fbpx
دراساتمجتمع

العالم الافتراضي للشباب من الثورة إلى الوصاية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ساهم الانترنت الذي يُعد أحد مميزات ثورة الاتصالات في تشكيل فضاء جديد هو الفضاء الرمزي الذي قد أدى إلى تشكيل علاقات تتجاوز الإطار المكاني وتفاعل الوجه للوجه وشكل مستخدموه – خاصة الذين يجمع بينهم اهتمامات مشتركة – جماعات يطلق عليها الجماعات الافتراضية. ولقد ظهرت المجتمعات الافتراضية في بدايتها بفعل احتياجات التعليم واستخدام تكنولوجيا الحاسوب والاتصالات الرقمية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي لتحقيق أغراضها التعليمية بشكل أو بآخر، ثم انبثق بعد ذلك ما عرف بالمجتمعات الشبكية مع أوائل التسعينيات، حيث تطورت في شكل جماعات معروفة بين مستخدمي تكنولوجيا الانترنت تشترك في الخصائص والاحتياجات والمهارات وامتلكت وسائل اتصال رقمية وبرمجيات متشابهة، وانتشرت هذه المجتمعات الرقمية بشكل كبير مع انتشار تكنولوجيا الويب خصوصاً تكنولوجيا الدردشة / المحادثة والتي تدعم اليوم كثيراً من المجتمعات الافتراضية على نطاق واسع.

وخلال السنوات القليلة الماضية تطورت المجتمعات الافتراضية على الانترنت بشكل كبير، ولكن أبرز ما ذاع صيته في هذا المجال هو الفيس بوك حيث أصبح أشهر المنصات على الانترنت وأكبر مجتمع افتراضي عالمي.

وتتميز المجتمعات الافتراضية بأنها مجتمعات متاحة للجميع الذين يريدون المشاركة فالمدينة الافتراضية مدينة لا تنام فهناك دائماً أفراد مشتركون في التفاعلات الافتراضية ولا يخفي على أحد خطورة الدور الاجتماعي والسياسي لتقنيات الاتصال والإنترنت وأثرها في تشكيل الوعي وتوجيه أنماط التفكير والنظر إلى العالم ومن ثم العلاقات وتشكيلات المنظمات المجتمعية.

فانحسار محيط الحرية في الواقع دفع الشباب المصري إلى العمل السياسي وممارسة حرياتهم عبر الإنترنت وفي الواقع الافتراضي بحيث يصبحون مواطنين على الشبكة في عالم رقمي يمارسون السياسة بوعي ويشكلون مجتمعات افتراضية بعيداً عن صراعات الأحزاب ورقابة أجهزة الأمن وحملات التشويه التي يشنها الإعلام الحكومي ضدهم وهو ما جعل من ثورة 25 يناير أول ثورة شعبية في العالم تعتمد على التشبيك والمشاركة السياسية الافتراضية ثم التحول السريع إلى المشاركة الفعلية والعمل على أرض الواقع من خلال مظاهرات سلمية والنجاح في تحقيق الكثير من أهدافها بأقل قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية وهذا النجاح الذي كان من أسباب انبهار العالم بما صنعه الشعب المصري في ثورة غير مسبوقة وفريدة من نوعها إلا أنها سرعان ما أجهضت في استكمال أهدافها وغلق ونبذ وتجريم كل صور الحقوق الفردية وتوصيفها بأغراض عدوانية ضد مجتمعهم وساهمت في ذلك كافة الأجهزة والتنظيمات ووصفت ما يقومون به بأنه حماية لمكتسبات ثورة 25 يناير للحفاظ عليها والعمل على التطهير الخارجي الظاهري لها من بقايا النظام الذين نهبوا ثروات مصر، وفي إطار الولاءات والانتماءات وتعزيز قيمة المواطنة في ظل الدعم والمساندة جاء المجتمع الافتراضي كمدخل للثورة تم تشكيله واعادة تحميله ليكون فيما بعد أمنجة الشبكة العنكبوتية بل والقومية المصرية إن لزم الأمر.

مشكلة الدراسة:

ارتبطت الحضارة العالمية بتغيرات واسعة في عالم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وبرزت في العصر الذي نعيشه معاني وأبعاد جديدة وأصبح الانترنت الشبكة العالمية الأوسع للمعلومات التي جمعت معلومات الكون والحضارة وشكلت أكبر بنك معلومات عالمي ديناميكي يسمح لأي إنسان أن يتصل وينشر معلوماته وآرائه دون شروط مسبقة وجعلت الإنسان يتعرف على آخر مستجدات الحضارة والعلوم في العالم لحظة بلحظة دون تأخير.

فالعصر الحديث بطبيعته يفرض علينا تحديات كبيرة يجب التعامل معها بحرص فلا يكاد يخلو منزل أو موقع محل أو مؤسسة من أجهزة الحاسوب وما ينتج عنه من استخدامات على مواقع الانترنت فالتوازن وحسن استخدام التكنولوجيا، وترشيد استخدامها كي يستفيد منها الشباب في نموه وتقدمه وليس لاستهلاك وقته واستنزاف جهده وطاقته وكما هي العادة في كل التكنولوجيات المؤثرة في المجتمع الإنساني.

وينصرف الحديث في البداية إلى جوانبها الفنية والتي سرعان ما تتوارى لتبرز جوانبها الاجتماعية والنفسية والسياسية وتشكل الدراسة العلمية للمجتمعات الافتراضية مجالاً واعداً للباحثين وذلك كونها تقدم تفسيراً لنتائج التقنية الالكترونية على التفاعل الاجتماعي حيث اتخذت هذه التجمعات من الانترنت آلية الاتصال والتفاعل وذلك لعدة مستويات وأبعاد منها البريد الالكتروني (خدمة النقاش) وصفحات الويب ونجحت من الانتقال من العالم الافتراضي إلى الواقع الفعلي لهذا تبدو إشكاليتها على جانب كبير من الأهمية من الفحص والتوضيح لتلك المهام الاستثنائية التي تؤديها تلك الشبكة من منعكسات سياسية وإعلامية واقتصادية وثقافية واجتماعية ومما يدل على أنها ساهمت في تحويل المجتمع الافتراضي من ثورة إلى وصاية وانحسار وتعتيم ولفهم هذه الظاهرة نقوم بعرض بعض الدراسات السابقة التي تناولت المجتمع الافتراضي وأهميته وطبيعته.

الدراسات السابقة:

  • دراسة بلا نشر 2003: والتي اهتم فيها بالمجتمع الافتراضي وهي مدخل لصناعة رأس المال الاجتماعي وأن المجتمع الافتراضي يرتبط بعدد من العناصر وهي العلاقات المتبادلة بين أفراد ذلك المجتمع ، الدعم والمساندة فكلما زاد الدعم بين الأفراد كلما زاد الإحساس بالمجتمع الافتراضي والتجانس كما يرتبط بالاهتمامات المشتركة بين الأفراد وذلك من منطلق حقيقة أن المجتمع الافتراضي يقوم بالدرجة الأولى على تجانس الاهتمامات ودعم العلاقات الاجتماعية عبر الانترنت.
  • دراسة وليد رشاد 2009: والدراسة عن المواطنة في المجتمع الافتراضي وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود أزمة تثار على المستوى الافتراضي كالانتماء والمواطنة وتثار على مستوى القومية العربية وهنا يكون التدخل والتجميع ورؤية الولاءات والتي تعاني من أزمة حقيقية عن كيفية التعامل معها ويبدأ تشكيل المجتمع حول الإشكالية.
  • دراسة ابراهيم اسماعيل عبده 2009: استهدفت الدراسة إعصار التوظيف المجتمعي للأنترنت في الواقع العربي ومدى تشكيله للمجتمع الافتراضي وذلك في ضوء الانعكاسات المتزامنة لعولمة تكنولوجيا المعلومات وأوضحت الدراسة مدى أهمية شبكة الإنترنت ولكن من الأهمية أيضاً عملية توظيف المعلومات حول شبكة الانترنت لأنها سوف تكون أداة للمجتمع الافتراضي فيما بعد.
  • دراسة مجموعة الأزمات الدولية 2011: استهدفت تحليل موجه الاحتجاجات الشعبية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط واهتمت بوصف خلفية ومسار الانتفاضة لثورة 25 يناير والمجتمعات الافتراضية التي تبدأ في الظهور (متلازمة الثورة).
  • دراسة ناصر محمد الفضالة 2011: وهى دراسة تحليلية استهدفت وضع بناء أولي لمفهوم الثورة من خلال دراسة حالة مصر للتعرف على أسباب قيام الثورة في البلد والمجتمعات الافتراضية كامنة الظهور.
  • دراسة مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري 2011: واستهدفت الدراسة القاء الضوء على ثورة 25 يناير وما أحدثته من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وأهم العوامل التي مهدت لقيامها والآراء المختلفة التي تناولتها بالتحليل والتقييم.

وقد استهدفت بعض الدراسات توضيح أهمية الانترنت في تحقيق الاتصال والتفاعل وتكوين العلاقات الاجتماعية عبر الفضاء الرمزي وتكوين المجتمع الافتراضي وأهميته بصدد المواقف المجتمعية وتوحيد المواقف إجماعاً أو رفضياً، وعالجت بعضها أهمية تكوين المجتمع الافتراضي وكيفية تشكيلة وتكوينه في كافة البلدان من مصر والبحرين وغيرها، وتناولت بعضها أسباب قيام ثورة 25 يناير وكيفية نجاحها ودورها الهام في أحداث التغيرات الإصلاحية والجذرية بالمجتمع وأهمية المجتمعات الافتراضية في تلك الثورة.

وعلى هذا برغم ندرة الدراسات التي تناولت المجتمع الافتراضي إلا أنها أكدت على أهميتها وأهمية شبكة الانترنت في تكوين تلك المجتمعات ودراستها وتحديد تأثيرها على المجتمع الواقعي وطالبت بإجراء المزيد من الدراسات حولها لفهم أبعادها ومتطلباتها لما لها من تأثير على المجتمع الواقعي.

أهمية الدراسة:

  1. أن المجتمعات الافتراضية التي تكونت عبر شبكة الانترنت تظل واحدة من وسائل الاتصال الحديثة الذي يتطلب إجراء المزيد من البحوث والدراسات حول الأبعاد المختلفة التي تكتنف استخداماتها المتنامية وغير المحدودة خاصةً مع التغيرات العديدة التي تطرأ عليها باستمرار.
  2. أن المجتمعات الافتراضية أصبحت تلعب دوراً هاماً في تشكيل وتغيير أنماط التفاعل الاجتماعي السائد في المجتمع المصري خاصةً بعد ثورة25 يناير.
  3. أن شبكة الانترنت لم تعد مجرد شبكة عالمية للتبادل السريع للمعلومات أو مجرد مخزن هائل لها بل أصبحت تؤدي اليوم مهاماً استثنائية ذات منعكسات سياسية وإعلامية واقتصادية واجتماعية مما يدل على ذلك أنها ساهمت في تكوين المجتمع الافتراضي الذي انطلقت منه الشرارة الأولى لثورة 25 يناير.
  4. ندرة الدراسات التي تناولت المجتمعات الافتراضية ودورها فير حماية ثورة 25 يناير المصرية.

أهداف الدراسة:

يتلخص هدف الدراسة: في وصف المجتمع الافتراضي والتعرف على أهميته في قيام ثورة 25 يناير وتحوله من فضاء تفجرت فيه الثورة إلى ساحة تنشط فيها الأجهزة الأمنية وتلاحق الشباب وتفرض عليهم الوصاية.

مفاهيم الدراسة:

  1. مفهوم الشباب: مرحلة الشباب ومفاهيمها من المفاهيم التي يختلف حولها الباحثون بل أنها تستوقفهم كثيراً فمرحلة الشباب لا تستوقف عادة علماء النفس بقدر ما تستوقفهم الطفولة والمراهقة واختلافهم سواء من الناحية الزمنية أو النفسية أو الاجتماعية وتكون باختلاف المرجعية الخاصة لكل منهم ، فليس هناك اجماع أو تحديد زمني لبدايتها أو نهايتها، فبعض العلماء يحددها على أساس المعيار العمري فقط باعتبارها مرحلة من السابعة أو الثامنة عشر حتى السادسة والعشرين وما بعدها ويراها البعض الآخر على أنها تبدأ من الخامسة عشر حتى الثلاثين.

أما علماء الاجتماع فيشيرون إلى أهمية الدور الوظيفي في تحديد مرحلة الشباب وفي ضوء الدور الاجتماعي يمكن تحديد مرحلة الشباب على أنها المرحلة التي تبدأ عندما يحاول المجتمع تأهيل شخص ما ليحتل مكانة اجتماعية ويؤدي دوراً في بنائه الاجتماعي وتنتهي هذه المرحلة متى يتمكن الشخص من احتلال مكانته وأداء أدواره في السياق الاجتماعي. بينما يعتمد علماء النفس في تحديدهم على الجانب الارتقائي ويرون أن هذه المرحلة هي التي تحدث عندها تحولات هامة في حياة الفرد حيث يبدأ حياة الراشدين إلى معترك الحياة ويرتبط بالعديد من المؤسسات التي يتعامل منها الراشدون. وفي الأغلب فالشباب يصبح معتمداً على المعيار الزمني والذي في ضوئه هم الأفراد الواقعيين في المدى العمري من 18- 30 سنة.

  1. مفهوم الانترنت: وتعرف أنه لمجموعة من أجهزة الكمبيوتر المترابطة في شبكة واحدة أو عدة شبكات، أو هي عملية اتصال من شبكات يحكمها نظام معين. وهي عبارة عن شبكات حاسوبية مختلفة تتصل ببعضها البعض في جميع أنحاء العالم لتشكيل شبكة واحدة ضخمة لنقل المعلومات من نقطة لأخرى بقدرة فائقة وبشكل دائم التطور.
  2. مفهوم الثورة: وتعرف بأنها تغيرات فجائية وجذرية تتم في ظروف اجتماعية وسياسية أي عندما تتم تغيير حكم قائم وتغيير النظام الاجتماعي والقانوني المصاحب له بصورة فجائية. وأيضاً بصورة عنيفة كما يستخدم كمصطلح للتغيير عند تغيرات جذرية في مجالات غير سياسية كالعلم والفن والثقافة لأن الثورة تعني التغيير ويستخدم في علم الاجتماع السياسي للإشارة إلى التأثيرات المتبادلة لتغيرات الجذرية والمفاجئة للأوضاع والظروف الاجتماعية والسياسية.
    كما أنها محاولات التغيير بالعنف أو التهديد باستخدامه ضد سياسة في الحكم أو ضد حكام أو ضد منظمة.
    وتعرف بأنها أداة تطور تاريخي للمجتمعات الإنسانية حد فاصل بين نظام قديم وآخر جديد تحدث تغيراً جذرياً على كل الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فمنها تبديل لمجتمع ما ليتوافق مع مبادئ وقيم وأيدولوجية الثورة وهى مختلفة لكل مجتمع فقد تكون سلمية وقد تكون عنيفة فهي تختلف من مجتمع لآخر ومن دولة لآخري فهي متفردة ولها أسبابها وظروفها الخاصة إلا أنها في النهاية لابد أن تلبي مطالب الثوار والذين هم من الشعب.
  1. مفهوم المجتمعات الافتراضية: يعد مصطلح المجتمع الافتراضي من المفاهيم الجديدة التي برزت من خلال ثورة الاتصالات وقد تنوعت التعريفات حول مفهوم المجتمعات الافتراضية والتي منها:
  • تُعرف بأنها تجمعات تشكلت من خلال شبكة الانترنت ليس بالضرورة أن يعيش أعضائها في مساحة جغرافية واحدة ولكنهم موزعون في أنحاء مختلفة ومنتشرة حول العالم وتجمع بين هذه التجمعات اهتمامات مشتركة ومختلفة وتتعدد أنماط هذه التجمعات ما بين تجمعات تجارية وتجمعات طبية وتتسع لتشمل أنماطاً أخرى.
  • كما أنها تجمعات اجتماعية تجمع بين أصحاب الاهتمامات المشتركة وأهل التخصص الواحد وأصحاب الرأي وجماعات السمر والدردشة وتبادل المعلومات والنوادر ، ويمكن لأي عضو في هذه الجماعة أن يبث حديثة لجميع أعضائها دون استثناء أو يختص فريقاً منهم أو يُسر لفريق بعينه ما يريد أن يحجبه عن الآخرين ويمكن للعضو أن يقدم نفسه تحت اسماء مستعارة بل يمكن أن يتنكر في شخصيات متعددة.
  • كما يطلق عليها البعض مصطلح المجتمعات المُتَخَيَلَة وتشير إلى تلك الأنماط المنفصلة من العلاقات والأدوات والمعايير والنظم واللغات التي تتطور بواسطة الافراد خلال عمليات الاتصال المباشر على الخط.

ويمكن تحديد المقصود بالمجتمع الافتراضي اجرائياً على النحو التالي: تجمعات اجتماعية بين جميع فئات الشعب عبر شبكة الانترنت وخاصةً فئة الشباب، لا تربطهم أُطر جغرافية أو مكانية ولكن تجمعهم اهتمامات مشتركة، ويجمع تلك الأنماط منفصلة في مناقشات وتفاعلات تتفق مع اهتماماتهم المشتركة ومتمثلة في مناقشة قضايا الظلم والفساد والقهر والاستبداد وانعدام العدالة وسوء الأحوال الاقتصادية والمعيشة التي يعاني منها الشعب المصري لمدة تصل إلى ثلاثين عاماً، وحرية التفاعل والاتصال ومنظومة المعايير والنظم واللغات تكاد تكون مُتقاربة وهى كانت بعيدة عن رقابة أجهزة الأمن ولقد ساهمت تلك الحرية في الدعوة للتظاهر في يوم 25 يناير ثم تحولت تلك التظاهرات إلى ثورة سُميت بثورة 25 يناير.

المجتمع الافتراضي (إضاءات للثورة):

أتاحت الثورة المعلوماتية الفرص إلى تقليص التباعد الجغرافي مما أتاح الفرصة للاتصال بين أفراد يقفون على مسافات متباعدة ويجمع أفرادها نوع من الإحساس بالولاء والمشاركة فهي كما عرفها البعض بالتجمعات الاجتماعية فهي مجتمع حقيقي ومن الخصائص المميزة لتلك التفاعلات الافتراضية.

  • التواجد: يلزم متابعة الأفراد وتواجدهم في مناقشات تتفق مع اهتماماتهم المشتركة.
  • الفردية: ويقصد بها الانعزال عن السياق الاجتماعي المحيط بالفرد فالفرد المنخرط في التفاعلات الافتراضية (حتى لو كانت جماعية) إلا أنه يدخله بوصفه فرداً من أمام شاشة كمبيوتر خاصة تنقله من عالمه الواقعي إلى عالم افتراضي يودي ذلك إلى ما يمكن تسميته عند التجاوز في هذه التفاعلات أي نوع من أنواع الاغتراب وذلك في حالة انفصاله عن واقعه الحقيقي.
  • الانقطاع: الإفراط المستمر في تكوين علاقات داخل المجتمعات الافتراضية يؤدي إلى قطعية على مستوى اجتماعي (مثل انقطاع العلاقة مع الأصدقاء وجار السكن بل مع الأسرة أحياناً).
  • تعدد المراكز وتبادلها: فالعلاقات الافتراضية لا مركز لها وكلها علاقات قد تخرج من السيطرة فمن داخل المنتديات أو غرف المحادثات لا يوجد سلطة مركز يوجد الحديث فكل فرد يستطيع أن يكون مركز الجماعة في أحيان كثيرة كما تسمح هذه التفاعلات بتعدد المراكز في الوقت ذاته وتبادل الأدوار.
  • الإخفاء: إن العلاقات الاجتماعية الافتراضية في منظمات تجمعات خفية مجهولة الهوية إلا أن القليل فيها كالفرد الذي ينخرط في هذه التفاعلات له الحق أن يُخفي نفسه تحت مسميات مختلفة وهذه السمة تفرض تحديات نظرياً في دراسة هذه الجماعات الافتراضية التي قد تتعدد هويات أفرادها أو تُزيف في صور متعددة.
  • عدم التجانس: العلاقات في المجتمع الافتراضي ليست على وتيرة واحدة وليست ذكور فقط أو إناث فقط أو أطفال أو شباب ولكن أعمارها مختلفة ذات تباينات متعددة لا يشترط تجانسهم.
  • التمرد: حيث فتح الغطاء الافتراضي (الإنترنت) مجالاً جديداً للتمرد والحركات الثورية والتحررية فالتفاعلات داخل المجتمعات الافتراضية تقوم على الحرية وتخرج عن سيطرة الدولة ، فالمجال مفتوح في تلك المجتمعات للاتفاق على الثورات أو التظاهرات وعلى مناهضة بعض القضايا أو المطالبة ببعض الحقوق دون قيود المكان.
  • المشاركة (التجميع): حيث لعب الإنترنت دوراً في التأثير على العلاقات لأنه أتاح فرصة تكوين علاقات اجتماعية سهلة وساهمت في مشاركة نصيب من تلك العلاقات في تشكيل ما هو افتراضي على المستوى العالمي.

وهناك من الخصائص ما هو أكثر مما أتاح فرصة تكون تلك المجتمعات وتجميعها ساهمت بشكل أو بآخر تكوين ذلك المجتمع الافتراضي في جو من التفاعل والمشاركة وحالة من الانفصال والانفصال عن الواقع الحقيقي الذي يعايشه الفرد.

الاستبعاد الاجتماعي والمبرر التاريخي لقيام ثورة 25 يناير:

شهدت مصر في عقدي الثمانينات والتسعينات تراجعاً ملحوظاً للحياة السياسية وانحساراً لنفوذ الأحزاب والقوى السياسية نتيجة لعدة عوامل أبرزها الاستبداد السياسي الذي وصل إلى ذروته في مواجهة القوى السياسية في السبعينات وأوائل الثمانينات ومن ملامح الاستبعاد نذكر منها:

  • مقتل الشاب خالد محمد سعيد والشاب سيد بلال حيث تم تعذيبهم حتى الموت على يد اثنين من مخبري من الشرطة ولم يتم البت في القضية أو إثبات التهم مما أثار احتجاجات دون أن يصدر الحكم في القضية التي أثارت جدلاً كبيراً مثلت بدورها تمهيداً هاماً لاندلاع الثورة.
  • المواقع الاجتماعية عبر شبكة الانترنت حيث قام الشاب المصري وائل غنيم والناشط بإنشاء صفحة بعنوان “كلنا خالد سعيد” في المواقع الاجتماعية عبر شبكة الانترنت مما أثار احتجاجاً واسعاً أدت إلى مظاهرات يوم الغضب (في 25 يناير 2011) وكان ذلك له دور كبير في التنسيق مع الشباب لتفجير الثورة.
  • قانون الطوارئ: بموجب هذا القانون توسعت سلطة الشرطة وعُلقت الحقوق الدستورية وفُرضت الرقابة وقيد القانون بشدة أي نشاط سياسي غير حكومي مثل تنظيم المظاهرات والتنظيمات السياسية المرخص بها وحظر رسمياً أي تبرعات مالية غير مسجلة وبموجب أيضاً هذا القانون فإن للحكومة الحق في أن تحتجز أي شخص لفترة غير محدده بسبب أو بدون سبب ويمكن أيضاً إبقاءه في السجن دون محاكمة وهذا يتعارض مع مبادئ وأسس الديمقراطية والتي تتمثل في حق المواطنين في محاكمة عادلة وحقهم في التصويت لصالح أي مرشح.
  • الفساد وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خلال فترة الحكم: زاد الفساد في نظام حكم مبارك خاصة بوزارة الداخلية بسبب ازدياد النفوذ المؤسساتي الذي هو ضرورة لتأمين الرئاسة لفترة طويلة وأدى الفساد إلى سجن شخصيات سياسية وناشطين وشباب دون محاكمة ووجود مراكز احتجاز غير قانونية وغير موثقة فبإمكان أي فرد أمن أو ضابط أن ينتهك خصوصية أي مواطن في منطقته باعتقاله دون شرط بسبب قانون الطوارئ وقد أصدرت منظمة الشفافية الدولية (وهي منظمة دولية لرصد جميع أنواع الفساد بما في ذلك الفساد السياسي) وفي تقرير لها عن مؤتمر الفساد قيمت مصر ب(3.1) واستناداً إلى تصورات درجة الفساد من رجال أعمال الدولة حيث أن (10) تعنى نظيفة جداً و(5) تعنى شديدة الفساد وتحتل مصر المرتبة (98) من أصل (178) مدرج بالتقرير.
  • انتخابات مجلس الشعب: حيث أجريت تلك الانتخابات قبل شهرين من اندلاع الثورة وحصل الحزب الوطني على 97% من مقاعد المجلس أي أن المجلس خلا من أي معارضة تذكر مما أصاب المواطنين بالإحباط ومن ثم وصف الانتخابات بالمزورة ولأنها تناقض الواقع بالشارع المصري بالإضافة إلى انتهاك حقوق القضاء المصري في الإشراف على الانتخابات ومنع الأخوان المسلمين من المشاركة في هذه الانتخابات.
  • الفساد وتدني الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فترة حكم مبارك وسوء التعامل مع الزيادة السكانية: حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك منذ عام (1981) والذي كان له الأثر الكبير في التدهور الاقتصادي والاجتماعي على المصريين هذا بالإضافة إلى التراجع الملحوظ في مستوى التعليم وارتفاع معدلات البطالة وانتشار الجرائم في البلاد بالإضافة إلى زيادة في عدد السكان وما صاحبها من تدهور اقتصادي نتيجة فشل سياسات الدولة في الاستفادة من زيادة الأيدي العاملة وظهور جيل جديد من الشباب الكثير منهم من حملة الشهادات الجامعية لكنهم من غير وظائف مجزية.
  • تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل: فمنذ عام 2004 أبرمت مصر أربع عقود تقوم بموجبها بتصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل بسعر أقل بأضعاف من سعر السوق ويمتد العمل شهرة العقود في عام 2030، ولقد تسببت هذه العقود في أزمات سياسية كبيرة تحول المصريين بسبب معارضة خبراء وسفراء سابقين حيث أن التصدير يبدأ في حالة وجود فائض وهو ما لم يتوفر واعتبره البعض إهداراً للمال العام ومجاملة لإسرائيل فضلاً عما يشوبها من فساد وعدم شفافية.
  • قيام الثورة التونسية: فالنجاح الذي حققته الثورة الشعبية التونسية أظهر أن قوة الشعب العربي تكمن في تظاهره وخروجه إلى الشارع وأن الجيش هو قوة مساندة للشعب وليس أداة للنظام كما أضاءت تلك الثورة لدى الشعب العربي بقدرته على تغيير الأنظمة الجاثمة عليه وتحقيق متطلباته.

اكتمال دوافع الثورة وبداية الحشد الثوري في العالم الافتراضي – مراحله وأهم سماته:

من مراحل الحشد الثوري:

  • الدعوة للثورة: بدأت الدعوة إلى الثورة عن طريق الفيس بوك وتبنى هذه الدعوة مجموعة من النشطاء فيما يمكن تسميته بنخب المجتمع الشبكي وقام هؤلاء بتشجيع المشتركين في القوائم المختلفة إلى الانضمام إلى الثورة بما يشكل دعم الثورة وفاعلية الاحتجاج.
  • التعبئة والحشد الافتراضي الداعم للثورة: ولقد تحقق بشكل فاعل على خلفية أحداث الثورة المصرية فلقد تحولت التقنية التي شكلها الإنترنت إلى قوة اتصالية عبر الشبكات الاجتماعية سمحت بتعبئة الرأي العام داخل تفاعلات الفيس بوك للمطالبة بالحقوق المنقوصة في الواقع.
  • بلورة الأهداف: فمن خلال الحوارات المتواصلة حول قضايا الإصلاح المرتبطة بالثورة تبلورت مجموعة من الأهداف ورفعت مجموعة من الشعارات التي تحدد المطالب الثورية.
  • التحول من الحشد الافتراضي إلى الواقع: وتتمثل في النزول الفعلي للحشد في الميدان بما يشكل بدوره محفزاً للآلاف الذين لا يتفاعلون عبر الشبكات في الانضمام وبما يمكن من خلال وصف الحشود والتي تجمعت في أنحاء مصر على أنها ذات سمة شعبية.

ومن أهم سمات ذلك الحشد الثوري أو ثورة يناير الآتي: أنه حشد غير موجه لا يُعبر عن أيديولوجية محدد، ولا يمكن نسبته لحزب سياسي بعينه أو حركة اجتماعية محددة، وخالٍ من الإملاءات، اختفاء مظاهر الأنا عن الحشود وانتشار صور التضامن والتكافل والتلاحم بين المتظاهرين، غياب تأثير المال في توجيه المظاهرات، رفع الحشود صور بعض رموز الفساد في الحشود من باب التنديد والفضح لهم، التعبير عن المحلية في بعض التجمعات الشبابية أو بعض الطائفية المحدودة، تزايد المشاركة الأسرية في الحشود لا سيما بعدما كسرت الموجات المتتالية للثورة تجمعات الشرطة، المضامين الاجتماعية والاحتجاجات المعيشية في التظاهرة الاحتجاجية.

ومن هنا فإنه يمكن وصف سماتها بأنها: ثورة شعبية وليست عسكرية، ثورة سلمية وليست عنيفة، قصر المدة الزمنية التي حدثت فيها الثورة، ثورة قامت على الفساد الداخلي، ليس لها قيادة موحدة أو زعيم ملهم، تعتمد في أدواتها على التظاهرات المليونية، لا تسعى إلى السلطة، ارتباطها بأدوات الاتصال مجتمع المعرفة عبر الانترنت.

مرحلة الانحسار والتحول (الإجهاض):

في أعقاب ثورة 25 يناير أصبح على جميع المصريين في كل المجالات إعادة صياغة الحياة كتعويض يستحقه كل مصري عانى وجاهد وصبر – ويُعد الفيس بوك من أهم الوسائل التكنولوجية الحديثة التي أعتمد عليها الشباب المصري في قيام ثورة 25 يناير وأن المجتمع للافتراضي دوره في تنظيم ثورة 25 يناير من خلال الدعوة إلى الثورة ودعم الثوار وتشجيعهم للمشاركة في تنفيذ الثورة وأن المجتمع الافتراضي قد أسهم في تشكيل الاحتجاجات المؤدية إلى قيام ثورة 25 يناير وذلك من خلال إتاحة الفرصة لتشكيل تفاعلات ايجابية تتسم بسهولة التواصل عبر الانترنت.

إلا أن إسقاط نظام الحكم لم يتم بمعزل عن جميع منظومات الدولة العميقةـ فالمناداة بديمقراطية الحكم اقتصر دورها على إعادة الصراعات بين المصالح المختلفة من خلال طرائق سلمية مثل الحوار والمناقشات والتداول السلمي لبعض السلطات وأخرى عن طريق الانحياز والصد والتهديد والحشد وتتابعت تلك المنظومات جميعها لتصنع في مجملها منظومة القوة الشاملة مجسدة في السلطة العسكرية وأصبحت لها الآلية للتعامل الثوري مع أي تغيرات هيكلية أو أي مشكلات قد تطرأ داخل أي منظومة أو خارجها ومحلية كانت أم عالمية.

ومن العوامل التي ساهمت في إجهاض ثورة 25 يناير:

  • وجود ثورة مضادة لثورة 25 يناير ساهمت في استغلال بعض جهات الثورة لإجهاضها.
  • قيام بعض القنوات الفضائية الموالية للثورة المضادة بفبركة الأخبار التي تُثير الفتن بين أطراف الشعب وتناول الموضوعات بصورة مضللة.
  • اختيار عناصر شابة صغيرة السن وإظهارهم على أنهم فقط قيادات الثورة وتم اختزال الثورة فيهم فقط مما أضعف دور شخصيات كثيرة أكثر نضجاً من المشاركة في إنضاج الثورة.
  • وجود سلبيات للمجتمع الافتراضي أسهمت في إجهاض ثورة 25 يناير وأهمها كثرة الأكاذيب والشائعات المضللة ذات التأثير السلبي على الشعب المصري.
  • القيام بحملة عبر الانترنت مليئة بالشائعات والأكاذيب ضد بعض رموز الثورة ووصفهم بالعناصر التخريبية المحرضة.
  • قيام شرطة الانترنت بتتبع كل المقالات والآراء والمشاركات التي يكتبها الثوار ليسهل على السلطات فيما بعد التربص بهم.
  • إصدار القوانين والتشريعات التي تسمح بمراقبة جميع المواقع وحجب معظمها.
  • سعي الأنظمة العربية نحو عقد اتفاقيات عربية لمواجهة الآثار الثورة للشباب عبر شبكة المعلومات.
  • عقد المؤتمرات والملتقيات الأمنية لمكافحة المد الثوري عبر الإنترنت والتي شارك فيها رجال الأمن والقضاء وعلماء الاجتماع وخبراء تقنيات المعلومات.
  • إغلاق العديد من القنوات الفضائية المؤمنة بالثورة والمدافعة عنها بدعوة تمويلها من الخارج وبدعوى أنها تبث مواد إعلامية تسهم في بث الفتن والشائعات وتستهدف إسقاط الدولة المصرية.
  • تشكيل لجنة داخل التلفزيون المصري لفحص الفيديوهات ومحتوى مصادر الأخبار قبل عرضها لتجنب أي حديث ينتقد كل من الجيش والشرطة والقضاء.
  • إعداد برامج إعلامية تبث عبر القنوات الفضائية والتلفزيونية تهدف إلى خلق رأي عام مناهض للثورة وتمجيدها بل وتحميلها كل السلبيات والآثار الوخيمة للفساد المستشري في البلاد نتيجة سوء إدارة العسكر للبلاد.
  • إنشاء مؤسسات متخصصة تتولى تنظيم دورات تدريبية للمتخصصين في شبكة المعلومات بهدف التصدي لأي مداخلات أو منشورات أو حتى آراء ثورية على الانترنت.
  • التنسيق بين كافة الأجهزة الدولة لوضع ضوابط أمنية وقانونية للتعامل مع المترددين على الانترنت.
  • وضع المزيد من الضوابط والقيود على التراخيص للمواقع التي تناهض نظام الحكم بحجة محاربة الداعين لبث الفتنة والفرقة وإسقاط الدولة المصرية.
  • الدعوة عبر الأذرع الإعلامية للشئون المعنوية للقوات المسلحة إلى تكاتف جميع القوى السياسية والشعبية المساندة للعسكر من أجل الوقوف ضد أي آراء أو مداخلات تنتقد أجهزة الحكم أو رموز الدولة باعتبارها تهديدات للأمن القومي واتهام من يخرج عن ذلك بأنه ممول خارجياً ويعمل على إفشال البلاد.

ونخلص من ذلك إلى أن الثورات لا تقوم عبر الانترنت والمجتمعات الافتراضية فقط فالشباب المصري نجح في استخدام هذه الأدوات في الإعداد للثورة ولحشدها نظراً لوجود بيئة اجتماعية وسياسية مهيأة أيضاً للثورة تراكم فيها الفساد والظلم الاجتماعي وانتهاكات حقوق الإنسان فضلاً عن التفريط في دوره ومكانته.

وبالتالي نجحت أدوات الاتصال والتشبيك في عمليات الحشد الجماهيري وتفجير الثورة التي شارك فيها العديد من أفراد الشعب في محافظات الجمهورية المختلفة مما ساهم في تعبئة الحشد الكبير من أجل تحقيق مطالب الثورة وتحويلها إلى أعظم ثورة في تاريخ البلاد.

الوصاية على العالم الافتراضي:

لم يغب عن فكر الأنظمة العربية دور العالم الافتراضي في احتضان ثورات الربيع العربي وتهيئة المناخ الحاضن لها لذلك ناصبوها العداء وعملوا بشتى الطرق – بعدما أحكموا قبضتهم على واقع الناس- لبسط يد السلطة على عالمهم الافتراضي الذي يمثل مُتنفساً يتبادلون فيه همومهم ويتطلعون فيه نحو مستقبل خالٍ من تلك الأنظمة ينعمون فيه بالعيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

هنالك نوعان رئيسيان من الرقابة:

أولاً: الرقابة النشطة: وهي التي تقوم فيها السلطات بالتدخل فعلياً لمنع وصول منشورات ومواد معينة إلى الناس ، ويحتاج هذا النوع من الرقابة إلى الاستعانة بأدوات تقنية ومراقبين يتابعون ما تنشره مواقع الانترنت.

ثانياً: هو الرقابة الذاتية: ولعل هذا النوع من الرقابة هو الأكثر إشكالية لأن نجاحه يعتمد على خوف القائمين على المواقع من إغضاب السلطات فيمتنعون عن نشر مواد إشكالية لتجنب المواجهات الأمنية والإدارية والقانونية التى يقوم بها النظام الحاكم.

من صور الوصاية:

1) الحجب:

يُعد حجب جميع أشكال الاتصال بالانترنت شكل متطرف من الرقابة في معظم دول الشرق الأوسط ولكن وبما أنّ الحكومات تملك البنية التحتية للانترنت أو تتحكم بها ، فبإمكان حكومات هذه الأنظمة إغلاق الانترنت عندما ترى لذلك ضرورة ، فعلى سبيل المثال تم إغلاق الانترنت لمدة أسبوع خلال ثورة 25 يناير في مصر وقامت الحكومة السورية بشيء من هذا القبيل مؤخراً كما أقدمت الحكومة المصرية على السعي للسيطرة على تبادل الأخبار والمعلومات منذ مايو 2017 بدءًا بالمواقع التي تقدم محتوى خبريا وإعلاميا، والتي لم تكن تُسيطر عليها السلطة سواء عبر ملكيتها، كمواقع الصحف القومية، أو عبر علاقات تربط بين بعض من رجال الأعمال والأجهزة الأمنية في مصر.

وقد بدأ الحجب في مصر بحجب واحد وعشرين موقعًا جميعها تقدم محتوى صحافيا وإعلاميا باستثناء موقعين فقط، لاحقا ظلّ عدد المواقع في ارتفاع بما في ذلك المواقع الصحافية، حتى وصل عددها إلى عشرات المواقع، تتنوع بين المواقع الإخبارية والمواقع التابعة لقنوات فضائية والمواقع الصحافية المستقلة، بالإضافة إلى حجب 6 مدونات، وقد شملت قائمة المواقع الصحافية المحجوبة في مصر العديد من المواقع ذات الجمهور الواسع كموقع مدى مصر وجميع المواقع التابعة لقناة الجزيرة والعربي الجديد والمنصة ودايلي نيوز إيجيبت والبديل ومصر العربية، في حين احتوت القائمة أيضا على عدد من المواقع الإخبارية المحلية ذات الجمهور المحدود نسبيا، وهو ما يمكن أن يُفسَّر على أنه قرار من الحكومة المصرية بالسيطرة التامة على نوعية الأخبار التي تُنشر على الإنترنت، بما في ذلك التي يتم تداولها على نطاق محدود.

كما حجبت السلطات المصرية مواقع تقدم محتوى يتعلق بحقوق الإنسان، وقد وصل عددها إلى 12 موقع مثل موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وموقع منظمة هيومان رايتس وواتش ومنظمة مراسلون بلا حدود والمفوضية المصرية لحقوق والحريات ومرصد صحافيون ضد التعذيب..

2) اللجان الإلكترونية:

وهو عبارة عن تجنيد فرق عديدة من الشباب غالباً تكون تحت إمرة الأجهزة الأمنية لتقوم بملاحقة تدوينات الشباب ورموز الثورة والسياسيين المناوئين للحكم العسكري فتقوم بالمشاغبة عليهم من خلال التعليقات وكيل الشتائم والاتهامات والتشكيك وبث الشائعات وغيرها بهدف إثناء هؤلاء عن الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي أو التأثير عليهم لتغيير سياق تدويناتهم المزعجة للنظام أو لزعزعة ثقة متابعيهم وهو ما يعرف أحياناً بالذباب الإلكتروني.

3) التشويه المعتمد لرموز العالم الافتراضي:

وذلك من خلال شن حملات (سواء كانت في العالم الافتراضي نفسه أو من خلال الميديا العادية) تهدف إلى تشويه سمعتهم أو حتى اغتيالهم معنوياً عن طريق بث الأكاذيب عنهم وتلفيق الاتهامات لهم ، بل وفبركة صور لهم في أوضاع مُسيئة.

4) القرصنة الإلكترونية:

وفى هذه الوسيلة يقومون بسرقة حسابات لبعض الرموز وإعادة التدوين عليها بشكل مختلف مخاطبين جماهير هذه الرموز ، أو نشر مواد مسيئة أو سرقة بريدهم الإلكتروني وإساءة استخدام محتواهم أو ابتزازهم به ، أو استخدام حسابات مزيفة بأسمائهم تنشر مواداً أخرى غير أخلاقية أو تخالف نهجهم واتجاهاتهم.

5) فرض القوانين:

ومن خلال هذه القوانين – والتي غالباً ما يتم التوسع في تسميها بالجرائم الإلكترونية – تسعى السلطة إلى فرض حالة من الخوف على رواد العالم الافتراضي تخاطب النزعة الإنسانية فيهم التي تخشى الوقوع تحت طائلة العقاب جراء مخالفة القوانين بل وتضعهم – لا سيما الشباب منهم وصغار السن – تحت ضغط الولدين والأهل الذين يتجنبون تعسف السلطة وعقابها ، وقد بدأت دول عربية في تشريع تلك القوانين، وهى تهدف ممارسة الضغط على شركات الإنترنت لانتهاك خصوصية المستخدمين والناشطين السياسيين لتتمكن تلك الأنظمة بناء قاعدة بيانات خاصة بالنشطاء والسياسيين المعارضين للنظام لتتمكن لاحقاً من تعقبهم والتجسس عليهم ومن ثم إلقاء القبض عليهم وتلفيق الاتهامات والقضايا لهم وبالتالي مصادرة حرياتهم بالسجن أو الحبس أو زجرهم من خلال العقوبات المالية الكبيرة ، وقد تم التوسع في هذه القوانين في الدول التي أقرتها من خلال العبارات الفضفاضة مثل خطاب الكراهية والأمن القومي وتناول الشخصيات العامة بالنقد وخلافه إلى العقوبات المبالغ فيها كالحبس لمدد تصل إلى خمس سنوات أو الغرامة التي تصل إلى عشرين مليون جنيه مصري (كما ورد في النسخة المصرية).

ختاماً:

ستظل ساحة العالم الافتراضي الرحبة والتي لا يتوقف الابتكار فيها يوماً بعد يوم مربعاً تحرص عليه الشعوب وبخاصة الشباب لتجد فيها عوضاً عن تغييب الحريات والعصف بها في ظل الأنظمة القمعية إلى أن تفرض الشعوب سيطرتها على عالمها الواقعي أيضاً لتتحقق لها السيادة الحقيقية على أرضها وثرواتها ضمن حلقات الصراع التاريخي بين الخير والشر وبين التبعية والاستقلال [1].

بعض أهم المراجع

  1. أحمد زايد، عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية، القاهرة، عالم الفكر 2003
  2. Bruce Bower: The social net science new، vol: 161، Issue:18،
  3. وليد رشاد زكي، المتغيرات الفاعلة في العالم الافتراضي، تحليل سيسيولوجي، المؤتمر السنوي الحادي والعشرون للبحوث السياسية، مركز البحوث السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2007.
  4. ماهر سليمان وآخرون، أساسيات الانترنت، دار الرضا للنشر، 2000.
  5. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد (265) المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت، 2001.
  6. نادر عطا الله، دعاء الدجائي، العملية التعليمية في عصر الانترنت، 2001
  7. فاروق سيد حسن، الانترنت – الشبكة العالمية للمعلومات، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.
  8. Pawlack، : correlates of internet use and addiction in adolscents. DAJ(A)، vol. 63، No: 5.
  9. سعيد اسماعيل، التعليم والإعلام ، عالم الفكر، المجلد الرابع والعشرين، العددان الأول والثاني، يوليو، سبتمبر، أكتوبر، ديسمبر، 1995.
  10. وليد رشاد، المواطنة في المجتمع الافتراضي، تأملات نظرية على مرجعية الواقع المصري، وفي عمل مقدمة للمؤتمر السنوي الحادي عشر، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة، 2009.
  11. هناء الجوهري. استجابات الشباب المصري لشبكة الانترنت. أعمال للندوة السنوية السابعة لقسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 2000.
  12. عدنان الفرح، الادمان على الانترنت لدي مرتادي الإنترنت في الأردن ، مجلة العلوم التربوية والنفسية 2004
  13. علا الخواجة، استطلاع رأي الشباب حول استخدام الانترنت، مجلس الوزراء، مركز دعم واتخاذ القرار، مركز استطلاع الرأي العام، القاهرة.
  14. سعيد بن سعيد ناصر حمدان، دور المؤسسات الاجتماعية في الوقاية من جرائم الانترنت في ظل متحولات العولمة، دراسة اجتماعية تحليلية، مؤتمر تقنية المعلومات، الأمن الوطني، الرياض، 2007.
  15. ابراهيم اسماعيل عبده، عولمة تكنولوجيا المعلومات وواقع التوظيف المجتمعي للأنترنت، دراسة تحليلية من منظور سيكولوجي، المؤتمر العلمي الدولي الثاني والعشرون، كلية الخدمة الاجتماعية، جامعة حلوان، 2009.
  16. عبد المنصف حسن علي رشوان، ممارسة العلاج القصير في خدمة الفرد للمساهمة والحد من الآثار السلبية للتعامل مع الانترنت، المؤتمر العلمي الدولي الرابع والعشرون، كلية الخدمة الاجتماعية، جامعة حلوان، 2011.
  17. سامي طايع، استخدام الانترنت في العالم العربي، دراسة ميدانية على عينة من الشباب العربي، المجلة المصرية لبحوث الرأي العام، العدد (41)، 2000.
  18. نائلة ابراهيم عمارة، استخدامات الانترنت والتفاعل الاجتماعي لدي الشباب الجامعي، دراسة ميدانية، الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنت موقع HTTP://www.biboslam.net).
  19. منصور بن عبد الصمد بن عسكر، دور المؤسسات الاجتماعية في التبصير من جرائم تقنية المعلومات، الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنت موقع HTTP://www.daralhavat.com.larab)
  20. ريم اسماعيل عبود، استخدامات طالبات الجامعات في مصر وسوريا لشبكة الانترنت والاشباعات المختلفة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الإعلام، 2004.
  21. عبد اللطيف حسين فرج، توظيف الانترنت في تعليم ومناهجه، المجلة التربوية، مجلد (19)، عدد(74) مجلة النشر العلمي، الكويت، 2005.
  22. نبيل علي حجر، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، القاهرة، عالم المعرفة، 2001
  23. بسيوني ابراهيم حمادة، حرية الإعلام الالكتروني الدولي وسيادة الدولة، كراسات التنمية، مركز الدراسات وبحوث الدولة النامية، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2001.
  24. محمد محي الدين، المشكلات النظرية والمنهجية للبحث السسيواثنوجرافي في المجتمعات المتخيلة، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 32، العدد (4). 2004.
  25. تشارلز تيلي، الحركات الاجتماعية، ترجمة ربيع وهبة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2004.
  26. فاروق محمد فهمي، اتجاهات حديثة في إدارة التغيير إدارة الأزمات، الإسكندرية، 17 مايو 2012.

[1] الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close