fbpx
دراسات

السياسات الإسرائيلية تجاه تنظيم الدولة الإسلامية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

فوجئت إسرائيل، بمنظومتيها الأمنية والعسكرية، باقتراب تنظيم الدولة الإسلامية من حدودها الشمالية مع سوريا، والجنوبية مع مصر، مما أوقعها في حالة إرتباك حقيقي، وهي لما تزل تواجه تحديات أمنية وعسكرية شبيهة بتنظيم الدولة على غرار: حزب الله في لبنان، وحماس في غزة.

استنفرت إسرائيل دوائرها البحثية، وأجهزتها الاستخبارية، في محاولة منها لاستباق أي خطر داهم عليها من تنظيم الدولة، حتى لو لم يكن مباشراً، في ضوء تورط التنظيم في الحروب الحاصلة في الدول العربية، وهي في سبيل ذلك تجري متابعة أولاً بأول لتمدد التنظيم في دول الجوار، خشية من اقترابه اللصيق بحدودها، خاصة مع انخراط عدد من الفلسطينيين داخل إسرائيل في صفوف التنظيم في سوريا والعراق.

كان ملفتاً حجم الإنتاج الذي شهدته الصحافة الإسرائيلية خلال السنتين الماضيتين، لتتبع خطوات تنظيم الدولة، ودراسته من النواحي الأيديولوجية، الأمنية، العسكرية، تحضيراً لأي مواجهة مفترضة معه، ولو كانت مستبعدة حتى كتابة هذه السطور (1 يناير 2016). كما اجتهدت الآلة الدعائية الإسرائيلية في محاكاة مخاوف العالم من داعش، من خلال تشبيه حركات المقاومة الفلسطينية بتنظيم الدولة، لاستجلاب التأييد الدولي في محاربتها للفلسطينيين، ومحاولة إقحام نفسها في التحالفات الإقليمية والدولية لمحاربة التنظيم في أكثر من قطر عربي.

الإطار المنهجي والنظري للدراسة:

لا يمكن الاستخفاف بالأهمية الفائقة لظاهرة تنظيم الدولة على إسرائيل، فقد تواصلت متابعاتها الحثيثة لتمدده الميداني في العواصم العربية، على مختلف الأصعدة الأمنية والعسكرية، وطغى مشهد مسلحيه وقادته في المدن العراقية والسورية، ولم يبد ما يحصل في شوارع تكريت والموصل وتدمر والرقة شأناً عربياً داخلياً، بل إسرائيلياً بامتياز! وغصت الساحة الإسرائيلية بسيل كبير من الأسئلة، بدأ ولما ينتهي بعد، من أهمها: لماذا لم تتوقع الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية ظهور تنظيم الدولة؟ وكيف نظرت إسرائيل لهذا التنظيم، ومدى تأثيره على واقعها القائم والمستقبلي؟ وإلى أي حد تدخلت إسرائيل في الحراك العسكري لهذا التنظيم، لتجييره خدمة لمصالحها الإستراتيجية؟

أهداف الدراسة:

تنطلق الدراسة في إيرادها للشواهد الأمنية والعسكرية الدالة على أهمية الحراك الميداني لتنظيم الدولة على إسرائيل، وتأخذ أبعادا أكثر جدية، بتطرقها للقضايا التي شغلت صانع القرار الإسرائيلي، من جهة: تقييم الموقف الإسرائيلي لظاهرة تنظيم الدولة، وأثرها على القضية الفلسطينية، التخوفات الإسرائيلية من اقتراب تنظيم الدولة من حدود الدول العربية المجاورة لإسرائيل، وتحولها من “دول الجوار إلى دول السوار”! آفاق الحرب الإقليمية في المنطقة، والاستعداد الإسرائيلي لها، بفعل تصاعد المد الإسلامي، لاسيما التنظيمات التابعة للقاعدة.

أهمية الدراسة:

يعتبر صعود تنظيم الدولة الإسلامية مثار حديث معظم الأوساط السياسية والبحثية في إسرائيل، سواء في مراحل تطوره وازدهاره، أو حين وصل إلى مستويات غير مسبوقة من التمدد والسيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وقد شهد التقييم الإسرائيلي لصعود تنظيم الدولة مراحل متباينة من التخوف والحذر والارتياح، وفقاً لمتغيرات داخلية وخارجية، مما يجعل من الأهمية بمكان تسليط الضوء على أهم مراحل هذه التقييمات، وتأثيراتها على الجانبين من جهة، وعلى القضية الفلسطينية من جهة أخرى، وعلى تطورات المنطقة العربية من جهة ثالثة.

تتمثل أهمية الدراسة في عدد من الجوانب، لعل أهمها:

قلة الدراسات العلمية، العربية والعبرية، التي تناولت تنظيم الدولة، بصورة منهجية علمية، بعيداً عن تبني موقف بعينه، أو انتهاج مبدأ التحريض على التنظيم بشكل مسبق.

الجهود التي بذلتها إسرائيل، عبر أذرعها الإعلامية ودوائرها البحثية، لإجراء كشف حساب بعوائد وجود تنظيم الدولة، وتمدده في المنطقة، سلباً وإيجاباً، للخروج بموقف موحد في النهاية، نحو مواجهته، أو مهادنته، أو إمكانية الإقدام على عقد اتفاق غير مكتوب معه، يحقق لهما مصالح مشتركة.

التساؤلات البحثية:

لماذا اكتسب صعود تنظيم الدولة أهمية استثنائية لدى إسرائيل، رغم أنه ليس بينهما علاقات رسمية؟

كيف نظرت إسرائيل لأهمية وخطورة صعود تنظيم الدولة، ومدى تأثيره على الجانبين؟

إلى أي حد كان للبعد الإقليمي دور فاعل في تقدم أو تراجع التقييم الإسرائيلي لتنظيم الدولة، وكيف استطاعت إسرائيل تجيير التطورات الإقليمية المتلاحقة تجاه التنظيم خدمة لمصالحها الإستراتيجية؟

المنهج المستخدم:

ستلجأ الدراسة إلى الأسلوبين الوصفي والتحليلي، في محاولة منها لتتبع الموقف الإسرائيلي من تنظيم الدولة في مختلف مراحله، وتحليل أبعاده وتداخلاته: المحلية والإقليمية والدولية، مستعينة بما صدر في وسائل الإعلام ومراكز البحث الإسرائيلية من دراسات وتقييمات وتقديرات موقف.

اعتمدت الدراسة على كم كبير من المقالات الصحفية والتحليلات السياسية، وتقديرات الموقف الصادرة عن مراكز البحث الإسرائيلية باللغة العبرية، وهنا واجهت الباحث خلال جمع المادة العلمية مشكلة كبيرة، لم يتوقعها منذ البداية، وهي أن المادة المتوفرة عن الموقف الإسرائيلي من ظاهرة تنظيم الدولة لم تخرج في معظمها عن نوعين:

دراسات إسرائيلية تتبنى خطاً معادياً للإسلاميين عموماً، وتعتبرهم رأس الحربة في مواجهة إسرائيل في المنطقة، لاسيما في السنوات الأخيرة.

مواد بحثية وصحفية عربية موجهة من دوائر صنع القرار في بعض عواصم الإقليم، جعلت من شغلها الشاغل إظهار ارتباط تنظيم الدولة بالمشروع الإسرائيلي في الشرق الأوسط، وجانبت هذه الدوائر الحقيقة، واعتبرتها جزءً من توزيع الأدوار بينهما.

محاور الدراسة

ستتناول الدراسة الموقف الإسرائيلي من تنظيم الدولة، من خلال المحاور التالية:

أولاً: محددات الرؤية الإسرائيلية لتنظيم الدولة الإسلامية

ثانياً: السياسات الإسرائيلية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية

ثالثاً: مستقبل تنظيم الدولة وانعكاساته على أمن إسرائيل

*********************************************

أولاً: نشأة تنظيم الدولة الإسلامية

اعتمدت الأدبيات الإسرائيلية في كتاباتها عن نشأة تنظيم الدولة ما هو متوفر في باقي الكتابات العربية والغربية، دون أن يكون لإسرائيل رواية خاصة بها. فقد جاء في مراكز البحث الإسرائيلية أن تنظيم الدولة الإسلامية المعروف اختصاراً بـ”ـداعش”، تنظيم سلفي مسلح، يتبنى القسم العسكري منه الفكر السلفي الجهادي، يهدف أعضاؤه لإعادة الخلافة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، وينتشر بشكل رئيسي في العراق وسوريا، مع أنباء بوجوده في مناطق دول أخرى في جنوب اليمن وليبيا وسيناء والصومال ونيجيريا وباكستان، وزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي.

ركزت الكتابات الإسرائيلية على أن تنظيم الدولة انبثق من تنظيم القاعدة في العراق، وابتداءً من عام 2014 وتحت قيادة البغدادي، نمت داعش بشكل ملحوظ، وحصلت على الدعم في العراق بسبب التمييز الاقتصادي والسياسي ضد السنة العراقيين العرب، وتم لها وجود كبير في المحافظات السورية من الرقة وإدلب ودير الزور وحلب بعد الدخول في الحرب السورية، لكن هذا التقدم توقف بعد إنشاء تحالف من عدة دول لمحاربة التنظيم، وبين أغسطس 2014 وأبريل 2015، خسر داعش 25%-30% من الأراضي التي يُسيطر عليها في العراق.

في آب أغسطس 2014، بلغ عدد أفراد تنظيم الدولة 50 ألف مقاتل في سوريا، و30 ألفاً في العراق، وكان هدفه الأصلي إقامة الخلافة في المناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، وبعد مشاركته في الحرب السورية، توسع هدفه ليشمل السيطرة على المناطق ذات الأغلبية السنية في سوريا، وتم تغيير اسم التنظيم ليصبح “الدولة الإسلامية” فقط.

وقد عقدت المحافل السياسية ودوائر صنع القرار الإسرائيلي سلسلة طويلة من الجلسات لمناقشة التقديرات الخاصة بظهور تنظيم الدولة، بمشاركة أعضاء مجلس الوزراء المصغر للشؤون السياسية والأمنية، وكبار ضباط هيئة الاستخبارات العسكرية، وجميع الجهات والمراجع المختصة في تقديرات الموقف.

وأكدت جميع التوصيات الصادرة عن تلك الدوائر ذات الاختصاص على نتيجة خطيرة مفادها عدم معرفة إسرائيل لطبيعة تنظيم الدولة عن قرب، أفكاره ومعتقداته وتطلعاته، كونه غيّر قواعد اللعبة في المنطقة، مع قدرته على بسط نفوذه وسيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا.((1) )

وطالبت هذه الجهات في توصياتها بوجوب قيام الحكومة برئاسة “بنيامين نتنياهو” بخطوات دراماتيكية تؤدي لحل النزاع مع الفلسطينيين، لتقوية ما توصف بـ”الدول المعتدلة” في المنطقة أمام “المخاطر المحدقة” التي يشكلها تنظيم الدولة، في ظل التخوف من تداعيات تمدده، مما قد يؤثر على استقرار إسرائيل في المنطقة.

كما طرحت تخوفات من فرضية تفكك الدول العربية المحيطة بإسرائيل، وتحولها لأنظمة معادية، بفعل نفوذ تنظيم الدولة المتنامي في الحدود المجاورة، مما يُشكّل خطراً أمنياً وجغرافياً وسياسياً كبيراً عليها، لأنها ستعيش في منطقة غير مستقرة، وستحاول الجهات الإسلامية المعادية استغلال الوضع الناشئ لزيادة سيطرتها.

ورغم أن الإخوان المسلمين كانوا الأكثر بروزاً في مسيرة الثورات العربية، ضمن دائرة الإسلام السياسي، لكن تنظيم الدولة وجبهة النصرة وباقي الفروع المنبثقة عن تنظيم القاعدة، تبقى عنوان التغيير الإقليمي الأخطر بنظر إسرائيل، نظراً لمخاطرها الكبيرة، وهو ما من شأنه أن يعكس التحول الذي بدأ يظهر في توازن القوى الإقليمية عقب سقوط الأنظمة المحيطة بإسرائيل.((2) )

ولفتت بعض الأوساط الإسرائيلية أنه منذ اندلاع الثورات العربية، ازدادت مخاطر صعود الإسلاميين في المنطقة، وزاد الخطر مع صعود تنظيم الدولة، ويمكن ملاحظة المؤشرات الدالة على ذلك، مما دفع بها للتأكيد أنها تعيش فترة من انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، في ضوء “الزلزال الإسلامي” الذي يضرب العالم العربي حالياً، وظهر تنظيم الدولة ليحطم الأرقام القياسية في المخاوف الإسرائيلية.

وتعمّق الخوف الإسرائيلي من التداعي السريع للأنظمة العربية، وانتقال الثورات من منطقة لأخرى، لأن انتقالها من بلد لآخر بهذه السرعة، وبقدر من الإيقاع المتشابه، يؤكد من وجهة نظر بعض الباحثين الإسرائيليين استفادة الإسلاميين من التغيير الحاصل، فهم الأكثر تنظيماً، والأقدم خبرة، بفعل امتلاكهم للجمعيات والمستشفيات والنوادي، وأغلب استطلاعات الرأي تعطيهم الوزن الأكبر قياساً بغيرهم، وهي تقصد بذلك الإخوان المسلمين، لكن ما حصل في عديد الثورات العربية أن تنظيم الدولة وأشباهه هم من ظهروا في صدارة المشهد.

ووصفت إسرائيل ما يحدث في عواصم العرب، بأنها “مأساة” تحل بها نتيجة تغيير أنظمتها، ما يعني ترجيح عودة العلاقات الثنائية لما كانت عليه قبل عدوان 1967، ويطرح تخوفاً كبيراً، بالنظر لتبعاته بعيدة المدى، حين تتوجه الشعوب العربية لصناديق الاقتراع، وانتخابها للقوى الإسلامية المعادية لها. (3)

بصورة أكثر تفصيلاً، افترضت إسرائيل أنّ القوى المعادية، خاصة الإخوان المسلمين وباقي التنظيمات الإسلامية، سيسيطرون على مقاليد الحكم، وبعد مرور فترة زمنية سيمتدون للجيوش، لتشكل تهديداً لجيشها الأقوى في المنطقة، وهنا تكمن مشكلتها الكبيرة، لأن ذلك سيعني بصورة أو بأخرى تحديد الإسلاميين في العقود القادمة القريبة للأجندة السياسية والعسكرية في هذه البقعة الجغرافية الأكثر سخونة في العالم. (4)

وقد اعترفت إسرائيل بأن ظهور تنظيم الدولة جاء بمفاجأة تامة لما يعرف بـ”مجتمع المخابرات”، مما تطلب الحاجة لمراجعة عميقة للأحداث التي قد تؤثر على مفهوم الأمن الإسرائيلي، لأنها لم تتوقع شدة وخطورة هذا التنظيم، وقدرت بأن قوات الأمن في تلك البلدان، ستعرف كيف توقفه، خاصة سوريا والعراق ومصر، مما شكل مفاجأة غير سارة لها، وسجلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في غير مصلحتها “قصوراً مجلجلاً”، لاسيما مع ظهور تنظيم الدولة في أواخر 2013، بعد مرور عامين على اندلاع الثورات العربية.

وعبر صعود تنظيم الدولة وتمدده عن “أضغاث أحلام” لقادة ومسئولي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، مما دفع للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق بشأن فشلها في تقدير الموقف في العواصم العربية، ولفتت إلى ضرورة “محاسبة الذات، وإعادة التقييم والإمعان” بعملها، خاصة فيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية لمدى استقرار الأنظمة العربية، بالتزامن مع تمدد تنظيم الدولة.((5) )

ومنذ ظهور تنظيم الدولة وباقي التنظيمات الجهادية عقب الثورات العربية، عبرت التصريحات الرسمية الإسرائيلية، عن مخاوف أمنية واستخبارية، في حالة انهيار الأنظمة الموالية لها، ومع تسارع وتيرة الأحداث، وسقوطها، عملت مراكز تفكيرها الاستراتيجية على دراسة هذه المخاوف،

وأثارت نقاشاً داخلياً واسعاً، أدى إلى انقسام الأوساط الإعلامية والسياسية والأكاديمية إلى ثلاث اتجاهات:

الأول يعتقد بوجود مخاطر حقيقية أمنية للتنظيمات الجهادية على إسرائيل،

يرى الثاني بأنه لا شيء جوهري على الصعيد الأمني سيتغير،

يؤكد الاتجاه الثالث وجود هذه المخاطر الأمنية،لكنه يستبعد أن تظهر آثارها على المدى القريب.

ورغم هذا الانقسام، إلا أن الاتجاه الإسرائيلي الغالب، رأى أن التنظيمات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، ستكون لها تداعيات أمنية خطيرة، بعضها سيكون آنياً، بينما ستظهر آثار بعضها الآخر على المدى البعيد، ومن أهم هذه المخاوف:

فقدان الثقة بإمكانية استمرار إدارة الوضع الأمني على الحدود المصرية والسورية، بنفس الأسلوب السائد في العقود الثلاثة الماضية، وظل الاعتماد الأكبر على الجيشين المصري والسوري لضبط الأمن،

التخوف من إعادة الجيش الإسرائيلي لاحتلال المناطق الحدودية مع مصر ولبنان وسوريا مع اقتراب التنظيمات الجهادية منها،

القلق من انتقال عدوى التنظيمات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، إلى الأردن والسلطة الفلسطينية، مما سيؤدي في حال حدوثه لتداعيات خطيرة على الأمن الإسرائيلي.

ونبع التخوف الأساس في إسرائيل من الآثار الخطيرة لتنظيم الدولة وباقي التنظيمات الجهادية على الأمن في حدودها المختلفة، خاصة مع مصر وسوريا، مما دفع بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية للإعراب عن خشيتها أن يُؤثر الوضع فيهما عليها، لانصراف جيشهما لتفريق المتظاهرين، والسيطرة على الشارع.(6 )

وفي أواخر ديسمبر كانون أول 2015، دعا زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، في تسجيل صوتي، لمهاجمة إسرائيل، وقال “كلا يا يهود ما نسينا فلسطين لحظة، وقريبا قريبا بإذن الله تسمعون دبيب المجاهدين، وتحاصركم طلائعهم في يوم ترونه بعيدا ونراه قريبا ‎ ، ‎ ‏ ها نحن نقترب منكم يوما بعد يوم ، وإن حسابكم لعسير عسير، لن تهنأوا في فلسطين أبدا يا يهود، لن تكون فلسطين إلا مقبرة لكم ‎”.‎ ‏( 7)

ويبدو أنّ جهاز الأمن الإسرائيلي يرفض أن تؤثر تلك التصريحات فيه، ولا يعتبرها تهديدا حقيقيًّا، وقال مصدر إسرائيلي مسئول أنّه ليست هناك حاجة لأخذ أقوال البغدادي بجدية، ففي سوريا والعراق تجري حرب قاسية بين العديد من الفصائل، لكن إسرائيل لا تتدخل، لكنّ البغدادي يعتبر إسرائيل هدفاً شرعياً لاحتلالها، وضمّها إلى الدولة الإسلامية، لكن هذه ليست رؤيا واقعية .

فيما كثف الجيش الإسرائيلي المتابعة الاستخباراتية وراء فروع داعش الواقعة قرب الحدود مع إسرائيل، وتحديدا، في الحدود الجنوبية مقابل سيناء، وأقسم الكثير من التنظيمات العاملة في شبه جزيرة سيناء يمين الولاء لداعش، وأصبحت أحد الفروع الأكثر كفاءة والأخطر للتنظيم، وتعمل يوميًّا ضدّ أهداف الجيش المصري، وتهدد بالعمل ضد أهداف إسرائيلية أيضًا . ( 8)

ففي شهر تشرين الأول 2015، نشر تنظيم الدولة في سيناء مقاطع فيديو موجّهة لإسرائيل، ظهر فيها عنصر التنظيم، وهو مسلّح ويرتدي لباسا عسكريا، ويهدد بالعبرية باحتلال الأقصى من أيدي الصهاينة.

ويعمل عناصر التنظيم بصورة سرية، ويحافظون جيدا على الأمن الميداني، وتجد إسرائيل صعوبة في الحصول على معلومات أولية عن نشاط التنظيم .

ومع غياب التقديرات الاستخبارية عن توقع ظهور تنظيم الدولة، فقد وضع خبراء إسرائيليون أيديهم على مكمن الإخفاق الأمني، مستنكرين ما أسموه ظاهرة “محو المعلومات” التي تجمعت طوال السنين عن الميدان العربي، واعتبروها “جريمة لا تُغتفر”.

واستدل هؤلاء الخبراء على نقدهم الشديد بأن الجهات الإسرائيلية أعفت نفسها من جمع المعلومات الاستخبارية عن التنظيمات الإسلامية، حتى المعلومات الأساسية، مع العلم بأن إخفاقها لا يقاس بالميزانيات الضخمة، والفرق العسكرية، والطائرات الجوية.( 9)

وبات واضحاً أن إسرائيل تخشى من الناحية الأمنية والاستخبارية ما يحصل من تحولات مرتبطة بصعود تنظيم الدولة في بعض الدول العربية، ورأت فيه تهديداً وجودياً لكيانها، مع التنامي المتزايد لنفوذ هذا التنظيم فيها، بدءً بالعراق، ومروراً بسوريا، وانتهاءً بمصر، ولذلك فهي تكن العداء له ولباقي التنظيمات الجهادية.

وطالما أن إسرائيل مسكونة بالمخاوف الأمنية المتواصلة، فإنها تعادي كل الحراكات الإسلامية في المنطقة، من خلال استمرارها بالتلويح بما تسميه “فزاعة الإسلاميين”، ومع توالي الأحداث في الشرق الأوسط، وتداعي الأنظمة العربية مثل أحجار “الدومينو”، استيقظت إسرائيل على واقع جديد يتشكل في المنطقة، فاتسمت ردود مسئوليها بالتخبط حيناً، وبإظهار اتزان مفتعل حيناً آخر، وتبادل الاتهامات بين المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية حيناً ثالثاً.

وللخروج من أزمة مواجهة ظهور تنظيمات جهادية جديدة على الساحة العربية، ومنها تنظيم الدولة، رأت إسرائيل بوجوب زيادة الاستثمارات العسكرية بشكل كبير، والحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، لأنه ليس لديها خيار سوى مواصلة تعزيز شراكتها الاستراتيجية معها.(10 )

ورأت المحافل الأمنية الإسرائيلية أن المشهد الإقليمي الجديد بعد الثورات العربية، وصعود التنظيمات الجهادية الإسلامية، وعلى رأسها تنظيم الدولة، يحمل معه مخاطر عديدة، ومنها:

مزيد من عدم اليقين حول سلوك قادة الدول المجاورة تجاه إسرائيل، زيادة الأنشطة المسلحة المعادية، بفعل عدم قدرة أنظمة الحكم العربية على صدها ومواجهتها، وانخفاض قوة الردع، والعزلة الإقليمية المتنامية، مع الجمود المتوقع في العلاقات مع دول الجوار، والتهديدات المتصاعدة في شرق البحر المتوسط، مع رغبة الأنظمة الجديدة بتطوير جيوشها.

ووصل الأمر ببعض الأوساط الإسرائيلية إلى اتهام الحكومة بأنها تنتهج “سياسة النعامة” تجاه تصدر الإسلاميين وتنظيم الدولة للمشهد الإقليمي، فتخفي رأسها في الرمال، ولا تبادر بإطلاق مسيرة سياسية، واستغلال تمدد التنظيمات الجهادية في المنطقة العربية المحيطة بها لتوسيع دائرة السلام مع الدول المجاورة، والحفاظ في المقام الأول على ما يسمى “الذخائر الاستراتيجية” كالسلام مع مصر والأردن، والعمل على توسيعها، وإخراج مزيد من الدول المجاورة من دائرة النزاع.

لقد شعرت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لصعود التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة، أنها بصدد “هزة أرضية” تضرب منطقة الشرق الأوسط لم تشهد لها مثيل منذ عشرات السنين، مما جعل صناع القرار فيها يحثون الخطى لفهم المعاني الناشئة عن التطورات في المنطقة، مع منح التغيرات الحاصلة في الدول المجاورة حيزاً أكبر من البحث والتحليل، مع قدوم فاعل جديد فيها بقي مغيباً طوال عقود ماضية، وهم الإسلاميون.

وتعلقت مخاوف إسرائيل العسكرية من تبعات صعود التنظيمات الجهادية، بفرضيات أساسية متعلقة بأن الجيش الإسرائيلي فجأة، وبدون مقدمات، وجد نفسه أمام أربع جبهات عسكرية جديدة: لبنان حزب الله وسوريا جبهة النصرة وتنظيم الدولة شمالاً؛ مصر السلفيين وتنظيم الدولة جنوباً؛ وحماس في غزة.

وهذا يعني أن وضع إسرائيل الاستراتيجي والعسكري في الشرق الأوسط سيتغيّر، بما يحمله ذلك من تقدير بالإساءة لوضعها الأمني، ودفع بها لأخذ إجراءات عسكرية أكثر تتعلق بالنواحي التالية: بناء القوة، ومستوى المخزون من الذخيرة، ورفع ميزانية الحرب، وإحداث تغيير في تركيبتها، والتوجه قدماً نحو مواجهة التحديات الجديدة، والتعهد بملاءمة الجيش أمامها، والقيام بمهماته على أحسن وجه، وتعزيز قوته، وتحسين جهوزيته،( 11) وإدخال تعديلات هيكلية جذرية على الجيش، تمثلت بحلّ فرقٍ نظامية في قيادة المنطقة الجنوبية، وتحويل أخرى إلى فرق احتياط.

وفي الوقت الذي اعتبرت إسرائيل السلام مع بعض الدول العربية مكسباً استراتيجياً، سرت مخاوف من تعزز المعسكر الإسلامي المعادي لها، في ظل تنامي تنظيم الدولة وتمدده في المنطقة، مما يحتم على الجيش أن يكون مستعداً، ويقاتل على جبهات عدة في وقت متزامن، في ظل خشية حقيقة من تحول الجيوش العربية لتصبح مناوئة لها، وألا تتمكن من الاعتماد عليها في أوقات الأزمات، مما يجعلها تبحث عن بدائل لها، لتعزيز استقرارها.

علماً بأن ما شهدته المنطقة العربية باتجاه صعود التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة، تعتبر تغيرات كبيرة تحدث حولها، وتزيد من “سحب الضباب المتلبدة في سمائها”، ما يتطلب من إسرائيل أن تجعل واجبها الأساس الحفاظ على جيشها قوياً وجاهزاً، وهو ما يعنيه الجنرالات الإسرائيليون بالإشارة إلى أن “جبهات المواجهة” في الشرق الأوسط اتسعت في الآونة الأخيرة، وهو ما يستوجب من الجيش أن يكون على أهبة الاستعداد للحرب المقبلة الشاملة في بضع جبهات، معترفين بأن الاستخبارات لا تملك القدرات الكافية للتنبؤ ببروز تنظيمات إسلامية جديدة، على غرار الإخفاق في توقع ثورات مصر وتونس وليبيا وسوريا.(12 )

الإسرائيليون عموماً يعتبرون الانعكاس الفوري لصعود التنظيمات الإسلامية الجهادية، خاصة تنظيم الدولة، أشبه بـ”قطار تحت الأرض لتهريب وسائل قتالية”، لتوسيع قوى المقاومة في غزة، وتحول الجبهة الجنوبية إلى نقطة ذات خطورة عالية جداً، أكثر من القطاع اللبناني.

ويكفي أن المصريين سينقلون الجيش إلى سيناء بشكل دائم، فيما سيعود الإسرائيليون لوطأة أيام الاحتياط كما السنوات السابقة لحرب الأيام الستة عام 1967، وليس معروفاً إلى أي مدى سيكون المجتمع الإسرائيلي قادراً على البقاء في وطأة كهذه.(13 )

كما أن مستجدات الواقع المحيط بإسرائيل، وتعزّز قوة المعسكر الإسلامي المعادي لها في المنطقة، وظهور تنظيم الدولة، انطوى على مخاطر جمة، مما يتعين عليها أن تكون مستعدة في أكثر من جبهة، لأنه يحمل دلالات مهمة بالنسبة للجيش الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تجهيز الجبهة الداخلية لتصبح أفضل مما كانت عليه أثناء حربي لبنان الثانية في صيف 2006، وغزة في حروب 2008، 2012، 2014، وهو ما يستلزم قيامها باستعدادات سياسية وعسكرية لمنع هذه التغيرات من التحوّل إلى تهديدات استراتيجية.

بل إن وزارة الخارجية الإسرائيلية خرجت عن صمتها، للتحذير من تبعات وآثار نفوذ الإسلاميين في البلاد العربية جيداً، وتنظيم الدولة جزء منهم، لأنهم يريدون القضاء على إسرائيل، وهو ما يعني أن المنطقة برمتها تتجه نحو صفحة جديدة، مما يحتم عليها أن تحافظ على قوتها، والسعي لإيجاد الطرق الملائمة لدفع هذه المخاطر المحدقة.(14 )

ويمكن تحديد أبرز ملامح الاستراتيجية الإسرائيلية في معالجتها للتنظيمات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، في كون تل أبيب فشلت فشلاً ذريعاً في توقع صعودها، ومسارها، وشمل ذلك مراكز دراساتها واستخباراتها، وتقديرات مفكريها على اختلاف توجهاته، فضلا عن انضمام المزيد من العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل إلى صفوف تنظيم الدولة في أوقات مختلفة من عام 2015.(15 )

كما تمثل ذلك بالارتباك الإسرائيلي الشديد في تقدير التيارات الفكرية للنتائج المترتبة على ظهور تنظيم الدولة، رغم أن السمة العامة أكثر ميلاً للتشاؤم، بفعل الصعود المتنامي لهذا التنظيم وحلفائه.

لكن هناك جملة من الضوابط والمحددات انتهجتها إسرائيل إزاء التنظيمات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، من خلال مواجهة المد الآخذ بالتزايد بصورة مقلقة للتنظيم، وركزت في ذلك على الجوانب التالية:

في حال إتاحة المجال أمام قوى إسلامية معادية لاستغلال عمليات ديمقراطية للسيطرة على السلطة، فإن النتيجة ستكون إلحاق أضرار بعملية السلام مع العرب، وستحاول القوى الإسلامية المعادية، ومنها تنظيم الدولة، تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، بعد أن يحظى أعداء إسرائيل بالسلطة، وإذا لم يستعجل هؤلاء بخرق اتفاقية السلام معها، لكنهم سيُساعدون قدر الإمكان حركات المقاومة الفلسطينية على تعزيز وضعها وقدراتها،

حاجات إسرائيل الأمنية ستزداد، مما يقتضي زيادة الميزانية الحربية، وإجراء تعديلات على جاهزية الجيش الإسرائيلي.

واتهمت إسرائيل التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة، بالتسبب بإحداث “خلل استراتيجي” أصاب المنطقة، بفعل تناميه وتمدده، والتململ من “الرعونة” الإسرائيلية في مجال التسوية السياسية.

وقد تمحورت المناقشات حول فترة ما بعد صعود التيارات الجهادية الإسلامية في عدة أبعاد أساسية على صعيد ما طرحه ظهور تنظيم الدولة في المنطقة العربية وتمدده من بعض الاحتمالات التي “تاه” الفكر الإسرائيلي في ملابساتها، واتضح ذلك بقدر كبير من عدم التوافق حولها.(16 )

ولعل ما حدث عقب صعود تنظيم الدولة، وفق وجهة النظر الإسرائيلية، يشير لمرحلة عنف وعدم استقرار ستعم الشرق الأوسط، مما قد يدفع بالولايات المتحدة وأوروبا للضغط على إسرائيل للتجاوب مع الجهود الدولية لتسوية الصراع مع الفلسطينيين، تمهيداً لإضعاف القوى الإسلامية في المنطقة، مع ضرورة التنبه إلى أن إسرائيل فقدت تركيا بعد إيران، وهي الآن قلقة من فقدان دور مصر ككابح لحركة حماس، رغم ما شنته القاهرة من حرب شعواء على الحركة في بداية عهد الانقلاب أواسط 2013.(17 )

وهناك تيار إسرائيلي رأى أن الإسلاميين الجهاديين، ومنهم تنظيم الدولة، خطفوا الثورات العربية، مما يجعل إسرائيل أكثر حذراً في موضوعات التسوية، لأن المنطقة مقبلة على حالة من عدم الاستقرار، وهو ما يدفعها للانتظار، خشية أن تطال موجة الأسلمة باقي المنطقة العربية، مما يضيق مجال دبلوماسيتها، ويجعل الضغط عليها أقل حدة.

لقد استدعت مخاطر صعود التيارات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، خطوات استباقية من إسرائيل، كالدعوة لإعادة احتلال قطاع غزة، بزعم أن الإسلاميين في ظل المناخ الجديد في المنطقة، سيمدونه بالعون، بما يهدد أمنها، رغم حالة التباين بين حماس وتنظيم الدولة في الجوانب الأيديولوجية والفكرية.(18 )

ومثل صعود التيارات الجهادية الإسلامية، ومنها تنظيم الدولة، بنظر قطاع واسع من الإسرائيليين فصلاً آخر في تاريخ المنطقة لم يصل نهايته، وهناك المزيد في طابور الجهاديين، وبالتالي بات “عامل الوقت” العدو الأكبر لمن تبقى من الأنظمة الدكتاتورية، لكن الأصولية الإسلامية ستبقى العقبة والخطر الكبير لإسرائيل.( 19)

ولهذا وجدت تل أبيب صعوبة كبيرة في تجاهل ما اعتبرته تطورات ثقيلة الوزن في الشرق الأوسط، ليس أقلها القوى الإسلامية الصاعدة، وعلى رأسها تنظيم الدولة، والانطباع الذي يتم تكوينه أنها تُسحب مجدداً نحو الأحداث، لأنها “ترد ولا تبادر”، فيما العربة عالقة في الوحل السياسي، مما دفع بوزير الدفاع الأسبق “إيهود باراك” للإعلان غير مرة بأن الدولة تقف أمام “تسونامي” سياسي إسلامي، مما يحتم عليها أن تضع نصب أعينها مصالحها العليا.(20 )

ثانياً: السياسات الإسرائيلية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية

دفعت التطورات المتلاحقة في المنطقة العربية، مع صعود التنظيمات الجهادية وتنظيم الدولة بشكل خاص، بالساسة الإسرائيليين للتساؤل: هل فعلت الحكومة ما يكفي، وقامت بعمل جاد وعميق لمتابعة المعاني المختلفة للتغيرات الإقليمية بأسرها؟ لأن الأحداث التاريخية التي تعصف بالشرق الأوسط تتطلب منها وضع استنتاجات عمومية، مستخلصة رداً على التغييرات التي تقف أمامها، وآثارها المحتملة على علاقاتها مع أنظمتها المستقبلية.

اهتمت الأوساط البحثية الإسرائيلية المقربة من دوائر صنع القرار بالدولة الإسلامية، وسعت لتقديم رؤية استشرافية لمدى المخاطر التي قد يشكلها التنظيم على إسرائيل، من خلال متابعة تمدده في المنطقة، واقترابه من حدود إسرائيل على الجبهتين: الشمالية في الجولان السوري، والجنوبية في سيناء المصرية.(21 )

ووضعت محافل استراتيجية إسرائيلية خلاصات أولية من صعود تنظيم الدولة على النحو التالي: انعدام الاستقرار، وتبني مواقف ودية أقل من إسرائيل، بفعل إمساك الإسلاميين ببعض مفاصل القرار، وإضعاف النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، بفعل صعود “الإسلاميين السنة”، وتعزيز التحالف المناهض لها في الخليج العربي، وإيجاد حلول للنزاع مع سوريا ولبنان والفلسطينيين، لقطع الطريق على حركات المقاومة الإسلامية، وانخفاض أهمية مصر وسوريا، المنشغلتان بشؤونها الداخلية، وارتفاع التأثير الإقليمي لتركيا والسعودية.

وفي ذات الوقت أعربت تل أبيب عن خشيتها نتيجة تزايد نفوذ الإسلاميين وتنظيم الدولة في بلدان الربيع العربي، لأنهم يختلفون عن العلمانيين في نظرتهم إليها، فهم قوة منظمة جيداً سياسياً واجتماعياً بشكل أفضل من أي قوة سياسية أخرى, كما أن امتلاء ميادين التحرير بمناصريهم، أعطاهم شرعية لأنشطتهم وفعالياتهم.

وبغض النظر عن إمساك تنظيم الدولة بزمام الأمور في بعض الدول العربية المحيطة بإسرائيل، فإنه سيواصل ضغطه، مما قد يمنح حركة حماس شعوراً بأريحية كبيرة، لأنها ستتلقى مزيداً من الدعم، ولو بصورة غير مباشرة.(22 )

ولذلك بدت دوائر صنع القرار الإسرائيلي على قناعة بأن الحركات الإسلامية، ومنها تنظيم الدولة، ستعمل جاهدة على “إحلال الفراغ” الذي نشأ بعد سقوط عدد من الأنظمة العربية، مما يدفع بضرورة انشغالها بإعداد “خطة مارشال لوقف المد الإسلامي” في المنطقة العربية، على غرار نموذج الخطة الأمريكية التي جعلت أوروبا تتعافى بعد الحرب العالمية الثانية، ويتم تسويقها الآن لمنع الإسلاميين من السيطرة على الشرق الأوسط.

وتتضمن الخطة الإسرائيلية البنود التالية: ترسيخ الديمقراطية في المنطقة، وإنشاء صندوق دولي لتشجيع المتغيرات الديمقراطية، وإنعاش النمو الاقتصادي في الدول العربية.(23 )

وأتت هذه الخطة بعد اعتبار إسرائيل أن التيارات الجهادية الإسلامية، ومنها تنظيم الدولة، جلبت المأساة للمنطقة، مما تطلب منها أن تجري حساباتها بشأن العلاقات مع الأنظمة السياسية الناشئة، متهمة الولايات المتحدة بطعن حلفائها العرب من الخلف، وإدارة ظهرها لهم، ودفعها للمطالبة بالاستعداد للتعامل المستقبلي مع حكومات عربية جديدة “غريبة” عليها، لأنها بعد هذه الانتفاضات سترفض الاستمرار في العلاقة مع إسرائيل، وتزيد تعاطفها مع الفلسطينيين، في ضوء انتماءاتها الأيديولوجية الإسلامية المعادية لها.

وتمثل أهم ما تخشاه تل أبيب أن تأتي الثورات العربية بالتنظيمات الإسلامية إلى السلطة، خاصة تنظيم الدولة، لأنها تشكل تحدياً استراتيجياً كبيراً لها، فضلاً عن التخويف والتهويل من مخاطر سيطرة الجماعات الجهادية على مساحات إضافية من بعض الدول العربية المجاورة لإسرائيل، مما سيكون له تأثيرات سلبية بالغة الأهمية على وضعها الإقليمي، وقد يعرض اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن للخطر، وهذا التحدي الأكبر الاستراتيجي بعد دعم الولايات المتحدة.(24 )

كما كان لصعود تنظيم الدولة عواقب غير متوقعة على الصعيد الإسرائيلي، لأن نتائجه لم تكن جيدة ولا نقية مطلقاً، في ظل الاضطرابات التي عمت المنطقة عقب ظهوره، مما تطلب من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التكيف معها، بعد أن تحولت عدد من الدول العربية من أنظمة حليفة وحريصة على المصلحة الإسرائيلية، إلى معادية في حدها الأقصى، أو دول غير محايدة في حدها الأدنى.( )

وكل ذلك من شأنه أن يلقي بظلال ثقيلة على تل أبيب وقراراتها، لأنها ستكون مضطرة، من الآن فصاعداً، لإدخال العامل الإسلامي الجهادي، وردّ فعله في حساباتها لدى اتخاذ قراراتها تجاه ساحات المواجهة الأخرى، بعد أن بات الإسلاميون أحد صناع القرار الأساسيين في المنطقة، على اختلاف مسمياتهم.( 26)

هنا يمكن إدراك سعي نظرية الأمن القومي الإسرائيلي على إبقاء الجارات العربية ضعيفة ومشرذمة ومحيَّدة، في ظل تمدد تنظيم الدولة وتوسعه أفقياً ورأسياً في المنطقة العربية، فالأردن يلعب دوراً هامشياً؛ ولبنان غارق في فوضى جعلته يحتوي نفسه بنفسه؛ ومصر الأهم، مكبَّلة ببنود اتفاقات السلام، التي تضمن بقاء سيناء منطقة عازلة، وإذا كانت سوريا لا تزال تشكل خطراً، فهذا غير جدّي، لأنها أكثر اهتماماً بالحفاظ على ما تبقى له من سيطرة متآكلة، وغرقه في الأعوام الماضية بالحرب الأهلية.(27 )

وهكذا أدى صعود التيارات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، لتداعيات خطيرة تؤثر في الواقع الاستراتيجي الإسرائيلي بشكل مباشر، من خلال:

القلق من نتائج الصراع بين القوى السياسية في العالم العربي، ومنها الإسلامية، على قيادة الدول في مرحلة ما بعد الثورات،وإبداء تخوفها من حسم الصراع لصالح سيطرة الإسلاميين على السلطة،

فقدان الدور الإقليمي الذي لعبته الأنظمة السابقة المتساقطة، باعتبارها أكبر أصدقاء إسرائيل، وخسارة التوازنات الدقيقة التي قادتها في الشرق الأوسط، وصبت في النهاية لمصلحتها،

تضييق الهامش الذي تتحرك فيه السياسة الإسرائيلية في المنطقة، مع توقعات بنشوء حكومات إسلامية معادية في بعض الدول العربية، يكون للرأي العام الشعبي دور أكبر في تشكيل سياساتها،

الخوف من التحول التدريجي في المنطقة بالتزامن مع صعود الإسلاميين المتلاحق، مما يضع إسرائيل في مواجهة محور إقليمي يحمل حكامه أفكاراً أيديولوجية إسلامية مناهضة لها.

لقد وصفت المحافل السياسية والأمنية الإسرائيلية صعود التيارات الجهادية الإسلامية في المنطقة، ومنها تنظيم الدولة، بأنه “زلزال” يهدد بإسقاط الأنظمة العربية التي حكمت على مدى عقود، ومن شأنه أن يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

ولئن بدأت الاضطرابات في العالم العربي باسم الحداثة والديمقراطية، لكنها سرعان ما تصاعدت إلى انتفاضات واسعة النطاق، ثم ثورات زعزعت استقرار المنطقة، وبشكل متزايد، وأدت في النهاية لتمكين التنظيمات الجهادية الإسلامية.(28 )

ولذلك لم يكن عبثياً أو اعتباطياً تزايد التحذيرات الإسرائيلية من انتشار الجو الديني الإسلامي في المنطقة العربية، لأنه يبعدها عن إسرائيل أكثر، في ضوء تراجع عدد الممثليات الإسرائيلية في الدول العربية، وقطع ما توصف بـ”مسيرة تغريب” دول عربية كثيرة، ليحل محلها “الجلابيب السوداء”، وعاد القرآن ليكون “كتاب الكتب” يُسيّر كل شيء، في ظل تحطم “المحور المعتدل” الموالي لأمريكا من البلدان العربية، كأحجار الدومينو.(29 )

وحفلت العشرات من أيام العمل والندوات السياسية التي عقدت في إسرائيل، بجملة من السيناريوهات المتوقعة لصعود التيارات الجهادية الإسلامية في البلدان العربية، وتركزت أهمها في اندلاع حروب أهلية، فبعد أن يفشل الجيش في بعض البلدان العربية في محاولاته صد صعود الإسلاميين للحكم، كما حصل في الجزائر، ويخرج الإسلاميون للشوارع، ليقمعهم الجيش بعنف، الذي يتعاظم، مما يؤدي لانشقاق في صفوفه، وفي نهاية المطاف حرب أهلية، وهو احتمال بات واقعاً قائماً في مصر وسوريا والعراق.(30 )

وأظهرت السنوات السابقة أنه لا يمكن وصف حسرة إسرائيل على مغادرة أصدقاء مخلصين لها عروش الحكم العربية، وقرب زوال آخرين، مقابل سيطرة أعدائها الإسلاميين على سدة الحكم، ومنهم تنظيم الدولة وفروعه في المنطقة، خشية من نتائجها العكسية بين الشعوب العربية، التي لو أدت لانتخابات حقيقية على موقف سياسي، ستكون فيه بالتأكيد أول الخاسرين، وهو ما أثبتته الثورات العربية في الأعوام الأخيرة، بقدوم الحركات الإسلامية بصورة جماعية إلى منابر البرلمانات ومجالس الشعب والمقاعد الوزارية.

وأكدت الشهور والسنوات الأخيرة حقيقة مخاوف الموقف الإسرائيلي من تعاظم “كرة الثلج الإسلامية” رويداً رويداً، وتغير الأنظمة العربية المقربة منها، مما سيسفر عنه تغير جذري في الموقف الإقليمي، فلن يكون بوسع الأنظمة الجديدة تجاهل مشاعر جماهيرها فيما يتصل بالعلاقة مع تل أبيب، حتى الدول التي قد لا تتغير أنظمتها بالكامل لاعتبارات معينة، ستضطر لتغيير موقفها من القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي.

وقد أخذت السياسة الإسرائيلية تجاه تنظيم الدولة أبعاداً جيو-سياسية، في ضوء تمدده في عدة دول في المنطقة، على النحو التالي:

1ـ تنظيم الدولة في إسرائيل:

قال جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” إن العديد من شبان عرب 48، انخرطوا في صفوف تنظيم الدولة، ويشاركون في المعارك الدائرة في العراق وسوريا، وهم معروفون لديه بالاسم، ويحملون أيديولوجيا متطرفة، وتم اعتقال عدد منهم عادوا من سوريا بتهمة الانضمام لجماعات إسلامية، وخضعوا للتحقيق.

وأصدر وزير الدفاع الإسرائيلي “موشيه يعلون” قرارا يعد تنظيم الدولة بمثابة منظمة غير شرعية في إسرائيل، وأعطى القرار أجهزة الأمن الإسرائيلية الحرية في التحرك ضده في الداخل والخارج، واتخاذ خطوات قضائية وإجراءات أخرى ضد أي مجموعة أو تنظيم محلي في إسرائيل يتبع المنظمة، أو يثبت أنه قام بجمع الأموال لها، أو تجنيد الموارد لصالحها، بناء على توصيات من جهاز الشاباك نفسه الذي دفع باتجاه القيام بعمليات ونشاطات، حتى وإن كانت ذات طابع أمني ضد عناصر التنظيم في إسرائيل.

وقال رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” إن تنظيم الدولة يحارب الحضارة الغربية، والكثير في العالم يدركون اليوم أفضل من أي وقت مضى أن التهديدات على إسرائيل هي نفس التهديدات التي يواجهونها بأنفسهم، ومن لا يقوم بوقف هذه التهديدات، وهي في مراحلها الأولى، سيجدها في نهاية المطاف داخل بيته.

ودأب “نتنياهو” على تشبيه تنظيم الدولة في العراق وسوريا بحركة حماس في الأراضي الفلسطينية، معتبراً أن تنظيمات مثل: “داعش، حماس، جبهة النصرة، القاعدة، الشباب الصومالية، حزب الله” تشكل جميعها خطراً واضحاً وفعلياً على “حضاراتنا، وأسلوب حياتنا وقيمنا، والشيء الأهم هو وأدها في مهدها، ومن لا يقوم بذلك سيجدها غدا على أبوابها”.( 31)

ولكن، باستثناء بعض التحذيرات والتقارير الاستخباراتية الاحترازية، يكاد يتفق جل الخبراء والمسؤولين الإسرائيليين على عدم وجود تهديد جاد ومباشر لـتنظيم الدولة بالنسبة لإسرائيل، فقد أكد وزير الدفاع “موشيه يعلون”، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق “عاموس يادلين”، أن التنظيم لا يشكل خطراً مباشراً أو جاداً على إسرائيل، لأن هناك أسانيد إستراتيجية عديدة لهذا الطرح، من أهمها:

من الناحية اللوجستية ينشط التنظيم على مسافة بعيدة تمتد لمئات الكيلومترات من حدود إسرائيل، خلافاً لحماس الموجودة بمحاذاة حدودها، وتنظيم الدولة لا يمتلك أنفاقاً ولا قدرات مدفعية أو صواريخ، وليس لدى التنظيم حلفاء يزودونه بالسلاح المتطور.

ولذلك هناك استبعاد إسرائيلي من وصول تأثير تنظيم الدولة إلى الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، من الناحيتين الفكرية والعسكرية:

أيديولوجياً: لدى التنظيم أفكار موغلة في التطرف إلى درجة تأبى قبولها أكثر التنظيمات في المنطقة تشدداً، بما فيها تنظيم القاعدة ذاته.

إستراتيجياً: لا يتخطى تعداد مقاتلي التنظيم، بما فيه المليشيات التي انضمت له، 10 آلاف مقاتل، بما يعادل نصف حجم القوة العسكرية لحماس، ولا يتجاوز مستوى تسليحه المتواضع سيارات “تندر” وبنادق “كلاشينكوفات” ورشاشات، رغم ما طرأ عليه في الشهور الأخيرة من مضاعفة هذه الأعداد والقدرات، بعد اجتياح الموصل والرمادي وتدمر والرقة.

بعدما نجح التنظيم أو كاد في إعادة الجيش الأميركي للعراق مجدداً، فإنه مهدد بعشرات الدول الأعضاء في التحالف الإقليمي والدولي لمحاربته، تقف جيوش بعضها كالعراق والأردن ولبنان، إضافة لحزب الله، كحاجز بينه وبين إسرائيل.(32 )

ولذلك فإن تهديد تنظيم الدولة كمنظمة جهاد عالمية على إسرائيل لا يختلف جوهرياً عن تهديد تنظيم القاعدة، الذي تتعايش إسرائيل معه منذ ما يربو على 10 سنوات، وفي حال قيام تنظيم الدولة بنقل نشاطه من العراق وسوريا إلى إسرائيل، فسيقع فريسة للاستخبارات الإسرائيلية وطائرات سلاح الجو والسلاح الدقيق المتطور الذي بحوزة القوات البرية.

ومع ذلك، هناك من الخبراء الإسرائيليين من يرى وجود خطر فعلي آخر يشكله تنظيم الدولة على إسرائيل، يكمن في إمكانية صرفه الاهتمام الإسرائيلي والعالمي عن مخاطر البرنامج النووي الإيراني، الذي يمثل تهديداً استراتيجياً حقيقياً على أمن إسرائيل، واستقرار المنطقة برمتها.

ورغم الغياب النسبي لإسرائيل في التحالف الدولي والإقليمي ضد تنظيم الدولة، فلم تلبث أن أكدت أنها حاولت بطرق غير مباشرة أن تكون جزءً من هذا التحالف عبر القيام بدور استخباراتي مؤثر، حيث قدمت للناتو ودول عربية مشاركة في الحرب على التنظيم معلومات قيمة عن مواقعه وقدراته وتحركاته في سوريا والعراق.

كما وفرت معلومات استخبارية، وصوراً التقطت عبر أقمارها الاصطناعية التجسسية لدعم الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد التنظيم، وأعلنت واشنطن أن إسهامات الأطراف المشاركة في العمليات الحربية لن تكون عسكرية مباشرة فقط، بل ستتوزع أدوارها بين: الدعائي والاقتصادي واللوجيستي والأمني والاستخباراتي.

وقال سفير الولايات المتحدة في تل أبيب “دان شابيرو”، أن الجانبين: الإسرائيلي والأمريكي، يتعاونان منذ بداية ظاهرة تنظيم الدولة في تبادل المعلومات الاستخباراتية حوله، وسيواصلان التعاون أمنياً وعسكرياً، مؤكداً في إشارة لا تقبل التشكيك، على اعتراف واشنطن بوجود دور إسرائيلي استخباراتي في الحرب على تنظيم الدولة، كون إسرائيل شريكاً استراتيجياً محورياً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كفيل بأن يجعل منها ركناً مهماً من أركان الحملة العالمية والإقليمية الراهنة لمحاربة التنظيم.( 33)

وتتوخى إسرائيل من سعيها الحثيث للتعاون مع التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة وأعوانه من التنظيمات الإسلامية السنية، تحصيل مغانم إستراتيجية عديدة على أكثر من صعيد:

تتطلع تل أبيب لتفويت الفرصة على طهران، وتقويض محاولاتها للمشاركة في التحالف الدولي، رغبة بترميم علاقاتها مع الغرب وجيرانها العرب بما يساعدها على تقليص فجوة الثقة بينها وبينهم بشأن برنامجها النووي.

ترنو إسرائيل لتضييق الخناق على حزب الله في لبنان، عبر تجييش الاستياء الرسمي والشعبي العربي من تعاظم دوره في سوريا ولبنان واليمن والعراق وغيرها.

يحاول الإسرائيليون توظيف “الفزاعة الداعشية”، التي أضحت تحدياً إقليمياً وعالمياً بامتياز، بغية الخروج من دائرة العزلة والاتهام العربي المزمن لها كمصدر للتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة والعالم أجمع، كونها آخر دولة احتلال يعرفها التاريخ الإنساني.

تسعى تل أبيب لاستغلال فرصة هذا التحالف من أجل الترويج لمزاعمها بأنها لا تمثل الخطر الأكبر على العرب والمسلمين، بقدر ما يشكلون هم تهديداً أعظم على أنفسهم وبعضهم البعض، حتى أن حصيلة الخسائر المادية والبشرية لصراعاتهم البينية واقتتالهم فيما بينهم تفوق بمراحل ما تمخضت عنها مواجهاتهم العسكرية المتوالية وصراعهم المزمن والممتد مع إسرائيل.

ولذلك دعا وزير الدفاع “يعلون”، أجهزة المخابرات حول العالم للتعاون والتنسيق وتبادل المعلومات من أجل مواجهة هذا التهديد، فيما تطلع “يادلين” لتدشين تفاهمات مع دول الاعتدال العربي، وتعزيز التحالفات مع الدول الغربية، عبر استغلال ظاهرة تنظيم الدولة، التي تفتح فرصاً إستراتيجية جديدة أمام إسرائيل، للتعاون مع دول أخرى مهتمة بتقويضه كالولايات المتحدة والدول الأوروبية، ودول في المنطقة على رأسها الدول السنية المعتدلة، كالسعودية والأردن، من خلال بناء علاقات عمل وتعاون وثيقة بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية فيها.

لقد كشفت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن نتائج التحقيقات مع من اعتقلوا فور عودتهم لإسرائيل مرة أخرى، واعترفوا أنهم انخرطوا في القتال في صفوف تنظيم الدولة، تم من خلال الدعاية التي أطلقها عبر الإنترنت، وتجرى اتصالات، بواسطة رسائل مشفرة، لإعدادهم للتجنيد، ويطلب منهم عدم إبلاغ أحد لدى خروجهم من إسرائيل للانضمام لصفوف التنظيم.

ويبدأ خط سيرهم بداية بالتوجه لتركيا، ثم الحدود مع سوريا، ويلتقون عناصر ارتباط محليين يقودونهم لنقاط تجميع، وبعد إجراء تحقيق طويل معهم، يبدأون التدريبات العسكرية، وبعد وقت قصير يشتاق غالبيتهم لعائلاتهم، فيحاولون إجراء اتصالات معهم عن طريق الموبايل، وأشرطة مصورة تنشر على الإنترنت.(34 )

بعض المنضمين لتنظيم الدولة سرعان ما يكتشفون أنه من الصعب الخروج منه على قيد الحياة، وعندها يحاولون الهرب، ومن يتمكن منهم من العودة لإسرائيل مرة أخرى يعتقل في مطار اللد، ويتولى جهاز “الشاباك” التحقيق معه، الذي يستعد لمعالجة هذه الظاهرة منذ أكثر من عامين بالتعاون مع الشرطة، وأصبح قادرا على تحديد هؤلاء الشباب بسرعة، مما جعله مصدرا للمعلومات للأجهزة الاستخبارية، خاصة في أوروبا.

فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي “موشيه يعلون” عن تنظيم الدولة اتحاداً محظوراً غير مسموح به، ولئن كان بوسع إسرائيل وقف التنظيم، بل إلحاق الهزيمة بهذه الموجة الإسلامية، لكنه اتهم الغرب بأنه لا يبذل الجهد الكافي لمحاربته، مبرراً قراره اعتبار التنظيم غير مسموح بأن الأمر مطلوب لغرض الدفاع عن أمن الدولة، وسلامة الجمهور والنظام العام.

ويعتبر القرار في جوهره حظراً لأية نشاطات لهذا التنظيم داخل إسرائيل والمناطق المحتلة من ناحية، وتحسباً لاحتمالات انتشاره في المستقبل، في إشارة للخطورة التي تنظر بها إسرائيل إلى تنظيم الدولة في إطار نظرتها للحركات الجهادية، كتنظيم القاعدة ومشتقاته، خصوصاً بعد احتلالها مواقع في الجولان السوري، وانتشار أنباء عن انضمام شبان من فلسطينيي الـ48 للقتال في صفوف التنظيم في سوريا والعراق.

من الواضح أن تنظيم الدولة أثار في إسرائيل اهتماماً إعلامياً وسياسياً واستخبارياً واسعاً، دفع بالتلفزيون الإسرائيلي لبث سلسلة تقارير جوهرها “داعش هنا” داخل إسرائيل في أوساط فلسطينيي الـ48.

ومن البديهي أن زيادة اهتمام إسرائيل بتنظيم الدولة جاء إثر نجاحاته على الأرض، وقدرته على فرض سيطرته على مناطق شاسعة في العراق وسوريا، واحتمالات تمدده جنوباً، لكن الاهتمام الإسرائيلي الأساس كان بسبب الخشية من تمدد التنظيم إلى الأردن، وهو ما ترى فيه إسرائيل خطراً جدياً لا يمكن السكوت عنه.

تنظيم الدولة لا يعني لدى الإسرائيليين مجرد عدو يقع في إطار ما كانت تتمناه تل أبيب من تصعيد للخطر الإسلامي، في إطار نظرتها عن صراع الحضارات، والفائدة التي يمكن أن تجنيها جراء ذلك من شراكة مع الدول الغربية، فقد أضاف التنظيم لذلك بعداً جديداً، يتمثل في خطره على الأنظمة العربية المعتدلة، بحيث أصبح يشكل قاعدة لتعاون إقليمي واسع.

وفضلاً عن العلاقات الأمنية المرسخة في معاهدات السلام بين إسرائيل ومصر والأردن، فقد تطلعت الأولى لتوسيع هذه العلاقات، لتشمل أساساً دول الخليج العربي، خصوصا السعودية، كما أن تنظيم الدولة وفر لإسرائيل فرصة لادعاء أن الصراع العربي-الإسرائيلي والقضية الفلسطينية ليسا لب النزاع في المنطقة، التي تعاني مشكلات جوهرية مختلفة، يشكل تنظيم الدولة واحدة منها.

وفي نهاية العام 2015، قام رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي “غادي آيزنكوت” بجولة على الحدود الشمالية في منطقة الجولان والجليل، مع قائد المنطقة الشمالية “أفيف كوخافي” وقائد فرقة الجليل “أمير برعام”، حيث يقوم الجيش بعملية استنفار على الحدود بصورة مكثفة، حيث تشير التقديرات السائدة لدى الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى منظمة “شهداء اليرموك” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وتسيطر على مثلث الحدود الإسرائيلية السورية الأردنية، بما فيها المنطقة الجنوبية من هضبة الجولان، وقد تقوم بمحاولة تنفيذ عملية عسكرية كبيرة ضد إسرائيل، تشمل إدخال قوات برية إلى حدودها، وهو ما يعتبر هجوما استراتيجيا على طول الحدود المقدر بعشرة كيلومترات .

ورغم مخاوف المستوى الأمني الإسرائيلي من هذه المحاولات والنوايا، لكن التقدير السائد بأن هذه العملية لن تكون قريبة، على اعتبار أن سلسلة العمليات التي قام بها تنظيم الدولة مؤخرا في فرنسا، الولايات المتحدة، سيناء، قد تشير إلى تغير استراتيجي في طبيعة عملياته الدامية، التي كانت تتوجه عموما إلى أهداف غربية.

مع أن أحد السيناريوهات التي يخشاها الجيش الإسرائيلي يتمثل في تسلل مركبات مفخخة داخل حدودها، ويتنم تفجيرها عقب دخولها إلى أراضيها، وفقا لما ذكرته قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، وضباطها يفرقون بين عملية تكتيكية وهجوم على نمط داعش، الذي قد يتضمن اجتياحا للأراضي الإسرائيلية، وتشمل صواريخ موجهة وعبوات ناسفة يتم وضعها بصورة مسبقة .(35 )

وتكمن مخاوف الجيش الإسرائيلي في تمكن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية داعش من استخدام أسلحة نوعية في هجمتهم المتوقعة على إسرائيل، وتشمل المئات من صواريخ كورنيت تم الاستيلاء عليها من مخازن الجيش السوري، وهي من الأكثر تطورا في العالم، على أن تشمل العملية المفترضة اقتحام الحدود الإسرائيلية بدبابات وناقلات جند وانتحاريين، مقدرا عدد عناصر داعش في الأراضي السورية بخمسة عشر ألف مقاتل.( 36)

2ـ تنظيم الدولة على حدود مصر:

لا تتوانى تل أبيب في إجهاض أية محاولات جنينية لتموضع تنظيم الدولة قرب الحدود المصرية-الإسرائيلية، خصوصاً بعدما رصدت دوائر استخباراتية إسرائيلية مؤشرات على تبلور حلف جديد بين التنظيم و”أنصار بيت المقدس”، الذين ينشطون في سيناء ومصر عموما، وفي النهاية إعلان البيعة للتنظيم، وتسمية نفسه بـ”ولاية سيناء”.

هذا التطور قابلته إسرائيل بقلق بالغ، في ضوء قيام ما اعتبرته منظومة الأحلاف بين تنظيمات الجهاد العالمية الناشطة على طول حدودها، باعتباره مصدر تهديد مباشر لأمنها، لاسيما بعد أن حاول التنظيم المصري مراراً في الماضي مهاجمة إسرائيل عبر الشريط الحدودي، وسعى لإطلاق صواريخ نحو ميناء إيلات.(37 )

وفي الوقت ذاته، تأمل تل أبيب أن تسفر هذه المعطيات مجتمعة عن اتساع رقعة التحالف الدولي ضد  تنظيم الدولة ليشمل تنسيقاً مصرياً إسرائيلياً لمحاربته في سيناء وغزة.(38 )

ودأبت القوات الإسرائيلية على مشاركة نظيرتها المصرية في عديد من الإجراءات العسكرية عقب مقتل عدد من رجال الأمن بين حين وآخر في سيناء، وحصل في أحد العمليات أن توجه المسلحون إلى الحدود الإسرائيلية، وتعاملت معها طائرات سلاح الجو، ومنعت هجوماً مدمراً من قبل المسلحين الجهاديين، مما يشير لتنامي الانفلات الأمني، على طول الحدود المصرية الإسرائيلية.

فيما قال “دان هارئيل” جنرال متقاعد، وقائد المنطقة الجنوبية السابق، بما فيها منطقة الحدود مع مصر، أن قوات الأمن والجيش المصري ليس لديهم سيطرة فاعلة على الحدود مع إسرائيل، حيث تسيطر القبائل الإسلامية هناك بالفعل، وتتحدى النظام، وتتصرف كيفما تشاء في سيناء، وتنقل إسرائيل معلومات استخباراتية لمصر عن نشاطات الجماعات الجهادية في سيناء، ومنها تنظيم الدولة، لكن المصريين يفشلون باتخاذ إجراء مناسب.( 39)

وقد كشف عدد من ضباط الجيش الإسرائيلي في وحدة الاستطلاع والهندسة العسكرية، أن تنظيم الدولة يستعد لتنفيذ هجمات ضخمة داخل سيناء وقرب الحدود المصرية الإسرائيلية، وهي فقط مسألة وقت فقط قبل تنفيذ العملية، والجيش يستعد لهجمات مرتقبة للتنظيم ينوى تنفيذها بسيناء قرب الحدود، وهناك استعدادات هائلة من جانب الجيش بتجهيز وسائل تكنولوجية للمراقبة عالية المستوى وكاميرات تم نشرها على طول الجدار الحدودي بين مصر وإسرائيل.

وقال أحد الضباط أنه تم استخدام أحدث الأساليب التكنولوجية المتقدمة ووسائل المراقبة المتطورة عن بعد، بما في ذلك الكاميرات البصرية والرادارية على طول الحدود مع مصر، وتصل 450 ميلا، والحدود الجنوبية المشتركة مع الأردن.

3ـ تنظيم الدولة في سوريا:

لعل أكثر ما يشغل بال الإسرائيليين في الوقت الحالي هو تغلغل الجماعات الجهادية التي تقاتل ضد النظام السوري، ومواصلتها نحو هدفها في سقوطه، حتى أصبحت الخشية الإسرائيلية من انتقال دائرة الصراع إلى جوارها، وهو ما دفع بعض المسئولين الإسرائيليين للمطالبة بضرورة توجيه ضربة استباقية ضد الحركات الجهادية العاملة في سوريا، وعلى رأسها تنظيم الدولة كونها تشكل خطراً على الأمن القومي الإسرائيلي.

لكن تمدد تنظيم الدولة في الأراضي السورية على مرأى ومسمع الجيش الإسرائيلي وعلى حدود هضبة الجولان، يطرح جملة تساؤلات حول مدى جدية إسرائيل في توجيه ضربة للتنظيم وسواه من التنظيمات في سوريا؟ ولماذا تخشى هذه الجماعات؟ وما علاقة الضربة باحتمال سقوط نظام الأسد قريباً؟

مع العلم أنها ليست المرة الأولى التي تصرح بها الأوساط الإسرائيلية عن ضرورة توجيه ضربة للجماعات الجهادية في سوريا، ومنها تنظيم الدولة للحد من انتشارها، وتغلغلها في دول الجوار، لاسيما على الحدود المشتركة لإسرائيل، مع تزايد تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية وجمعها للمعلومات عن تطور الأوضاع في سوريا، لأن كل الدلائل في الفترة الأخيرة تشير إلى عدم قدرة قوات النظام السوري على الصمود، وإمكانية سقوطه في أية لحظة.

حتى أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” دشنت وحدة خاصة تعنى بجمع وتحليل المعلومات عن الحركات الجهادية المقاتلة داخل سوريا، ومنها تنظيم الدولة، ما يعني جديتها في احتمال توجيه ضربة لاحقة لها، في أعقاب تعاظم المخاطر التي باتت تشكلها هذه الجماعات بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، مع أن الصراعات الدائرة بين هذه الجماعات لا تقلص من أخطارها على إسرائيل.

وقالت “كرميت فالنسو” الباحثة البارزة في مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أن قتال إسرائيل لهذه الجماعات، ومنها تنظيم الدولة، يأتي من منظور القاسم المشترك لها، حول موقفها تجاه إسرائيل، واعتبارها العدو الأكبر، وبالتالي فإن انتقال حركات الجهاد العالمي للتمركز قرب الحدود الشمالية والشرقية من إسرائيل يعاظم من درجة التهديد الذي تشكله عليها، ولذلك باتت مواجهتها التهديد الإستراتيجي على إسرائيل خلال عام 2015.(40 )

وتواصلت التحذيرات الإسرائيلية أن تداعيات الأوضاع في سوريا قد تكون كارثية بالنسبة لإسرائيل، في ضوء ضعف النظام السوري، وتواصل فقدانه السيطرة على معظم المناطق، مما حول معظم سوريا لأراضي تستقر فيها الجماعات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، الذي قد يستهدف إسرائيل في كل وقت.

وترى دوائر البحث والتخطيط العسكري في إسرائيل أن خطورة الجماعات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، تكمن في أن مواجهتها غير متناسبة، ومن المستحيل على جيش متطور تحقيق حسم عسكري فيها بشكل واضح وجلي، فضلاً عن أن آليات العمل التي تتبعها التنظيمات الجهادية تمثل بحد ذاتها تحديًا للجيش الإسرائيلي، لأنها تستخدم وسائل قتالية تستهدف الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

وهو ما دفع إسرائيل للاستعداد لضرب مواقع الجماعات الجهادية العاملة في سوريا، ومنها تنظيم الدولة، بعدما تأكد من صعوبة بقاء نظام الأسد رغم الدعم الإيراني وحزب الله، حتى أن الجيش الإسرائيلي يعمل جاهداً في الوقت الحالي على إعداد بنك أهداف خاصّ بالجماعات الجهادية لضربها، مستعينًا بالمعلومات الاستخبارية التي قدمتها له أجهزة الاستخبارات المختلفة.

وستكون إسرائيل مضطرة للتعامل مع الجماعات الجهادية في سوريا آجلًا أم عاجلًا، على افتراض أن هناك اعتقادًا سائدًا بأن هذه التنظيمات ستوجه سلاحها ضد إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد.

وبالتالي، لا يمكن لإسرائيل أن تسلم بتواجد الجهاديين على حدودها، وإن لم تقم بضربهم، فإن هذه الجماعات لن تتردد بإطلاق صواريخ الكاتيوشا عليها، لذلك هم لا يستهدفون إسرائيل حالياً لأنهم معنيون بإسقاط الأسد، وبعد أن ينتهوا من هذه المهمة، لكن أول ما سيقدمون عليه بعد إسقاطه هو توجيه نيرانهم ضد إسرائيل.

وقال “ديفيد بوكاي” أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة حيفا، أن إسرائيل بدأت تصحو أخيراً، وتدرك أن عدم الاستقرار في سوريا يسمح للجماعات الجهادية بدخول الساحة، وعلى رأسها تنظيم الدولة، وصناع القرار في إسرائيل باتوا يقتربون من قناعة مفادها أن البديل للأسد هو تنظيم القاعدة وفروعه، بما فيه تنظيم الدولة، الذي قد يقترب أكثر فأكثر من مرتفعات الجولان، المنطقة الحدودية الجبلية مع إسرائيل، بالتزامن مع تشابك ضعف السلطة المركزية، واحتمالات وقوع الأسلحة الكيماوية السورية في أيدي هذه الجماعات الجهادية، وهو ما يثير تكهنات سوداء.(41 )

وقال مدير الاستخبارات العسكرية السابق “أفيف كوخافي” لأعضاء الكنيست أن من المحتمل أن تصبح الجولان ساحة للعمليات ضد اسرائيل بذات الطريقة التي تبدو فيها سيناء اليوم، وأن منشأ ذلك تنامي تحصن الجهاد العالمي في سوريا، بما في ذلك تنظيم الدولة.(42 )

4ـ تنظيم الدولة على حدود غزة:

تشعر إسرائيل بأن أي ضعف لسلطة حماس في قطاع غزة قد يحمل في طياته مخاطر جدية وجديدة، لأن الواقع قد لا يسفر عن نشوء قوة بديلة للحركة قادرة على ضبط الأمور، بل العكس هو الصحيح، فالبديل البادي لحماس في قطاع غزة في نظر إسرائيل، هي منظمات الجهاد العالمي، ومنها تنظيم الدولة، وهناك منذ الآن من يتخوفون من زيادة الضغط على حماس، لأنه قد يجعل إسرائيل في مواجهة مباشرة لاحقاً مع قوى أشد تطرفاً وشراسة.

هذا الشعور ليس مقتصرا على قطاع غزة، إذ تسود أوساط المعلقين العسكريين الإسرائيليين قناعات بأن الجهاديين من مدرسة القاعدة باتوا على السياج الحدودي في كل المواضع، فإضافة لقطاع غزة هناك العمليات التي يشنها في أوقات متفرقة جهاديون في سيناء خصوصاً ضد إيلات، وهو ما تكرر صاروخياً في الأعوام القليلة الماضية.

تستشعر إسرائيل قلقاً متزايداً من احتمال انتشار منظمات قاعدية، ومنها تنظيم الدولة أو أنصاره، في الأراضي الفلسطينية عموماً، وقطاع غزة خصوصاً، وينبع القلق الإسرائيلي من هذه المنظمات ليس لتطرفها فقط، ولكن لطبيعتها أيضاً، فهي منظمات صغيرة لا تتطلع لتحقيق انتشار واسع، لأنه يعرضها لملاحقات وضربات، ولا يعني كونها صغيرة أنها عصية على الانكشاف، ولكن بالنسبة لدولة مثل إسرائيل تستسهل الوقوف على نيات وخطط مؤسسات وجهات كبيرة، ترى من الصعب عليها ملاحقة تنظيمات عنقودية تنشأ كالفطر، وتنفذ عمليات مفاجئة دون إشعار مسبق.

وحتى وقت قريب، كانت تنظيمات الجهاد العالمي القريبة من القاعدة، ومنها تنظيم الدولة ، تعتبر في إسرائيل إزعاجاً لا أكثر، بسبب تعدد وجهات القتال لديه، وتنوع أعدائه، وكثرتهم، لكن المعلق العسكري “يوآف ليمور” أكد أن شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) ضمت في تقديرها السنوي لعام 2014 منظمات الجهاد العالمي إلى المخاطر المركزية الخمسة التي تواجهها إسرائيل، ومنها تنظيم الدولة.( 43)

هذا التقدير ينبع من حجم هذه التنظيمات، وعلى رأسها تنظيم الدولة، وكمية نشطائها، وتوفر الأسلحة لديها، والحافز لديها، وينتظر أن تحتل هذه المنظمات قريباً جزءً أساسياً من الاهتمام الاستخباري الإسرائيلي في الأعوام القريبة، خصوصاً بسبب ما يجري في سوريا، لبنان، سيناء وغزة.

في نظر إسرائيل، لا يكمن الخطر في أساليب هذه المنظمات، ومنها تنظيم الدولة، بل في الفكرة والهدف، لأنها تسعى لإقامة الخلافة الإسلامية من جديد، بما يعني الحرب الشاملة والمستمرة ضد كل ما هو غربي، وربما تجد إسرائيل العزاء في تطرف تنظيم الدولة، وتركز على محاربة الشيعة والمعتدلين من السنة، قبل أن تحارب اليهود والنصارى.

شكلت إسرائيل حتى زمن قريب هدفاً هامشياً لدى هذه الجماعات الجهادية، ومنها تنظيم الدولة، لكن ثمة من يلاحظ تغييراً ما في هذا التوجه، وهناك في دوائر الفكر البحثي والتخطيط الاستخباري الإسرائيلي من يعتقد أن تنظيم الدولة يتعزز بمقدار ما يفشل الربيع العربي في تحقيق الأهداف المعلنة للشعوب.

فقد راقبت إسرائيل عن كثب كيف بات تنظيم الدولة يسيطر على مناطق شاسعة، وعلى موارد نفطية، ولم تعد ترى في هذا التنظيم فقط شارة تحذير من مستقبل قادم، بقدر ما تراه واقعاً جديداً يتبلور أمام ناظريها، مما حدا ببعض مسؤوليها للحديث علناً عن احتمال الخروج عن دائرة “الحياد”، والتدخل مباشرة في ما يجري في المحيط، لصد أي اقتراب محتمل لتنظيم الدولة من حدودها.

“روني شاكيد” الخبير الإسرائيلي في الشئون العربية يرى أن وجود نويات بسيطة لتنظيم الدولة في غزة أو على حدودها لا يشكل حالياً خطراً على إسرائيل، لأنها تساعد بشكل سري في مواجهته، فهي تريد نظاماً قوياً يسيطر على الأمن في غزة، وهي موجودة على الحدود بجانب سوريا، ولديها مخابراتها والأجهزة الأمنية القادرة على محاربة التنظيم، وهذا هو الدور الذي تقوم به إسرائيل حالياً.

إسرائيل لديها مشكلة مع تنظيم الدولة إذا بات قريباً من حدودها مع غزة، فمن وقت لآخر تنزل قذائف هاون عليها، وتقول أنها لن تعطي أي فرصة لحدوث مشكلة على الحدود، ولا تريد أن تتمدد هذه الحرب داخلها، لأن هناك العديد من عرب48 يريدون التطوع في التنظيم، وهذه مشكلة لإسرائيل، لأن هؤلاء المتطوعين إذا عادوا إليها، كعودة أمثالهم إلى ألمانيا أو بلجيكا أو هولندا، فهذه مشكلة كبيرة لأمن إسرائيل.( 44)

5 ـ داعش على حدود الأردن:

شهدت إسرائيل العديد من التصريحات التي تشير إلى قلقها من خطر قد يشكله تنظيم الدولة من جهة الأردن، وقال رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” إن خطر التنظيم على إسرائيل قد يأتي من بوابة الشرق مع الأردن، ومع تشكيل الحلف الأخير بقيادة الولايات المتحدة ارتفع منسوب القلق في إسرائيل، لأنه على خلفية برنامج العمليات الجديدة للحكومة الأميركية ضد تنظيم الدولة، الذي قد يزعزع الاستقرار في الأردن، وهذا يعني خلق توتر أمني حقيقي على حدود إسرائيل.

وأبدت إسرائيل استعدادها للتدخل العسكري في الأردن, حال تعرض لهجوم عسكري من قبل مقاتلي تنظيم الدولة، وإن محادثات سرية جرت بينهم وبين مسئولين إسرائيليين, تركزت حول الوضع الأمني في الشرق الأوسط, وكان نصيب الأسد هو الوضع الأمني في الأردن، حيث ركز الجانب الإسرائيلي عليه.

وأكدت إسرائيل تدخلها الفوري بكافة أجهزتها في حال شن تنظيم الدولة هجوماً على الأردن، لأن التنظيم يضع عينه على المملكة، حيث يقوم أنصاره بالتغريد على حساباتهم على “تويتر” بأنهم يسيطرون بالفعل على البلدان الأساسية في العراق، وأي هجوم محتمل لـه على الأردن، سيزيد من تعقد النزاع المحتدم بالفعل في هذه الدول، وإذا استشعر الأردنيون وجود خطر منه، فسيحشدون ويشركون إسرائيل في الحرب التي اجتاحت الشرق الأوسط.

ومما زاد من القلق الإسرائيلي ظهور أعلام تنظيم الدولة في مدينة معان الفقيرة جنوب الأردن، التي تُعد منذ فترة قصيرة, منطلقاً للعناصر الجهادية في المملكة، والكثير من سكانها باتوا يدعمون التنظيم في ظل انتصاراته في سوريا والعراق.

وفي ضوء أن إسرائيل تستعد لمثل هذه الاحتمالات، لكنها ترفض الإعلان أنها تنوي العمل مع الأردن لمواجهة مثل هذا الاحتمال الآن، أو في حال وقوعه، وغير معروف إذا كانت تملك معلومات حقيقة حول إمكانية أن يهدد تنظيم الدولة أمن الأردن، لكن هناك قرار إسرائيلي واضح بعدم السماح بسقوط المملكة.

إسرائيل نقلت موقفها بشأن عدم السماح لسقوط الأردن في قبضة تنظيم الدولة للولايات المتحدة، وأبلغتها بأنها ستتحرك ضد التنظيم فورا إذا وصل عمان، وستتحرك وفق كل إمكانياتها لإحباط أي نشاط في الأردن، دون أن تحدد طبيعة هذا التحرك الذي قد يكون مرفوضاً من قبل المملكة نفسها، لأنها أعلنت قدرتها على حماية حدودها.

بجانب التصريحات الإسرائيلية المتخوفة من اقتراب تنظيم الدولة من الأردن، يجري خلف الكواليس تعاون على قدم وساق بين المخابرات الإسرائيلية والأردنية، في ظل مخاوف أن يكون بين اللاجئين السوريين الذين فروا إلى الأردن خلايا نائمة لتنظيم الدولة، وقد تعمل ضد الأردن في أي وقت، وبالتالي، فإن الأردن يساعد إسرائيل في مراقبة تحركات الجماعات الجهادية التي تعمل جنوب سوريا، وفي محيط منطقة القنيطرة في هضبة الجولان، والتأكد من عدم استغلال المنطقة في تنفيذ عمليات ضد العمق الإسرائيلي.

وثمة من يرى أن العلاقات بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والأردنية تعززت خلال العامين الأخيرين، في أعقاب ظهور تنظيم الدولة، وتعمل كلتاهما من أجل الدفاع عن حدودهما المشتركة، وتأتي الخشية الإسرائيلية في سياق أن بعض المجموعات الموجودة في جنوب سوريا، على علاقة وثيقة بالأجهزة الأمنية الأردنية، وأشرفت على تدريبها وتأهيلها؛ مما يمكنها من الحصول على معلومات تتعلق بالتحركات في المنطقة، ونقلها لإسرائيل.

كما أن الأردن يحوطه تنظيم القاعدة من جهة الشمال، وتنظيم الدولة من الشرق، وبخلاف الوضع في سوريا، نجح الملك عبد الله الثاني وكبار المسؤولين الأردنيين ببلورة آلية حافظت على مصالح العشائر الموجودة على الحدود، وقد يساهم في صد التهديدات، بجانب امتلاكه أجهزة أمنية واستخبارية قوية قياسًا بالدول الأخرى من حوله.

وتخوف السفير الإسرائيلي الأسبق “بوعاز بيسموت” من وصول تنظيم الدولة إلى الأردن، على اعتبار أن المملكة الهاشمية “رفاقنا خلف الحدود”، هم الهدف القادم للتنظيم، ما يعني أنها ليست مشكلة الأردن، بل مشكلة كل واحد منا، محذراً قيادة الجيش من مؤشرات اقتراب التنظيم من إسرائيل، ولمن لم ينتبه، فإن التنظيم بات موجوداً في العراق وسوريا ولبنان، ويهدد الأردن، وقد بات تماماً بقربنا، ربما حان الوقت لنفهم أين نعيش، وماذا نما في محيطنا من الشرق الأوسط، في الوقت الذي كنا نتعجب فيه من عدم تحقق السلام حتى الآن.(45 )

مصادر عسكرية بالمنطقة الجنوبية في الجيش الاسرائيلي حذرت من الارتفاع الملحوظ في تأييد العشائر البدوية الأردنية في منطقة الجنوب لصالح تنظيم الدولة، مبدية تخوفات كبيرة بأن هذا التأييد قد يشكل أرضية خصبة لتنامي التنظيمات المسلحة التي قد تتسلل لإسرائيل، خاصة بعد عودة العديد من الأردنيين من سوريا، ووجود نازحين من سوريا الى الاردن، وبعضهم من مؤيدي تنظيم الدولة وجبهة النصرة.

ما يزعج إسرائيل إنشاء خلايا مسلحة بناء على هذا التأييد الواسع، وتسلل عناصر هذه الخلايا إليها لتنفيذ عمليات، مما دفعها بالتفكير الجدي في تشييد جدار على طول الحدود مع الأردن، خاصة بأن هذه الحدود هي الأطول، وأكثر بـ3 مرات من الحدود مع مصر، وتحتاج لجهد كبير لتأمين الحراسة على طولها.

لقد كان لسيطرة تنظيم الدولة على مدينة الموصل العراقية وقع الصاعقة في الاوساط الإسرائيلية، وسط إجماع المعلقين الإسرائيليين على أن التوسع الجغرافي للتنظيم يشكل خطراً حقيقياً على أمن إسرائيل، ويهدد بصورة كبيرة استقرار الأردن الذي له أهمية كبيرة بالنسبة لها، وقد ينعكس على الحرب الاهلية في سوريا والوضع القائم في هضبة الجولان، ويفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط.(46 )

تثير التصريحات الإسرائيلية تساؤلات عما إذا كان الأردن قادرا على مجابهة تنظيم الدولة بمفرده، وطرحت إمكانية أن تكون عمان غير قادرة وحدها على مواجهة تهديده، رغم أن الأردن قوي بما يكفي، ومع بعض الدعم الأميركي سيجابه من يدقون أبوابه.

مع العلم أن إسرائيل حتى اليوم لم تنخرط في أي عمل عسكري مباشر ضد التنظيم، لكنها اكتفت، بتزويد الولايات المتحدة بصور أقمار صناعية، وتعلن أنها لن تشارك في الحرب الفعلية ضده، لأنها تعلم أن مشاركتها قد تضر بالتحالف الدولي، وتظهر الصراع ضد التنظيم كأنه يخدمها.

ثالثاً: مستقبل تنظيم الدولة وانعكاساته على أمن إسرائيل:

لم يثر ظهور منظمة عسكرية من قبل، ما أثاره ظهور تنظيم الدولة، وصعوده الدراماتيكي، من التعليقات والتحليلات والتكهنات الإسرائيلية، وهي في مجملها ترجع لطبيعة هذه المنظمة المنضبطة، وقوتها وسرعة تمددها على الأراضي السورية والعراقية، بعد احتلالها الموصل، وإحكامها السيطرة على هذه الأراضي، وصولاً لإعلانها الخلافة هناك.

لكن أكثر الأسئلة الإسرائيلية التي أثارها ظهور التنظيم تمحورت فيما طرحته صحيفة هآرتس في حمى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في يوليو أغسطس 2014، بقولها: “لماذا داعش ليست في عجلة من أمرها لمهاجمة إسرائيل؟” في وقت تقوم فيه إسرائيل بـ”سحق” غزة، وهو تساؤل في محله، وجاء ليكرس ما بات معروفاً عن عدم اهتمام تنظيم الدولة بإسرائيل.

علماً بأن أي هجوم أو ضربة، كبيرة أم صغيرة، يتجرأ تنظيم الدولة على توجيهها لإسرائيل، لا تندرج، سوى في خانة سعيه لاستمالة مناصرين جدد له من العالم العربي، وربما من دول إسلامية خارج المنطقة، مثل كثير من أنظمة المنطقة التي درجت على توظيف عدائها، أو مقاومتها لإسرائيل، لزيادة تلاحم الشعب حولها، واقترفت جرائمها بحق شعوبها.( )

ورغم أن “بيني غانتس” رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي السابق، هدد، بأن أي خطط يضعها تنظيم الدولة لمهاجمة إسرائيل، ستجعله يخسر بشكل كلي، وعلى عكس عقيدة “الصدمة والرعب” التي تبنتها الولايات المتحدة، ونصبت على أساسها آلافاً من صواريخ توماهوك في العراق، فإن عقيدة “الصدمة والرعب” التي يتبناها تنظيم الدولة تقوم على قطع رؤوس الأبرياء، وهذا تهديد إسرائيل ليست معنية فيه، بل تستطيع، بكل بساطة، احتواءه، إن اقترب منها.

ويعلم الإسرائيليون أن أية ضربة يتلقونها من تنظيم الدولة ستكون لها منافع لا حصر لها عليهم، لا تقل عما حصلوا عليها في أعقاب تعرضها لهجمات بصواريخ سكود العراقية، أثناء حرب الخليج الثانية سنة 1991، لكنهم رغم هذه الحقيقة، يريدون البقاء بمنأى عن هجمات من هذا النوع، بعدم إثارة عش الدبابير ضدهم.

ونظرا لأن تل أبيب تعي جيداً أن التحالف الدولي والإقليمي لمحاربة تنظيم الدولة يحمل في طياته فرصة ذهبية لأطرافه من أجل تحقيق مآرب إستراتيجية تتجاوز هدفه المعلن، المتمثل في القضاء على التنظيم وأعوانه من التنظيمات المنتشرة في ربوع العراق وسوريا التي تنذر بالتمدد في سائر أرجاء المنطقة.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بأن هزيمة تنظيم الدولة وترك إيران كقوة نووية هو أحد أنواع كسب المعركة وخسارة الحرب، ولذلك لا ينبغي أن تكون عدم محاربة إسرائيل للتنظيم أمر مفاجئ، فحتى الآن لم تتخذ الحكومة أي خطوة فورية ضده.

فيما أكد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق “عاموس يدلين” إن حالة الهلع التي انتشرت في إسرائيل من تنظيم الدولة يجب أن تنتهي، لأنه لا يشكل خطراً عليها رغم أنه ينشط على بعد مئات الكيلومترات من حدودها، ولو كان أقرب من ذلك، فثمة شك إذا كان قادراً على المس بإسرائيل وسكانها.

وأضاف: الحديث يدور في نهاية المطاف عن بضعة آلاف من المسلحين المنفلتين من عقالهم، يركبون سيارات “تندر”، ويطلقون النار من كلاشينكوفات ورشاشات، وسوية مع عدة ميليشيات أخرى انضمت إليه، يقدر حجم تنظيم الدولة الآن بعدة عشرات من الآلاف من المقاتلين.

اللافت في كلام “يدلين”، أنه يكرر أقوال “نتنياهو”، من خلال المقارنة بين تنظيم الدولة كتنظيم مسلح تعاديه كافة دول العالم، وبين حماس التي تعتبرها دول كثيرة في العالم، حتى المتخاصمة معها، بأنها حركة مقاومة، ليس هذا وحسب، بل إن إسرائيل باعتراف وزيرة القضاء السابقة “تسيبي ليفني” فاوضت حماس، ورغم أن إسرائيل تستبعد وصول تأثير تنظيم الدولة إلى الفلسطينيين، لكن تحسبها وقلقها من استقرار أيديولوجيته بين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.(48 )

وللتخفيف من روع الإسرائيليين من تنظيم الدولة، فقد طالبت بعض الأوساط العسكرية والأمنية بإطفاء صفارات الإنذار في إسرائيل، ودعت لاستغلال وجود تنظيم الدولة، لأنه يفتح فرصاً إستراتيجية جديدة أمام إسرائيل، للتعاون مع دول أخرى مهتمة بالمس به، كالولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول عربية في المنطقة، من خلال إنشاء وتعزيز علاقات عمل وثيقة بين مختلف أجهزتها الأمنية.

وتختلف التقديرات الإسرائيلية إزاء نتائج انشغال دول العالم والإقليم بالحرب على تنظيم الدولة، في الإجابة على سؤال: ما الذي ستربحه إسرائيل، والثمن الذي ستدفعه؟ مع وجود اتفاق في آراء مسئوليها ومحلليها السياسيين والعسكريين على أنها الرابح الأكبر إقليمياً في السنوات الأربعة الأخيرة، باشتعال حروب أهلية في بعض البلدان العربية، وقد أبعدت المخاطر التقليدية التي بقيت تواجهها منذ عام 1948، وبروز تنظيم الدولة، الذي أصبحت الحرب عليه أولوية دولية وإقليمية، وصرفت الأنظار عن الصراع العربي والفلسطيني- الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن بروز تنظيم الدولة، والجماعات المسلحة الأخرى المتعددة والمتنوعة، يضع إسرائيل في خضم بيئة استراتيجية جديدة، لم تواجهها من قبل، وتفرض عليها حسابات سياسية وعسكرية غير تقليدية، ما زالت حكومتها تتجاهلها حتى الآن، لكن لحظة الحقيقة ليست ببعيدة، وعندها ستضطر لمراجعة حساباتها، ودفع أثمان مستحقة حتى لا تنقلب مكانتها الحالية، من “رابح أكبر” إلى “خاسر أكبر” في المحصلة.

المحلل العسكري “أليكس فيشمان” حدد 3 تهديدات مركزية سيواجهها رئيس الأركان الجديد “غادي آيزنكوت”، من بينها المواجهات في سوريا، التي تغير وجهتها كل لحظة، واحتمال فتح جبهة صراع جديدة ضد إسرائيل، لن تكون تقليدية كما المواجهات السابقة على الجبهة الشمالية، مع سورية ولبنان، في ضوء دخول تنظيم الدولة على خط المواجهة.( 49)

التهديدات على المستوى السياسي أجاب عليها “غلعاد شير وليران أوفيك”، الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، عبر ورقة عمل بعنوان “استراتيجيا سياسية متكاملة”، حددا فيها مجموعة خطوات يجب على إسرائيل القيام بها، كي لا تنقلب أرباحها لخسائر، ومن أهمها إمكانية استغلال الحرب على تنظيم الدولة في هذا السياق.

وأغفل الباحثان حقيقة أن كل الأرباح التي يتحدثون عنها، بصرف النظر عن دقة ذلك أو عدمه، وليدة حسابات بيئة متغيرة، وأي خطأ فيها يحولها إلى خسائر، فالصراع العربي الفلسطيني- الإسرائيلي كان قبل ظهور تنظيم الدولة، وسيستمر إذا لم تستجب إسرائيل لشروط تسوية تلبي حقوق الشعب الفلسطيني.(50 )

ووصف “بن درور يميني” ما حدث في العراق عقب سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة منه بـ”حرب الخليج الثالثة”، وأن التطورات الأخيرة هناك تحتم على إسرائيل اعادة التفكير بالشرق الأوسط الجديد الذي بدأ يتبلور أمام ناظريها، في ظل نشوء كيان سياسي جديد في العراق أخطر بكثر من الكيان الفلسطيني الموحد، معرباً عن تخوفه الكبير من توسع الكيان الجديد نحو الأردن، ولأول مرة تبرز مصلحة مشتركة تجمع بين حزب الله والأردن والعراق وإسرائيل، وهي وقف تقدم تنظيم الدولة.( )

ورأى المعلق العسكري “عاموس هرئيل” أن على إسرائيل تركيز جهودها حالياً على 3 نقاط أساسية:

تعزيز قوة الأردن والدول الصديقة، والمساهمة في صمودها أمام تمدد تنظيم الدولة؛

الاستعداد لمواجهة مفاجآت غير متوقعة بسبب التطور السريع للأحداث، كوقوع هجمات لتنظيم الدولة في هضبة الجولان ضدها، رغم أنه مشغول بالقتال ضد الأسد وحزب الله والجيش الحر؛

طبيعة الترتيبات الأمنية التي يتركها الأميركيون وراءهم، فانهيار الجيش العراقي هو الحادثة الثانية لقوات عربية دربها وسلحها الأميركيون في الأعوام الاخيرة، فقد سبقها انهيار القوات الأمنية للسلطة الفلسطينية في حزيران 2007، وفرارهم من غزة تحت وطأة الهجوم الذي شنته حماس.(52 )

وتوقف “عوديد عيران ويوآل غوزنسكي” في دراسة عن “الانعكاسات الاستراتيجية لانهيار العراق”، أمام التقاطع المثير في المصالح الذي أوجدته سيطرة تنظيم الدولة على وسط العراق، لأن لإسرائيل مصلحة كبيرة في محاربة تمركز التنظيم بأي منطقة في الشرق الأوسط، حتى لو لم يوجه عملياته ضد إسرائيل، لكن توسعه الجغرافي يشكل خطراً أمنياً عليها، ويجذبان الانتباه الى انعكاسات سيطرته لفترة طويلة على المناطق النفطية في العراق، وتأثير ذلك على أسعار النفط مستقبلاً.( 53)

وفي نظر عدد لا يستهان به من المعلقين الإسرائيليين، فان انهيار الجيش العراقي، وتفكك الدولة، هو بالدرجة الاولى دليل على الفشل الأميركي الذريع، والتعامل مع مشكلات الشرق الأوسط بصورة عامة، مما يؤكد صوابية المواقف الإسرائيلية المتشددة الرافضة لحل الدولتين مع الفلسطينيين الذي ترعاه الولايات المتحدة.

ودعا نائب وزير التعاون الاقليمي الاسرائيلي “أيوب قرا” لشن عملية عسكرية موسعة ضد قوات تنظيم الدولة التي تحاول السيطرة على المنطقة المحاذية للجولان السوري، وفي حال لم تشن هذه العملية في القنيطرة، فإن صواريخ الكاتيوشيا ستضرب إسرائيل خلال الفترة القادمة، لأن قوات تنظيم الدولة قد تسيطر على محيط الجولان، مما يتطلب تدخل سلاح الجو الإسرائيلي لتأمين الحماية وتقديم العون لقوات الجيش الحر.(54 )

الخاتمة

من الجائز أن جملة الأوضاع والظروف دفعت إسرائيل للتعامل مع تنظيم الدولة وفق نظرة مزدوجة: فالتنظيم مفيد وضار في الوقت ذاته، وإسرائيل تتعامل بازدواجية مع هذه الظاهرة، فرئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتنياهو” حاول مع بدء الحرب الأخيرة على غزة 2014، إعلان حركة حماس بأنها “داعش إسرائيل”، وبالتالي طالب العالمين الغربي والعربي، بالوقوف بجانبه، لأن الحرب واحدة ضد الإسلام المتطرف.

ولم يخف عدد من القادة الإسرائيليين حقيقة رغبتهم بأن تكون المعركة العالمية والإقليمية، ضد الإسلام بكل تعابيره السياسية.

على أن الازدواجية نفسها قادت القادة الإسرائيليين لإظهار نوع من الاختلاف في التعامل مع الخطر الذي يمثله تنظيم الدولة، فقد أراد جزء منهم التوضيح بأنه لا يشكل خطراً البتة على إسرائيل، مقابل جزء آخر يرى أنه يشكل خطراً، لكنه ليس الخطر الأول.

وفي نظر الجانبين فإن حماس أشد خطراً على إسرائيل من تنظيم الدولة، لكن قسماً من الإسرائيليين يرون أن المشاركة في الحرب عليه قد تفسح الطريق لتفهم دولي وإقليمي أكبر للحرب على حماس.

لكن بعضاً من كبار الاستراتيجيين الإسرائيليين يحذرون من التجاوب مع النظرة الدولية التي تعتبر تنظيم الدولة الخطر الأبرز في المنطقة، فإسرائيل الرسمية لا تريد لأحد أن ينسى أن إيران هي الخطر الأساس بسبب مشروعها النووي، وهو ليس خطراً عليها فقط، بل على القوى الإقليمية العربية الأخرى.

وتخشى إسرائيل أن تسهم الحرب المشتركة على تنظيم الدولة في تناسي بعض العرب للخطر الإيراني، والأهم في تناسي أميركا لهذا الخطر، لهذا سعت بقوة لمنع أي محاولة لإدراج إيران في “الحرب العالمية” التي أعلنتها أميركا على التنظيم.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الهوامش:

1 ) تحليل استراتيجي للمؤرخ الإسرائيلي “توم سيغيف”، صحيفة يديعوت أحرونوت، 27/8/2014.

2 ) مارك هيلر، ورقة عمل مقدمة إلى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بتاريخ 1/3/2014.

3 ) تصريحات الساسة الإسرائيليين حول التغييرات الحاصلة في الشرق الأوسط، موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، يوليو وأغسطس 2014.

4 ) صحيفة يديعوت أحرونوت، 15/3/2014.

5 ) صحيفة “يسرائيل اليوم”، 17/3/2014.

6 ) “ماجدولينا كيرشنير”، انعكاسات الربيع العربي على صراعات الشرق الأوسط، مركز دايان، جامعة تل أبيب، آذار 2014، ص5.

7 ) تسجيل منسوب للبغدادي: يتوعد السعودية وإسرائيل ودول التحالف، بي بي سي، 26/12/2015.

8 ) هداس، هروش، إسرائيل تستعد للحرب ضد داعش، المصدر الإسرائيلي، 27/12/2015.

9 ) “أليكس فيشمان” الخبير الإسرائيلي الأكثر دراية بالشئون الأمنية والعسكرية، يديعوت أحرونوت، 22/2/2014.

10 ) البروفيسور “إفرايم إنبار” أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان, الثورات العربية والأمن القومي الإسرائيلي، 2014.

11 ) موقع الجيش الإسرائيلي باللغة العبرية: الرابط

12 ) مجلة “بمحانيه” العسكرية، الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، مارس آذار 2014.

13 ) هيلال باريش،الباحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة “بار إيلان”، تأثيرات الثورات العربية على المشهد الصهيوني، أبريل 2014.

14 ) المتغيرات الإقليمية وانعكاساتها على إسرائيل، 7/11/2014.     

15 ) أمير بار-شالوم، القناة التلفزيونية الإسرائيلية الأولى، 7/7/2015.

16 ) د.”ديفيد بوكاي”، من جامعة حيفا، إسرائيل فشلت في توقع المظاهرات العربية ونتائجها، 6/7/2014.

17 ) إيلان مزراحي، نائب رئيس الموساد السابق.

(18) المحامي الإسرائيلي “داشيل شابيرو” في مقال بصحيفة “كريستيان سيانس مونيتور” الأمريكية، 2/4/2014.

(19) د. “تشيلو روزنبرغ”، المؤرخ الإسرائيلي والخبير في قضايا الأمن القومي، مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، 21/3/2014.

(20) “شمعون شتاين” الباحث في الشئون الاستراتيجية، العالم العربي يغلي، مجلة “نظرة عليا”، معهد أبحاث الأمن القومي.

21 ) يورام شوارتسر، العلم الأسود للدولة الإسلامية يرفرف، معهد أبحاث الأمن القومي، جامعة تل أبيب، 2015، ص54.

22 ) “رافي يسرائيلي”، المحاضر في قضايا الشرق الأوسط بالجامعة العبرية، صعود الإخوان المسلمين في الدول العربية.

23 ) البروفيسور “عوزي رابي”، رئيس دائرة دراسات الشرق الأوسط ومركز ديان في جامعة تل أبيب: رؤية اسرائيلية لأحداث الربيع العربي.

24 ) د.”بارون فريدمان”، يدرس اللغة العربية ومحاضر عن الإسلام في معهد “التخنيون”: الربيع الإسلامي في المرحلة المقبلة.

25 ) الكاتب الصهيوني “سيمون تيسدال”: إيران تسعى للسيطرة على سوريا بعد سقوط الأسد، 9/2/2015.

26 ) “يعكوب عميدرور” رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، الشرق الأوسط..امتحانات صعبة، 17/3/2015.

27 ) “أهارون زئيفي فركش”، رئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الأسبق، الربيع العربي شرٌ لإسرائيل، 27/9/2014.

28 ) “عيران ليرمان” مدير اللجنة اليهودية الأمريكية وضابط في الاستخبارات العسكرية،الربيع العربي يهدد استقرار المنطقة، 23/2/2015.

29 ) “إيتان هابر” الرئيس السابق لديوان “إسحاق رابين”، شرق أوسط عاصف، 3/1/2015.

30 ) “أفيشاي أفرغون”، ماذا بعد سيطرة الإخوان المسلمين على الدول العربية، مارس آذار 2013.

31 ) نتنياهو يستعين بـ”داعش” لدعم حملته الانتخابية، التلفزيون الإسرائيلي، 15/2/2015.

32 ) خطر داعش صرف الانتباه عن إيران، 24/9/2014، معهد أبحاث الأمن القومي.

33 ) يجب القضاء على تنظيم داعش، 4/9/2014.

34 ) القبض على شبان من عرب 48 انضموا لتنظيم داعش بسوريا، 15/5/2014.

35 ) غيلي كوهين، هآرتس، 30/12/2015.

36 ) أمير بوخبوط، موقع ويللا الإخباري، 28/12/2015.

37 ) 70 ألف مصري انضموا لتنظيم الدولة، 31/5/2015.

38 ) اسرائيل: الحاضر الغائب في الحرب على داعش، 25/9/2014.

39 ) تمدد داعش في العراق تزيد أهمية السيطرة على غور الأردن، 13/6/2014.

40 ) خارطة طريق لمواجهة التنظيمات الجهادية في غزة ولبنان وسورية وسيناء، 18/3/2015.

41 ) اسرائيل تخشى الجيل الجديد من الجهاديين على حدودها، 11/8/2014.

42 ) سوريا تستقطب الآلاف من المتطرفين من دول المنطقة والعالم، 24/7/2013

43 ) توجيه ضربات داعش لإسرائيل مسألة وقت، 17/1/2015.

44 ) إسرائيل تساعد سرا في مواجهة داعش، 23/10/2014.

45 ) إسرائيل: داعش ثمرة فجّة للسلوك الأميركي المغلوط، 13/6/2014.

46 ) تقدم داعش لا يستلزم النفير العام في الأردن، 27/5/2015.

47 ) داعش وإسرائيل.. هل من علاقة؟ 28/2/2015.

48 ( ) داعش نصف قوة حماس العسكرية، 4/9/2014.

49 ) التحديات أمام إسرائيل في العام 2015، 29/12/2014.

50 ) استراتيجية سياسية متشابكة: اقليمية، ثنائية وخطوات مستقلة، 9/3/2015.

51 ) بين لندن وداعش، 30/6/2014.

52 ) داعش تُعزز التحالف بين إسرائيل والأردن ومصر، 20/2/2015.

53 ( ) خوف إسرائيلي من الانعكاسات الاستراتيجية لسيطرة داعش، 14/6/2014.

54 ( ) دعوات إسرائيلية لضرب داعش في سوريا، 17/5/2015.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close