fbpx
تحليلاتأسيا وافريقيا

السياسة المغربية تجاه الأزمة الليبية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

شهدت ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، العديد من التحولات الميدانية والسياسية، التي كان لها تأثير كبير في اضطراب مسار الأزمة الليبية، التي خلفت انقساما داخليا كبيرا والذي ساهم في تعاظمه بروز الدور الخارجي كعامل مؤثر في تفاقم الأوضاع الميدانية من خلال تحويل ليبيا لساحة حرب واقتتال من طرف قوى داخلية-خليفة حفتر-، وبإرادة القوى التي لها مصالح ومطامع جيوسياسية واستراتيجية في ليبيا.

وفي مقابل الاضطراب الأمني الخطير على الأرض، برزت على السطح محاولات حل الأزمة الليبية عبر الخيار السياسي، عبر مجموعة من المبادرات التي ساهمت فيها بعض الدول التي تتبنى الخيار السياسي كسبيل لحل الأزمة، ومن ضمن تلك الدول المغرب الذي حاول منذ بداية النزاع أن يلعب دورا محوريا في الملف الليبي يعتمد من خلاله على مبدأ  الحياد الإيجابي والبناء كعنصر أساسي للدفع بالمسار السياسي لحل الأزمة، هذا المسار الذي ساهمت من خلاله الدبلوماسية المغربية من خلال إحياءه عبر جولات مفاوضات الصخيرات، انتهت بالتوقيع على اتفاق بين أطراف النزاع الليبي في العام 2015، ومنذ ذلك الحين والمساعي المغربية يواجهها واقع عسكري وسياسي معقد نتيجة لحسابات جيوسياسية وتعاظم الاستقطاب الخارجي، وقد شكل انقلاب خليفة حفتر على الحل السياسي بإعلانه شن عملية عسكرية على طرابلس، وتحول الصراع من داخلي إلى خارجي بدعم من قوى إقليمية ودولية، إحدى أبرز التحديات التي شكلت قيدا على دور الدبلوماسية المغربية وأضعف قدرتها في مواكبة الأحداث المتسارعة على المسرح الليبي.

وسوف يتم تناول أبعاد الموضوع عبر المحاور التالية:

أولا: تطورات المشهد الليبي

شهدت ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي، انقساماً داخلياً تحول إلى صراع عسكري، برز فعليا مع انطلاق العملية العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر في العام 2014، هذه العملية التي أشعلت فتيل الأزمة وكانت سبباً في تقسيم ليبيا إلى معسكرين، معسكر خليفة حفتر والمليشيات الداعمة له، وفريق الوفاق والقوات التابعة لها. وقد ساهم هذا الانقسام في زعزعة الأمن والاستقرار في ليبيا، وبالتالي ارتفاع وتيرة الصراع المسلح، الذي كان بيئة خصبة ومناسبة لتنامي أنشطة التنظيمات الإرهابية وبالتالي فسح المجال لها لممارسة أنشطتها التخريبية.

ولتفادي تفاقم الصراع الداخلي الذي تسبب فيه خليفة حفتر بإيعاز قوى إقليمية ودولية (حرب بالوكالة)، حاولت العديد من الدول تقديم مبادرات تسوية سياسية للأزمة الليبية وبرعاية أممية، كان أبرزها اتفاق الصخيرات 2015، لكن هذا الاتفاق عُرقل تطبيق مساره على إثر انقلاب الجنرال خليفة حفتر عليه وإعلان حليفه في الشرق مجلس النواب طبرق انسحابه من الاتفاق، وبالتالي إفشال المسار السياسي لحل الأزمة الليبية.

وقد عرف المشهد الليبي نقلة نوعية وتطورا عسكريا ملحوظا على إثر إعلان خليفة حفتر في أبريل 2019، إطلاق عمليته العسكرية تحت عنوان “معركة الكرامة” أو معركة طرابلس، والتي كان من بين أبرز أهدافها السيطرة على مدن الغرب الليبي للتمهيد لإسقاط حكومة فايز السراج المعترف بها دوليا، لتكون مفتاحا لاحتلال طرابلس العاصمة. هذه الحملة العسكرية التي خلفت دمارا واسعا وارتكبت على إثرها مليشيا حفتر جرائم لا حصر لها في حق المدنيين الليبيين والتي صنفتها المحكمة الجنائية الدولية ضمن خانة جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

وعلى إثر ذلك، تصاعدت الحرب التي يديرها خليفة حفتر بدعم مباشر من قوى إقليمية وعلى رأسها الإمارات، مصر، والسعودية، وقوى دولية من ضمنها فرنسا وروسيا، ومن أجل ردع هذه العملية العسكرية التي خلفت مآسي إنسانية ودمارا اقتصاديا نتيجة تكبد القطاع النفطي والذي يعد المصدر الرئيسي للدخل في ليبيا خسائر فادحة نتيجة الاعتداءات المتكررة التي تعرضت لها الحقول والموانئ النفطية والتي وصلت إلى حد إغلاقها من طرف مليشيات حفتر، مما أدى إلى توقف شبه تام لعمليات الإنتاج النفطي.  قررت حكومة الوفاق الوطني الرد عن طريق إطلاق عملية عسكرية والتي تمت تسميتها بــــ “ عاصفة السلام” في 25 مارس 2020، بعد فشل جميع مبادرات التسوية السياسية التي تسعى لإيجاد حل نهائي للأزمة الليبية، وذلك جراء عرقلة خليفة حفتر وحلفائه للمسار السياسي الذي رسم مسارات لحل الأزمة على المستوى السياسي/الاقتصادي/الأمني، كان أبرزها الانقلاب على اتفاق الصخيرات وتعطيل جميع المبادرات التي أتت من بعده من ضمنها اتفاق موسكو، ومخرجات مؤتمر برلين.

وقد حققت العملية التي أطلقتها قوات الوفاق منذ انطلاقها، انتصارات عسكرية نوعية، على ضوء مساعدة عسكرية وفنية تركية، بحيث تحولت قوات الوفاق من موقع دفاعي إلى موقع هجومي، استطاعت من خلاله السيطرة على مناطق الغرب الليبي الممتدة على الشريط الساحلي إلى غاية الحدود التونسية، وبالتالي إفشال جميع المخططات التي رسمها خليفة حفتر منذ إطلاق عمليته العسكرية، والتي انتهت بإعلان حفتر انقلابه على اتفاق الصخيرات الذي أبرم في العام 2015، ومن تم توليه قيادة البلاد في هذه المرحلة. مدعيا أن الشعب الليبي قام بتفويض “القيادة العامة” لهذه المهمة التاريخية في ظل هذه الظروف الاستثنائية، هذه المحاولة التي مثلت هروبا من  واقع الهزيمة الذي تلقتها ميليشياته على يد قوات الوفاق. وذلك من أجل إظهار نوع من التفوق على المستوى السياسي لتعويض هزائمه الكبيرة التي مني بها وخسارته لأماكن حيوية وبالأخص تلك المحاذية للحدود التونسية.

وقد تمثلت أهم الانتصارات الميدانية لقوات الوفاق في التالي:

تحرير مدن الساحل الغربي:

سيطرت قوات حكومة الوفاق على مدن الساحل الغربي، التي تمتد من مصراتة إلى معبر رأس جدير على الشريط الحدودي مع تونس، وذلك بعد عملية عسكرية ممركزة تمكنت على إثرها من استعادة جميع مدن الساحل والتي تحظى بمكانة جيوستراتيجية كبيرة وعلى رأسها صبراته والصرمان والعجيلات وزلطن وغيرها، وقد شكلت هذه السيطرة انتصارا استراتيجيا مهما لقوات الوفاق، وإحدى الأوراق الرابحة التي كانت سببا في بداية انهيار ميليشيات حفتر لكونها المنطقة التي تشكل القاعدة الرئيسية لعملياتها في الخط الأمامي ضد العاصمة، لأنها كانت تعتبر معبراً حيوياً لتدفق القوات والآليات العسكرية من الشرق. بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية نتيجة تموقع أهم الحقول النفطية وحقول الغاز هناك والتي كانت تحت سيطرة هذه الميليشيات.

