fbpx
تقديرات

العراق وسيناريوهات مبادرات التسوية السياسية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

قدم عمار الحكيم (رئيس المجلس الإسلامي الأعلى) مبادرة تصالحية جديدة أسماها ب”التسوية السياسية”، إلى المكونين العراقيين الآخرين، المكون العربي السنَّي والمكون الكردي، نيابة عن التحالف الوطني (الذي يضم كافة الأحزاب الشيعية)، وذلك في الوقت الذي توشك القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها، الانتهاء من موضوع تنظيم داعش، وتحقيق نصر عسكري كاسح عليه، هذا التنظيم الذي كان وقبل فترة وجيزة يمثل خطراً وجودياً للكيان الذي ينتمي إليه عمار الحكيم (حسب ما كان يتم الترويج له إعلامياً)، بينما واقع الحال أن عملية استيلاء داعش على الأراضي السنية والعمليات العسكرية التي تلتها لإخراج هذا التنظيم من تلك المناطق، أعطى للكيانات السياسية الشيعية والكردية مكاسب كان من الصعب تحقيقها لولا وجود هذا التنظيم. وهذه المبادرة كغيرها من المبادرات التي أطلقت بعد احتلال العراق سنة 2003، لم تستطع أن تضع يدها على الجرح الحقيقي في العراق، لان المشكلة التي يعاني منها العراق تكمن في الطبقة السياسية الحالية التي تقوده منذ 2003 ولحد الآن، وبالتالي أنى لهم أن يستطيعوا حل مشاكله.

 

أولاً: توقيت إطلاق المبادرة:

جاءت هذه المبادرة لتهيئة البلاد لمرحلة جديدة ولفرض الرؤية التي تتبناها الاحزاب الشيعية والمدعومة إيرانياً، لرسم سياسة واستراتيجية جديدة للبلد، ومحاولة ترسيخ هيمنة الأكثرية على الآخرين. لقد أسفرت المعارك مع مسلحي تنظيم داعش، عن تحطيم شبه كامل للحواضر السنيّة وتهجير لمعظم أهلها، إضافة إلى حالة الاستياء الذي نمت بنفوس العرب السنَّة اتجاه كل تجربة سياسية أو عسكرية تقوم بها النخبة السنيَّة، كنتيجة حتمية للتعامل الوحشي الذي تعاملت به داعش مع السنًّة طيلة السنتين التي حكمت بها مناطقهم. إنَّ الوضع الحالي الذي يعيشون به العرب السنّة بعد فترة داعش، هو الوقت المناسب لفرض الرؤية الإيرانية عليهم، من خلال هذه الوثيقة التي يطرحها التحالف الوطني الشيعي. فمدنهم مخربة والفقر والعوز والمرض متفشي بينهم، ويسكن الغالبية العظمى من أبنائهم في مخيمات النازحين أو في دول اللجوء. إنهم الأن على استعداد للقبول بأي شروط أو اتفاقات للتسوية تضمن لهم الرجوع لديارهم والعيش بأمان، حتى لو اقتضى ذلك المهادنة بعقائدهم أو حقوقهم السياسية أو السماح باقتطاع أراضيهم لصالح الشيعة أو الأكراد، وسيتم إقناعهم من قبل السياسيين السنَّة المندرجين في الاجندة الإيرانية، وبحجة أن (الواقعية السياسية!!!) تفرض علينا تقديم تلك التنازلات، ذلك لأننا لا نمتلك شيء حالياً، بينما هم يستولون على كامل البلد، وليس لنا من نصير لا دولياً ولا إقليمياً، وبالتالي فإن هذه الوثيقة هي طوقُ نجاة للعرب السنَّة قد أعطاها لنا الشيعة تكرماً منهم، بعد أن فقدنا كل شيء. وسيكون السياسيين العرب السنَّة عرابين لهذه الوثيقة وليس لديهم من خيار أخر. ولأجل ترسيخ واقعٍ يَصْعُبَ تغيره بفترة لاحقة، تم إشراك الأمم المتحدة بهذا الموضوع ممثلةً ببعثة الأمم المتّحدة لمساعدة العراق “يونامي” التي ستكون الراعي لتنفيذ بنود تلك الوثيقة ولكي تكون لهذه الوثيقة قوة الشرعية الدولية، والحيلولة دون الانقلاب عليها.

 

ثانياً: بنود الوثيقة

للوقوف بشكل تفصيلي على النقاط والبنود الواردة في مسودة هذه الوثيقة والتي نشرتها بعض المواقع الإخبارية، سوف نتناول بعضها ونعالجها بالبحث والتحليل لمعرفة آثارها ومخاطرها المستقبلية على العراق بشكل عام وعلى العرب السنَّة بشكل خاص:

1ـ جاء في النقطة ثالثاً من تلك الوثيقة ما نصه (التسوية الوطنية صيغة إنقاذية للعراق، وإنها الخيار الاستراتيجي الأفضل ليس فقط إنهاء الخلاف على قضايا الدولة بل تسعى لإعادة بناء الدولة)1.

وتوضح هذه النقطة بشكل جلي، أن الغاية من هذه الوثيقة هو الاتفاق على شكل الدولة وإنقاذها من الانهيار، فقد أثبتت السنوات التي حكموا فيها العراق على أنها من أفشل تجارب الحكم التي مرت على هذا البلد، وبشهادة كل المنظمات العالمية التي صنفت العراق دولة فاشلة بكل المقاييس خلال فترة حكم هذه الطبقة السياسية الحالية، (نشر البنك الدولي تقرير بعنوان “ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2016” وجاءت الاقتصادات التي تعاني من عدم الاستقرار في أسفل القائمة، ومن ضمنها العراق ترتيب 161)2 كما احتل العراق مركزاً متقدماً ضمن مؤشر التقييم السنوي لـ”الدول الهشة”، والذي يصدره “صندوق السلام”، وتنشره مجلة “فورين بوليسي”3.

وبالرغم من هذا فإنهم يستميتون بالدفاع عن هذا النظام الذي اسسوه بالتعاون مع المحتل الأمريكي والنقطة ثالثاً تفضحهم وتدلل عليهم أن الوثيقة ما هي إلا محاولة للخروج من الأفق المسدود الذي تمر به تجربتهم بالحكم في العراق.

2ـ جاء في النقطة رابعاً من هذه الوثيقة ما نصه (التفاهم مع كل القوى الفاعلة سواء أكانوا داخل أطر الدولة أم العملية السياسية أم خارجها بما فيها الوجودات السياسية والدينية والمجتمعية والمعارضة والجماعات المسلحة ضمن سقف الدستور (استثناء حزب البعث وداعش وكل كيان إرهابي وتكفيري وعنصري)، ويكون حسم تمثيلها بمشورة ممثلي التحالف الوطني).

فالوثيقة هنا تنص على أن التفاهم يجب يكون مع كل الأطراف التي تؤمن بالدستور الحالي وتتعامل معه، ويستثنون كل المعارضين الحقيقيين للعملية السياسية الحالية وبشروطها الحالية، وهي بذلك تدافع عن الدستور الحالي وتجعله مرجعية عليا للحكم بالرغم من التحفظات والخلافات الكبيرة التي أبدتها مكونات عراقية كثيرة عليه. فهم مثل الذي يتفاوض مع نفسه، وهذا بالضبط ما تريده أحزاب التحالف الوطني، تريد أطرافاً سياسية سُنية لا تملك التمثيل الحقيقي للسنّة، ويقبلون بما يُملى عليهم باسم (الواقعية السياسية كطرف خاسر) التي تضطرهم للقبول بالأجندة السياسية الإيرانية من خلال أحزاب التحالف الشيعي بحجة إننا لا قبل لنا بهم.

كما تفيد تلك النقطة إنَّ حسم تمثيل تلك المجاميع التي يتفاوض معهم التحالف يجب أن يتم اختيارهم من خلال المشورة مع التحالف الوطني، بما يعني إنهم هم الذين يختارون من يتفاوضون معه، وبالتأكيد سوف يختارون من يوافق على رؤيتهم وأجنداتهم. .

3ـ جاء في الفقرة سادساً من الوثيقة والتي سميت “المبادئ كثوابت للتسوية” أكثر النقاط جدلاً وتوضح بشكل جلي الرؤية الإيرانية لمستقبل العراق. حيث ورد في هذه الفقرة النص التالي (الإيمان والالتزام قولاً وفعلاً بوحدة العراق أرضاً وشعباً والحفاظ على سيادته واستقلال قراره وهويته ونظامه الديمقراطي البرلماني الفيدرالي ورفض تقسيمه تحت أي ظرف).

وهو عكس ما كانت تريده الأحزاب الشيعية في بداية تأسيس العملية السياسية الحالية بعد الاحتلال، حينها لم تكن قد احكمت قبضتها على البلد، فكانت تسعى للانفصال عن العراق لتأسيس دولة شيعية موالية لإيران، من خلال إصرارها مع الأكراد على تضمين الدستور موضوع تشكيل الأقاليم والتي كانت تريد من خلاله التمهيد لتحقيق تلك الرغبة، مثل ما كان يريد الاكراد تحقيق حلمهم بدولة منفصلة ومستقلة. ولكن وبعد أن سيطرت على مقاليد الحكم بالعراق بمعونة أمريكية وإيرانية، وجدت نفسها إنها قادرة على السيطرة على كل البلد من خلال إلغائها مكونات رئيسية فيه هم العرب السنَّة وكذلك تطويع الاكراد من خلال شق صفهم. فجاءت تلك الوثيقة لتؤكد على قطع الطريق أمام دعوات الانفصال الذي ينادي به الان الاكراد، وكذلك المعارضة السنيًّة حالياً.

4ـ جاء في الفقرة سادساً من الوثيقة أيضاً: “الالتزام بالدستور كمرجعية والاتفاق على عقد سياسي (تحت سقف الدستور) يوضح ويحسم القضايا الخلافية والمرحّلة والتنظيمية لشؤون الدولة التي يتم الاتفاق على ملفاتها”.

وهي فقرة تدافع عن الدستور الحالي وتجعله مرجعية عليا للحكم على الرغم من التحفظات والخلافات الكبيرة التي أبدتها مكونات عراقية على هذا الدستور الملغوم بفقرات كثيرة كرَّست الواقع الطائفي المستحدث لنظام الحكم في العراق، فبالرغم من ان الدستور هو أصلاُ مادة خلافية بين المكونات العراقية، جاءت الوثيقة لاعتباره مرجعاً لهذه التسوية السياسية.

5ـ في فقرة أخرى من تلك المبادئ تذكر الوثيقة: “الاعتراف الرسمي والملزم لجميع الأطراف بالعملية السياسية ومخرجاتها الامتناع عن ممارسة الازدواجية في المواقف تجاه شرعية النظام السياسي العراقي، بما في ذلك وقف التحريض ضد شرعية النظام السياسي القائم داخلياً وخارجياً”.

وهو رد شديد على كثير من الجهات المعارضة للعملية السياسية والتي تطعن بشرعية العملية السياسية القائمة في البلاد، تلك الشرعية التي اهتزت بشدة نتيجة الممارسات الطائفية والإقصائية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال الأمريكي ولحد الآن.

إن إدراج هذا المبدأ وإلزام المشاركين بعملية التسوية به، يدلل على حالة الخوف الذي تشعر به الطبقة الحاكمة الحالية، من الجهود التي تبذل في موضوع سحب الشرعية السياسية عن العملية السياسية التي يدار بها البلد، وهم بذلك يحاولون الحصول من جميع الاطراف على اعتراف صريح وواضح بشرعية العملية السياسية الحالية، وهذا ما تطلبه الاجندة الإيرانية.

كما أن هذه الفقرة تُلمح لبعض الأطراف السياسية المشتركة حالياً في العملية السياسية، سنيّة منها أو شيعيَّة، فهي من ناحية تلمز السياسيين السنَّة بأن اشتراككم في الحكومة يتوجب عليكم تبنَّي كل الإجراءات الحكومية، وعدم القيام بدور المعارضة للقرارات الحكومية، ومن ناحية أخرى هو تلميح للتيار الصدري بضرورة تحديد الجهة التي تعمل من أجلها، فالتيار الصدري ممثلاً في البرلمان والحكومة وبنفس الوقت يخرج بتظاهرات ضد الحكومة مطالباً بالإصلاح، جاعلاً من نفسه معارضاً لنظام الحكم الحالي.

6ـ ورد في الوثيقة وجوب (الإدانة الصريحة والواضحة لسياسات النظام البعثي الصدامي) وممارساته من مثل (التغيير الديموغرافي، ومعالجة آثار هذه السياسات. وتتولى الأمم المتحدة مشروعا لتنشيط الذاكرة بجرائم النظام السابق).

والهدف من هذا النص الحصول من المشاركين بهذه التسوية على اعتراف بأنَّ الأوضاع التي كانت قبل 2003 يجب ان تتغير، وبالأخص في موضوع التغير الديمغرافي، حيث يدَّعي الشيعة والأكراد، إنَّ صدام قام بتغير الخرائط الإدارية للمحافظات لصالح المحافظات السنية، فالواجب أن يتم إعادة تغير تلك الخرائط بما يحقق العدالة (وفق مفهومهم)، وهذا يعني اقتطاع أجزاء واسعة من محافظة الأنبار لصالح محافظة كربلاء وحرمانها من حدودها مع السعودية، ومساحات واسعة من محافظة الموصل لصالح الاكراد، بالإضافة للحصول على محافظة جديدة للشيعة من الموصل في مناطق تلعفر والأراضي المحاذية لسوريا، كما ويتم اقتطاع أراضي واسعة من شمال محافظة ديالى لصالح الاكراد، ومن جنوب المحافظة لصالح الشيعة. وكذلك الحال بالنسبة لمحافظة صلاح الدين واقتطاع منطقة “طورزخورماتوا” ومناطق بلد والدجيل.

كما عبرت الوثيقة بشكل أكثر صراحة عن هذا الموضوع حينما أوردت فقرة مفادها (رفض جميع أشكال التغيير الديمغرافي التي مارسها النظام البعثي الصدامي). وكلفت الوثيقة، هيئات الأمم المتحدة للقيام بدور تذكير الشعب العراقي بالجرائم التي أقترفها نظام صدام حسين، ويقصدون بذلك الجرائم التي اقترفها السنَّة بحق الشيعة والاكراد لآنهم يعتبرون النظام الصدامي كان سنيَّاً.

وهنا نقول هل من يريد أن يتصالح يقوم بسن قانون يجعل الترويج والتذكير بكل مواضيع الاحتقان الطائفي جزءً من عمليات التصالح والتسوية بين الطوائف المختلفة بالعراق؟ إنهم بذلك يحملون السنَّة كل المآسي التي مر بها العراق وما زال يمر بها لحد الان، ويحملونهم جريرة ما فعله صدام.

7ـ فيما يتعلق بالثروات ورد ما نصه: “الالتزام بأنَّ النفط والغاز ملك لجميع العراقيين مع مراعاة المحافظات المنتجة وإنصاف المحافظات التي حُرمت بإجحاف طوال فترة النظام السابق، واعتبار المياه والأنهار والبحيرات والسدود ثروة وطنية لجميع العراقيين) يتم فيها مراعاة المحافظات المنتجة لتلك الثروات، بما يعني مراعاة المحافظات الشيعية والكردية على وجه الخصوص وحرمان المحافظات السنيَّة من التمتع بتلك الثروات وهي عملية عنصرية حين يتم مفاضلة مواطن على مواطن وفق منطقة سكنه أو وفق قوميته.

كما تؤكد تلك الفقرة إعطاء الحق بامتيازات للمحافظات التي حُرمت وقت النظام السابق وهي إشارة للمحافظات الشيعية والكردية على الرغم من نظام صدام قد وزع الظلم والحرمان بالتساوي على كل المحافظات، وهنا يثار السؤال: لماذا لم يتم إدراج المحافظات التي تم تهديم كل معالمها الحضارية تحت حكم هذه الطبقة السياسية الحالية؟ فالمحافظات السنيّة حالياً هي محافظات منكوبة وباعتراف الحكومة نفسها، بعد أن أصبحت ساحة للمعارك بين تنظيم داعش وبين القوات الحكومية والمليشيات.

وتشير هذه الفقرة إلى إنَّ الأنهار والسدود والبحيرات هي ثروة وطنية لكل العراقيين ولا يسمح بالتصرف بها، وهي إشارة إلى عدم تمتع المحافظات السنيَّة بحق التصرف بتلك الثروات أسوة بالمحافظات التي فيها ثروات نفطية وغازية، حيث إنَّ جميع الثروات المائية تقع بالمحافظات السنيَّة حصراً أو تمر بأراضيها، وبالتالي فإنها تلغي حقاً استراتيجياً للسنَّة من التمتع به.

8ـ نصت الوثيقة على: “سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وعدم السماح بوجود كيانات مسلحة أو ميليشيات خارج إطار الدولة، ومواجهة الخارجين على القانون دونما تمييز”.

وقد استبقت الأطراف الشيعية وقبل مناقشة هذه الوثيقة إلى إصدار قانون الحشد الشعبي وهو كيان عسكري مسلح مؤلف من عشرات المليشيات الشيعية ذات الولاء الإيراني، وتم دمجهم ضمن الدولة العراقية وبمعزل عن الجيش العراقي ليشكل قوة رديفة وموازية للقوات المسلحة العراقية ولكن بولاء طائفي وليس وطني. بعد ذلك جاءت هذه التسوية السياسية لكي تحول دون تفكيك وحل هذه المليشيات كونها قوات حكومية وشرعية، كما يهدف هذا المبدأ إلى قطع الطريق على فصائل المقاومة الوطنية المسلحة التي قاتلت الاحتلال الأمريكي وأجبرته على الانسحاب، وتعطي هذه الفقرة تفوقاً عسكرياً ظاهراً للشيعة على حساب الجيش العراقي الذي سيتم تحجيمه والحد من قدراته العسكرية، لا سيما وأن الفقرة ذاتها تدعو إلى تطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية والتي سوف تؤدي إلى انحسار الغالبية الشيعية في الجيش العراقي الحالي.

9ـ وردت فقرة تخص الانتماءات الدينية (والالتزام العلني والفعلي باحترام المعتقدات الدينية والمذهبية لجميع العراقيين، وعدم المساس بالمرجعية الدينية والرموز الدينية الأخرى).

هذه الفقرة تم تفصيلها وفق المقاسات الشيعية بشكل خاص، حيث أن الجميع، ما عدا الشيعة، ليست لديهم طقوس دينية ظاهرة وتؤثر على الحياة اليومية. فالجميع يمارسون عباداتهم وطقوسهم ضمن معابدهم ومساجدهم، إلا الطائفة الشيعية التي تتخذ من الشوارع والساحات العامة وقبور الأولياء كأماكن تمارس بها شعائرها الدينية. وبالتالي فإنها تريد ومن خلال هذه الطقوس إضفاء الطابع الشيعي على الدولة والبلد بشكل عام. وإلغاء أية مظهرية أو وجود للطوائف والاديان الأخرى.

10ـ وردت فقرة تخص سياسة التعليم في البلد، تنص على (صياغة المناهج التربوية والتعليمية بما يضمن إزالة مناهج التكفير والإقصاء والكراهية بحق الإنسان مطلق الإنسان، والتزام العملية التعليمية بتعرّف العراقيين على رموزهم ومعتقداتهم وتراثهم الديني والثقافي والتاريخي كجزء من خصوصيتهم).

وعلى الرغم من ضبابية الفقرة إلا أنها تدلل وبشكل واضح نية الطبقة السياسية الحالية التدخل وبشكل كبير في موضوع التعليم وإبعاد وإقصاء التعليم وفق عقيدة أهل السنَّة على اعتبارها عقائد تكفيرية لا تلائم التعليم في العراق، والزج بكل مفاهيم التشيع في تلك المناهج عمداً لتهيئة الشعب العراقي للتشيع بشكل كامل.

11ـ وردت فقرة تخص علاقة الأطراف المختلفة بدول العالم والإقليم (تلتزم الأطراف بإبعاد العراق عن ساحات الصراع الإقليمي والدولي وعدم تدويل ملفاته).

وهذه الفقرة من أكثر الفقرات التي تمس الاحزاب والمليشيات الشيعية حيث أن الحكومة العراقية والمليشيات متورطة بشكل كبير في احداث سوريا، كما وتعد نفسها بعد ان يستقر الوضع في الموصل، للتدخل بالشأن السوري بشكل واسع، إضافة إلى الشأن اليمني والبحريني وتنفيذ أجندة إيران فيها، وتُوضح تصريحات قادة المليشيات والمسؤولين الحكوميين بشكل جلي هذه السياسة من التدخلات بشؤون الأخرين، مثل تصريحات هادي العامري الذي قال بأننا سنتوجه إلى سوريا بعد الموصل.

إلا أن هذه الحكومة ستجد في حينها المبررات لهذا التدخل، من خلال التحجج بطلب الحكومة السورية من الحكومة العراقية للتدخل بشكل رسمي لدعم نظامه، وكذلك الحال في اليمن وغيرها من البلدان، إلا أن هذه الفقرة تحمل ضغوطات كبيرة على السنَّة والاكراد، فقد طالب الكثير من السياسيين السنَّة التدخل الدولي لحماية المكون السنَّي من بطش الحكومة الطائفية، وهذه الفقرة جاءت لتغلق الباب أمام هذه المحاولات من طرف السنَّة، كما وفيها أيضاً تحطيم لعلاقات الاكراد مع تركيا أو دول الخليج، التي بدا هناك تقارب كردي خليجي في الفترة الأخيرة.

 

ثالثاً: سيناريوهات محتملة

في سياق هذه النصوص وما يرتبط بها من تحليلات تبرز عدة سيناريوهات،

الأول: قبول التسوية السياسية

وذلك من جميع الكتل السياسية الممثلة للمكونات العراقية، مع بعض التعديلات التي لا تؤثر على جوهرها، وذلك لاعتبارات عديدة، أولها فيما يخص الأكراد فإن تلك الوثيقة لم تأتي بجديد لهم، كما أن معظم بنود الوثيقة تصب في صالحهم، إلا في بعض النقاط التي سوف يتوصلون إلى حلول لها، من مثل موضوع عدم الانفصال والإيمان بعراق واحد غير مجزأ، فالأكراد بقيادة مسعود البارزاني وبالرغم من توقه الشديد لإعلان الانفصال عن العراق بأقرب وقت ممكن، إلا أنه رجل سياسي محنَّك ويعلم إنَّ الأمر ليس بهذه السهولة وسوف يحتاج إلى وقت أطول وظروف دولية أحسن واقتصاداً وموارد مالية أوفر لكي يعلن بعدها الانفصال عن العراق، لذلك فمن المتوقع ان يقبل بهذه التسوية السياسية في الوقت الحالي، إلى أن تحين الظروف الموضوعية التي تساعده على التبرؤ من هذه التسوية وإعلان استقلال كردستان من العراق، فليس جديداً على البارزاني التنصل من اتفاقاته.

أما بما يتعلق بالعرب السنَّة فالسياسيين الذين داخل العملية السياسية الحالية والذين خارج العملية السياسية ليسوا في وضع تفاوضي جيد يسمح لهم بالاعتراض على تلك التسوية السياسية، وربما سوف يعترضون على بعض نقاطها لغرض تغييرها من باب حفظ ماء الوجه ليس أكثر، وقد راعى من كتب تلك الوثيقة أن يعلي سقف مطالبها تحوطاً للاعتراضات التي سيبديها العرب السنَّة أو الاكراد، ولكي يكون هناك مجال للتنازل عن بعضها دون المساس بجوهرها.  وهذا هو أكثر السيناريوهات المحتمل تحققها.

 

الثاني: تجاهل الوثيقة:

في هذا السيناريو يتوقع أن يكون مصير وثيقة التسوية السياسية كمصير كُل مبادرات المصالحة التي أعلنت عنها نفس الأحزاب الحاكمة منذ 2003، ولكنها كانت مجرد حبر على ورق ولم يتم تنفيذ أي بند من بنودها، وذلك لغياب روح المواطنة في كل الاحزاب المشتركة بالعملية السياسية، بل هو الولاء الطائفي إضافة إلى الولاء للمصالح الحزبية والشخصية التي تحكم سياسيات تلك الأحزاب، وبالتالي فإن هذه المبادرة الجديدة ستضيع بالمشاورات والمفاوضات بين الأطراف المختلفة، وستستغرق وقتاً طويلاً تحول دون تطبيقها أو الاتفاق عليها بسبب تطور الاحداث داخل العراق سلباً أو إيجاباً للطرف القوي والمسيطر حالياً.

 

الثالث: الرفض السني الكردي:

وهو السيناريو الأقل احتمالاً، ويفضي بأن تتخذ الكتل السياسية السنيّة والكردية موقفاً متشدداً من هذه المبادرة نظراً للحيف الذي وقع عليهم من قبل الطرف الشيعي وتفرده بالسلطة السياسية والعسكرية في البلاد، وستدخل البلاد في أزمات سياسية متعددة كما هو الحال منذ تأسيس العملية السياسية الحالية بعد سنة 2003.  وسوف يمضي الاكراد بمشروعهم الانفصالي مستغلين المكاسب التي حصلوا عليها على الأرض بمعاركهم مع داعش، وعلاقاتهم الدولية الجديدة فضلاً عن القديمة، بالأخص علاقاهم الجديدة مع دولة الامارات العربية التي أبدت استعدادها لتقديم المعونة للأكراد لمساعيهم للانفصال، حسب ما صرحت به مراكز دراسات موالية لدولة الامارات. أما العرب السنَّة فإنهم سوف يحاولون الحصول على الدعم الدولي لمساعيهم بالحصول على إقليم أو دولة منفصلة على ما تبقى لهم من أراضي يسيطرون عليها، وأن أكثر الرهان سيكون على دول الخليج العربي التي حالة تنافس مع النفوذ الشيعي في المنطقة (4).

———————————-

الهامش

(1) المدى برس/ صحيفة الكترونية الرابط

(2) مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية الرابط

(3) هامش 2 العربي الجديد الرابط

(4) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close