دراسات

ما لا يقوله العسكر: حديث التسريبات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 ينظر الكثير من الباحثين إلى الجيش المصري باعتباره “صندوقا أسود” يخفي أكثر مما يعلن، لذلك جاءت التسريبات المتوالية لقادة الجيش بعد انقلاب يوليو 2013 والتي أذاعتها وسائل إعلام محسوبة المعارضة تبث من خارج البلاد، لتكشف عن جانب خفي من خطابهم، وتوضح الطريقة التي يفكرون بها، والكيفية التي يديرون بها الأمور.

ورغم أن الاعتماد على التسريبات للوصول إلى استنتاجات علمية بشأن خطاب جهة بعينها يحمل بين طياته نوعا من المخاطرة، إلا أن ما يجعل الأمر مقبولا أن هذه التسريبات تعد من الوسائل القليلة التي يمكن من خلالها الوصول إلى معلومات بشأن الخطاب غير المعلن للجيش المصري المتحكم في مصير أكبر دولة عربية ويؤثر سلوكه على الشرق الأوسط برمته. كما أن العديد من التسريبات ثبتت صحتها ليس فقط من خلال تصديق الواقع لما جاء فيها، ولكن أيضا عبر متخصصين في تحليل الأصوات كما حدث مع شركة “JP ” الفرنسية الخاصة التي أكدت صحة عدد من تلك التسريبات1 ، كما أن صحفا عالمية نقلت جانبا من هذه التسريبات من بينها نيويورك تايمز.

وبرغم كل الملاحظات المهنية والأخلاقية التي يقدمها البعض بشأن التسريبات، والتي سيناقشها الباحث في الدراسة، فإنهم لا ينكرون أن التواصل ملازم للسياسة، وأن الفعل السياسي لا يمكن أن يستقيم دون اتصال. حتى قيل: إن الديماغوجيا أفضل من غياب الاتصال.” 2

ويفترض الباحث في الدراسة أن هناك خطابا مزدوجا لقادة الجيش، فما يقال في البيانات الرسمية يختلف بشكل كبير عما يقال خلف الأبواب المغلقة، لذلك يمكننا أن نقسم خطاب كبار العسكريين في مصر إلى: خطاب ظاهر، وآخر مستور. ويسعى الباحث إلى الكشف عن ذلك الخطاب المستور، وتوضيح خصائصه والوقوف على أهم سماته، وأخيرا مقارنته بـ”الخطاب الظاهر” الذي يقدمه الجيش ممثلا في قياداته العليا.

ويعد هذا البحث استكمالا لدراسة سابقة تم نشرها عبر المعهد المصري للدراسات تحت عنوان: تصور الجيش المصري لذاته والدولة والشعب بعد ثورة يناير 2011. حلل فيه الباحث الجانب المعلن من الخطاب الذي يقدمه القادة العسكريون في مصر، معتمدا على أهم البيانات والخطابات التي صدرت عن القوات المسلحة المصرية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير.

 عينة الدراسة ومنهجها

سيعمل الباحث على تحليل أهم تسريبات قادة الجيش المصري التي أذاعتها وسائل الإعلام المعارضة (قنوات مكملين والشرق ووطن) بالإضافة إلى قناني الجزيرة والجزيرة مباشر وموقع رصد، وذلك خلال السنوات الخمس التي تلت الانقلاب في مصر.

وسيستخدم الباحث في هذه الدراسة تحليل الخطاب النقدي الذي يعود بالأساس إلى أفكار مدرسة فرانكفورت حيث لا يركز فقط على رصد الكلمات والمفردات اللغوية ذات الدلالة، بل يأخذ في الاعتبار السياق الذي ترد فيه هذه المفردات. حيث يعتمد الباحث على أفكار “نورمان فاركلوف” و”روث ووداك” اللذان اعتبرا أن التحليل النقدي للخطاب، يهتم بشكل كبير بوضع المفردات في سياقها الاجتماعي والسياسي 3. كما أكد فاركلوف على أهمية اللغة في إنتاج علاقات السلطة وترسيخها، وضرورة الوعي بهذا الدور لتحقيق التحرر من هيمنة السلطة 4 وهو ما يتناسب مع طبيعة الدراسة التي تركز على تحليل خطاب القيادات العسكرية التي تسيطر على مقاليد الأمور في مصر، وكشف دلالات مفردات خطابهم غير المعلن.

وقسم الباحث التسريبات إلى أربعة أنواع تتمثل في: التسريب “المتعمد” لتشكيل المواقف واستدعاء السياسات وهو الذي يقوم به النظام نفسه لتحقيق أهداف بعينها، والتسريب “الفاضح” الذي يعمل على كشف مساوئ نظام أو شخص نافذ من خلال نشر ما يجري في الغرف المغلقة، والتسريب الذي يمثل بشكل أو بآخر نمطا لإدارة العلاقات بين الدول أو الكيانات المتنافسة وذلك بهدف الضغط أو تحصيل مكاسب ما،  وأخيرا ما يمكن أن نطلق عليه تسريب “صناعة الحدث” ويتعلق عادة بتسريب بيانات أو معلومات مهمة للتأثير على حدث مؤثر كالانتخابات أو الاتفاقات العسكرية أو التجارية أو ما شابه. وتنتمي التسريبات في هذه الدراسة إلى النوع الثاني الذي نطلق عليه اسم التسريبات الفاضحة.

التسريبات.. تاريخ طويل مع الصحافة

ارتبطت التسريبات الإعلامية بالصحافة منذ بداياتها، لكن مع التطور الكبير في وسائل الاتصالات والانتشار الواسع لشبكة الإنترنت وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي بين الجمهور، تحولت التسريبات إلى ظاهرة حقيقية يصعب تجاهلها أو غض الطرف عنها.

ويرجع تاريخ أقدم التسريبات المعروفة إلى العام 1794 حيث ﺳّرب أﻟﻛﺳﻧدر ﻫﺎﻣﻠﺗون Alexander Hamilton أحد من يعرفون بالأباء المؤسسين للولايات المتحدة، معلومات عن معاهدة “جاي” التي تنص على إقامة علاقات تجارية ودية مع البريطانيين وهو ما أغضب فرنسا وقتها. وقد سرب البلاشفة في روسيا وثائق الاتفاقات السرية بين الدول الاستعمارية (إنجلترا وفرنسا وروسيا) لتركة الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، والتي عرفت في منطقتنا العربية باسم اتفاق “سايكس-بيكو”.

وفي عام 1960 سرب جون كندي معلومات لصحيفة نيويورك تايمز بهدف تقويض حملة منافسه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ريتشارد نيكسون. وفي العام 1971 نشر الصحفيان بوب وودورد، وكارل برنشتاين في “واشنطن بوست” معلومات مسربة تؤكد تورط الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون في فضيحة تجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي داخل مبنى ووترجيت بواشنطن، وهو ما أدى لاستقالة الرئيس في وقت لاحق، وعرفت هذه التسريبات وما أدت إليه من تطورات بفضيحة “ووترجيت”.

ومن بين التسريبات الشهيرة تلك التي كشفت عنها صحيفة النيويورك تايمز في 1971 وعرفت وقتها بأوراق البنتاجون Pentagon Papers ، وهي تقرير حكومي يضم نحو 7 آلاف ورقة تم تسريبه بواسطة موظف مدني في وزارة الدفاع يدعى دانيال إلسبيرغ، وكشف أن إدارة الرئيس جونسون صعدت الصراع في فيتنام وكذبت على الكونغرس والشعب بشأن تصرفاتها.

وفي 1986 نقلت صحيفة صانداي تايمز وثائق كشفها العالم النووي الإسرائيلي المنشق مردخاي فعنونو، وشملت صورا عن مشروع نووي إسرائيلي متقدم جدا في مفاعل “ديمونة” لإنتاج مائتي قنبلة نووية خلال عشرين عاما، وحكم عليه بالسجن 18 سنة قضى منها عشر سنوات في وقت لاحق.

وبين التسريبات المهمة أيضا ذلك الذي يعود إلى موظفة البيت الأبيض “ليندا روز تريب” والتي سربت مكالمة هاتفية كشفت العلاقة بين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والمتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي عام 1998-1999، وهي أزمة كادت تعصف بالرئيس الديمقراطي وتزيله من سدة الحكم.

وفي العام 2004 كشف الصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش صورا مفزعة تكشف عن عمليات تعذيب وحشية في سجن أبو غريب الذي دشنته قوات الاحتلال الأمريكي في العراق. وفي مايو 2010 استقال رئيس حزب الشعب الجمهوري في تركيا دينز بايقال إثر تسريب جنسي وصل إلى وسائل الإعلام.  وفي العام 2010 بدأ موقع ويكيليكس في نشر آلاف الوثائق السرية الأمريكية عن العديد من الموضوعات الشائكة حول العالم، وكانت أبرز هذه الوثائق تتمثل في برقيات دبلوماسية ومراسلات للخارجية الأمريكية.

كما نشرت صحيفة زود دويتشي تسايتونج الألمانية من مصدر مجهول في 2016 ما عرف بتسريبات بنما (Panama Papers )، وهي وثائق سرية يصل عددها إلى 11.5 مليون وثيقة لشركة موساك فونسيكا للخدمات القانونية في بنما التي تعد أحد الملاذات الشهيرة للتهرب الضريبي، وكشفت الوثائق عن تهرب عدد كبير من الأثرياء والمشاهير والحكام حول العالم من الضرائب.

وفي خريف 2018 عاد الصحفي الأمريكي بوب وودورد مجددا لينشر كتابا كاملا تحت اسم ” الخوف: ترامب في البيت الأبيض “، يعتمد بالأساس على التسريبات المعتمدة على أشخاص مشاركين في صنع الأحداث بالولايات المتحدة، سواء كانوا من داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أم من خارجها.

وأخيرا جاءت التسريبات التي نشرتها العديد من الصحف العالمية والتركية وقناة الجزيرة بشأن قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول وذلك في أكتوبر 2018، حيث لعبت التسريبات دورها مهما فيما اعتبره مراقبون رسائل مبطنة من الحكومة التركية إلى المسؤولين السعوديين والأمريكيين والأوروبيين على حد سواء، وهو ما نقل القضية إلى أبعاد لم يكن لها أن تصل إليها بدون هذه التسريبات المتعمدة. في إطار ما يمكن تسميته “استراتيجية التدويل الإعلامي” وفرض الاهتمام بقضية خاشقجي والتي فرضت من جهة أخرى على النظام السعودي أن يعدل روايته أكثر من مرة بعد وضعه في الزاوية.

وهكذا ومع الوقت أصبحت التسريبات جزءا لا يتجزأ من العمل الإعلامي، لدرجة أنه لا يكاد يخلو شهر من تسريب مهم صادر عن صحيفة هنا أو قناة تليفزيونية هناك، أو موقع إلكتروني أو حتى حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، وعادة ما تؤثر هذه التسريبات على مسار الأحداث.

التسريبات في مصر

شهدت مصر بدورها العديد من التسريبات الصحفية المهمة خلال العقود الماضية، معظمها كان عبارة عن وثائق صادرة عن مؤسسات خارجية وتحديدا أمريكية وإسرائيلية، وهذه كانت الأكثر أهمية. كما لم يخل الأمر من وجود تسريبات مؤثرة حصل عليها وقام على نشرها صحفيون مصريون.

ففي العاشر من أكتوبر 1950 فجّر الأديب والصحفي الشهير إحسان عبد القدوس على صفحات مجلة روز اليوسف التي كان يترأس تحريرها قضية الأسلحة الفاسدة، وقال إن الجيش المصري تعرض للخيانة في حرب فلسطين عام 1948 واستخدم أسلحة فاسدة قتلته بدلاً من قتل العدو، وهو ما تسبب في الهزيمة. وهي قضية تم استخدامها كأحد مبررات حركة الجيش ضد الملكية في يوليو 1952.

ومن بين هذه التسريبات المهمة ما نشرته جريدة الشعب في 9 يناير 1990، حيث وضعت الجريدة التي كان يصدرها حزب العمل، على صدر صفحتاها الأولى نص تسريب لوزير الداخلية وقتها اللواء زكى بدر، والذي أطلق خلاله شتائم بألفاظ نابية خلال احتفال بنادي بنها، وهو ما وثقه أحد صحفيي جريدة الشعب الصادرة عن حزب العمل، وعندما نفد عدد الجريدة، تمت إعادة طباعته. وهو ما أشعر النظام بالحرج، الأمر الذي أدى إلى إقالة الوزير. ولم يُغفر للجريدة ما فعلت، فبعد سنوات قليلة حدث لحزب العمل ما حدث، وتم وقف إصدار الجريدة 5 .

وفي العام 1993 كشف الصحفي وائل الابراشي رئيس تحرير “صوت الأمة” عما عرف وقتها بـ”فضيحة لوسي أرتين”، والتي افترض أنها قامت باتصالات مع عدد من كبار المسؤولين أبرزهم المشير أبو غزالة وزير الدفاع الأسبق وقيادات رفيعة في وزارة الداخلية ومحافظ سابق بهدف التأثير على حكم قضائي في نزاع عائلي مع طليقها، وقد رجح البعض أن يكون التسريب جزءا من صراع الأجنحة داخل النظام.

وفي واحدة من تسريبات ويكيلكس أظهرت برقية دبلوماسية صادرة من السفارة الأميركية بالقاهرة يوم 23 سبتمبر 2008 أن وزارة الدفاع المصرية دأبت على إبعاد الضباط الذين يبدون كفاءة تلفت الأنظار كي لا يمثلوا يوما ما خطرا على النظام،  وتضيف البرقية أنه تم عزل وزير الدفاع السابق المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة عام 1989 نتيجة الازدياد الكبير في شعبيته 6 .

أما أبرز هذه التسريبات فكان كتاب “الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل” الذي ألفه الصحفي الإسرائيلي يوري بار-جوزيف عام 2016 ليحكي عن قصة أشرف مروان زوج نجلة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ومدير مكتب خلفه أنور السادات، والذي تحول لفيلم سينمائي بثته شبكة نتفليكس منتصف سبتمبر 2018.

وبالإضافة إلى ما سبق ظهر في مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013 سلسلة تسريبات غير مسبوقة من حيث النوع أو الحجم، تتعلق معظمها بالجيش ومؤسسة الرئاسة، وتكشف عن أمور سببت صدمة للرأي العام المصري، وهو ما سيقوم الباحث بتناوله بالرصد والتحليل من خلال هذه الورقة البحثية.

التسريبات والمعضلة الأخلاقية

هناك ثلاثة أنواع من التسريبات، الأول يقوم به شخص يحمل حسا نقديا ويستشعر المسؤولية الأخلاقية تجاه معلومات معينة تخص الشأن العام، وهو ما يدفعه للانشقاق عن مؤسسته. والثاني تقوم به المؤسسات ذاتها في إطار الخصومة السياسية مع طرف آخر، والثالث نشأ من جدلية العلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الإعلامية، حيث يعيش الإعلام على الأخبار المسربة من السياسيين، بينما يستخدم السياسيون الإعلام في إيصال رسائلهم إلى الآخرين 7 . ورغم ما تحتويه الأنواع الثلاثة من مخاطر على الخصوصية وما تضمره من انتهاك للقانون إلا أن الجمهور عادة ما يغفر لها كل ذلك في سبيل الوصول إلى الحقائق وترسيخ الشفافية.

لذلك لا يكاد يخلو قانون لتنظيم العمل الإعلامي في بلد ديمقراطي من التأكيد على حق الصحفي في عدم الكشف عن مصادره التي ينقل عنها معلومات حساسة، وهذا يعد بشكل أو بآخر نوعا من شرعنة التسريبات التي يعتبرها البعض غير قانونية، وذلك لهدف أسمى يتمثل في الحفاظ على حق الجمهور في المعرفة وحماية المجتمع من سوء استغلال السلطة. وقد أكدت المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: ” لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود” 8 .

ويعتبر البعض التسريبات عملا غير أخلاقي لأنه يقوض استقلالية الصحفيين أنفسهم9 . فكثيرا ما نكتشف استخدام الأطراف السياسية المتصارعة وحتى الأجنحة داخل السلطة الواحدة أداة التسريبات لتحصيل مكاسب سياسية أو إلحاق الضرر بالمنافسين، واستخدام الصحفيين كأدوات في أيدي السياسيين والأجهزة المتناحرة.  كما أنه كثيرا ما يكون الصحفي أو الوسيلة الإعلامية له أهدافه الخاصة، حتى أن جوليان أسانج أبرز مؤسسي ويكيليكس قال لأحد خبراء الوثائق المسربة إنه مشغول، لأنه يعمل على إنهاء حربين “I’m busy, there are two wars I have to end .” في إشارة إلى حربي العراق وأفغانستان 10 .

وفي مقابلة مع صحيفة التايم قال أسانج إنه يكرس عمله لوضع حد للتعسف الحكومي وتحقيق مجتمع أكثر عدالة. لكن رغم ذلك اختارت صحيفة لوموند الفرنسية مؤسس ويكيليكس شخصية العام في 2010، معتبرة أن ما يكسبه الجمهور من معرفة الحقائق وما يربحه المجتمع من سيادة مبدأ الشفافية يغطي على كل العيوب التي يمكن أن تنتج من تسريب المعلومات بطرق مثيرة للجدل 11 .

وكل ما سبق من جدل قد يكون معتبرا في ظل الأنظمة الديمقراطية، أما في الدول الدكتاتورية التي تحجب كل ما تستطيع من معلومات، وتعتبر السرية وحجب المعلومات عن الجمهور جزءا أساسيا من تعريف النظام، فإن محاولة تسريب المعلومات المهمة إلى الجمهور قد تمثل نوعا من أنواع الكفاح من أجل الحرية.

وفي الحالة المصرية، وفي ظل نظام حكم عسكري جاء بانقلاب ونصب وزير الدفاع رئيسا للجمهورية بعد انتخابات صورية، وصادر الصحف وأغلق القنوات المعارضة وسجن العديد من الصحفيين وأغلق جانبا كبيرا من المجال العام، فإن النظر إلى المعلومات المسربة عنه يجب أن تأخذ منحى مختلفا، خاصة إذا ظهرت العديد من الأدلة التي تؤكد مصداقيتها.

ومن أهم تلك الأدلة هو تصديق الوقائع لها كما حدث في قضايا تحصين وزير الدفاع وتيران وصنافير وتبرئة متهمين في قضايا بعينها، وتلقين الإعلاميين …. إلخ، كما يدل على صدقها رد فعل النظام على التسريبات والهجوم الواسع على وسائل الإعلام التي أذاعتها وحملة الإقالات الواسعة في صفوف المخابرات المصرية.

وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية واحدا من تلك التسريبات، وهو تسريب ضابط المخابرات الحربية المصري أشرف الخولي مع عدد من الإعلاميين والفنانين، كما أشارت الصحيفة إلى أن شركة “جي بي فرينش أسوشييتس” المتخصصة في تحليل الأصوات خلصت إلى صحة تسجيلين للسيسي عندما كان وزيرا للدفاع مع عدد من قادة الجيش المصري من بين ثلاث تسجيلات قام حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين بتسليمها إلى الشرطة البريطانية 12 .

وقد ظهرت عدة فرضيات تتحدث عن مصدر هذه التسريبات، إلا أن أكثرها رواجا هو أنها صادرة عن جناح داخل النظام المصري غير راض على أداء الرئيس عبد الفتاح السيسي خاصة فيما يتعلق بمسألة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، ضمن صفقة تعد إسرائيل جزءا منها، بالإضافة إلى حديث السيسي نفسه عما أسماه بـ “صفقة القرن” حول القضية الفلسطينية.

تحليل خطاب الجيش من خلال التسريبات في الفترة من 2013 إلى 2018

شهدت الفترة من سبتمبر 2013 وحتى خريف العام 2018 عشرات التسريبات التي كشفت عن الكثير من الأمور الغامضة، لكن أبرز ما كشفته هذه التسريبات التي كانت في معظمها صوتية، وجود خطاب لقادة الجيش الممسكين بمقاليد الحكم في البلاد يختلف إلى حد التناقض مع ذلك الخطاب المعلن والذي يتم بثه عبر البيانات الرسمية للجيش ومؤسسة الرئاسة أو من خلال الخطابات والأحاديث الإعلامية التي يتم إلقاؤها في المناسبات المختلفة.

وجاءت معظم التسريبات للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، واللواء عباس كامل الذي كان مديرا لمكتب السيسي منذ أن كان رئيسا للمخابرات الحربية ثم في وزارة الدفاع ثم في الرئاسة، قبل أن يعينه الأخير رئيسا للمخابرات العامة المصرية. وقد ظهر التناقض في الخطاب الوارد بالتسريبات في عدد من الموضوعات أهمها رؤية الجيش للدولة وللإعلام وللمنهج الاقتصادي المتبع وللقضاء وللشعب ولدول الخليج. وتنتمي هذه التسريبات إلى النوع الثاني من التسريبات الذي أشارنا إليه في الجانب المنهجي من الدراسة باسم “التسريبات الفاضحة”، وهي التي تعمل على كشف مساوئ نظام أو شخص نافذ من خلال نشر ما يجري في الغرف المغلقة.

ويود الباحث هنا أن يؤكد على الجانب الذاتي في تحليل الخطاب النقدي، حيث يتميز هذا المنهج بأن شخصية الكاتب تظهر فيه بشكل واضح، وقد أكد على هذا الجانب الدكتور عماد عبد اللطيف عندما سرد جدلا وقع خلال دراسته في قسم علم اللغة بجامعة لانكستر الإنجليزية حيث يوجد بعض أهم مؤسسي التحليل النقدي للخطاب (مثل نورمان فيركلوف وبول شيلتون وروث فوداك)، القصة بدأت عندما وزع عبد اللطيف صورا رسمها الفنان البرازيلي كارلوس لاتوف تنتقد الهولوكوست الذي نفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة، فتلقى رسائل من روث فوداك وباحثين آخرين تتهم الرسومات بمعاداة السامية!!13 رغم أن منهج التحليل النقدي للخطاب يستخدم بالأساس كسلاح ضد الاضطهاد وتغول السلطة وأداة لمقاومة الشعوب، وهو ما يؤكد على العامل الذاتي في هذا النوع من التحليل، واستخدامه بطرق مختلفة حسب رؤية الباحث وتصوراته.

أولاً: الدولة في خطاب الجيش غير المعلن:

عادة ما يؤكد قادة الجيش وعلى رأسهم عبد الفتاح السيسي في خطابهم المعلن على أنهم يضحون من أجل الشعب ويعتبرون توليهم مقاليد الأمور في البلاد نوعا من التكليف المضطرون إلى قبوله لتحقيق المصلحة العامة، وهو ما يظهر في عبارات من قبيل: “لا والله ما حكم عسكر” و”ليس لنا طمع في حكم مصر” و”حماية الشعب أهم عندنا من حكم مصر”. وعندما قرر المجلس الاعلى للقوات المسلحة ترشيح السيسي للرئاسة، قال في بيان 27-1-2014: “لم يكن في وسع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلا أن يتطلع باحترام وإجلال لرغبة الجماهير العريضة من شعب مصر العظيم في ترشح الفريق أول عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، وهي تعتبره تكليفا والتزاما”. لكن في المقابل أظهرت التسريبات خطابا مختلفا تماما يشير إلى أن قادة الجيش ينظرون إلى الدولة ومواردها كنوع من الغنيمة أو طريقا لتحقيق الطموحات الشخصية، ففي فبراير 2015 بثت قناة “مكملين” تسريبا من داخل مكتب السيسي بوزارة الدفاع، قال فيه الأخير للواء عباس كامل عبارة لافتة وهي “حلال علينا البلد”.

وفي ديسمبر 2013 قال وزير الدفاع وقتها الفريق أول عبد الفتاح السيسي في تسريب لحوار صوتي مع رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم ياسر رزق، إنه رأى الرئيس الأسبق أنور السادات في المنام ودار بينهما حوار تنبأ السيسي خلاله بأن يصبح رئيسا للبلاد، حيث قال السادات: أنا كنت عارف إني حا أبقى رئيس الجمهورية، فقلتلوا (السيسي) وأنا عارف إني هأبقى رئيس الجمهورية.  وقال إنه حلم بأنه يُقال له “هنديد اللي مديناهوش لحد” (سنعطيك ما لم نعط أحدا من قبل)، وأضاف أنه حلم بأنه يحمل سيفا مكتوبا عليه لا إله إلا الله باللون الأحمر.  وقال أيضا: “حلمت إني في إيدي ساعة ماركة أوميغا عليها نجمة خضراء ضخمة جدا، والناس بتسألني إشمعنى إنت اللي معاك الساعة دي، فقلت لهم الساعة دي بإسمي هي “أوميغا” (Omega ) وأنا “أبد الفتاح “(Abd ElFtah )، يعني رحت حاطط أوميغا مع العالمية مع عبد الفتاح”!!

وبينما يؤكد قادة الجيش في خطابهم المعلن على أنهم “حماة الوطن”، وأنهم لن يفرطوا في شبر واحد من أرض مصر، يؤكد تسريب بثته قناة “مكملين” في فبراير 2017 على العكس تماما، حيث كشف التسريب الذي كان لمكالمة هاتفية بين وزير الخارجية المصري سامح شكري والمحامي الشخصي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن تنسيق بين الطرفين بشأن جزيرتي تيران وصنافير.  وفي التسجيل المسرب يراجع شكري مع المحامي الإسرائيلي إسحق مولخو اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، التي كان من أبرز بنودها أن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان، وهو ما يصب بشكل مباشر في خدمة إسرائيل.

وقد كشفت التسريبات عن ممارسات تعتبر شائنة بالمقاييس المصرية، حتى أن اسم اللواء عباس كامل أصبح مقترنا بـ”الترامادول” (نوع من الحبوب المخدرة)، عقب نشر تسريب له على قناة “مكملين” الفضائية خلال حديث له مع السيسي، قال فيه: “على فكرة، بنت خالتي امبارح بتسألني إيه الحبايتين دول، فقولتلها بصراحة يعني نظرا للتوتر اللي إحنا فيه، فاحنا كل واحد فينا كل يوم الواحد بياخد حباية ترامدول بيهدي نفسه بيها”!!

الخلاصة هي أن العسكريين المصريين المسيطرين على مقاليد الحكم في البلاد ينظرون إلى الدولة ويتعاملون معها ليس باعتبارهم جزءا من مؤسساتها المعنية بالحفاظ عليها وتحقيق مصالحها، ولكن باعتبارها أداة للسيطرة على الموارد التي تضمها، وفرصة للتربح وفرض النفوذ. باختصار وكما هو الحال في معظم الدول العربية الحديثة، تحولت الدولة – كما يقول برهان غليون – إلى أداة للسيطرة والقمع بسبب انعدام آليات التداول الطبيعي للسلطة، واحتكار مراكز القيادة من نخب لا تتمتع في أغلبية الأحيان بالحد الأدنى من الأخلاق والكفاءة، والخلط الفاضح بين الدولة والحزب والقبيلة والطائفة، وتعميم إجراءات التعسف والتمييز المكشوف بين المواطنين والعقاب الجماعي، هذه الظواهر كلها تمثل الحقيقة اليومية للسلطة في العالم العربي، وتعكس القطيعة بين الدولة والمجتمع 14.

ثانياً: الشعب في خطاب الجيش غير المعلن:

في هذه الجزئية يعمل الباحث على الكشف عن حالة اللامساواة بين السلطة والمجتمع بهدف مقاومتها، وتوضيح كيف أن النص ينتج هيمنة النظام على الشعب، وهذا هو الهدف الأساسي من دراسات تحليل الخطاب النقدي بحسب فان دايك 15 .

رغم أن معظم الخطاب المعلن لقادة الجيش المصري يؤكد على أن القوات المسلحة مهمتها خدمة الشعب وحمايته، كما قال السيسي في خطاب بشهر أغسطس 2013: “نحن لا نخون ولا نطمع، ونحن أمناء على إرادة الشعب”، وكما أفاد بيان القوات المسلحة في 1 يوليو 2013: “نلتزم بحماية الشعب ورعاية مصالحه وأمنه”، إلا أن الخطاب في التسريبات يشير إلى العكس تماما.

ففي فبراير 2015 تساءل عباس كامل في تسريب صوتي عما إن كانت مستشفيات تبرعت بها دول الخليج مقدمة إلى جمهورية مصر العربية أم إلى القوات المسلحة، ورد عليه اللواء أحمد عبد الحليم مساعد رئيس الأركان للشؤون المعنوية بأن “الشعب المصري هو القوات المسلحة”!!  وهو اختزال واضح للشعب في إحدى مؤسسات الدولة، حتى وإن كانت أهم تلك المؤسسات.

وقد كشف تسريب لمكملين في مارس 2015 عن استغلال قادة الجيش لموارد الدولة في الترويج للسيسي لدى الشعب، حيث كشف التسريب عن محادثات هاتفية بين عباس كامل والسيسي قال فيها الأول إن شخصا يدعى “حسن سميح” اتصل به وتمنى الإعلان عن مشروع المليون وحدة سكنية قبل أن يعلن السيسي عن ترشحه لانتخابات الرئاسة، بهدف زيادة شعبيته وليبدو أن القوات المسلحة هي التي تسعى لحل أزمة السكن في البلاد.

وفي يناير 2015 بثت قناة الشرق تسريبا صوتيا لوزير الداخلية وقتها اللواء محمد إبراهيم أشار فيه إلى أن أولوية التوظيف في الوزارة لأقارب ضباط الشرطة، وقال الوزير إنه من الممكن تجاوز متقدم يحمل مجموع علامات يصل إلى 90% وقبول ابن ضابط لا يتجاوز مجموع علاماته 65%.  معتبرا أن الشيء الوحيد الذي لا يمكن تجاوزه هو انتماء أحد أفراد العائلة لجماعة الإخوان المسلمين.

أما أخطر ما أظهرت التسريبات فيتمثل في اعتبار القيادات العسكرية أن الشعب عالة على الدولة – التي يتم مختزلة في الجيش – وبالتالي فإن الجيش عليه أن ينفق على الشعب الذي لم يبلغ حد الرشد بعد. ففي تسريب لقناة مكملين وصف اللواء عباس كامل في فبراير 2015 الشعب بأنه “جعان ومتنيل بنيلة، وظروفه أنيل”، وهو ما تكرر كثيرا في خطاب الجيش المعلن والذي أوضحه الباحث في دراسة: تصور الجيش المصري لذاته والدولة والشعب بعد ثورة يناير 2011، المشار لها في المقدمة.

ثالثاً: الإعلام في خطاب الجيش غير المعلن:

ذكرت كتب التاريخ أن نيرون طاغية روما الشهير أسس مدرسة خاصة لتعليم أصول التصفيق، وقد كان يأمر نحو خمسة آلاف فارس وجندي من أفراد الجيش بحضور الحفلات الموسيقية التي كان يغني ويعزف فيها، ليصفقوا له بعد أن ينتهي!! 16 ويبدو أن ما قام به نيرون يتم تكراره في الحالة المصرية من خلال إجبار الإعلاميين على “التصفيق” للسلطة العسكرية التي تسيطر على البلاد.

لقد تضمن انقلاب الثالث من يوليو 2013 خارطة طريق من 6 بنود أحدها: “وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام”، كما أن خطابات السيسي لا تفتأ تؤكد على أهمية الإعلام ودوره في بناء البلاد. وفي المقابل كشفت محادثة هاتفية مسربة في يناير 2015 بين اللواء عباس كامل، والمتحدث العسكري الأسبق العقيد أحمد محمد علي، كشفت عن تلقين عباس للمتحدث العسكري خطة حملة إعلامية تهدف إلى “تهييج” الناس لمصلحة السيسي، حين كان مرشحا للرئاسة. وكيفية تلبيس الشعب “العمة” حسب قوله. وخلال ندوة نظمها الجيش لوزير دفاعه وقتها عبد الفتاح السيسي قبيل الانقلاب، قال السيسي إن القوات المسلحة تعمل على تشكيل أذرع إعلامية، لكن الأمر يستغرق وقتا طويلا.

وفي يناير 2015 أذاعت قناة الشرق تسريبا منسوبا إلى وزير الداخلية المصري محمد إبراهيم قال فيه إنه أوعز للإعلام بالتطاول على رئيس جامعة القاهرة جابر نصار، وذلك إبان اعتصامات طلاب الجامعة عقب عزل الرئيس محمد مرسي. وقال الوزير في التسريب الذي تضمن حوارا مع مقدم في الشرطة إنه سينتظر إلى أن يصرخ طالبا المساعدة التي لن يقدمها له.

وفي يناير 2018 بثت قناة مكملين تسجيلات صوتية جديدة لمكالمات هاتفية بين ضابط مخابرات مصري يوجه أحد الإعلامي عزمي مجاهد بشأن أساليب التعاطي الإعلامي مع دولة الكويت والأزمة الخليجية، يدعو فيه إلى العمل على الوقيعة بين الكويت وقطر.

أما أبرز التسريبات التي كشفت احتقارا واسعا للإعلاميين أو من يطلق عليهم “الأذرع الإعلامية” فجاء على لسان اللواء عباس كامل مدير مكتب وزير الدافع سابقا عندما وصف الإعلاميين بأنهم “الإعلاميين بتوعنا” مرددا أسماء أحمد موسى ووائل الإبراشي وإبراهيم عيسى وعزة مصطفى وأسامة كمال ونائلة عمارة ومحمود مسلم …. إلخ، ووصف أحد المذيعين بـ “الواد يوسف الحسيني”.

ومع الوقت بدأ الخطاب المعلن يقترب من الخطاب الخفي، وأصبحت عملية السيطرة على الإعلان تأخذ شكلا أكثر وضوحا وصراحة، حتى وصل الأمر بالسيسي لأن يحذر في مارس وسائل الإعلام من السماح بـ “الإساءة للجيش”، معتبرا أن ذلك ليس “حرية رأي” وإنما يوازي “الخيانة العظمى”!!

والخلاصة أن العسكر في مصر يؤمنون بأن الإعلام يجب أن يخدم النظام الحاكم الذي يمثل الدولة في نظرهم، وهو ما يعيدنا إلى مفاهيم قديمة ترجع للنصف الأول من القرن العشرين حيث نظرية الغرس الثقافي (Cultivation theory ) التي يفترض فيها العالم جورج جربنر أن وسائل الإعلام تغرس القيم داخل الأفراد بشكل تدريجي ويومي حتى يتراكم لديه كم كبير من الرسائل التي تؤثر فيه بشكل كبير على المدى البعيد17 ، فهي بذلك أداة تعليم وتلقين وسيطرة أكثر من أي شيء آخر. ونظرية الاعتماد (Mass Media Dependency ) التي تفترض أن وسائل الإعلام تعتمد على موارد تتحكم فيها النظم السياسية والاقتصادية المسيطرة18 . وفي المقابل يختفي تماما في خطاب العسكر مفاهيم خدمة الإعلام للمجتمع وتمثيله للأمة باعتباره صوت الجماهير المعبر عنها، فهم يعملون على تضييق المجال العام وتحويله إلى نطاق تتلقى فيه الجماهير البيانات من طرف واحد بدلا من كونه مجالا للنقاش الحر وتبادل الآراء ويهدف للوصول إلى ما يحقق الخير للجميع.

رابعا) القضاء في خطاب الجيش غير المعلن:

لا يكاد يخلوا خطاب لقيادات الجيش يتناول القضاء من التأكيد على استقلاله وشموخه واعتباره أحد أهم أعمدة الوطن التي يجب ألا يتم التدخل في شؤونها. وفي المقابل تؤكد العديد من التسريبات على وجود تدخل سافر من قبل قيادات الجيش نفسها في عمل القضاء. ففي ديسمبر 2014 أذاعت قناة “الشرق”، تسريبا منسوبا للواء عباس كامل مدير مكتب عبد الفتاح السيسي عندما كان الأخير وزيرا للدفاع، يطلب فيه من النائب العام السابق هشام بركات هاتفيا أن يتدخل لرفع حظر السفر عن نجل الكاتب محمد حسنين هيكل المتهم بقضية فساد في البورصة المصرية. وكانت نفس القناة قد بثت قبلها بأيام تسريبا صوتيا يطلب فيه كامل من اللواء ممدوح شاهين مساعد السيسي آنذاك التدخل لدى القضاء من أجل مساعدة أحد الضباط المتهمين بالقتل في سيارة ترحيلات أبو زعبل التي حدثت في أغسطس 2013، لأنه ابن لواء في الجيش، وهو ما قابله شاهين بالموافقة مع الوعد بتسوية الأمر.

وفي يناير 2015 بثت قناة “مكملين” الفضائية تسريبا صوتيا للواء عباس كامل بشأن مجريات محاكمة الرئيس المنقلب عليه محمد مرسي. ويتضمن محادثة هاتفية بين عباس والنائب العام هشام بركات، يطلب فيها إضافة أجزاء للقفص الزجاجي الذي يقف داخله مرسي أثناء محاكمته. ويشير التسريب إلى أن هذه المكالمة جرت بطلب مباشر من وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي. وفي أبريل 2017 بثت قناة “مكملين” تسجيلا مسربا لضابط من الأمن الوطني يدعى عمرو مصطفى وشاهد الإثبات في القضية المعروفة بأحداث قصر الاتحادية عام 2012، يعترف فيه بعمل محضرين متناقضين في وقتين مختلفين عن الملف نفسه.

باختصار يريد العسكريون من القضاء أن يقوم بعكس دوره تماما، فبدلا من أن يكون أداة لإقرار العدالة في أرجاء البلاد، يتحول لأداة للقمع أو على الأقل لشرعنته وتبريره. وهو حال كثير من مؤسسات الدولة بعد الانقلاب العسكري، حيث تحول الأمر من الحديث عن “دولة كأن” – في عهد مبارك – التي لا تقوم بوظائف حقيقية أو حتى ربما وظائف زائفة تغطي بها على الدور الأساسي لهذه المؤسسات، إلى “دولة الضد” التي تقوم بأدوار مناقضة لأهدافها التي أنشئت لتحقيقها، فتقوم مؤسسات بنقض جملة وظائفها “كالتي نقضت غزلها” 19 .

خامسا) المنهج الاقتصادي في خطاب الجيش غير المعلن:

لا يوجد خلاف كبير بين الخطاب المعلن للجيش وخصوصا قائده السابق والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، والخطاب غير المعلن الذي كشفت عنه التسريبات في جزئية المنهج الاقتصادي المتبع في البلاد، سوى أن الخطاب المعلن يقدم هذا المنهج بشكل أقل حد ويغلفه بمبررات من قبيل الحفاظ على الدولة وبنائها مصحوبا بالكثير من الوعود بالرخاء لكن في المستقبل.

ففي نوفمبر 2013 كشف تسريب للفريق أول عبد الفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع المصري مع رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم، تحدث فيه عن ضرورة رفع الدعم عن السلع في مصر وحصول المواطن على السلع بسعرها الحقيقي، وذلك بهدف حل أزمة عجز الميزانية العامة المتواصلة منذ سنوات. وضرب السيسي مثلا بتقبل الناس لتخفيض الرواتب في ألمانيا وجنوب السودان، مشيرا إلى أنه تم تخفيض الرواتب في كلا البلدين بنحو 50% دون أن يواجها اعتراضات من الناس، وأن السكان هناك استطاعوا التعايش مع رفع الدعم عن السلع الأساسية.  كما أبدى رفضه للمبلغ الكبير المستهلك في دعم الطاقة مقارنة بدعم رغيف الخبز، مشيرا إلى أن الدولة تقدم في العام الواحد نحو 107 مليارات جنيه دعما للطاقة، و17 مليار جنيه دعما للخبز. ويأتي هذا رغم أن السيسي خلال حملته الانتخابية في 2014 قال نصا: “لا يمكن رفع الدعم عن المواطن.. لازم أغني الناس الأول”، وهو ما لم يحدث.

كما كشف تسريب في مارس 2015 بثته قناة “مكملين” وتحدث فيه اللواء عباس كامل إلى السيسي قائلا إن وزارة الكهرباء تعمل على التعاقد لبناء محطات توليد كهرباء في مصر بتكلفة سبعة مليارات دولار، على أن تباع الكهرباء للمصريين بأسعار عالمية ومن خلال بطاقات مسبقة الدفع. وهو ما حدث بالفعل في وقت لاحق.

أما أبرز التسريبات التي كشفت عن توجهات السيسي الاقتصادية فكانت خلال توليه وزارة الدفاع وتم تسريبه في أكتوبر 2013، حيث قال فيه: “لو حكموني هخلي اللي بيتكلم في التليفون يدفع، واللي بيسمعه يدفع.. بما إنكم عندكم استعداد تتدفعوا فلوس، طيب ما ناخد منكم علشان نبني بلدنا”، وقال: “لو هتدفع هوريك اللي مشفتوش.. إنما ببلاش، أنا معرفش حاجه اسمها ببلاش”. وبالفعل شهدت البلاد في السنوات اللاحقة من حكم السيسي ارتفاعا كبيرا في أسعار الخدمات والسلع دون أن يصاحبها زيادة مماثلة أو حتى قريبة في دخول المواطنين الغير مرتبطين بشكل مباشر بالنظام.

والواقع أن عجز الدولة العربية عموما – ومصر خصوصا – عن الرد على الحاجات والمطالب المجتمعية هو المصدر الأول لضعفها الأخلاقي والسياسي، وهذا الضعف هو ما يفسر ميلها الشديد والدائم إلى تطوير القوة المسلحة العسكرية المستخدمة في اللعبة السياسية، وتحويل الجيوش إلى ما يشبه المليشيات الحكومية. فهذه الجيوش هي التي تشكل القوة الاحتياطية الاستراتيجية لبقاء الدولة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار لسلطة لا تملك أي قاعدة اجتماعية ثابتة وأكيدة 20 .

سادسا) دول الخليج في خطاب الجيش غير المعلن:

تُبدي قيادات الدولة المصرية بشكل عام وقيادات الجيش بعد انقلاب 2013 بشكل خاص احتراما مبالغا فيه للدول الخليجية، لدرجة أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صعد إلى طائرة العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز عندما حطت في مطار القاهرة في يونيو 2014 وقَبل رأسه، لينطلق بعدها الملك عبد الله دون أن تطأ قدمه أرض مصر. وخلال حوار مع فضائية سكاي نيوز في يناير 2015 قدم السيسي وعده الشهير “مسافة السكة”، في إشارة إلى أن القوات المصرية ستعمل على حماية الدول العربية وتحديدا دول الخليج في حال تعرضت لتهديد.

لكن التسريبات المنشورة كشفت عن خطاب مختلف تماما عن نظيره المعلن، ففي فبراير 2015 بثت قناة “مكملين” تسريبا من داخل مكتب وزير الدفاع، وتسمع في التسريب أصوات اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي، واللواء أحمد عبد الحليم مساعد رئيس الأركان، والمتحدث العسكري السابق أحمد علي وهم يناقشون حصيلة ما قدمته لهم دول خليجية من أموال. حيث قدر عباس كامل أن إجمالي ما تسلمه الجيش من دول خليجية تجاوز ثلاثين مليار دولار، ونصح السيسي بألا يطلب من السعودية إلا مبالغ كبيرة حتى لا تحتسب كـ”جمايل” من دون مقابل، على حد تعبيره.

وفي حوار دار بين السيسي ومدير مكتبه آنذاك عباس كامل وعضو المجلس العسكري محمود حجازي. وصف عباس كامل دول الخليج بأنها “أنصاف دول” تمتلك مبالغ ضخمة.  وتحدث مدير مكتب السيسي بألفاظ بذيئة عن أمير قطر، وقال إن بنك قطر الوطني وحده يتوفر على احتياطي بتسعمئة مليار.  وفي ذات الحوار قال السيسي وهو يشير إلى الحاجة لعشرة مليارات توضع بحسابات الجيش: “عايزين من الإمارات عشرة زيهم ومن الكويت عشرة زيهم بالإضافة لقرشين في البنك المركزي.. الفلوس عندهم زي الرز.” وفي حوار بين عباس كامل والوزير الإماراتي سلطان الجابر، طلب كامل من الوزير في مكالمة هاتفية تحريك وديعة مالية إماراتية بعد أن رفض البنك المركزي تسييلها للجيش.

وفي يناير 2018 بثت قناة مكملين تسجيلات صوتية جديدة لمكالمات هاتفية بين ضابط مخابرات مصري يوجه الإعلامي عزمي مجاهد للعمل على الوقيعة بين الكويت وقطر، ويتضمن تطاولا على الشعب الكويتي والخليجي بصفة عامة. وتبارى الإعلامي المصري لدى تلقيه تلك الأوامر في كيل عبارات الإهانة للكويت وقطر، حيث طغى على لغة التسريبات بين الضابط والإعلامي -التي جرت بالعامية المصرية- العبارات النابية والتعبيرات السوقية البالغة البذاءة والتطاول على دول وحكام وشعوب الخليج، أجملها بالقول “كل الخلايجة كدا ويجب التعامل معهم بالجزرة والعصا”.

ومن القصص الملفتة في شأن علاقات التبعية المالية بين مصر ودول الخليج يروي الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل أنه زار أِشرف مروان صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومدير مكتب الرئيس السادات، عام 1974، وقال له أشرف: إنه سوف يذهب إلى ليبيا لمقابلة القذافي، لإقناعه بشراء طائرة للرئاسة المصرية، لأنه يعتقد أن الوقت قد حان لتكون للرئاسة المصرية طائرة تليق بها كما هو الحال مع آخرين من رؤساء الدول العربية!! واتصل مروان بقائد سلاح الطيران الفريق “حسنى مبارك”، لتجهيز الطائرة والسفر معه عليها. لكن بعد تدهور العلاقة بين القذافي والسادات رفضت ليبيا شراء الطائرة، فقرر الملك فيصل أن يكون هو صاحب هدية الطائرة الرئاسية. وعندما وصل مبارك إلى رئاسة الجمهورية، كانت الطائرة الرئاسية (هدية السعودية) قد تخلَّفت عما استجد على الطائرات، وجرت مفاتحة القذافي مرة أخرى، بعد أن تحسنت العلاقات، وكذلك كان!! 21

خلاصة

لا يحتاج الباحث لكثير من الجهد عند اطلاعه على التسريبات الخاصة بالقيادات العسكرية المصرية والتي نشرتها وسائل إعلام مصرية ودولية بدءا من خريف 2013، حتى يدرك أن هناك خطابا مزدوجا (سري وعلني) لقيادات الجيش المصري المتحكمين في مصير البلاد. وقد لخصت هذه الدراسة أبرز هذه التناقضات في خطابهم بشأن الدولة والشعب وتعاملهم مع الإعلام والقضاء بالإضافة إلى سياساتهم الاقتصادية وتعاملهم مع الدول العربية وخاصة دول الخليج.

وقد أدى هذا التناقض في الخطاب إلى انخفاض ملموس في المصداقية لدى الجماهير المصرية، وهو أمر يمكن ملاحظته من خلال التقارير الصحفية المحايدة التي ينفذ معظمها صحفيون وباحثون أجانب.