معركة قاعدة الوطية:

تمكنت قوات حكومة الوفاق الوطني من السيطرة على قاعدة الوطية الاستراتيجية ومحيطها بالكامل بعد دحر ميليشيا حفتر منها على إثر سلسلة من الغارات المتواصلة التي استهدفت تمركزات لها، بحيث تم تدمير المقومات العسكرية لهذه الميليشيات، كان أبرزها تدمير منظومة الدفاع الجوي الروسي “بانستير” إلى جانب طائرات دعمت بها الإمارات سلاح الجو التابع لخليفة حفتر، والقضاء على العديد من مخازن الذخيرة وصواريخ غراد إلى جانب تحييد العديد من عناصر ميليشيا حفتر بين قتيل وجريح.  وقد شكل تحرير قاعدة الوطية انتصارا نوعيا لقوات الوفاق في المنطقة الغربية، خصوصا أن القاعدة تعد من أكبر القواعد العسكرية بالمنطقة وكانت تشكل المعقل الرئيسي لهجومات حفتر ، باعتبارها مركز القيادة لعملياته في الغرب ونقطة الوصل للقوات القادمة من الشرق، والتي سيطرت عليها لما يقرب من ست سنوات واستخدمتها لتنفيذ هجماتها المتواصلة على طرابلس والمناطق المحيطة بها، وهي قاعدة تمتد من غرب طرابلس وصولا إلى الحدود التونسية. 

تحرير حدود طرابلس ومدينة ترهونة:

تمكنت قوات حكومة الوفاق في إطار عملياتها العسكرية من إحكام السيطرة على الحدود الإدارية للعاصمة طرابلس، بعد تطويقها لمناطق عديدة في الغرب الليبي في محاور جنوب وجنوب شرقي طرابلس، بالإضافة إلى سيطرتها على مطار طرابلس الدولي، والعديد من المعسكرات من أبرزها معسكر اليرموك. أما السيطرة على مدينة ترهونة فشكلت هي أيضا إحدى أبرز الانتصارات الميدانية لهذه القوات، لأنها تعد البوابة الرئيسية نحو الجنوب الشرقي للعاصمة طرابلس. وقد كان لسلاح الجو الدور الأساسي في الدخول لها وإحكام السيطرة عليها، وعلى أجواء المنطقة الغربية. وبإسقاطها يسدل الستار على آخر معاقل خليفة حفتر في الغرب الليبي.

معركة سرت -الجفرة: 

على إثر هذا التقدم الميداني، أعلنت قوات الوفاق الشرعية، إطلاق عملية “دروب النصر” لتحرير مدن شرق ووسط البلاد ومن أهمها سرت -الجفرة من الميليشيات والمرتزقة التابعين لخليفة حفتر. وقد بدأت العملية بتحرير بلدات الوشكة وبويرات الحسون، وجارف، وأبو هادف، وذلك في سبيل تسهيل مهمة الدخول إلى سرت ومحاورها.

وبالفعل، قامت قوات الوفاق بإحراز تقدم ميداني نحو سرت، عن طريق إحكام سيطرتها على نواحي المدينة من خلال تحكمها على محاور بوابة الثلاثين والمحطة البخارية في سرت، الأمر الذي سهل من مهمة توجيه ضربات هادفة ومتتالية عبر سلاح الجو التابع لها وذلك من أجل تدمير القدرات العسكرية لميليشيا حفتر بهذه المناطق، كما تمكنت أيضا من إلحاق أضرار بسلاح الجو التابع لحفتر المدعوم إماراتيا في مدينة سرت.

إن الضربات الجوية الدقيقة لسلاح الجو الليبي لم تتوقف عند هذا الحد، بحيث تمكن من قصف العديد من المواقع التي تتحصن فيها ميليشيا حفتر ومن أهمها قاعدة القرضابية العسكرية، واقادوقو بمدينة سرت. هذه الضربات التي خلفت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد التابع لميليشيا حفتر. كما سهل هذا التفوق الجوي من مأمورية القوات الميدانية بحيث أعلنت هذه الأخيرة تحريرها لمنطقتي جارف والقبيبة جنوب سرت من مليشيا حفتر.

وبعد مرور أربعة أشهر على عملية “عاصفة السلام” التي أطلقتها قوات الوفاق التابعة للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، استطاعت هذه الأخيرة من خلالها قلب المعادلة الميدانية لصالحها وانتقلت من موقع دفاعي إلى موقع هجومي، بحيث حققت على إثرها انتصارات استراتيجية نوعية دحرت خلالها ميليشيا حفتر وجعلتها تتكبد خسائر لا حصر لها خصوصا في محور الساحل الغربي الليبي، وقد كان لتركيا الحليف الرئيسي للحكومة الشرعية دور فاعل ورئيسي في مساعدة قوات الوفاق في قلب موازين القوة لصالحها عن طريق دعمها عسكريا وأمنيا وذلك تطبيقا لنصوص مذكرتي الاتفاق المبرمة بين الطرفين.

كما كشفت هذه العملية مدى الضعف الذي تعاني منه ميليشيات حفتر، بحيث أثبتت مدى هشاشة قواتها التي تعتمد بشكل كبير على المرتزقة التي يتم تجنيدهم من الخارج والذين لا يتمتعون بالخبرة الميدانية، وذلك ظهر بشكل كبير في هذه العملية العسكرية، وذلك من خلال فشلها في مجاراة التخطيط التكتيكي الممنهج والمنظم لقوات الشرعية، واختبارها الذكي لتوقيت العملية الذي جاء في ظرفية مناسبة تعيش فيه قوى الدعم الخارجي لحفتر صعوبات كبيرة، في ظل التقلبات المناخية لسوق النفط العالمية وأزمة وباء كورونا.

وتمثل سيطرة قوات الوفاق على الغرب الليبي، ووصوله الميداني لحلقة الوصل بين الغرب والشرق، وهي مدينة سرت، فرصة ثمينة بالاتجاه نحو الشرق، وبالتالي القضاء على المعقل الرئيسي لخليفة حفتر، هذه السيطرة الميدانية التي سوف تشكل نقطة تحول مهمة في الملف الليبي، لأنها سوف تكون نهاية للمسار العسكري، وبالتالي بداية تأسيس وإرساء للمسار السياسي الذي يعتبر إعادة بناء للدولة التي دمرتها الحرب منذ 2011 إلى حدود الآن.

ثانيا: المغرب والأزمة الليبية: الأدوار والمواقف

انطلقت محاولات الدبلوماسية المغربية لحل الأزمة الليبية، والتي تعتبرها جزءا لا يتجزأ من أمن الدول المغاربية نتيجة الترابط الجغرافي والأمني مع هذا البلد، وذلك من خلال تنظيم جولات لقاء بين الفرقاء الليبيين في مدينة الصخيرات تحت رعاية أممية، والتي امتدت ما بين مارس إلى ديسمبر 2015 والتي أفرزت اتفاقا سياسيا ليبيا تشكلت على إثره حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، والتي حظيت بتأييد المجتمع الدولي، واعتبرتها الأمم المتحدة الحكومة الشرعية الممثلة للدولة الليبية.

وقد لعب المغرب دورا كبيرا في إنجاح جولات هذا الحوار السياسي بين الأطراف المتنازعة، وذلك من خلال دعم المقاربة الأممية من أجل الحل السياسي للأزمة الليبية، وقد حظيت جهود الدبلوماسية المغربية بالإشادة الدولية من خلال توفيرها المناخ المناسب لتقريب وجهات نظر الأطراف الليبية عبر جولات حوار انتهت بالتوقيع على اتفاق سياسي حظي بتوافق القوى الداخلية وإشادة من الأطراف الخارجية.

ومنذ التوقيع على اتفاق الصخيرات، والجنرال حفتر يحاول العصف به عن طريق فرض الخيار العسكري بمعية أطراف إقليمية ودولية، وقد جاءت عملية بركان الغضب التي مثلت فعليا انقلابا واضحا على اتفاق الصخيرات.

وقد عرفت الجهود الدولية لحلحلة الحل السياسي للأزمة الليبية، من خلال تنظيم مجموعة من اللقاءات والمؤتمرات الدولية، كان من أبرزها مؤتمر برلين، إقصاء المغرب من المشاركة فيه وهو الذي يعتبر  أحد أبرز الفواعل الإقليمية التي ساهمت في إيجاد حلول سياسية سلمية للأزمة الليبية، وفي خضم ذلك عبرت الخارجية المغربية، عن استغرابها لهذا الإقصاء باعتبار المغرب كان دائماً في طليعة الجهود الدولية الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية. من خلال مساهمته الفاعلة في جمع الأطراف الليبية على طاولة المفاوضات والتي انتهت بالتوقيع على اتفاق الصخيرات، الذي شكًل خارطة طريق سياسية للفرقاء الليبيين من أجل بناء الدولة الليبية. لافتة إلى أنها لم تفهم المعايير والدوافع التي تم الاعتماد عليها لاختيار البلدان المشاركة في المؤتمر. كما أشار وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى احتمال وجود مؤامرة للعصف باتفاق الصخيرات، المرجع الوحيد لقرارات مجلس الأمن. رافضا استغلال الملف الليبي لتحقيق مصالح سياسية معينة.

عدم إشراك المغرب في مؤتمر برلين، لم يمنعه من لعب دور في الأزمة الليبية، عبر تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع الليبي، بحيث قام رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا بزيارة مغاربية شملت المغرب وذلك لدراسة مستجدات الملف الليبي. بحيث التقى من خلالها وزير الخارجية ناصر بوريطة، وأكد الطرفان على إثرها أن المحاولات الدولية من خلال تنظيم مجموعة المبادرات والمؤتمرات لا تساعد في حل الأزمة بل تساهم في تعقيدها، لأنها تشتت الجهود في إيجاد دينامية ناجعة من أجل التوصل إلى تسوية مناسبة للملف الليبي، ولا يمكن لها أن تكون سبيلا لحل الأزمة الليبية، إلا من خلال الاتفاق السياسي للصخيرات الذي يعتبر مرجعية فعالة لكل المؤسسات وحلا منطقيا وناجعا لإخراج ليبيا من آتون المسار العسكري عبر الالتزام بالمسار السياسي التي رسمه الاتفاق. لأن هناك حاجة ملحة لتفعيل خارطة طريق على أرض الواقع تهدف إلى احترام بنود اتفاق الصخيرات وعلى رأسها تنظيم الاستفتاء على الدستور ومن تم الانتقال إلى مرحلة تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.

أما فيما يخص موقف المغرب من انقلاب حفتر على اتفاق الصخيرات، فقد أكد الطرف المغربي، أنه لا يمكن فرض سياسة الأمر الواقع عن طريق الحل العسكري، بل عبر الحل السياسي المنبثق عن اتفاق الصخيرات الذي يشكل المرجعية الأساسية والمناسبة لحل الأزمة الليبية، وأن أي محاولة لإسقاطه فيعتبر ذلك خروجا عن ثوابت الشرعية برعاية أممية، باعتباره الاتفاق الضامن لوحدة واستقرار ليبيا.  مع تأكيد استعداد الدبلوماسية المغربية لبذل المزيد من الجهود لجمع الأطراف الليبية من أجل التشاور والحوار لتجويد الحلول المناسبة في سبيل تطوير الاتفاق وذلك لإنهاء أتون الصراع الدائر في هذا البلد المغاربي.

أما فيما يخص الموقف المغربي مما سمي بإعلان القاهرة لوقف إطلاق النار الذي أطلقه عبد الفتاح السيسي بحضور خليفة حفتر ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، وذلك على ضوء الانتصارات الواسعة التي حققتها قوات الوفاق بمساعدة الحليف التركي، فقد رفضت الرباط أي اتفاق جديد بشأن الأزمة الليبية، وهذا ما أعلن عنه صراحة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة خلال لقائه بنظيره الليبي محمد سيالة، الذي أكد من خلاله تمسك المغرب باتفاق الصخيرات باعتباره المرجع الأساسي لأي حل سياسي في ليبيا. لحصوله على تزكية مجلس الأمن والمجتمع الدولي.

وفي خضم هذه التصريحات أكد رئيس الدبلوماسية المغربية أنه لا يمكن، تجاوز اتفاق الصخيرات بدون بديل ينال التأييد الليبي والدولي، مذكرا أن اتفاق الصخيرات يحتاج إلى التحديث لأن بعض بنوده أصبحت متجاوزة، موضحا أن المملكة ترحب بأي جهود ومبادرات تصب في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين في سبيل الدفع نحو حل هذه الأزمة المستمرة منذ 2011.

