fbpx
اقتصادالسياسات العامة

الشركات الخليجية والاستحواذ على أراضي المشروعات القومية المصرية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

الشركات الخليجية والاستحواذ على أراضي المشروعات 

بين الحين والآخر تطلق الحكومات المصرية المتعاقبة مشروعات قومية كبرى لاستصلاح الأراضي الصحراوية لأهداف عدة منها زيادة الرقعة الزراعية ومواجهة البطالة بخلق فرص عمل جديدة حيث يفترض بالمشروعات الزراعية أن تكون كثيفة العمالة، وكذلك تدعيم الأمن الغذائي وتنمية الثروة الحيوانية وتوفير المنتجات الزراعية الأساسية من حبوب ولحوم وألبان وفواكه، وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة.

“من لا يملك قوته لا يملك حريته” بهذه العبارة الشهيرة لمبارك مصحوبة بصورته كانت تفتتح يومياً ولسنوات الفقرة الزراعية من البرنامج الصباحي “صباح الخير يا مصر” لمقدمها عيد حواش، لكن بعد قرابة 23 عاماً على افتتاح المشروع الزراعي الأكبر في عهده لا يبدو أن المصريين يملكون معظم ما ينتجه من قوت ولا حتى أرضه، ففي التاسع من مارس عام 1997 وفي زيارة مبارك لمشروع توشكى صرح أحد المسئولين عن المشروع بأن الهدف من المشروع إنشاء مجتمع عمراني جديد بحجم الدلتا يقطنه قرابة سبعة ملايين مصري.[1] لكن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق وآلت الغالبية العظمى من أرضه لصالح الاستحواذات الإماراتية السعودية.

وإذا كان تشجيع الاستثمار الأجنبي في الزراعة هدفا جيداً إلا أن نمط الاستحواذات الكبيرة على الأراضي يشكل خطرا بيئيا واجتماعيا وربما أمنيا، فقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة من عمليات الاستحواذ على الأراضي فبالرغم من أن التدفق المتزايد من الأموال الدولية الموجهة نحو حيازة الأراضي على نطاق واسع من جانب الشركات الخاصة، وصناديق الاستثمار، وصناديق الثروة السيادية، قد حظي باهتمام كبير. كما أن النطاق المحدود لهذه الوسائل الاستثمارية يعني أنه من المرجح أن تترتب عليها تأثيرات هامشية فقط من ناحية الإنتاج الزراعي العالمي. ومع ذلك، فإن التأثير المحتمل على المستوى المحلى وكذلك إمكانات النمو المستقبلي قد أدت إلى وجود هواجس بشأن حدوث تأثيرات بيئية واجتماعية سلبية محتملة، ولاسيما في البلدان ذات الدخل المنخفض، والتي غالباً ما تكون لديها قدرة أقل على وضع وتنفيذ إطار تنظيمي لتناول هذه القضايا

ويمكن للاستثمار الواسع النطاق أن يقدم فرصاً لزيادة الإنتاج والمكاسب التي يحصل عليها المصدرون، وتوفير فرص عمالة، وتشجيع نقل التكنولوجيا، ولكن ذلك يمكن أن ينطوي على مخاطر من حيث الافتئات على حقوق مستعملي الأرض الحاليين، وتوليد تأثيرات بيئية سلبية، ومن التحديات الواضحة تحسين قدرة الحكومات والمجتمعات المحلية على التفاوض بشأن عقود تحترم حقوق المجتمعات المحلية وقدرتها أيضاً على متابعة هذه العقود وإنفاذها. إن صكوكاً مثل مبادئ الاستثمار الزراعي المسؤول والمبادئ التوجيهية الطوعية للحوكمة المسؤولة لحيازة الأرض، ومصايد الأسماك والغابات في إطار الأمن الغذائي الوطني تُوفر إطاراً لهذا الغرض. وينبغي كذلك تشجيع وضع نماذج بديلة وأكثر شمولا للمستثمرين واسعي النطاق، تتيح الفرص لمزيد من المشاركة من جانب المزارعين المحليين في سلاسل القيمة الزراعية.[2]

وقد أطلق الرئيس مرسي مشروعاً قومياً لزراعة مليون فدان، ثم ما لبث أن أطلق السيسي مشروع المليون ونصف فدان ضمن خطة طموحة لاستصلاح 4 ملايين فدان خلال 4 سنوات.

تبحث هذه الورقة حول من يستحوذ على أراضي المشروعات الزراعية العملاقة التي تطلقها حكوماتنا منذ عقود، بغية معرفة حدود هذه الاستحواذات والتعريف بخطورتها على الأمن والسيادة الغذائية للمصريين، وللوقوف على جدواها ومدى مقاومة المجتمع المصري لها.

أولا: الشركات السعودية الإماراتية المستحوِذ الأكبر على الأراضي المصرية:

مع ضعف الشفافية بل وانعدامها أحياناً فيما يدور حول عمليات تخصيص الأراضي والتعاقدات الحكومية مع الشركات الخليجية يصبح تتبع المساحات التي استحوذت عليها الشركات الخليجية في المشروعات الزراعية المصرية المختلفة صعبا إذ تدخل هذه الشركات في تحالفات معقدة تارة تهرباً من الضرائب وتارات أخرى حتى لا تصبح هدفا لناشطي المجتمع المدني ومناصري الحق في الأرض للسكان المحليين، ومع ذلك فإن المساحة الإجمالية التي تسيطر عليها شركات خليجية سعودية وإماراتية بالأساس في مصر تبلغ وفقاً لموقع مصفوفة الأرض حوالي 182 ألف هكتار/ 450 ألف فدان من خلال 14 عملية استحواذ على الأراضي.[3] إن هذه المساحة تشكل 5% من المساحة الكلية المنزرعة في مصر والتي تبلغ 8.9 مليون فدان، وهي أكبر من إجمالي المساحة المنزرعة في أكثر من محافظة مصرية زراعية ويقتات عليها ملايين المصريين. فما هي هذه الشركات؟

1-شركة جنان الإماراتية:

وفقا لموقع الشركة فلديها مشروعان ضخمان في مصر للاستحواذ على الأراضي أحدهما بمساحة 14000 هكتار قرابة 35000 فدان بشرق العوينات، لا تنكر الشركة أن المشروع مخصص لإنتاج الأعلاف الخضراء وعلف السيلاج للتصدير بشكل أساسي وللسوق المحلية تالياً كما تنتج الفاكهة بشكل مكثف للتصدير ومشكلة الفاكهة في المكون المائي الكبير في بلد تعاني من الشح المائي.[4]ومشروعها الثاني في المنيا على مساحة 48000 هكتار أي ما يزيد عن 118600 فدان مستفيدة من تطوير البنية التحتية وآبار المياه في ظل مشروع المليون ونصف المليون فدان، إن هذه المساحة قد تبدو للبعض صغيرة إذا قورنت بالمساحات الصحراوية المتاحة في مصر كما أن المساحة قد لا تبدو ذات دلالة للبعض في الأراضي الصحراوية، لكن إذا احتسبت هذه المساحة كنسبة من مشروع قومي ضخم فهذا يعني سيطرة شركة واحدة على أكثر من 10% من مساحة المشروع في مقابل 25% فقط من هذا المشروع مخصصة للشباب وصغار المزارعين المصريين بمجملهم أي عشرات الملايين من الشباب لا يمكنهم منافسة شركة واحدة في الاستحواذ على الأراضي حال امتلاكهم المبالغ المطلوبة واستيفائهم الشروط اللازمة للحصول على كامل القطع المطروحة في إطار هذا المشروع.

كما أن إجمالي المساحة التي حصلت عليها شركة جنان وحدها 153600 فدان، وهذه المساحة تزيد عن إجمالي المساحة المنزرعة بالقطن على سبيل المثال في مصر عام 2015/2016 والتي قدرت ب132 ألف فدان وفقاً للإحصاءات الرسمية المصرية.[5] هذا يوضح حجم الإهدار للموارد إذا أخذنا الفارق بين عدد العاملين في زراعة القطن وصناعة النسيج المعتمدة عليه والتي تعتمد على أيدي عاملة كثيفة جدا مقارنة بتلك الشركات التي تزرع فواكه تصديرية لا تفيد السوق والاقتصاد المصري كثيرا، وحتى إن حققت فائدة محدودة للميزان التجاري فإن أثر العمالة في الزراعات البديلة بالتأكيد سيكون أكبر وأفضل على الاقتصاد بحسابات تكلفة الفرصة البديلة.

2-شركة الظاهرة الإماراتية:

وفقا لموقع الشركة فإنها تملك وتدير أربعة مشاريع زراعية كبرى في مصر، وتزرع مجموعة متنوعة من المحاصيل على أرض تمتد على مساحة تزيد عن 20000 فدان، وتزرع وتنتج شركة الظاهرة مصر على وجه الخصوص حوالي 50000 طن متري من القمح سنوياً مخصصة للاستهلاك المحلي و25000 طن من الذرة، تركز الشركة بشكل أساسي على زراعة البرتقال، تزرع الشركة أيضاً أنواع مختلفة من الحمضيات مثل الليمون والجريب فروت واليوسفي. وتنقل شركة الظاهرة مصر إنتاجها عبر مختلف أسواق التصدير في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وكجزء من مشروع التنمية الزراعية الضخم والجديد الذي يتضمن زراعة حوالي 100000 فدان بمحاصيل دائمة وموسمية، تخطط الظاهرة لزيادة قدرتها الإنتاجية من الحمضيات خلال السنوات القليلة القادمة.[6] أي أن الشركة تستحوذ على قرابة 120 ألف فدان تزرع منها 20 ألفا فقط وتزرع معظمها بمحاصيل تصديرية.

3- شركة الراجحي السعودية:

وهي شركة مملوكة للمستثمر السعودي عبد الوهاب صالح الراجحي، والتي تمتلك شركة زادنا للاستثمار الزراعي والتنمية العقارية، تستثمر الشركة في مصر في مجال التمور وتمتلك خمسة معارض لتسويق التمور السعودية ومصنعا للحلويات الشرقية والغربية، تسعى الشركة وفقا لموقع الهيئة العامة للاستثمار المصرية، لزيادة استثمارات المجموعة الحالية في مصر في مجال الزراعة وإنتاج الزيتون وتصنيعه، والخطط المستقبلية للمجموعة للتوسع في مصر وزيادة استثماراتها، والمخطط أن تصل إلى 2 مليار جنيه مصري خلال الـ5 سنوات المقبلة.[7] وقد خصص لصالح الشركة 100 ألف فدان في مشروع توشكى في العام 2007 وتسلمت منها 25000 فدان في 2008، وفي يوليو 2014 أثناء زيارة رئيس الوزراء إبراهيم محلب لتفقد مشروعات شركة الراجحي تعهد للشركة بتقديم 100 ألف فدان كاملة للشركة غير معروف إذا كانت مساحة جديدة أم استكمالاً لمخصصات الشركة، وتدخل الشركة ضمن تحالفات سعودية أخرى معقدة للاستثمارات الزراعية في الخارج، غير معروف حجم استحواذها على الأراضي في مصر مثل تحالف جنات السعودي الذي يضم ست شركات سعودية تعمل بالاستثمار الزراعي من بينها شركة الخريف” لأجهزة الري المحوري وشركة المراعي.[8]

وإذا أخذنا في الاعتبار أن مساحة مشروع توشكى الآن تبلغ 405 آلاف فدان، منها 100 ألف فدان على الأقل لصالح شركة “الراجحي” السعودية، ونفس المساحة لشركة “الظاهرة” الإماراتية للتنمية الزراعية، فإننا إذن أمام استحواذ هاتين الشركتين الخليجيتين فقط على نحو 49.4% من أراضي المشروع القومي الأكبر للاستصلاح الزراعي في عهد مبارك، وإذا أضيفت إليهما حصة شركة جنان والتي يبدو أنها تدخل ضمن مشروع المليون ونصف المليون فدان والبالغة 156 ألف فدان في عموم مصر فإننا إزاء استحواذ ثلاث شركات على مساحة تفوق مساحة مشروع توشكى بكامله، بل وتفوق خمسة أضعاف إجمالي ما تملكه وتقوم بزراعته الشركة الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي الصحراوية بشرق العوينات وفقا لموقعها[9] وهي شركة تابعة للقوات المسلحة والمستثمر المصري الأكبر في الأراضي الصحراوية، وهذه الشركات لم تقم بزراعة كامل المساحة وخالفت شروط التعاقدات المجحفة بحق مصر، فنسبة المساحة المنزرعة بالمشروع بلغت 6.6% فقط من المساحة المخصصة للمستثمرين، وتكبّدت الدولة خسائر نحو 6 مليارات جنيه تم صرفها على مدار 14 عاماً منذ بدء العمل بالمشروع وحتى 2010. [10]

إننا إزاء تناقض واضح بين الأهداف التي تتوسع من أجلها الدولة في الزراعة في الأوضاع الطبيعية وعلى رأسها التشغيل الكثيف للعمالة باعتبار أن الزراعة تستوعب عمالة أكبر من غيرها من القطاعات، وكذلك الأهداف المتعلقة بالأمن الغذائي والسيادة الغذائية فهذه الشركات تزرع ما تقرره وما تحتاجه دولها وليس ما تحتاجه مصر بالضرورة وغالبا فهي تفضل الزراعة من أجل التصدير وفي ظل حكومات تهتم فقط بالميزان التجاري ودعم الصادرات فإنها لا تدقق كثيرا في الاحتياجات المحلية والاشتراطات الخاصة بالشركات العملاقة.

ثانيا: من السيطرة على الأراضي والمياه إلى محاولة السيطرة على التمويل والانتاج:

منذ صدور تصريحات رسمية مصرية تنتقد سيطرة صغار المزارعين على عملية إنتاج الألبان وهو الوضع الطبيعي والأفضل في المجتمعات الصحية، بدأت الشركات الكبرى تأخذ مساراً استغلالياً لهذه المعلومات وللتوجهات الجديدة للدولة بحيث تبدو الشركات كداعم لعملية الإنتاج بينما هي في حقيقة الأمر تتعاقد مسبقا على كميات من الألبان أو من المحاصيل وتضع شروطا قاسية للوصول لمواصفاتها للتعاقد مع دخولها كوسيط تمويلي بين البنوك وصغار المزارعين كما هو الحال في الأخبار المتداولة الخاصة بمشروع شركة جنان الوادي الإماراتية بالتعاون مع شركة أرض الخير المصرية فيما يعرف بمشروع القرى المنتجة بالوادي الجديد.[11] وهي شراكة لإنشاء وإدارة أكبر مشروع إنتاج ألبان في مصر بطاقة 12000 رأس والإنتاج بكامله للتصدير وفقا لمسئولي الشركة تحت بند دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وتعمل الشركة في الإسماعيلية عبر تحالف مع شركة النور وهي تحالف بين جنان وبعض الشركات المحلية التابعة لأحد رجال الأعمال منذ العام 2002 في مشروع تقول إنه الأضخم في المنطقة لإنتاج ألبان ولحوم الجاموس بطاقة 1500 رأس و1200 إناث، والشركة عملت على التحسين الوراثي للجاموس في كل من إنتاج الحليب وزيادة الوزن اليومية، وذلك باستخدام التلقيح الصناعي حصرا من السائل المنوي المجمد المستوردة من إيطاليا.

إن هذا الأمر يشبه إلى حد ما فكرة الزراعات التعاقدية إذ تصبح الشركات وسيطا بين المزارعين والسوق صحيح أنها تضمن ربحية ما للمزارعين المتعاقدين لكنها لا تنتج بالضرورة ما تحتاجه مجتمعاتهم ما يجعلهم في النهاية يشترون السلع الغذائية التي ينتجونها بسعر السوق فلا فرق الآن بين أسعار السلع في القرى والأماكن المنتجة لها وبين أسعارها في مراكز الاستهلاك الكثيفة كالمدن بل أحيانا تكون في المدينة أرخص لأنها تخضع لقواعد المنافسة ويتزايد عدد الموردين وهي أقرب لأسواق الجملة والشوادر الضخمة، كما أن العديد من المزارعين أصبحوا يحصلون على المنتجات اللازمة لبقائهم على قيد الحياة بأسعار أعلى وبالتالي فلا عجب أن تجد أسعار الألبان مرتفعة جدا في العديد من محافظات الصعيد كأسوان وقنا وسوهاج والتي يصل كيلو الألبان السائبة فيها لأكثر من 15 جنيها في قلب القرى، سواء لهجرة الشباب للعمل بقطاعات خدمية أو لعزوف الناس عن تربية الماشية لارتفاع تكاليفها أو لترويج الشركات والبرامج للزراعات التصديرية الأكثر ربحية كالبصل والبطاطس. 

هذه النوع من السياسات المالية يثير العديد من الأسئلة فعلى سبيل المثال لماذا لا يتعاون البنك مباشرة مع صغار المزارعين لتنفيذ هذه المشروعات بنفس التسهيلات؟ هل هذه الشركات الدولية التي تقوم بهذه المشروعات الكبرى تخاطر دون عائد مرتفع؟ أليست الشركات والبنوك المصرية والمزارعين المصريين أولى بهذه القيمة التي تتسرب إذا كانت هذه الشركات تقترض من بنوك مصرية لتنفيذ مشروعاتها ولا تضيف الكثير من رأس المال الأجنبي لفروعها بمصر؟

هذه الشركات تابعة لمؤسسات سيادية ببلدانها وتحقق خططاً على حساب أنصبة المصريين من الألبان واللحوم والعناصر الغذائية الرئيسية فبينما تتطور حصة المواطن الخليجي من اللحوم الحمراء والألبان تتدهور حصص المصريين من هذه العناصر الغذائية إذن تنتج هذه المنتجات أو مستلزماتها من أعلاف في مصر وتصدر لتغذي الأسواق الخليجية بينما تتدهور أحوال المصريين القائمين بعملية الإنتاج فلمصلحة من تخصص تلك الأراضي وتقدم تلك التسهيلات البنكية والائتمانية؟

إن مثل هذه السياسات التشجيعية لنمط الاستثمارات الكبيرة والشركات الكبرى على حساب صغار المزارعين الذين يفقدون القدرة على النفاذ لعنصري الأرض والماء وهما أساس عمليات الإنتاج الأولى وأساس البقاء على الأرض، تفقد مصر السيادة على أرضها والقدرة على التنبؤ بحركة السكان وهجرتهم الداخلية والخارجية وتزيد من تبعية الاقتصاد المصري إذ يمكن لقلة من المستثمرين إحداث خلل في توريد أي سلعة مهمة ينتجونها، بينما يضمن نمط الإنتاج عبر صغار المزارعين المصلحة العامة فهؤلاء لا يستطيعون تحمل خسارة كبيرة لفترة من الزمن بتعطيل الإنتاج أو حتى الإضراب عن العمل بينما يمكن للمستثمرين الكبار تحمل خسارة لسنوات في سبيل الحفاظ على أسعار مرتفعة، أو التخارج تماما مع كامل أموالهم وذلك لهشاشة اتفاقات الاستثمار الثنائية وقرارات التخصيص التي تعتمد بالأساس على العلاقات الشخصية لهم مع الحكومة المصرية وكلا السببين يضمنان لهم حقوقهم في تحويل كامل رأس المال والأرباح للخارج.

وبينما تعلن الجهات المعنية في الدولة والبنوك دعمها لقطاع الزراعة يعاني صغار المزارعين المصريين من ضعف التمويل البنكي المخصص للزراعة وتشدد البنوك في إجراءات إقراض هؤلاء المزارعين، وتتحفظ البنوك كثيرا على تمويل النشاط الزراعي، فإن القدر المحدود من التمويل البنكي للنشاط الزراعي عادة ما يذهب إلى الشركات الكبرى، وبشكل عام فإن الاستثمار الزراعي مازال يعاني تجاهل القطاع المصرفي.[12]

ووفقا للتقرير السنوي للبنك المركزي المصري للعام 2017/2018، یتضح من التوزيع النسبي للقروض الممنوحة من البنوك وفقا لقطاعات النشاط الاقتصادي، أن قطاع الصناعة قد حصل على نحو ٣٩٫٦% من تلك القروض (١٧٫٥% بالعملة المحلیة و٢٢٫١% بالعملات الأجنبية) في نھایة یونیو ٢٠١٨، تلیھا القطاعات غیر الموزعــة (شاملة القطاع العائلي) بنسبة ٢٨٫٠٪، وقطاع الخدمات بما نسبته ٢٣٫٦ %، ثم قطاع التجارة بنسبة ٧٫٨ ٪ بينما اقتصر نصیب قطاع الزراعة على ١٫٠%.[13]

الشركات الخليجية والاستحواذ على أراضي المشروعات القومية المصرية-1

ويوضح هذا التوزيع للتسهيلات الائتمانية على القطاعات المختلفة ضآلة حصة الزراعة من التمويل رغم كون النشاط حيويا سواء من حيث أنه يوفر السلع الزراعية الأساسية للمواطنين ويعمل به ملايين المصريين أيضا، وهو ما يشير إلى إهمال متعمد للقطاع لتركه فريسة أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبدون قيود أو شروط على هذه الرساميل المتدفقة للقطاع من قبل قلة من الشركات تسهم في تسريب القيمة من الاقتصاد المصري للخارج وتستنزف موارد المياه والأرض والطرق وتنتج من أجل التصدير[14]

ثالثا: المجتمع المدني والقضاء والثورة على خط المواجهة للاستحواذات:

مثلت الثورة تحدياً مؤقتا لسلطة وسطوة الشركات الخليجية العاملة في القطاع الزراعي سواء برفعها قضايا ضد فساد هذه الشركات وعمليات تخصيص الأرض لها أو بمطالبتها بتقنين أوضاع العمالة الموسمية وتحسين أوضاعها، فعلى سبيل المثال وجراء صدور تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات حول فساد عمليات تخصيص الأرض بمشروع توشكى، انتزعت المراكز الحقوقية المصرية والمحامين من المحاكم المصرية أحكاما تاريخية بفساد تخصيصات أراضي توشكى لصالح شركة المملكة القابضة لصاحبها الوليد بن طلال وكذلك قرار مجلس إدارة الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية بوزارة الزراعة في أحد اجتماعاته ببطلان عقد تخصيص ١٠٠ ألف فدان بمشروع توشكى لشركة الظاهرة الإماراتية الزراعية، طبقاً لرأى مجلس الدولة لمخالفة العقد أحكام قانون تنظيم المناقصات والمزايدات[15]

وكذلك قضية “أرض العياط” وهي أراضي مساحتها الإجمالية 42 ألف فدان منحت الحكومة المصرية للشركة المصرية الكويتية 26 ألف فدان فقط بأسعار بخسة 200جنيه للفدان بغرض استصلاحها بينما استولت الشركة على مساحة 16 ألف فدانا أخرى، لكن الشركة طرحتها لاحقاً للاستثمار العقاري، وعقب الثورة ووجهت الشركة والحكومة بقضايا لمراجعة تلك العقود وصولا لمطالبة الوزارات والهيئات التابعة لها هذه الأراضي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة باستردادها.

وهذه القضية بذلت فيها جهود من قبل قوى الحراك للضغط على الحكومة والأجهزة الرقابية انتهت إلى تحقيقات ممتدة في القضية منذ 2011 وصولا لتقديرات لجان حكومية بأن أية تسوية مع الشركة يجب أن تتضمن دفع الشركة لمبلغ 42 مليار جنيه في الوقت الذي عرضت فيه الشركة دفع 24 مليار جنيه فقط مقابل التسوية، ومن ناحية أخرى خلص تقرير هيئة قضايا الدولة، الذى أعدته لجنة من الخبراء والمستشارين بالهيئة برئاسة المستشار صالح عبد السلام محمد، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة إلى ارتكاب الشركة مخالفات، وأوصى بفسخ عقد البيع الابتدائي المحرر للشركة المصرية الكويتية بمساحة ستة وعشرين ألف فدان بصحراء العياط بالجيزة واستردادها وفقًا لأحكام القانون رقم 143 لسنة 1981 بشأن الأراضي الصحراوية، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية وقفًا لتعدى الشركة على المساحة الزائدة على ستة وعشرين ألف فدان واسترداد هذه المساحة.[16]

وكان من نتيجة ضغوط هذه القوى سواء عبر التظاهرات أو القضايا التي رفعت أمام المحاكم المختلفة أو عبر وسائل الإعلام التقليدية وغير التقليدية أن أجبرت السلطة التنفيذية في العام الأول للثورة للدخول في تسويات أكثر عدالة في هذه التخصيصات وأجبر العديد من المستثمرين إما على التنازل عن أجزاء معتبرة من الأراضي التي خصصت لهم بالفساد كما حدث في قضية أرض توشكى إذ تنازلت شركة المملكة القابضة عن 75 ألف فدان من إجمالي المساحة المخصصة لها وهي 100 ألف فدان.[17]

لكن يبدو أن حكومات ما بعد ترتيبات الثالث من يوليو 2013 سارت في اتجاه معاكس نحو المصالحات مع الفساد السابق والترتيب لفساد جديد وفطنت إلى دور المجتمع المدني في تحدي سلطة وزرائها ومسئوليها في التعاقدات المباشرة فقامت بتعديل التشريعات لتقصر الطعن على العقود لأطرافها فقط أي الحكومة والمستثمر كما هو الحال بالقانون رقم 32 لسنة 2014 الخاص بتنظيم بعض إجراءات الطعن على عقود الدولة الصادر عن رئيس الجمهورية السابق عدلي منصور، وهو المبدأ الذي تم نسخه في المادة 14 من قانون تطوير منظومة الاستثمار التي تنص على: “الأحقية لأطراف التعاقد دون غيرهم، الطعن ببطلان العقود التي يكون أحد أطرافها الدولة أو أحد أجهزتها من وزارات، ومصالح، وأجهزة لها موازنات خاصة، ووحدات الإدارة المحلية، والهيئات، والمؤسسات العامة، والشركات التي تمتلكها الدولة أو تسهم فيها، أو الطعن بإلغاء القرارات أو الإجراءات التي أبرمت هذه العقود استنادًا لها”.[18] وكأن الشعب المصري ليس طرفا في التعاقدات التي تبيع هذه المساحات الشاسعة من الأراضي لمستثمرين خليجيين لا يستطيع أي مصري أن يتملك فداناً واحداً في دولهم.

خاتمة:

إن تفشي عمليات الاستحواذ الخليجية الكبيرة على الأراضي المصرية لصالح شركات خليجية يضع مصر أمام تحديات كبرى تنذر بتبعية واعتمادية مصرية شديدة على هذه الدول ويضع سيادة مصر على قرارها الزراعي بل والسياسي في الكثير من القضايا الإقليمية محل تساؤل كبير، فهذه الدول بالإضافة لكونها أصبحت من أكبر المستثمرين في مصر فإنها تستقبل العدد الأكبر من العمالة المصرية وتقدم الجانب الأكبر من القروض والديون لمصر، وإذا كانت تتملك مثل هذه المساحات الشاسعة دون قيود تحت ذريعة تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر فهي تملك أدوات كثيرة للضغط على مصر في العديد من الملفات ولا يؤمن استعمالها لهذه الأدوات.

إن هذا النمط من المشروعات ليس فعالا في استصلاح مساحات واسعة فالدولة هي من تكفلت بالبنية الأساسية لتلك المشروعات وقدمت كافة التسهيلات ومع ذلك فتدفقات رأس المال الأجنبي في هذه المشروعات ظلت ضعيفة وإنجازها في إطار المساحات التي استحوذت عليها ضعيف جداً، ومن ثم فإن نمط الإنتاج الفلاحي المعتمد على العمالة الزراعية المصرية والمزارعين المصريين والنمط التعاوني للإنتاج والتملك الجماعي للأرض قد يكون أكثر نجاعة مع بعض آليات تمويلية مبتكرة وميكنة الأعمال الصعبة فقط، أو على الأقل فإن ملكية الدولة وإدارتها لتلك المساحات الشاسعة قد تنتج فرص عمل أكبر من تلك التي ينتجها المستثمرون.

ومن ثم ينبغي إعادة النظر في السياسات الزراعية المتبعة بشكل كامل وفي القوانين والتشريعات التي تتيح تخصيص هذه المساحات وبالقيود التمويلية التي تضعها البنوك على صغار العاملين القطاع الزراعي المصري فمالم تنتج السياسات ما يحقق الأمن الغذائي لهم أولا والسيادة الغذائية للدولة المصرية لا يمكن اعتبار تلك السياسات ناجحة.

إن النموذج الفريد الذي مثلته الثورة من تحدي لهذه السياسة عبر الأجهزة الرقابية والمحاسبية والمجتمع المدني والحقوقي والقضاء يشير إلى إمكانية مواجهة هذه الاستحواذات وتفعيل عملية تنفيذ الأحكام والحصول على المزيد منها ضد شبكة مصالح ممن يعملون لمصالح خارجية من أفراد وشركات وضد مصلحة المصريين في زراعة فلاحية وأمن غذائي ومياه مستدامة.


الهامش

[1] يمكن مشاهدة الفيديو الخاص بالزيارة على موقع اليوتيوب، بعنوان “زيارة الرئيس مبارك إلى مشروع توشكى 9-3-1997، الرابط

[2] الفاو، تقرير حالة الأغذية والزراعة 2012، ص116 http://www.fao.org/3/a-i3028a.pdf

[3] موقع مصفوفة الأرض، https://landmatrix.org/data/?country=818

[4] موقع شركة جنان الإماراتية، http://www.jenaan.com/project/egypt/

[5] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، المساحة المحصولية للقطن،  الرابط

[6] موقع شركة الظاهرة الإماراتية، http://bit.ly/3cSjfX2

[7] الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، http://bit.ly/33ciXWm

[8] صقر النور، ندى عرفات، كيف تحقق مياه مصر أمن دول الخليج الغذائي؟، مدى مصر،22/3/2019، http://bit.ly/2SNyeJJ

[9] انظر موقع الشركة الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي الصحراوية بشرق العوينات، http://www.nspo.com.eg/nspo/ar/sharq.html

[10] محمد مصري، «الوطن» تكشف بالمستندات: لهذه الأسباب فشل «توشكى»، موقع الوطن،  الرابط

[11] موقع صدى البلد، بروتوكول تعاون بيـن البنك الأهلي وجنان الوادي للاستثمار الزراعي، 15/1/2020، https://www.elbalad.news/4134160

[12] عفاف عمار، الاستثمار الزراعي مازال يعاني تجاهل القطاع المصرفي، موقع جريدة الشروق، بتاريخ 15/6/2014، http://bit.ly/33gDDwm

[13] التقرير السنوي للبنك المركزي المصري للعام 2017/2018، صـ38، http://bit.ly/39UFNog

[14] عمر سمير، السياسات الزراعية المصرية تشجيع الكبار وسحق الصغار، المعهد المصري للدراسات، بتاريخ 9/3/2020، http://bit.ly/33hIbTz

[15]  متولي سالم، «التنمية الزراعية» تناقش بطلان عقد بيع ١٠٠ ألف فدان للشركة الإماراتية في توشكى الأحد، المصري اليوم، بتاريخ ١/ ٤/ ٢٠١١.

[16] جريدة التحرير، «التحرير» تخترق قلعة الفساد الصحراوية «أرض العياط سابقًا»، تحقيق صحفي بتاريخ 8/6/2015، https://bit.ly/2qxz6TK

[17] موقع سي إن إن بالعربية، الأمير الوليد: أرض توشكي هدية لمصر وثورتها، 27/4/2011، https://cnn.it/2PbxbTE

[18] أسامة دياب وريم عبد الحليم، مشكلات الحوكمة في قانون الاستثمار الجديد، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 16/3/2015، https://bit.ly/2AQsOoa

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close