fbpx
الشرق الأوسطتقارير

السياسة الأمريكية تجاه قضايا المنطقة بعد فوز بايدن

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة

رغم ما حظيت به انتخابات الرئاسة الأمريكية من متابعة حثيثة على مستوى العالم، فإن المنطقة العربية، أو ما يصطلح على تسميته الشرق الأوسط، حازت على متابعة لحظية، ساعة بساعة، لصيرورة هذه الانتخابات، ومآلات نتائجها، لاسيما بالنسبة لآثارها المتوقعة على صعيد القضايا الإقليمية، بعد طي صفحة الرئيس الجمهوري الخاسر دونالد ترامب، وفتح صفحة جديدة مع المرشح الديمقراطي جو بايدن.

في الوقت ذاته، تظهر الساحة الإسرائيلية من أهم الساحات المتأثرة بهذا التطور الأمريكي اللافت، ولذلك تتركز أهم محاور هذا التقدير في عدد من المسائل الهامة، يقف على رأسها مستقبل الصراع الإسرائيلي مع الفلسطينيين، ومشاريع البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، وإمكانية استئناف المفاوضات السياسية مع السلطة الفلسطينية.

بجانب الوضع الفلسطيني الإسرائيلي، يجدر الحديث عن السياسة الأمريكية المقبلة تجاه الملف الإيراني، لاسيما بالنظر للعقوبات الأمريكية عليها، والضغوط الإسرائيلية على واشنطن لفرض مزيد من القيود على طهران، وانتهاء بترميم العلاقة الإسرائيلية مع الحزب الديمقراطي التي تضررت كثيرا خلال حقبة ترامب.

دأبت دوائر صنع القرار الإسرائيلي على متابعة التطورات المتوقع حدوثها على سياسة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن تجاه القضية الفلسطينية، وما يمكن أن تفصح عنه الأيام القادمة من نتائج على إسرائيل، سلباً وإيجاباً، مع العلم أن الأيام الأخيرة أظهرت حالة من “التفاؤل” الإسرائيلي تجاه السلوك الذي قد يقدم عليه الرئيس الخاسر دونالد ترامب فيما تبقى له من أسابيع تنتهي يوم العشرين من يناير 2021.

يرى الإسرائيليون أن اضطرار ترامب للانفصال عن البيت الأبيض، يطرح سؤالا هاما عما يمكن أن يصدره من قرارات لصالح إسرائيل في الشهرين المقبلين، لأن الدستور الأمريكي يجيز للرئيس المنتهية ولايته تمرير أي قرار يرغب به في الفترة بين الانتخابات وتنصيب الرئيس المنتخب، تكرارا لسابقة أخرى قام بها الرئيس السابق باراك أوباما في ديسمبر 2016، بعد فترة وجيزة من فوز ترامب، حين امتنع عن استخدام حق الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن على قرار ضد الاستيطان الإسرائيلي.

العلاقة مع الفلسطينيين

تزداد التقديرات بأن بايدن سيكون أكثر تصالحية تجاه السلطة الفلسطينية، رغم أنه اهتم دائما بإظهار التزامه العميق بمصالح إسرائيل الأمنية، لكن من الواضح أن أبا مازن يتوق لرئيس آخر في البيت الأبيض، لأنه شعر بالخيانة والتخلي عنه، عقب نقل ترامب سفارته إلى القدس، وحوّل التركيز من الفلسطينيين إلى دول الخليج، وترك رام الله معزولة، وفي الإدارة الديمقراطية الجديدة، ستكون الروح السائدة تجاه رام الله مختلفة، حيث سيحاول أولا تجديد الثقة مع الفلسطينيين، وبعد مرحلة الحد من الضرر معهم، سيحاول الشروع في أي عملية سياسية.

تعتمد الكثير من العلاقات الفلسطينية الأمريكية في هذا السياق على الفريق الذي سيشكله الرئيس الجديد حوله، فإذا كانوا من خريجي إدارة أوباما، فمن المرجح أن يكون الخط تجاه إسرائيل أكثر صرامة، وبعد كل ذلك، فإن على الإسرائيليين أن يتذكروا أن بايدن كان هناك في 2016، في نهاية إدارة أوباما، عندما اتخذ مجلس الأمن القرار ضد المستوطنات في إسرائيل.

التقييم الأولي للبرنامج الانتخابي لبايدن، وأدائه المتوقع تجاه الفلسطينيين، يشير إلى أنه يعمل على تلافي صفقة القرن التي أعلنها ترامب قبل عشرة أشهر، رغم وجود تخوف فلسطيني جدي أن يلجأ الأخير إلى ترجمة صفقته لمذكرة تفاهم، أو تبادل رسائل بين واشنطن وتل أبيب، لربط إدارة بايدن، وجعل الصفقة سياسة أمريكية رسمية ونهجًا متفقًا عليه بين إسرائيل والولايات المتحدة، رغم أن مصادر حملة بايدن، ألمحت إلى أن مثل هذه الرسالة أو مذكرة التفاهم لن تُلزمه، ومن المشكوك فيه أن يكون لها تأثير على سياسته تجاه الفلسطينيين والإسرائيليين معاً.

يرى مسؤولو حملة بايدن أنه سيسعى للحفاظ على حل الدولتين، وتجنب الإجراءات الأحادية، ودعوة إسرائيل للامتناع عن توسيع المستوطنات، وعدم الحديث عن الضم، وسيطلب من الفلسطينيين الامتناع عن إجراءات نزع الشرعية عن إسرائيل، ودفع الأجور للأسرى، رغم أن القضية الإسرائيلية الفلسطينية لن تكون على رأس أولوياته، ولن يكون في عجلة من أمره لإعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات.

استبق الإسرائيليون تنصيب بايدن بالتلميح إلى أنه لا يوجد سبب يدعو إدارته لإدانة البناء في المستوطنات، لأن هناك اتفاقًا بين الجانبين بموجبه يمكن لإسرائيل البناء داخل المستوطنات القائمة، وليس إنشاء مستوطنات جديدة، لكن إدارة بايدن، كما عهد أوباما، قد تبدي معارضة لأي بناء في المستوطنات.

يفيد التقدير السائد في إسرائيل بأن بايدن سيتخلص من “صفقة القرن”، التي جعلت الفلسطينيين غير ذوي صلة، وإذا أراد، فسيبدأ مسارًا جديدًا للحوار الإسرائيلي الفلسطيني، وقد أعلن الفلسطينيون من جانبهم بالفعل أنهم سيذهبون بهذا الاتجاه.

تبدو الإشارة مهمة إلى أن بايدن في عامه الأول رئيسا، سيركز على القضايا الداخلية، دون أن يمنع ذلك انخراطه في السياسة الخارجية، لكن الفلسطينيين لن يكونوا في المقام الأول، فهناك ملفات إيران، والعلاقة مع حلف الناتو، واستعادة القيادة الأمريكية له، وإعادة العلاقات مع الصين وقضايا أخرى، رغم أنه سيسعى للحفاظ على حل الدولتين لحل القضية الفلسطينية، وتشجيع الأطراف على إجراءات إيجابية، وتجنب العمل الأحادي.

إن قراءة لبعض الخطوط العريضة من سياسة بايدن تجاه الفلسطينيين، تتمثل بأن إدارته لن تنقل السفارة الأمريكية من القدس، وقد لا تكون في عجلة من أمرها للتطرق للاعتراف الذي منحه ترامب للسيادة الإسرائيلية في الجولان، لكنها ستكون معارضة عنيدة لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وسيتم تجديد المساعدة للسلطة الفلسطينية بطريقة أو بأخرى، وإعادة فتح مكتبها في واشنطن، ولن يرى بايدن نفسه ملتزما بـ “صفقة القرن” الخاصة بإدارة ترامب.

لا يتوقع الفلسطينيين والإسرائيليين إصدار بايدن لمبادرة سلام جديدة بشأن القضية الفلسطينية، بل سيبذل جهودا لتحسين علاقات إسرائيل مع السلطة الفلسطينية من أجل تغيير الأجواء، وتحسين الوضع على الأرض، ولا يعتقد مستشاروه أنه “في الجيل الحالي” يمكن الوصول لتطبيق حل الدولتين، لكنهم يوصون ببذل كل جهد للحفاظ على الاحتمال، والحفاظ على هذه الرؤية بأن تبقى حية.

في الوقت ذاته، فإن انتخاب بايدن قد يعمل على تصدير القضية الفلسطينية إلى رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، لأنه سيحاول تمييز نفسه عن سياسة سلفه، ومن غير المرجح أن تبقى جميع التفاهمات مع إدارة ترامب سارية المفعول، ما يعني أن البناء في مستوطنات الضفة والقدس سيعود من جديد مسألة خلافية، وبؤرة توتر، ونزاعا مستمرا، بين واشنطن وتل أبيب، وستعود إدانات الأمم المتحدة لإقامة المستوطنات كما فعلت في أواخر عهد أوباما، وليس من المستبعد أن تعيد الولايات المتحدة تعريف المستوطنات على أنها عقبة في طريق السلام.

كل ما تقدم يشير أن الساحة الفلسطينية تثير قلق المسؤولين الإسرائيليين وقادة المستوطنين، فصفقة القرن الخاصة بترامب، وعارضها الكثير في حزب الليكود، تبدو لهم اليوم حلما يتراجع، ويخشون أن بايدن سيعيد الفلسطينيين إلى وسط الخريطة، ويعود لحل الدولتين على أساس حدود 1967، والجميع واثقون أنه سيمنح الفلسطينيين الـ 500 مليون دولار التي سرقها ترامب منهم، وتفعيل القنصلية الأمريكية بشرقي القدس لصالح الفلسطينيين.

الموقف من إسرائيل

يبدي الإسرائيليون قناعتهم بأن انتخاب بايدن رئيسا للولايات المتحدة، يعني أن تدخل إسرائيل حقبة جديدة، وأن يوم 20 يناير 2021، حين تنتهي أيام ترامب، يعني تولي أيام الشيك المفتوح من ترامب لإسرائيل، مع أن دخول بايدن للبيت الأبيض لن يعني بالضرورة العودة لأيام الصراع في عهد أوباما، لأن نائبه ليس لديه مصلحة بمواجهة إسرائيل.

مع أن الصداقة الشخصية الطويلة بين بايدن ونتنياهو، ونجحت في عدد غير قليل من الأزمات، قوية جدًا، وستسمح للأخير، إن تصرف بحذر ومسؤولية، بإجراء حوار ناجز مع الإدارة الأمريكية، رغم أنه ستكون خلافات بينهما، ولن تكون حديقة من الورود أو نزهة في الحديقة بعد الظهر، وفي أوساط بايدن هناك الكثير من الغضب الشديد على نتنياهو.

الشاغل الرئيسي للمحافل السياسية والأمنية الإسرائيلية أن الاحتكاكات مع إدارة بايدن قد تتصاعد لصراعات، وستأتي ممن يعينهم للتعامل مع القضية الفلسطينية الإسرائيلية وعملية التسوية، فبعضهم كان ضمن إدارة أوباما، ويحملون في أذهانهم ذكرى سيئة للغاية لنتنياهو، وخطابه الجريء في الكونغرس عام 2015، ويواجهون صعوبة بنسيان إعلان وزير الداخلية الإسرائيلي السابق إيلي يشاي في مارس 2010، عن بناء 1600 وحدة استيطانية أثناء زيارة بايدن لإسرائيل.

هناك شيء واحد لا جدال فيه في إسرائيل، أن بايدن صديق عظيم لها، ويؤمن بالالتزام الأمريكي بأمنها، والحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، وأثبت ذلك في تصريحات لا حصر لها، لكنه في الوقت ذاته يؤمن بحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل، ويرى أن هذا الحل يجب أن تكفله السياسة الأمريكية في الصراع العربي الإسرائيلي، وفي رأيه، يجب الحفاظ على هذا الحل.

لم يتردد الإسرائيليون في الإشارة أن نتنياهو فضل بقاء الرئيس الأمريكي ترامب في البيت الأبيض، ولو كان بإمكانه التصويت لصوت لصالحه، رغم أنه سيعرف كيفية التعامل مع صديقه القديم بايدن، وإذا كان مؤهلا للتصويت في الولايات المتحدة، فسيكون من الطبيعي والمنطقي أن يصوت لصالح ترامب، ولأقنع جميع معارفه بالقيام بذلك أيضا، رغم أن فريقا إسرائيليا يرى أن نتنياهو استخرج كل ما بوسعه من ترامب، ويفضل ولاية بايدن الرئاسية الأولى على ولاية ترامب الثانية.

مع أنه لا يوجد شيء أخطر على إسرائيل من رئيس أمريكي لفترة ثانية، خاصة عندما يتعلق الأمر بترامب، الذي لا يمكن التنبؤ بسياساته، ونتنياهو، وفقا لهذه النظرية، كشط الجزء السفلي من برميل الإيجابيات التي ملأها ترامب طوال السنوات الأربع الماضية، ويفضل الآن وجودا مألوفا ومستقرا بالبيت الأبيض، على حضور يركز على تشكيل إرثه، والتطلع لجائزة نوبل، لأن التوافق مع رئيس في ولاية ثانية هو مقامرة، رغم صعوبة تجاهل الهدايا الاستراتيجية التي لا نهاية لها ولا تصدق التي أمطره بها ترامب طوال فترة ولايته.

يتوقع الإسرائيليون اليوم أن تشهد علاقتهم مع إدارة بايدن عودة إلى حقبة كلينتون-أوباما، فمساعدوهما معروفون جيدا، لأنهم جاؤوا من المنظومة السياسية الأمريكية، وعملوا لسنوات في مجلس الشيوخ والبيت الأبيض ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، ويمكن التنبؤ بهم، وهم مألوفون، وفي الوقت ذاته بعيدون عن قطاع المحامين، وول ستريت، ورجال المال والأعمال، الذين استعان بهم ترامب في فريقه الرئاسي.

استدراك مهم في هذا المجال يتعلق بأن انتخاب بايدن ليس نهاية المطاف، فلا يزال بإمكان إسرائيل شكر “الحظ السعيد” الذي ترك مجلس الشيوخ مع الجمهوريين، وطالما أن مجلس الشيوخ جمهوري، فإنها ستكون جاهزة تمامًا، لأنها ناورت أوباما “الشاب” الذي نفد صبره لثماني سنوات، ولن تواجه صعوبة بمناورة بايدن “العجوز”، خاصة وأن بايدن ونتنياهو يتمتعان بعلاقة ودية حقيقية منذ عقود، وسوف يتعايشان، صحيح أنها لن تكون علاقة عاطفية كما ترامب، لكنها ستكون محتملة.

إن إسرائيل وهي تستقبل بايدن في البيت الأبيض، مطالبة بالتخلص من تساهل حكومتها الحالية، لأن نتنياهو يخطئ في عدم التقاط هاتف الرئيس المنتخب، وتَرْكِ انطباع واضح عن النتيجة التي يأمل فيها، ولذلك سيتعرض بايدن ومستشاروه لضغوط من الجناح اليساري الراديكالي في حزبهم تجاه إسرائيل، ما يتطلب التأكد من رسم سياسة إسرائيلية أمريكية قائمة على أساس الثقة والشعور بالتقارب، مع بدء العد التنازلي لاستبدال الرئيس الحالي ترامب.

عشية الإعلان عن فوز بايدن، وافقت الإدارة المدنية الإسرائيلية على بناء 5400 وحدة استيطانية في الضفة الغربية، ويتعلق الأمر بتوسيع مستوطنات الكتل الكبرى، وكذلك في أعماقها، خاصة مستوطنات: بيت إيل، كارني شومرون، كوخاف يعقوب، شيما، ميتساد، بيتزال، معاليه أفرايم، نوكديم، كفار أدوميم، تلمون، إفرات، وجبل غيلو، وبلغة إجمالية فإن المباني الجديدة والمضافة ستضم ثلاثين ألف مستوطنا جديدا سيغمرون المنطقة.

إن هذا الضم الزاحف مستوحى من اعتراف إدارة ترامب بشرعية المستوطنات في الضفة الغربية، والتأثير الإنجيلي على الإدارة الحالية واضح بشكل جيد هنا، وقد لا يتكرر في ظل إدارة بايدن، ورغم أنه من غير المرجح أن يتم إلغاء التصاريح الآن، فقد تحدث زعماء المستوطنين عن الحاجة إلى قرارات خاطفة قبل أن يدخل بايدن البيت الأبيض.

الملف النووي الإيراني

شكل الملف النووي الإيراني فرصة مهمة كي يحقق ترامب أحلام إسرائيل الوردية فيها، من خلال انسحابه من الاتفاق النووي معها، وأتبعها بسياسة “الضغط الأقصى” على طهران، ويبدو أن ترامب وبايدن، يخططان للتفاوض مع إيران في حال انتخابهما، ولكن يبقى السؤال عن الهدف والأسلوب، فإسرائيل تعتقد أن ترامب سيدخل المفاوضات، ولكن بأسلوبه هو فقط، أما بايدن فربما يخفف العقوبات لتهيئة مناخ إيجابي لاستئنافها.

الاتجاه العام في كواليس الإدارة الأمريكية الجديدة هو إعادة الاتفاق النووي مع إيران، وتخفيض جزء كبير من العقوبات عليها، من أجل فتح مفاوضات حول تحديث الاتفاقية، وتمديدها، بينما توقف إيران انتهاك القيود المفروضة على نطاق أنشطتها النووية، وسيسعى بايدن جاهدا لإحياء الحظر على مبيعات النظام أسلحة متقدمة، ولو جزئياً.

تقدر المحافل الإسرائيلية أن الإدارة الديمقراطية القادمة، ستتبع قاعدة “عمل أقل” في الشرق الأوسط، لأن الولايات المتحدة ليس لديها سوى “مصالح قليلة” في هذا المجال، عبر مزيد من النشاط الدبلوماسي، ومشاركة عسكرية أقل، وفي الوقت نفسه السعي للحفاظ على الردع الأمريكي، دون الحاجة لمزيد من المحاولات لإعادة تصميم النظام العالمي، بل التركيز القوي على تخفيف التوترات، الخليج وإيران، قطر وجيرانها، تركيا والأكراد.

تتمثل منهجية عمل بايدن القادمة، وفقاً للتقديرات الإسرائيلية، بإنشاء آليات جديدة للتعامل مع أزمات المنطقة، والتأكيد أن الملف النووي لا ينبغي أن يدخل في بناء تسوية إقليمية تتعلق بنشاط إيران خارج حدودها، ولن تجدد فكرة الناتو العربي، بل المصالحة العربية الإيرانية، وكلما نجحت هذه الدبلوماسية، قل الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة، لأن معدل القوات الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط أعلى مما هو مطلوب لاحتواء إيران.

ترميم العلاقة مع الديمقراطيين

اعتبر الإسرائيليون أنهم أمام تحول كبير في هذه المناسبة التاريخية، المتمثلة بفوز بايدن، وهنا تأتي اللحظة التي يتعين على إسرائيل أن تسأل نفسها فيها، إلى أي حد كانت مستعدة لهذه اللحظة غير المعقولة، أو أن تعترف لنفسها بأنها لم تكن مستعدة على الإطلاق، لأن نظرة فاحصة تظهر أن إسرائيل تخلت عن الحزب الديمقراطي، وباتت تجمع في يديها تأييد ترامب والجمهوريين والإنجيليين، فقط، دون سواهم.

حافظ بايدن ونتنياهو على علاقة شخصية منذ عقود، حين عمل الأخير نائبا لرئيس البعثة في السفارة الإسرائيلية بين 1982-1984، فيما كان بايدن شابا مخضرما بمجلس الشيوخ لـ 10 سنوات، ورغم أنه ديمقراطي كلاسيكي، ونتنياهو جمهوري متميز، لكنهما صديقان حميمان، ولم يأمل نتنياهو بمرشح ديمقراطي أفضل لمنصب الرئاسة.

نتنياهو ليس وحده، لأن بايدن يعرف ويبقى على اتصال مع جميع رؤساء الوزراء السابقين، يثني عليه إيهود باراك وإيهود أولمرت في كل فرصة، ويحافظان على علاقة وثيقة معه، لأن دعمه لإسرائيل طبيعي وواضح، ولا يحتاج أي إقناع، وفيما يتعلق بالمستوطنات، لا يزال موقفه التقليدي لإدارات ما قبل ترامب، ومع ذلك فإنه يكتفي دائما بسؤال أو تعليق ودود، دون أن يوجه نقاشا حادا.

في كلتا الحالتين، يعرف شركاء نتنياهو أن بايدن ليس أوباما، فهو يعرف كيف يمارس القوة، ويدرك أهمية الاستعداد للقيام بذلك، ويعرف الشرق الأوسط، وتأمل إسرائيل بتحقيق أقصى استفادة من رئاسته، من أجل إبقاء أقدام إيران على النار، حتى لا يُسمح لها بالتهرب من العقوبات، دون توقيع اتفاق نووي جديد، أو أكثر إقناعا من السابق.

التأييد الواضح الذي حصلت عليه إسرائيل بصورة حصرية من الأوساط الجمهورية الإنجيلية، يأتي على حساب الارتباط الوثيق بالحزب الديمقراطي وقواه المتنوعة، بما في ذلك النخبة الأكاديمية والمنظمات العمالية والأقليات السكانية، وعلى رأسها بالطبع الجالية اليهودية، كل هذه الأوراق وضعتها في جانب واحد هامشي، بعيدا عن الرغبة في رؤية إنجازات فورية ومربحة على حساب الرؤية بعيدة المدى.

شهدت الفترة الرئاسية الحالية لترامب في سنواتها الأربع الأخيرة نشوء هوة بين إسرائيل وأكبر جالية يهودية، وأكثرها نفوذا وتأثيرا في العالم، ولم تكتف بذلك، بل أغلقت آذانها على طلباتهم، بسبب خلفية تحركاتها في الساحة الأمريكية، مع اقترابها المطلق من الجمهوريين والإنجيليين، رغم أن الجالية اليهودية الأمريكية ديمقراطية في معظمها، وكانت كذلك بهذه الانتخابات، بعد أن أرست الجسر في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، مع وجود أقرباء مقربون وقريبون تمكنوا من نسج الروابط المهمة، وتم الحفاظ على الصداقة والتقارب مع البيت الأبيض والسلطة التشريعية ممثلة بالكونغرس.

يعتقد الإسرائيليون أنهم يشهدون الآن في موجة التغيير العظيم الذي يظهر في أمريكا عقب فوز بايدن، حث تترقب إسرائيل السلوك المتوقع للجالية اليهودية هناك، وسط تقديرات تفيد بأن الجسر بينهما في الولايات المتحدة بات يضيق للغاية، الأمر الذي يؤكد أن انتخاب بايدن رئيساً سيؤدي لواقع صعب في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، حتى أن الأمر بات بمثابة “سقوط السماء على الأرض”، ولذلك فإن العلاقة ستكون أقل من لطيفة، وستصبح أكثر صعوبة، والأهم من ذلك كله أنها مختلفة تمامًا عن أجواء شهر العسل التي اتسمت بها خلال حقبة ترامب.

أحد مؤشرات التوتر الإسرائيلي مع الحزب الديمقراطي أن اهتمامه بالاستيطان في الضفة الغربية أصبح يشكل لدى الإدارات الديمقراطية “حالة تصل إلى حد الهوس”، وهنا تبدو خشية إسرائيل منطقية من تعرض بايدن لضغوط من الجناح الراديكالي لحزبه، الذي يضغط للحصول على المناصب الحكومية الرئيسية، وفي قضية المستوطنات سيمارس ضغوطًا شديدة.

يتوقع الإسرائيليون أن الأجنحة الراديكالية في الحزب الديمقراطي سوف تستمر بإثارة قلق السياسيين الإسرائيليين، ويطمحون أن تقلص الولايات المتحدة علاقاتها بدول الخليج، خاصة مع وجود بيرني ساندرز المعادي لإسرائيل بشدة، وإليزابيث وارين، اللذان أيدا وقف المساعدات الأمريكية لها إن لم توقف بناء المستوطنات، ويريدان الحصول على وزارات، فيما أوصى الصحفي توماس فريدمان بأن يعطي بايدن دورًا مهمًا لعضوة الكونغرس ألكسندريا كورتيز، التي رفضت حضور حفل تأبين لإسحاق رابين نيابة عن حركة السلام الآن.

مع العلم أن رجال أوباما السابقين يجلسون بالمعاهد البحثية، وينتظرون مناصبهم، فسوزان رايس السفيرة لدى الأمم المتحدة ومستشارة الأمن القومي لأوباما، المرشحة لوزارة الخارجية، موقفها فاتر تجاه إسرائيل، أما ميشيل فلورينوي، وزيرة الدفاع السابقة بالوكالة، فتطمح لأن تكون وزيرة الدفاع، وأعلنت أن “العلاقة الإسرائيلية الأمريكية تشبه علاقة الزوجين، في بعض الأحيان تكون خلافات، لكن التزامنا بإسرائيل لا يرقى إليه الشك”.

من أجل تلافي كل المخاطر في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية في ظل إدارة بايدن، صدرت جملة توصيات تطالب نتنياهو أن يدعو نفسه على الفور لزيارته، بجانب شريكيه بيني غانتس وغابي أشكنازي، ومحاولة فتح صفحة جديدة، ورغم أن أوباما وقع في 2016 اتفاقية مساعدة لعشر سنوات مع إسرائيل بقيمة 3.8 مليار دولار سنويًا، لكن في كل عام يحتاج الكونغرس لإعادة التصديق عليها، اليوم يطالب الراديكاليون في الحزب الديمقراطي بالاستفادة من هذا لمواجهة إسرائيل لتغيير مواقفها، ما سيساهم في تغيير السلوك الأمريكي تجاهها.

مع العلم أن خبراء إسرائيليين وأمريكيين يعتقدون أن الولايات المتحدة فقدت قوتها النسبية وتأثيرها العالمي، مما ينعكس على مواقفها تجاه إسرائيل، بما فيها التهديد بقطع مساعداتها عنها، رغم أنها تعتمد عليها الآن أقل من الماضي، لكن من الواضح أن هوية الرئيس الجالس في البيت الأبيض، لها تأثير على إسرائيل، وسلوكها في المستقبل، في قضايا إيران والمستوطنات والفلسطينيين.

خاتمة

وضع فوز بايدن في الانتخابات إسرائيل أمام نتائج قطعها للعلاقات مع مختلف المكونات السياسية الأمريكية، باستثناء اليمين المسيحي الجمهوري، والثمن الذي ستدفعه لأنها راهنت على الحصان الخاسر، رغم أن ترامب أخضع السياسة الأمريكية لرغبات نتنياهو، واعترف بشرعية المستوطنات، وحافظ على القدس المحتلة “موحدة تحت الاحتلال”، ونقل سفارته إليها، حتى إنه نسق تحركاته الكبيرة مع جدول انتخابات نتنياهو.

وفيما حصل نتنياهو على اعتراف أمريكي بالسيادة على القدس والجولان قبل أبريل 2019، وتسلم صفقة القرن قبل مارس 2020، لكن بايدن لن يوزع هذه الهدايا الانتخابية المتطابقة مع برنامج الليكود، رغم علمه بأن بايدن لن يتصرف بنفس الشدة التي اتبعها ترامب ضد الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، ومحكمة العدل الدولية في لاهاي، ولن يكون هناك “نيكي هيلي” (السفيرة الأمريكية السابقة بالأمم المتحدة) في نيويورك.

يتخوف الإسرائيليون أن إدارة بايدن بعد توليها الحكم ستطرح المساعدات الأمريكية المقدمة لإسرائيل على الطاولة، وهي قضية ظهرت لأول مرة كقضية مشحونة في الولايات المتحدة، وهناك قلة في الحزب الديمقراطي وضعوا شرطا غير مسبوق، يتمثل بربط التقدم في المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين باستمرار تقديم المساعدات الأمريكية.

صحيح أن بايدن لن يسير في هذا الاتجاه، لكن سيكون هناك ضغط في الكونغرس، وإسرائيل تأخذ ذلك بعين الاعتبار، مع وجود مجموعة صغيرة داخل الحزب الديمقراطي تنتقد إسرائيل بشدة، ويمكن القول بوضوح إنها معادية لها، وهي لا يمكنها تحمل أي انهيار جليدي في الدعم الأمريكي، بشقيه الجمهوري والديمقراطي، لأنه وجودي بالنسبة لها.

إدارة ترامب الثابت والمتغير في السياسة الخارجية الأمريكية

إدارة ترامب: الثابت والمتغير في السياسة الخارجية الأمريكية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close