وعلى إثر ذلك، وبالتزامن مع التصعيد العسكري وتلويح النظام المصري بالتدخل العسكري المباشر في ليبيا، اختار المغرب طرح العناوين الكبرى لمبادرته الجديدة لحل الأزمة الليبية، خلال الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية حول الأزمة الليبية في يونيو 2020، بحيث تقوم على أساس إنشاء فريق مصغر من دول عربية معنية بالملف الليبي، من أجل وضع تصور استراتيجي في سبيل إيجاد تسوية سياسية لإنهاء الصراع الدائر في ليبيا من خلال العمل العربي المشترك. كما دعت المبادرة إلى ضرورة الانفتاح على الأطراف الليبية كافة من أجل تقريب وجهات نظرها لتسهيل مسلسل العملية السياسية. وتشكل هذه العناوين تصورا استراتيجيا مشتركا عبر بوابة التكتل الإقليمي يفتح مسارا فعليا وفعالا في سبيل إيجاد تسوية للأزمة،

وقد واصلت الدبلوماسية المغربية تفعيل دورها لحل الصراع الليبي في ظل تسارع الوضع الميداني وفشل التسوية السياسية، بحيث شهدت العاصمة الرباط حراكا في 26 و27 من يوليو 2020 تمثل في زيارة وفود ليبية وعلى رأسها ممثل الشرعية في ليبيا رئيس المجلس الانتقالي طارق المشري، وفي الطرف المقابل رئيس مجلس برلمان طبرق، عقيلة صالح.

بحيث أفرزت المحادثات بين الأطراف الليبية والمسؤولين المغاربة، ضرورة تعديل اتفاق الصخيرات وفق المستجدات التي عرفها الملف الليبي، وهذا ما أكده وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، الذي أشار إلى أن اتفاق الصخيرات بحاجة إلى تطوير وفق تغيرات المشهد السياسي الليبي، موضحا في الوقت نفسه أن المملكة ضد تعدد المبادرات التي لا تزيد الوضع إلا تعقيدا. مشيرا إلى أن ليبيا بحاجة إلى دعم لاستمرار المسار السياسي، لأن الحرب ليست في مصلحة الجميع.

ومن كل ذلك، فقد أكدت الدبلوماسية المغربية على ثباتية الموقف المغربي إزاء الأزمة الليبية الداعم للحوار الليبي-الليبي الذي يعتبر المسار المنطقي من أجل تحقيق تقدم للخروج بتسوية نهائية للأزمة الليبية.

ثالثا: إكراهات الدور المغربي في حل الأزمة الليبية

يواجه الدور المغربي لحل الأزمة الليبية في ظل التوتر الميداني بعد تصاعد العمليات العسكرية التي عصفت بمقومات اتفاق الصخيرات الذي يعتبره المغرب البوابة الرئيسية والمرجع الأساسي لحل الأزمة الليبية العديد من الصعوبات والإكراهات التي تعرقل الدور المغربي في مسار تسوية الأزمة، ويتمحور ذلك في عدة أسباب من أبرزها:

الخلاف المغربي-الإماراتي حول الملف الليبي:

يعتبر الملف الليبي إحدى أبرز القضايا الخلافية التي بصمت التوتر الدائر بين الرباط وأبوظبي، وذلك نتيجة الدور الذي تلعبه الإمارات الداعمة لخليفة حفتر ميدانيا، وعرقلة جهود المغرب من أجل لعب دور فعال في الأزمة الليبية على ضوء اتفاق الصخيرات، الذي أسهم المغرب من خلاله في إعادة ترتيب المشهد الليبي عبر رؤية يتم التوازن خلالها بين وجهات نظر الفرقاء الليبيين.

لم يعد خفيا على الجميع الدور الذي تلعبه الإمارات إلى جانب حلفائها في المنطقة (مصر-السعودية) المتمثل في زعزعة التحولات التي شهدتها بعض دول المنطقة على ضوء ثورات الربيع العربي، التي انطلقت من المغرب العربي، وامتدت جغرافيا إلى المشرق العربي، والتي شهدت صعود الإسلام السياسي إلى الحكم، هذا الأمر الذي جعل الإمارات تأخذ بزمام الأمور عبر  مخطط الثورات المضادة من أجل إجهاض كل تحول نجم عنه صعود الإسلاميين، ومن ذلك ضم المغرب العربي إلى مخططات الثورات المضادة، ولذلك تعتبر ليبيا البوابة الرئيسية للإمارات من أجل ترسيخ نفوذها في المنطقة المغاربية لإكمال ما نفذته  بعدة دول عربية، هذا الأمر الذي اعتبرته الرباط على الدوام خطرا على أمنها القومي.

موقف المغرب الحيادي من الأزمة الليبية لم يرق للإمارات التي حاولت مرارا إدخال المغرب في أتون التحالف الذي تقوده تحت منطق سياسة الإملاء التي تنهجها مع عدة دول، ولذلك حاولت أبوظبي ممارسة ضغوطات على المغرب عبر بوابة مشكلة الصحراء، من خلال تجنيد وسائلها الإعلامية ومناورتها الواقعية، بحيث شنت مجموعة من وسائل الإعلام التابعة للإمارات حملة شرسة على المغرب من خلال إعلانها الواضح على تأييد الطرح الانفصالي من خلال تصريحها أن الصحراء تعيش تحت الاحتلال المغربي. أما واقعيا فتحاول الإمارات انتهاك السيادة عبر التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة المغربية، فتعمد عبر بوابة ليبيا إلى زعزعة المغرب أمنيا من خلال دعم البوليساريو لوجستيا، بالإضافة إلى التدخلات الاستفزازية في الشأن الداخلي المغربي ومحاولة تجنيد بعض وسائل الإعلام والفواعل والشخصيات المغربية لشن هجوم على الحكومة المغربية التي يرأسها حزب العدالة والتنمية وهو حزب ينتمي لتيار الإسلام السياسي التي تحاربه الإمارات منذ 2013 وإلى الآن. وقد عكس هذا التدخل باعتبار حكومة العثماني لا تخدم مشروع الإمارات في المنطقة نظرا للعداء الإيديولوجي التي تكنه الأخيرة لتيار الإسلام السياسي.

وتهدف الإمارات من وراء ذلك تضييق الخناق على المغرب بكل الوسائل المتاحة لأنه لم يستجب لدعواتها برفضه أن يكون تابعا لمحورها، وذلك بتمسكه بالشرعية المنبثقة عن اتفاق الصخيرات ورفض الانضمام إلى مخطط الدعم الإماراتي المقدم لخليفة حفتر.

ولذلك كان الملف الليبي من الأسباب الرئيسية لانفجار الأزمة بين المغرب والإمارات، التي كانت من أبرز أحداثها تخفيض العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، وقد زاد من توترها، رفض الملك محمد السادس عرضا قدمه ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، يتضمن تقديم مشاريع استثمارية للشركات المغربية وكذا الاستفادة من النفط الليبي بسعر مغري في مقابل تغيير الموقف المغربي من موقف محايد إلى موقف داعم لخليفة حفتر، وقد جاء هذا الرفض نتيجة تمسك الرباط بحل الأزمة الليبية سياسيا على ضوء قرارات الشرعية الدولية تحت الرعاية الأممية وعلى رأسها اتفاق الصخيرات مع إدخال مجموعة من التغييرات نتيجة التطورات التي شهدها المشهد الليبي.

الدور الجزائري الرامي إلى تحجيم الدور المغربي على ضوء المنافسة الإقليمية:

عادت الجزائر التي تتشابك جغرافيا مع ليبيا بثقلها الدبلوماسي للعب دور لافت في الأزمة الليبية، تبلور ذلك من خلال مشاركتها في مؤتمرات واجتماعات خاصة بمناقشة الأزمة الليبية ومن أبرزها مؤتمر برلين، بالإضافة إلى لعبها دور الوسيط في الأزمة الليبية بحيث أصبحت العاصمة الجزائر محجا لحراك دبلوماسي لمجموعة من الفواعل في المشهد الليبي سواء الفرقاء الليبيين أو قوى إقليمية ودولية ناشطة في هذا الملف.

وتحاول الجزائر عبر بوابة دورها في الأزمة الليبية إلى تبوء مكانة إقليمية بارزة في المنطقة في مقابل تحجيم التقدم الذي حققته الدبلوماسية المغربية في مجموعة من القضايا الإقليمية الأمر الذي تعتبره الجزائر تحديا استراتيجيا بالنسبة لها، بحيث تصبو إلى قيادة المنطقة المغاربية باعتبارها أقوى لاعب إقليمي على حساب المغرب. وبالتالي إقصاء الأخير من أي مبادرة خاصة بتسوية الأزمة الليبية، وحصرها لتدبير الملف إقليميا.

ولقد مثل اتفاق الصخيرات هاجسا بالنسبة للجزائر، بحيث دعمت في البداية خليفة حفتر وبرلمان طبرق بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال تقديمها لدعم عسكري له في الجنوب الليبي، لتغير موقفها بعد تدهور مكانة حفتر في الداخل. ومن كل ذلك تحاول الجزائر تهميش الدور المغربي باعتباره أحد الفواعل الرئيسية التي لعبت دورا أساسيا في التسوية السياسية للأزمة الليبية.

فالجزائر تحاول عبر بوابة ليبيا تمثيل نفسها على أنها اللاعب الإقليمي الأنسب من خلال حسابات تندرج تحت خانة التنافس الإقليمي مع المغرب.

تعاظم الخيار العسكري على حساب الخيار السياسي:

يواجه الدور المغربي تحديا أكبر وهو استشراء العمليات العسكرية بإيعاز خارجي، هذا الأمر الذي يضعف محاولات الدبلوماسية المغربية في تقريب وجهات نظر الفرقاء الليبيين، خصوصا سعي المغرب في ظل التحولات الآنية إلى إخراج اتفاق الصخيرات بنسخة جديدة تواكب المتغيرات وتستجيب لظرفية المرحلة وذلك على ضوء توافق ليبي-ليبي بين حكومة السراج المعترف بها دوليا، وبرلمان طبرق.

فتوسيع رقعة الخيار العسكري الذي بدأه خليفة حفتر منذ أبريل 2019 تحت إدارة قوى إقليمية ودولية قوض من فعالية وتأثير الرباط في الملف الليبي، هذا الخيار الذي ساهم في تهميش مخرجات اتفاق الصخيرات والانقلاب عليه، و كل المحاولات الدبلوماسية المغربية التي تسعى إلى المحافظة على مقوماته بتنقيح جديد، لذلك فتراجع الدور المغربي في القضية الليبية يرجع إلى تجاذب صراع المصالح بدافع أطماع اقتصادية وأهداف استراتيجية وبالأخص بعد تدخل عدد من الدول العربية، فالمغرب يريد الحفاظ على مسافة واحدة مع جميع الأطراف الداخلية من جهة، كما أنه لا يريد الانضمام إلى أي محور خارجي سواء عربي أو دولي، لكن هذا الموقف التي تتخذه الرباط والذي تعنونه تحت مسمى “الحياد البناء”، لا يروق لأي من القوى الخارجية المتدخلة خصوصا العربية منها والتي لطالما سعت إلى جعل المغرب حليفا سياسيا وعسكريا لها في ليبيا.

كل هذه الأمور، قيدت من تحركات المغرب تجاه الأزمة الليبية بسبب تعاظم تحركات التدخلات الخارجية، في ظل تبني المغرب لخيار استراتيجي وهو البقاء بمنأى عن تدخلات هذه القوى خدمة لأمنه القومي من جهة، وتشبثه بالحل السياسي كسبيل لإنهاء الأزمة الليبية من جهة ثانية.

خلاصة:

على الرغم من أن الدور الذي لعبه المغرب منذ بداية الأزمة الليبية، والتي توج بالتوقيع على اتفاق الصخيرات 2015، وموقفه القائم على التشبث بمخرجاته مع تطويره طبقا لمستجدات المشهد الليبي، في ظل تصور استراتيجي يسهم بفعالية في تسوية الملف الليبي، وذلك انطلاقا من تبني منطق الحياد الإيجابي تجاه جميع الأطراف سواء الداخلية والدولية، إلا أن خيارات المغرب لحل الأزمة الليبية تبقى محدودة وصعبة التطبيق في الوقت الحالي لسببين، الأول متعلق بتطور سيناريو الحل العسكري الذي يعرقل أي مسعى  سياسي لحل الأزمة هذا ، والثاني إقصاء المغرب من المبادرات والاجتماعات والجهود الدولية الرامية لحل الأزمة الليبية على الرغم من أنه كان يعتبر من أبرز القوى الفاعلة والمساهمة في التسوية السياسية للنزاع الليبي.

من سيناء إلى ليبيا الجيش المصري إنهاك دون حسم

من سيناء إلى ليبيا: الجيش المصري إنهاك دون حسم

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close