ويعتقد الباحث أن هذا النوع من التسريبات يصعب وقفه طالما استمر النظام العسكري في الحكم، ليس فقط لأن التسريبات أثبتت قدرتها على التأثير في الرأي العالم وأحيانا بمجريات الأحداث، ولكن أيضا لأن أجواء القمع السائدة في البلاد والصراعات الدائمة التي يخلقها النظام حتى مع أقرب أنصاره تجعل من التسريبات ضرورة لا مفر منها في ظل إغلاق المجال العام والقضاء على كل ما هو سياسي في مصر. وهو ما يستدعي من الباحثين متابعة كل ما يستجد من التسريبات وأخذها بعين الاعتبار وتحليل ما جاء فيها.

ملحق بأبرز التسريبات الخاصة بالعسكريين المصرين في الفترة ما بين (2013) و (2018)

تسريب شبكة رصد (2 أكتوبر 2013) خطة الجيش للسيطرة على وسائل الإعلام، الرابط

تسريب شبكة رصد (2 أكتوبر 2013) رؤية السيسي الاقتصادية، الرابط

تسريب المصري اليوم بشأن مذبحتي الحرس ورابعة (25 أكتوبر 2013)، الرابط

تسريب المصري اليوم بشأن فض الاعتصامات (26 أكتوبر 2013)، الرابط

تسريب المصري اليوم بشأن رفع دعم السلع (22 نوفمبر 2013)، الرابط

تسريب المصري اليوم بشأن حلم السيسي برئاسة مصر (12 ديسمبر 2013)، الرابط

تسريب المصري اليوم بشأن التلاعب بالدستور (13 يناير 2014)، الرابط

تسريب مكملين بشأن تعاطي المجلس العسكري لمخدر الترامادول (3 مارس 2014)، الرابط

تسريب قناة الشرق بشأن الضغط على القضاء لتبرئة نجل محمد حسنين هيكل (29 ديسمبر 20014)، الرابط

تسريب قناة مكملين بشأن أوامر السيسي بتشديد إجراءات محاكمة مرسي (24 يناير 2015)، الرابط

تسريب مكملين بشأن توجيه إعلاميين لدعم حملة السيسي للرئاسة (19 يناير 2015)، الرابط

تسريب لقناة الشرق يكشف الفساد والمحسوبية داخل وزارة الداخلية المصرية (1 فبراير 2015)، الرابط

تسريب قناة الشرق بشأن تدخل وزير الداخلية المصري في الإعلام (1 فبراير 2015)، الرابط

تسريب مكملين بشأن سخرية السيسي من دول الخليج (8 فبراير 2015)، الرابط

تسريب قناة مكملين بشأن تلقي النظام ثلاثين مليار دولار من الخليج (12 فبراير 2015)، الرابط

تسريب قناة مكملين بشأن دعم الإمارات لتمرد (2 مارس 2015)، الرابط

تسريب مكملين بشأن استغلال مشروع سكني لدعم السيسي (2 مارس 2015)، الرابط

تسرب مكملين بشأن تيران وصنافير (10 فبراير 2017)، الرابط

تسريب مكملين بشأن التلاعب في أحكام القضاء (4 ديسمبر 2017)، الرابط

تسريبات قناة مكملين بشأن توجيه النظام للإعلاميين والفنانين “الأذرع الإعلامية” (7 يناير 2018)، الرابط

تسريب قناة مكملين بشأن الوقيعة بين قطر والكويت (10 يناير 2018)، الرابط  ( 22).


الهامش

1 Leaks Gain Credibility and Potential to Embarrass Egypt’s Leaders, The New York Times, May 12, 2015, www.nytimes.com/2015/05/13/world/middleeast/leaks-gain-credibility-and-potential-to-embarrass-egypts-leaders.html

2 يحيى اليحياوي، في تجاذبات العلاقة بين الإعلام والاتصال والسياسة، (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، يونيو 2014).

3 Fairclough, N., Critical discourse analysis. R. Wodak (Ed.). (Sage, London, 2013) P12. ‏

4  fairclough, N., language and power. (Longman, London, 1989) Pp 1- 3.

5 صورة فوتغرافية من الصفحة الأولى لجريدة الشعب يوم 9 يناير 1990:  https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1813517768732496&set=a.632177673533184&type=3&theater

6 ويكيليكس: الجيش المصري فقد بريقه، الجزيرة نت، 2011/3/30    http://www.aljazeera.net/archive/pages/4e905f05-b179-4d79-bc6e-09a4ce958353/fd7e96cb-9fe2-4344-b4e4-ba1451543870

7 عزمي بشارة، الحقيقة والسلطة وإعادة الاعتبار للحقائق، مداخلة في ندوة المصدر المفتوح في عالم الإنترنت والأوراق الدبلوماسية الأمريكية المسربة كمعطى (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسية، بيروت، 2011) ص ص 7-8.

8 الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة 19: http://www.un.org/ar/universal-declaration-human-rights/index.html

9 بخيت السيد، أخلاقيات العمل الصحفي (الإمارات، دار الكتاب الجامعي، 2011) ص 274.

10 Kat Stoeffel, Julian Assange in Vanity Fair: ‘I’m Busy, There Are Two Wars I Have To End’, observer, 01/06/2011.

11   Julian Assange, homme de l’année pour “Le Monde”, 24 December 2010.

https://www.lemonde.fr/documents-wikileaks/article/2010/12/24/julian-assange-homme-de-l-annee-pour-le-monde_1456426_1446239.html

12 Leaks Gain Credibility and Potential to Embarrass Egypt’s Leaders, The New York Times, May 12, 2015, www.nytimes.com/2015/05/13/world/middleeast/leaks-gain-credibility-and-potential-to-embarrass-egypts-leaders.html

13 عماد عبد اللطيف، مقدمة كتاب مناهج التحليل النقدي للخطاب (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2014) ص 11.

14 برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993) ص 125.

15 Van Dijk, T. A., Critical Discourse Analysis, The Handbook of Discourse Analysis. Schiffrin, D., Tannen, D and Heidi E. Hamilton (2003) .‏ P 352.

16 عماد عبد اللطيف، لماذا يصفق المصريون (القاهرة، دار العين للنشر، 2009) ص 10.

17 Gerbner, G. & Gross, L.(1976). Living with television: The violence profile. Journal of Communication, 26(2), 172-199 .

18 Defleur, M.L. & Ball-Rokeach, S.J., Theories of Mass Communication, N.Y., Longman Inc, 4th ed, 1989, Pp. 240-253 .

19 سيف الدين عبد الفتاح، “دولة الضد” بعد “دولة كأن”، موقع مصر العربية، يوليو 2014.

20 برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993) ص 140.

21 محمد حسنين هيكل، مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان (دار الشروق، القاهرة، 2012) ص 245

22 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *