ترجمات

الصعود الروسي: هل بدأت حرب باردة جديدة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

بعد مرور أكثر من 25 عامًا على انتهاء الحرب الباردة (1991) التي اندلعت في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945) بين الاتحاد السوفيتي سابقًا والولايات المتحدة الأمريكية، وانتهت بسقوط الأول وتفكيكه، وقيام روسيا الاتحادية، يتساءل كثيرون عن حقيقة وجود حرب باردة جديدة بالفعل بين الولايات المتحدة من جانب، وروسيا الاتحادية من جانب آخر، في ظل حالة من الاستقطاب الصامت بين الطرفين، ومشاركتهما في قضايا دولية، وحدوث مواجهات (غير مباشرة) بينهما مثل الحرب في سوريا، والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف بداعش) وغيرها من القضايا. وقد نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية مؤخراً مقالاً لأود آرن ويستاد بعنوان: “هل بدأت بالفعل حرب باردة جديدة؟”، قام المعهد المصري بترجمته على النحو التالي:

مصطلح “الحرب الباردة” على التوترات القائمة بين القوى العظمى اليوم

مرت أربع سنوات الآن على احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، وإطلاق الصين لمبادرة الحزام والطريق، حيث انتشرت حينها تكهنات وتساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت هناك حرب باردة جديدة تلوح في الأفق بين الشرق والغرب. وخلال الشهر الماضي وحده، كانت عناوين الأخبار تعلن أن “الحرب الباردة الجديدة موجودة”، وتُبشر بـ “حرب بوتين الباردة الجديدة”، وتُحذر من أن “ترامب يستعد لحرب باردة جديدة”. لكن هل سنعود حقًا إلى الماضي؟ إن السياسة المعاصرة مليئة بالقياسات الخاطئة، ويبدو أن مسألة “عودة الحرب الباردة” هي أحد هذه المقارنات غير الصحيحة.

كانت الحرب الباردة، في أوجها، تُشكل نظاماً عالمياً يضم دولاً تمحور بعضها حول الولايات المتحدة، وانحاز البعض الآخر إلى الاتحاد السوفييتي. وعلى الرغم من أن الحرب لم تكن تحدد كل الأحداث التي تجري في نطاق الشؤون الدولية، إلا أنها كانت تؤثر على معظمها. وكانت الحرب الباردة في جوهرها عبارة عن منافسة أيديولوجية بين الرأسمالية والاشتراكية على مدى القرن العشرين؛ حيث كرس كل طرف جهوده للدفاع بحماس كبير عن نظامه في شؤون الاقتصاد والحكم. وتمحورت الحرب حول قطبين اثنين بحيث تنتهي بهما الحال إلى تحقيق نصر كامل أو إلى الوقوع في هزيمة كاملة؛ حيث لم يكن أي من اللاعبين الرئيسيين يتصور التوصل إلى تفاهمات دائمة مع الطرف الآخر. وفي الحقيقة، كانت الحرب الباردة مركزة، وحاسمة، وخطيرة للغاية: حيث كان الهدف من تطوير أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية هو تدمير الخصم، حتى ولو كان كُلفة ذلك تدمير نصف العالم.

وعلى الرغم من أن الشؤون الدولية الحالية تبدو في معظمها غامضة ومليئة بالتحديات، إلا أنها في الحقيقة بعيدة كل البعد عن حالة الحدة المطلقة التي وصلت إليها الحرب الباردة. لذلك، فإن وصف التوترات الحادثة بين القوى العظمى في القرن الحادي والعشرين بأنها حرب باردة جديدة يزيد من الغموض ولا يكشف الحقيقة. بل إنه يُعد نوعاً من الخمول في إطلاق المصطلحات التي تناسب الواقع، عندما نساوي بين صراعات الماضي، التي يعرفها معظم المحللين جيداً، وبين ما يحدث اليوم. وعلى الرغم من أن أصداء وبقايا الحرب الباردة لا تزال قائمة بيننا، إلا أن محددات وتوجهات الشؤون الدولية قد تغيرت كثيراً.

ويرجع السبب في السياسة الخارجية الرعناء التي تتبعها روسيا الاتحادية في عهد الرئيس فلاديمير بوتين إلى شعورها الدائم بخسارة الحرب الباردة في ثمانينيات القرن العشرين، ومعاناة آثارها في التسعينيات. ويُحًمل العديد من الروس الغربَ مسؤولية الفوضى التي وصلت إليها بلادهم في فترة رئاسة بوريس يلتسين؛ ويَحِنُّون إلى استعادة المهابة التي كانت للاتحاد السوفييتي كإحدى القوتين العظميين (على الرغم من أن القليل منهم فقط من يستحضرون الحالة المزرية التي كان قد وصل إليها الاتحاد السوفيتي آنذاك). إنهم يعتزون الآن برئيس قوي، يعتقدون أنه أعاد لروسيا احترامها الذاتي من خلال حرصه على منافسة الغرب في كل شيء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ كما أنهم يُثَمنون الاستقرار الداخلي الذي يعتقدون أن بوتين قد حققه لروسيا.

ومن ناحية أخرى، تعتقد الصين أن النمو الاقتصادي غير المسبوق الذي حققته قد جعلها قوة مهيمنة في المنطقة، وأنها لم تعد رهينة للآخرين كما كانت خلال الحرب الباردة. ويعتقد كثير من الصينيين أنه بعد أن كانت الحرب الباردة تمثل عائقاً بالنسبة للصين، ففي الحقبة التي أعقبت الحرب الباردة، أُصبحت الصين مطلقة اليد للتصرف حسبما تشاء. وفي هذه الأثناء، يدرس قادة الحزب الشيوعي بنهم شديد الأسباب التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، حتى تتمكن بلادهم من تفادي الوقوع في مصير مماثل. لقد ورثت الصين (والجميع، في الحقيقة) نزاع كوريا الشمالية من الحرب الباردة، فضلاً عن الاستياء الشديد لما يعتبره معظم الصينيين هيمنة للولايات المتحدة على العالم.

وعلى الجانب الأمريكي، فإن الصدى الرئيسي للحرب الباردة هو الشعور بأنه قد تم استغلال واشنطن من قبل الآخرين – وهو شعور برز كثيراً بين ناخبي الرئيس دونالد ترامب، وكان حاضراً كذلك لدى آخرين. ويُجادل البعض بأن الولايات المتحدة وفرت الأمن لبقية العالم الرأسمالي خلال الحرب الباردة بثمن بخس؛ بينما حصل حلفاء أمريكا لأنفسهم على أموال ووظائف أمريكية، ولم يقدموا في المقابل سوى القليل. ويشعر العديد من الناخبين الأمريكيين أن بلادهم لم تَجنِ شيئاً من وراء فوزها بالحرب الباردة. وبالتالي فإن الإدارة الحالية تحاول التخلي عن بعض مسؤولياتها تجاه النظام العالمي في مقابل التركيز على مصالح أمريكية أضيق بكثير.

هذه هي بعض الجوانب التي خلفتها الحرب الباردة في العالم الذي نعيش فيه الآن. لكن الشؤون الدولية اليوم تخطت ما بعد الحرب الباردة بكثير.

لقد وَلَّى نظام القطبية الثنائية إلى غير رجعة.. وإذا كان هناك أي اتجاه في السياسة الدولية اليوم، فهو اتجاه إلى التعددية القطبية. فبينما تتآكل قوة الولايات المتحدة في الشؤون الدولية، تزداد قوة الصين. وبينما لا تزال أوروبا تعيش في حالة ركود، لا تبدو روسيا قانعة بوضعها في ظل النظام الحالي. لكن هناك في حقيقة الأمر دول كبرى أخرى، مثل الهند والبرازيل، يتصاعد نفوذها داخل مناطقها.

لم تعد الأيديولوجية هي المحدد الرئيسي. فالصين وأوروبا والهند وروسيا والولايات المتحدة يختلفون في كثير من الأمور، ولكنهم لا يختلفون على قيمة الرأسمالية والأسواق. وعلى الرغم من أن الصين وروسيا دول استبدادية تدَّعي وجود حكومات منتخبة تمثلها، لكنها لا تحاول تصدير أنظمتها إلى خارجها، كما كانت تفعل خلال الحرب الباردة. وحتى الولايات المتحدة، التي طالما كانت المُرَوِّج الرئيسي للقيم السياسية، فإنها تبدو اليوم أقل استعداداً للقيام بذلك في ظل أجندة ترامب، “أمريكا أولاً”.

أما النزعة القومية، فهي أيضا في تصاعد: فبعد أن واجهت القومية صعوبات في إعادة إثبات نفسها بعد الدمار الذي جرته عليها الحرب العالمية الأولى والثانية التي قامتا على أسس قومية، بالإضافة إلى الحرب الباردة التي اعتمدت على أيديولوجيات غير قومية، فإن جميع القوى العظمى تؤكد الآن على الهوية والمصلحة الوطنية، باعتبارها السمات الرئيسية للشؤون الدولية. وبينما كان ذوي التوجهات الدُولية في الحرب الباردة يعتقدون أن النزعة القومية ستتضاءل مع الوقت، فإن حقبة ما بعد الحرب الباردة أثبتت أن اعتقادهم كان خاطئاً. لقد أقام القوميون مجدهم فوق حطام الخطط الكبرى التي غذتها الأيديولوجيات من أجل تقدم البشرية.

وأياً ما كان النظام الدولي الذي يتم إقامته في الوقت الحالي، فهو ليس حرباً باردة. قد يتحول الأمر إلى صراع ومواجهات، لكن استخدام مصطلح “الحرب الباردة” كقاسم مشترك لكل شيء لا نحبه أمر لا معنى له. ولكن علينا بدلاً من ذلك أن نحاول أن نفهم كيف تؤثر الدروس التي نستخلصها من الماضي على تفكيرنا في الحاضر. وإذا أردنا أن نطبق دروس التاريخ على صنع السياسة، فيجب أن نتعلم كيف نكون حذرين عند رصد الاختلافات، تماماً كما يجب أن نكون عند عقد المقارنات.

المصدر
فورين أفيرز
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. جهد عال ومبرز فى الكتابه وفى الترجمه – المعهد المصرى فى صعود مستمر -تحياتى وتقديرى لهذا الصعود المضطرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *