا، بحيث اعتمدت على نظرية اليقظة المبكرة من أجل مواجهة الوباء وتداعياته الصحية والاقتصادية، وقد لقيت إدارة كوريا الجنوبية للأزمة إشادة واسعة من طرف العديد من الدول وأيضا المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية التي نصح مديرها العام باتخاذ  كوريا الجنوبية مثالا يحتذى به في التعامل مع أزمة فيروس كورونا المستجد. فما هي الخطوات التي تبعتها سيول لتجر عليها سيل الإشادات الدولية حول نظرتها في إدارة الأزمة؟

  • خطة سريعة ومستمرة: تعتبر كوريا الجنوبية إحدى أبرز الدول النموذجية استجابة لأزمة فيروس كورونا، على الرغم من أنها كانت ثاني دولة يجتاحها فيروس كورونا بعد الصين، وبفضل إدراكها الكبير بخطورة الوضع تمكنت من تطوير استراتيجيتها مع تسارع الإصابات، وذلك من خلال تطويق الوباء عبر الاختبارات الكثيفة والمبكرة وتوسيع قدراتها المخبرية والتجهيزات الطبية بالاعتماد على التكنولوجيا الذكية، مع اختبار الحالات المؤكدة والمشتبه فيها وتتبع المخالطين دون فرض إجراءات عزل إلزامية، هذه الخطة كانت لها فعالية كبيرة في الحد من شدة انتشار الفيروس وبالتالي تراجع عدد الإصابات اليومية، وبفضل هذه الاستراتيجية الناجحة أصبحت كوريا الجنوبية أحد النماذج التي استفادت من دروسها بلدان أخرى من خلال السير على منوالها في مكافحة وباء كورونا المستجد بحيث أصبحت مثالا يحتذى به عالميا حسب وصف منظمة الصحة العالمية[42].

أما اقتصاديا، فقد ضخت الحكومة الكورية حزمة مالية قوية وخاطفة من أجل تجنب أي خسائر تطال اقتصادها، بحيث وفرت أكثر من 12 مليار دولار بما يعادل 0.7 من الناتج المحلي الإجمالي  لمساعدة الشركات التي تضرر نشاطها بفعل الأزمة والعاملين فيها، كما واصلت تقديم الدعم عبر القروض والضمانات بقيمة 230 مليار دولار. كما أبقت سيول باب الدعم المالي مفتوحا، وذلك من أجل توسيع نهجها للتخفيف من الآثار الاقتصادية للجائحة الآنية والمستقبلية بحيث اعتمدت الاستراتيجية الكورية الجنوبية على مخططات عاجلة، قصيرة ومتوسطة المدى ثم بعيدة المدى[43].

وهذا ما ترجم واقعيا بحيث  لم تتوقف استراتيجية العمل حتى بعد سيطرتها وبنسبة كبيرة على الوباء، فقد أعدت خطة ثانية لإنعاش اقتصادها والحد من التبعات الاجتماعية للوباء عبر تدشينها ˝برنامج أخضر جديد˝ بغرض توفير الوظائف ومساعدة الاقتصاد على التعافي من تداعيات فيروس كورونا المستجد، عن طريق دعم بعض الصناعات خصوصا تلك المتعلقة بالتكنولوجيا الرقمية نتيجة ما مثلته من أهمية كبيرة في ظل الجائحة، وستوفر المشروعات الجديدة التي تتضمنها الخطة الاستثمارية الحكومية حوالي 2 مليون فرصة عمل حتى 2025[44]، وبذلك فسيول تلعب على نمط تنشيط الاقتصاد من خلال الاعتماد على العنصر البشري وذلك بتحقيق هدفين الحد من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.

  • توظيف التكنولوجيا الذكية: اعتمدت كوريا الجنوبية بشكل أساسي على عامل الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد الأدوات المساعدة للدولة في محاربتها لفيروس كورونا، مستعينة بمجموعة من التقنيات والتطبيقات في مواجهتها لتفشي الفيروس وذلك في سبيل التقليل من انتشاره ومسح أكبر عدد من العينات في أماكن متفرقة في الشوارع والسيارات، وذلك دون الحاجة لإدخال المواطنين إلى المستشفيات، ومن أجل ذلك لجأت إلى تطوير اختبارات الكشف السريع للفيروس ومن أبرزه جهاز الكشف السريع الذي طورته شركة Seegene وهو جهاز به ذراع روبوت ماصة لسحب العينة للتأكد من وجود الفيروس من عدمه في وقت وجيز وبعيدا عن التقنية اليدوية. وهذا الجهاز ساعد الدولة على إجراء عدد كبير من الاختبارات في وقت قياسي[45].

بالإضافة إلى أجهزة الاختبار استطاعت سيول تطوير أنظمة التتبع والرصد فقبل تفشي الفيروس ألزمت الوافدين إلى أراضيها بالخضوع لفحص إلكتروني للتأكد من وضعية المسافرين الصحية، مع عزل من ظهرت عليهم أعراض أو الذين سافروا من وإلى بلد موبوء قيد الحجر الصحي مع إلزامهم بتنزيل تطبيق على الهاتف المحمول للتحقق من الصحة الذاتية على هواتفهم الذكية وتقديم حالاتهم طيلة فترة حضانة الفيروس وهي 14 يوما، وقد تمكن مركز مكافحة الأمراض والوقاية في كوريا الجنوبية من  تطوير نظام ذكي يقوم بتصنيف حالات الإصابة تدريجيا من الأشد إلى الأخف، لتتلقى كل فئة على حدة العلاج المناسب،  وفعليا قد ساهم هذا التطبيق في تقليل نسبة الوفيات إلى الحد الأدنى.

ومن أجل رصد وتتبع الحالات اعتمدت كوريا الجنوبية على تقنية البيانات الضخمة عبر نظام تحديد المواقع العالمي GPS  باستخدام تطبيقات الهاتف النقال وبيانات الائتمان لتمكين المواطنين من تجنب مواقع المصابين، بالإضافة إلى تتبع الأفراد المصابين وأيضا مراقبة الحالات المشتبه بها التي تم إلزامها بالحجر الصحي المنزلي، ولضمان التزامهم بإجراءات الحجر قامت السلطات بفرض غرامة مالية تقدر بـ 2500 للمخالفين.

كما تمكنت السلطات الكورية الجنوبية من تطوير بعض التطبيقات وأنظمة الروبوت من أجل المساعدة على تبادل المعلومات الصحية  لتطبيق إجراءات السلامة الصحية عبر احترام سياسة التباعد الاجتماعي والتي أنشئ من خلالها تطبيق تحت مسمى˝ كورونا 100 متر˝، كما تم تطوير روبوت صوتي يهدف إلى تقديم كل المعلومات والإرشادات والاستشارات الطبية والدعم النفسي وغيره[46].

عوامل نجاح كوريا الجنوبية في مكافحة فيروس كورونا

  • التنظيم والتعامل الفعال: كان لاستراتيجية كوريا الجنوبية على مستوى التنظيم والتعامل الفعال نتائج إيجابية، فبجانب سيطرتها على الوباء وتسطيحها لمنحنى الإصابات من خلال إدارتها المحكمة والفعالة للأزمة استطاعت الصمود من الناحية الاقتصادية وعدم تأثرها بالرجّة الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد العالمي. فقد كانت لصناع القرار في كوريا الجنوبية نظرة مغايرة عن الجميع وخصوصا في الدول الأوروبية، فقد استشعروا حجم الاختلال الاقتصادي الذي يمكن أن يخلفه الإغلاق الكامل الذي كان سببا رئيسيا في الركود الذي يشهده الاقتصاد العالمي والشبيه بمخلفات أزمة 1929، ولذلك كان تقييدها للحركة الاقتصادية بشكل جزئي بحيث لم تغلق باب الأنشطة الاقتصادية الأكثر أهمية خصوصا المتعلقة بالتكنولوجيا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك فقد استغلت بتكنولوجيا الذكاء في ظل الجائحة مما خفف من وطأة الخسائر في المجال الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك فقد ساعدت الحزمة المالية التي ضختها الحكومة وتنزيل خطواتها بشكل سريع في إنعاش الاقتصاد وعدم دخوله لمرحلة الركود.

وفي إطار ذلك، أكد كريستوف أندريه أحد أكبر الاقتصاديين بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في كوريا الجنوبية أن السر في نجاح تجربة كوريا الجنوبية هو القدرة على احتواء الوباء بشكل أفضل بكثير من البلدان ومنها المتقدمة، لذا كان حجم الضرر خصوصا في الشق الاقتصادي محدودا[47].

  • الشفافية: تعاملت السلطات الكورية بطريقة مغايرة تماما عن التي خاضتها خلال تجربتها في مواجهة فيروس Mers، بحيث كانت السلطات الكورية الجنوبية آنذاك قد أخفت مجموعة من الحقائق عن طبيعة المرض وحدته هذا ما أدى إلى انتشاره بسرعة فائقة لتصبح كوريا الجنوبية ثاني بلد في عدد الإصابات بعد الموطن الأصلي للوباء السعودية. لذلك فقد اختارت كوريا هذه المرة في ظل جائحة كورونا أن تتعامل بشفافية تامة من خلال إتاحة جميع ما يتعلق بالوباء من معلومات وإحصائيات والتدابير الحكومية وكافة الجهود المبذولة في مكافحة الوباء عبر البوابات الإلكترونية الرسمية. بالإضافة إلى الإحاطة الإعلامية من طرف مسؤولي الصحة العامة لاطلاع المواطنين على آخر مستجدات الوضعية الوبائية بالبلاد. عامل الشفافية لعب دورا مهما في زيادة الثقة إلى مستويات عالية وهذا ما انعكس إيجابا في زيادة مؤشرات الوعي والتضامن والتعاون بين جميع مكونات المجتمع[48].
  • الاستجابة السريعة من طرف الحكومة والمواطن: كان للحكومة دور كبير في السيطرة على تفشي فيروس كورونا، إلا أن ذلك لا يخفي أن هذا الدور ما كان ليكتمل بدون الدور البارز الذي لعبه المواطن الكوري الجنوبي في ظل هذه الأزمة، وذلك من خلال تعاونه الوثيق على نطاق واسع نتيجة استجابته لمتطلبات المرحلة قبل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة من خلال توجيهها لمجموعة من الرسائل الخاصة للمواطن وذلك بضرورة الالتزام بقواعد السلامة الصحية، وحتى فيما يخص الأنشطة التجارية التي أغلقت أبوابها من تلقاء نفسها وليس بتوجيهات حكومية، وقد كان للعامل السلوكي دور في مساعدة وتسهيل العمل الحكومي، ما أدى بالأخيرة إلى اتخاذ قرارات مرنة توازن بين السلامة العامة والحريات المدنية للمواطن. فسيادة الثقة الاجتماعية لدى المواطن المبنية على أساس الاتحاد الجماعي خلقت نوعا مختلفا من الوعي المدني والتعاون الطوعي[49].
  • الاستفادة من الأزمات السابقة: كان لكوريا الجنوبية وضع خاص من بين بلدان العالم نتيجة تعاملها الذكي والمسؤول مع هذه الجائحة العالمية وذلك ترجم بحقائق ناجحة وكنموذج يحتذى به عالميا. نجاح التجربة الكورية لم يكن مرتبطا بالعوامل السالفة الذكر فقط، إذ كان لعامل آخر ويعتبر الأقوى تأثيرا من بين الجميع وهي الاستفادة من الدروس واستخلاص العبر من التجارب الوبائية السابقة، بحيث تمكنوا من خلالها من اكتساب خبرة واسعة في التعامل مع الأزمات خصوصا الصحية منها، فقد شكلت الأوبئة إحدى الهواجس النفسية المؤثرة في مواطني هذه الدولة نتيجة ما خلفته الأزمات الوبائية السابقة من خوف وهلع وسط الشعب الكوري الجنوبي، ومن أبرزها فيروس Sars سنة 2003 وفيروس Mers والمصطلح عليه بمتلازمة الشرق الأوسط والذي انتشر على نطاق واسع في كوريا الجنوبية في العام 2015. والذي كان إحدى أسوء التجارب الصحية التي مرت بها البلاد والتي خلفت معها أزمات صحية ونفسية كبيرة لا زالت تبعاتها مستمرة إلى حدود الآن[50].

الهامش

[1] – أنظر في ذلك: السيد السعيد: استراتيجيات إدارة الأزمات والكوارث، دار العلوم للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2006، ص: 32-33.

[2] – لمزيد من التفاصيل حول الموضوع: محسن أحسن الخضيري: إدارة الأزمات، القاهرة: مجموعة النيل العربية، الطبعة الأولى 2003،  ص: 117-118.

أنظر أيضا:  حسن القادري: النزاعات الدولية: دراسة وتحليل، دار الكتاب الثقافي، الطبعة الأولى 2009، ص: 27-30.

وأيضا: بهاء زكي محمد:  قلم المدير العام، دار أمجد للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 2018، ص: 297.

[3] – يوسف أبو قار: إدارة الأزمات في المنظمات العامة والخاصة، ‎دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2020، ص: 34-35.

[4] -صالح بن حمد التويجري: الكوارث والأزمات: التخطيط/الاستعداد/الإدارة، العبيكان للنشر، الطبعة الأولى 2018، ص: 239-252.

[5] – أنظر في ذلك: سارة عبد العزيز سالم: لماذا نجحت نيوزيلندا في مكافحة فيروس كورونا، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، 9 يونيو 2020، متوفر عبر الرابط

[6] – See More About the alert system, New Zealand Government, accessible via the following link: https://bit.ly/31bsYU7

[7] – Hon Jacinda Adren: New Zealand moves to COVID-19 Alert Level 3, then Level 4 in 48 hours,

[8]–  سارة عبد العزيز سالم: لماذا نجحت نيوزيلندا في مكافحة فيروس كورونا، مرجع سابق.

[9] – نيوزيلندا تعلن القضاء على كورونا محلياً واستئناف الحياة بلا قيود، العربي الجديد، 8 يونيو 2020، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/31jg86m

[10] – أنظر في ذلك: أيمي نيلمز بيسيت: جاسيندا أرديرن قدوة في توجيه دفة بلد في أزمة كورونا، Independent  عربية، 19 أبريل 2020، متوفر على الرابط التالي:  https://bit.ly/3dwJmU0

[11] – أنظر في ذلك: بعد “نكسة  كورونا”.. إجراءات في نيوزيلاندا لاحتواء الوباء، الحرة، بتاريخ 17 أغسطس 2020، متوفر على الرابط: https://arbne.ws/2FB7zvS

وكذلك:  سارة عبد العزيز سالم: لماذا نجحت نيوزيلندا في مكافحة فيروس كورونا، مرجع سابق.

For more information about Corona virus statistics in New Zealand, available via the following link: https://bit.ly/3459phT

[12] – سارة عبد العزيز سالم: لماذا نجحت نيوزيلندا في مكافحة فيروس كورونا، مرجع سابق.

[13] – أيمي نيلمز بيسيت: جاسيندا أرديرن قدوة في توجيه دفة بلد في أزمة كورونا، مرجع سابق.

[14] – القيادات النسائية في مواجهة كورونا.. هل المرأة أكثر التزاما بمعايير السلامة؟، الجزيرة نت، بتاريخ 15 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط

[15] – للمزيد حول هذا الموضوع أنظر: مارك بيكر: دراسة تكشف سر نجاح نيوزيلندا في مواجهة أزمة كورونا، Euronews، 24 يوليو 2020، الرابط

[16] – أيمي نيلمز بيسيت: جاسيندا أرديرن قدوة في توجيه دفة بلد في أزمة كورونا، مرجع سابق.

[17] Alex Matthew- Coronavirus: 5 things New Zealand got right, , available via the following link:  DW, https://bit.ly/2IxSgoQ

[18] – فيروس كورونا: ما أسرار نجاح نيوزيلندا في الحد من تفشي الوباء، بي بي سي عربي، بتاريخ 23 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط

[19] – أنظر في ذلك: احتواء كورونا- سبعة مفاتيح لفهم انبهار الفرنسيين بالألمان، موقع DW الألماني، 08 أبريل 2020، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/354ve0v

أنظر أيضا: النقاط العشر لتفوق التجربة الألمانية في أزمة كورونا، مدونة الجزيرة، بتاريخ 22 يوليو 2020، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/37byNoa

[20] – فيضي عمر محمود: التجربة الألمانية في مواجهة فيروس كورونا 19-COVID في مطلع 2020، بتاريخ 10 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي:  https://bit.ly/35boUo9

[21] – أنظر في ذلك: جاسم محمد: كيف نجحت ألمانيا بالحد من وفيات فيروس كورونا ؟، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا  و هولندا، بتاريخ 3 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/31gbGoW

[22] – أحمد ذكر الله: ألمانيا وفن إدارة الأزمات، العربي الجديد، بتاريخ 28 أغسطس 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2H7O8LB

[23] – لمزيد من التفاصيل: أنظر لعلاء جمعة: هل تغلبت ألمانيا على تبعات كورونا اقتصاديا وما هي خططها في دعم الاقتصاد المحلي والأوروبي؟، القدس العربي، بتاريخ 25 يوليو 2020، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/31eBkdE

[24] – حسن زنيند: ميركل وكورونا ـ شهادات حول أسلوب المستشارة في إدارة الأزمات، موقع DW الألماني، 09 مايو 2020، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/2SZhK0j

[25] – أنظر في ذلك: استطلاع: جائحة كورونا ترفع بقوة درجة ثقة الألمان في ميركل، موقع DW الألماني، 22 أغسطس 2020، متوفر على الرابط التالي:  https://bit.ly/37iHMEp

وأيضا: استطلاع يظهر ارتفاع شعبية تحالف ميركل وشكل الحكومة المقبلة، موقع DW الألماني، 31 مايو 2020، متوفر على الرابط التالي:  https://bit.ly/3o7LmHo

[26] – بيل غيتس يشيد بجهود ميركل في مواجهة أزمة كورونا، القدس العربي، بتاريخ 27 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/31eG8Qb

[27] – أسامة الصالح: التجربة الألمانية في التعامل مع جائحة كورونا، الجزيرة نت، 3 مايو 2020، متوفر على الرابط: https://bit.ly/37fRveD

[28] – النقاط العشر لتفوق التجربة الألمانية في أزمة كورونا، مرجع سابق.

[29] – هزال دوران: استراتيجية تركيا في مكافحة فيروس كورونا، مركز الدراسات السياسية الاقتصادية الاجتماعية SETA، بتاريخ 5 مايو 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3dxFhiy

[30] – تركيا.. نظام طبي متطور في مواجهة وباء كورونا، TRT عربي، بتاريخ 15 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط: https://bit.ly/3dyABcd

[31] – أنظر: سعيد الحاج: هل تنجح “درع الاستقرار الاقتصادي” في مواجهة آثار كورونا؟، مركز الجزيرة للدراسات، بتاريخ 4 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3j1Nv3u

أنظر كذلك: أحمد ذكر الله: كيف تسعى تركيا إلى إعادة انعاش اقتصادها على إثر تفشي كورونا؟، 26 مايو 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3dMjlQZ

[32] – جميع الإحصائيات حول فيروس كورونا كوفيد-19 متوفرة عبر البوابة الإلكترونية لوزارة الصحة التركية: https://www.saglik.gov.tr/

[33] – تركيا.. نظام طبي فريد للتعامل مع كورونا، الأناضول، بتاريخ 9 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2IGL89R

[34] – أحمد ذكر الله: كيف تسعى تركيا إلى إعادة انعاش اقتصادها على إثر تفشي كورونا؟، مرجع سابق.

أنظر أيضا: بداية قوية تخفف وطأة كورونا على الاقتصاد التركي 2020 (تقرير)، الأناضول، بتاريخ 11 يونيو 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3dyzYiR

[35] – تركيا.. نظام طبي متطور في مواجهة وباء كورونا، TRT عربي، مرجع سابق.

[36] – مجد أبو ريا: تركيا استعدت مبكرًا.. مدن طبية ومستشفيات عملاقة في مواجهة الوباء، نون بوست، بتاريخ 4 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2IGq1ob

[37] – محمود الرنتيسي: تركيا وإدارة أزمة فيروس كورونا، TRT عربي، 9 أبريل 2020ـ متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/37fT10j

[38] – هزال دوران: استراتيجية تركيا في مكافحة فيروس كورونا، مرجع سابق.

[39] – الرئاسة التركية: حملة التضامن الوطني لمكافحة كورونا تعتمد على مبدأ التطوع، الأناضول، 01 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3jaKBJG

[40] – تركيا تجلي نحو 70 ألفا من رعاياها العالقين في الخارج، İlke Haber، بتاريخ 16 مايو 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2GZgMiv

[41] – محمود الرنتيسي: السياسة الخارجية التركية في زمن كورونا، 27 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3m0EoC9

[42] – لمزيد من التفاصيل أنظر في ذلك: إشادة عالمية بتجربتها.. كيف كافحت كوريا الجنوبية فيروس كورونا؟ (فيديو)، الجزيرة نت، بتاريخ 11 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/35bGOqC

وأيضا: غريس مون: دروس من نجاح كوريا الجنوبية في تسطيح منحنى “كورونا”، Independent  عربية، 11 أبريل 2020، متوفر على الرابط التالي:  https://bit.ly/35dCdUQ

[43] – بعد 9 أشهر على الجائحة التي غزت العالم.. كورونا حطم اقتصاد الجميع باستثناء كوريا الجنوبية، فما سرها؟، عربي بوست، 17 سبتمبر 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3j7YN6n

[44] – كوريا الجنوبية تنفق 95 مليار دولار على مشروعات خضراء لتعزيز الاقتصاد، غردلي، بتاريخ 14 يوليو 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3nXR26x

[45] – وحدة الدراسات والتقارير: تجربة كوريا الجنوبية  في مواجهة فيروس كورونا، توظيف الذكاء الاصطناعي، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا  و هولندا، بتاريخ 15 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3obehua

[46]– أبو بكر خوالد/ خير الدين بوزرب: فعالية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة في مواجهة فيروس كورونا COVID-19: تجربة كوريا الجنوبية نموذجا، كلية العلوم الاقتصادية، التجارية وعلوم التسيير، جامعة زيان عاشور/الجفلة، 10 يونيو 2020، ص:43-44.

[47] – الصمود وقت الأزمات.. كيف نجا اقتصاد كوريا الجنوبية من كورونا؟، الجزيرة نت، 22 سبتمبر 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/349fcDs

[48] – “ترامب لم يستوعب الأمر بعد”.. قصة نجاح كوريا الجنوبية بمواجهة كورونا تؤكد فشل أمريكا في ذلك، عربي بوست، بتاريخ 17 مارس 2020، متوفر عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2HaNLA6

[49] – دروس يمكن تعلمها من نجاح كوريا الجنوبية في السيطرة على “كورونا” حتى الآن، أرقام، 11 أبريل 2020، متوفر عبر الرابط: https://bit.ly/2HjHRMP

[50] – شادي عبد الحافظ: “خطة السلامة”.. كيف نجحت كوريا الجنوبية في السيطرة على “كوفيد-19″؟، الجزيرة ) ميدان (، 28 أبريل 2020، متوفر على الرابط: https://bit.ly/3lY8DcU

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close