fbpx
دراسات

العسكريون والثورة: مراجعة في الأدبيات النظرية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أعاد الدور الذي قام به العسكريون في دعم أو مواجهة الثورات العربية طرح تساؤلات حول نمط العلاقات المدنية العسكرية في العالم العربي والدور السياسي للعسكريين لاسيما في ظل اختلاف موقف العسكريين في الدول العربية التي شهدت ثورات شعبية (تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا) من مطالب الإصلاح السياسي التي تبتها الشعوب العربية، ارتبط ذلك بتساؤلات عديدة حول أسباب هذا الاختلاف موقف العسكريين في الدول العربية؟ وأسباب تغير موقف العسكريين في مصر وتونس من دعم بقاء النظم السلطوية في السلطة لارتباط قيادتها بصلات وثيقة بالمؤسسة العسكرية إلى الحياد السياسي، ثم إلى دعم القوي الثورية؟ وما هي أسباب الانقسامات العسكرية حول تأييد بقاء النظام الحاكم ومعارضته في كل من ليبيا واليمن وسوريا؟

بالإضافة إلى تلك التساؤلات هناك تساؤل آخر أكثر أهمية حول إمكانية إدارة العسكريين لعملية انتقال ديمقراطي؟ وإمكانية خضوع العسكريين لسيطرة الساسة المدنيين المنتخبين وفق ما تقتضيه قواعد الديمقراطية عقب نهاية الفترة الانتقالية؟

يرتبط طرح هذه التساؤلات من جديد بمعضلة قديمة تصاعدت أهميتها مع نشأة الدول القومية وتأسيس الجيوش النظامية الحديثة التي تقوم على التجنيد الإجباري وهي إشكالية الدور السياسي للعسكريين، وتكمن هذه المعضلة في احتكار العسكريين للاستخدام الشرعي للقوة ولوظيفة الدفاع عن الدولة بما يجعلهم أكبر جماعات المصالح تأثيراً وتنظيماً في أي دولة وهو ما جعل عدد كبير من المنظرين لطرح تساؤل جوهري مفاده ” من يراقب حراس الدولة “[1] “Who Guards the Guardians?” ولقد كان هذا التساؤل الدافع الرئيسي لطرح أطروحات متعددة حول التأثير السياسي للعسكريين من حيث الواقع والضوابط الواجب وضعها لضمان عدم تجاوز العسكريين لدورهم في حماية الدولة إلى التدخل في الشؤون السياسية.

أولاً: العسكريون والثورة في أدبيات العلاقات المدنية العسكرية:

إن تتبع أدبيات العلاقات المدنية العسكرية يكشف عن أن الثورة ليست حاضرة بقوة في أي من الاتجاهات النظرية التي تحلل العلاقة بين مؤسسات الحكم السياسية (التنفيذية والتشريعية والقضائية) والمؤسسة العسكرية، لأن غالبية تلك الأدبيات تركز على العلاقة بين شاغلي السلطة السياسية- وتحديداً قيادات السلطة التنفيذية- والمؤسسة العسكرية، في حين لا تحظي العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع أو القوي السياسية والاجتماعية المكونة له سوي باهتمام ضئيل في إطار الأدبيات النظرية المتخصصة في العلاقات المدنية العسكرية ويمكن تأكيد ذلك من خلال استعراض لأدبيات العلاقات المدنية العسكرية.

1- الأدبيات التقليدية (نظريات السيطرة المدنية):

تعتبر الأدبيات الغربية العسكريين بمثابة تهديد لديمقراطية واستقرار النظام السياسي نتيجة احتكارهم للقوة العسكرية والمخاوف من إمكانية استخدمها لتحقيق الانفراد بالسلطة أو لتصفية معارضين سياسيين، إضافة إلى تعارض القيم العسكرية مع القيم الديمقراطية ومن ثم انبري منظري هذا الاتجاه في وضع كوابح وضوابط قانونية ومؤسسية وقيمية لضمان الحياد السياسي للعسكريين، وتحجيم النفوذ السياسي للمؤسسة العسكرية.

تعتبر أدبيات النظرية المؤسسية من أهم بدايات التنظير في العلاقات المدنية العسكرية وارتبطت بكتاب صمويل هنتنجتون “الجندي والدولة: نظرية وسياسات العلاقات المدنية العسكرية”، ويطرح هنتنجتون في هذا الكتاب الكلاسيكي عدة مبادئ لضمان الحياد السياسي للعسكريين أهمها الفصل بين المؤسسات السياسية والعسكرية والسيطرة المدنية الموضوعية بمعني تعزيز تخصص العسكريين في الشؤون العسكرية في مقابل خضوعهم لسيطرة السياسيين المدنيين اللذين يصلون للسلطة بصورة شرعية وعدم تدخلهم في الصراع السياسي. [2]

ولقد ترجمت الدول الغربية هذه المبادئ لمجموعة إجراءات سياسية لضمان الحياد السياسي للعسكريين أهمها

أ- وضع إطار قانوني ومؤسسي لتنظيم سيطرة المؤسسات السياسية المدنية على المؤسسة العسكرية

ب- تطوير آليات للمراجعة والرقابة على المؤسسة العسكرية

ج- خضوع العسكريين للسيطرة المدنية المباشرة من خلال تولي وزير مدني سياسي لوزارة الدفاع.

د- خضوع مستوي الإنفاق العسكري لسيطرة المؤسسات السياسية المدنية

ﻫ- سيطرة القيادات السياسية المدنية على شؤون تعيين وترقية وإقالة القيادات العسكرية.[3]

وكما يبدو واضحاً فإن كافة الآليات سالفة الذكر لا تعبر سوي عن واقع العلاقات المدنية العسكرية في الدول الغربية، أما الدول النامية فإن الفصل بين العسكريين والسياسيين غير ممكن واقعيا لما فرضته ظروف الاستقلال ونشأة تلك الدول من دور سياسي للعسكريين وتداخل بين السياسيين والعسكريين بصورة لا يمكن معها الفصل بين اختصاصات الطرفين. يضاف لذلك أن الاحتراف العسكري لا يمكن أن يكون متطابق مع الحياد السياسي، بل على النقيض – وعلي حد تعبير عاموس بيرلموتر- يعتبر أحد محفزات التدخل في الشؤون السياسية، لأنه يعني في أحد أبعاده تكوين جماعة مهنية ذات مصالح مشتركة تسعي لحمايتها من خلال الضغط السياسي.[4]

في مقابل نموذج السيطرة المدنية لهنتجتون طرح موريس جانويتز نموذجاً آخر يقوم على تأكيد السيطرة المجتمعية بمعني أن المؤسسة العسكرية تضمن تحقيق المصلحة العامة وتخضع في ذلك لتقييم المجتمع ورقابته وليس رقابة لسلطة السياسية فحسب ومن ثم فإن مخالفة أوامر السلطة السياسة فيما يتعلق بقمع المعارضة السياسية المدنية أو التدخل في الصراع السياسي لصالح الحزب الحاكم لا يعتبر انتهاك لمبدأ الاحتراف العسكري. ويشير جانويتز إلى التناقض ما بين استحالة تحقيق الحياد السياسي للعسكريين بالنظر إلى كونهم مواطنين لديهم تفضيلات سياسيه من جانب وضرورة الحد من تأثيرهم السياسي من جانب آخر ومن ثم وضع جانويتز آليات أخري للسيطرة على النفوذ السياسي للعسكريين، أهمها التنشئة السياسية المدنية للعسكريين وغرس القيم السياسية المدنية لديهم، وتنمية التزام العسكريين بالمسؤولية المجتمعية وإعادة تعريف دور العسكريين ليصبح مشابه لدور الشرطة وهو ما اصطلح جانويتز على تسميته constabulary army ، بمعني التزام الجيش باستخدام أقل مستوي من القوة بهدف خدمة المصالح الخارجية للدولة ويصبح من ثم أداة مجتمعية أكثر منه أداة سياسية تخضع للقيادات السياسية المدنية. [5]

وتثير أطروحات جانويتز إشكاليات متعددة حول المسؤولية المجتمعية للعسكريين والرقابة المجتمعية باعتبارها آليات تتسم بالسيولة وتسمح للعسكريين بممارسة نفوذ سياسي تحت مسمي حماية المصلحة الوطنية وفق رؤية المجتمع وليس السلطة السياسية، كما تثير تساؤلات حول الأوضاع السياسية التي تسوغ للعسكريين التدخل سياسيا أو حتى الانقلاب على السلطة والسيطرة على السلطة.

وعلي ذات المستوي يقدم بيتر فيفر نموذج التبعية لتفسير ضرورة خضوع العسكريين لسيطرة المؤسسات السياسية المدنية، حيث يعرف العلاقات المدنية العسكرية على أنها ” التفاعلات ذات الطابع التعاقدي بين القيادات السياسية والعسكريين بموجبها تفوض القيادات السياسية المنتخبة سلطاتها الدستورية في المجال الدفاعي للمؤسسة العسكرية في مقابل خضوع الأخيرة لرقابة وسيطرة السياسيين “[6] وبطبيعة الحال تثور خلافات بين السياسيين والعسكريين ناتجة عن رغبة العسكريين في الاستقلال بشؤونهم واستئثارهم بالمعلومات حول الشؤون العسكرية والاختلافات الجذرية بين قيم الثقافة العسكرية والقيم الليبرالية الديمقراطية ومن ثم طرح فيفر مجموعة آليات لضمان السيطرة المدنية على العسكريين أهمها:

– تقييد نطاق التفويض من خلال تحديد مستوي الإنفاق العسكري وحجم الجيش ومستوي تسليحه.

– إنشاء كيانات موازية للرقابة على العسكريين (لجان الأمن القومي في المؤسسات التشريعية – المراكز البحثية الاستراتيجية)

– الرقابة الدورية المستمرة من خلال جلسات الاستماع وتقارير التقييم

– الاحتفاظ بسلطة إنهاء التفويض وتقليص المهام وتغيير القيادات العسكرية [7]

ولا يمثل نموذج فيفر سوي إعادة إنتاج لآليات السيطرة المدنية على العسكريين في إطار مجتمع ديمقراطي مستقر وهو ما لا ينطبق على الأوضاع في الدول العربية على الرغم من تبني ذات الآليات في التعامل مع المؤسسة العسكرية، كما أن الاستاتيكية التي تتسم بها العلاقات المدنية العسكرية وفق هذا المنظور لا تتناسب مع واقع دور العسكريين في الدول النامية. 

وفق هذه النظريات فإن دور العسكريين في مواجهة ثورة مدنية يتمثل في التزام الحياد السياسي وعدم التدخل باعتبار الشؤون السياسية الداخلية خارج نطاق تخصصهم الوظيفي المتمثل في الدفاع عن الدولة ضد التهديدات الخارجية، ويعتبر التدخل لدعم القيادات السياسية المدنية أو مناوئتها انتهاك لمبادئ الاحتراف العسكري والسيطرة المدنية والحياد السياسي للعسكريين.

2- نظريات التشارك والتوافق المدني العسكري:

وتقوم تلك النظريات على انتقاد فكرة الفصل بين اختصاصات المؤسسات السياسية والعسكرية باعتبار ذلك الفصل غير واقعي ومن المستحيل تحقيقه سواء في الديمقراطيات الغربية أو في الدول النامية بالنظر إلى مصالح العسكريين التي تتطلب التدخل السياسي للحفاظ عليها وتفضيلاتهم السياسية النابعة من رؤيتهم للمصلحة الوطنية التي قد تتعارض مع توجهات شاغلي السلطة السياسية.

و من ثم طرحت ربيكا شيف رؤيتها تحت مسمي نظرية التوافق “concordance theory ” وهي نظرية تقوم على فرضيه مفادها أنه كلما بالغت المؤسسات السياسية المدنية في اعتبار المؤسسة العسكرية مؤسسة منفصلة ومحايدة سياسيا، كلما اتجه العسكريون للمزيد من التدخل في الشؤون السياسية ومن ثم فإن الحوار والتوافق والتركيز على القيم المشتركة بين النخبة العسكرية والسياسيين وليس السيطرة المدنية التقليدية هي الضمانات التي تكفل احتواء التدخل السياسي للعسكريين. وتنتقد ربيكا شيف تركيز النظريات التقليدية على العلاقة بين العسكريين والنخبة السياسية مشيرة إلى أن العلاقات المدنية العسكرية هي عبارة عن تفاعلات بين ثلاث فاعلين هي العسكريين والنخبة السياسية والمواطنين، ويتحدد نمط العلاقة بينهم وفق أربعة عوامل أساسية هي

1- التكوين الاجتماعي للعسكريين ومدي تمثيله لمختلف التباينات في المجتمع.

2- عملية صنع القرار السياسي وتحديداً درجة مشاركة العسكريين ومستوي الحوار بين مختلف الأطراف المجتمعية stakeholders

3- سياسات التجنيد العسكري ومدي اعتمادها على التوافق والتطوع وليس الإجبار

4- النموذج العسكري بمعني بنية المؤسسة العسكرية والقيم السائدة داخلها. [8]

و في السياق ذاته يطرح تشارلز موسكوز Charles Moskos نموذج آخر يقوم على التوافق الوظيفي وهو ما يطلق عليه النموذج الوظيفي occupational model للعلاقات المدنية العسكرية، حيث يري أن العلاقات المدنية العسكرية تتجه للتحول من علاقات تقوم على اعتبار الجيش مؤسسة لها هيكل منفصل وقواعد تنظيمية وثقافة مختلفة تعزز انفصاله عن المؤسسات المدنية والمجتمع، إلى اعتبار الجيش وظيفة ومهام يضطلع بها المجتمع للحفاظ على بقاء الدولة ومن ثم يتحقق التقارب بين المؤسسات المدنية والعسكريين ويتلاشي تهديد النفوذ السياسي للعسكريين ومن ثم يقدم هذا النموذج عدة مقترحات لعرقلة تحول الجيش إلى مؤسسة، أهمها الاعتماد بصورة أكبر على الاحتياط وتقليص حجم القوات المسلحة النظامية وتنشئة العسكريين على القيم والثقافة المدنية، والاعتماد بصورة اكبر على التكنولوجيا العسكرية بالإضافة إلى التصدي للروابط التنظيمية بين وحدات المؤسسة العسكرية من خلال الفصل بين الوحدات المختلفة.[9]

و في السياق ذاته أعاد دوجلاس بلاند طرح فكرة النموذج الوظيفي في إطار نموذجه حول التشارك في المسؤولية بين المؤسسات السياسية والعسكرية، حيث يشير إلى أن تحقيق السيطرة المدنية لا يمكن إلا من خلال تقسيم المهام والمسؤولية بين الطرفين بحيث يقتصر دور العسكريين على المشاركة في صنع القرار في الشؤون الدفاعية والعسكرية وحماية النظام السياسي من التهديدات الداخلية مع احتفاظ المدنيين بسلطة اتخاذ القرار والرقابة على العسكريين.[10]

ومن ثم يمكن القول أن نظريات التوافق والتشارك لا ترتبط أيضا بالحالة العربية فهي تستهدف أيضا تحقيق السيطرة المدنية على العسكريين من خلال آليات تتجاوز الآليات القانونية المؤسسية ذات الطابع الإستاتيكي مثل التوافق وتقاسم المهام والاختصاصات، ولكن هذه النظريات ذات قدرة تفسيرية محدودة حينما يتعلق الأمر بالنظم السياسية السلطوية التي استمرت لفترة طويلة بفضل تأييد لأسباب مختلفة تتعلق بالخلفية العسكرية لشاغلي السلطة ( وهو ما يعتبر أحد أشكال التداخل بين القطاعين المدني والعسكري) والامتيازات التي يمتع بها العسكريين والحفاظ على مستوي مرتفع من الإنفاق العسكري بصورة مستمرة، هذا التأييد تلاشي أو لم يعد موضع إجماع بين العسكريين عقب الثورات الشعبية العربية وهو ما يثير تساؤل لا تجيب عليه النظريات سالفة الذكر حول أسباب هذا التحول في موقف العسكريين في الدول العربية.

ثانياً- تحليلات التدخل السياسي للعسكريين

قد يكون تفسير تحول موقف العسكريين في بعض الدول العربية من التحالف مع القيادات السياسية السلطوية وتأييد بقائها في السلطة إلى الامتناع عن الدفاع عنها في مواجهة الثورات ممكناً إذا ما تحولنا لاستعراض الأدبيات التي تقوم على تحليل محفزات ومستويات التدخل السياسي للعسكريين Political Interference، تركز هذه الأدبيات على تفسير التدخل السياسي للعسكريين وأسباب حدوث الانقلابات العسكرية خاصة في الدول النامية التي لم يتمكن النظام السياسي بها من إرساء قواعد مؤسسية واضحة للعلاقات المدنية العسكرية، كما تفسر التدخل السياسي للعسكريين حتي في ظل مؤسسات عسكرية راسخة تتسم بالاحترافية وفق مفهوم هنتنجتون. من أهم الأدبيات في هذا الاتجاه، كتاب صمويل فينر، ” الرجل على ظهر الحصان: دور العسكريين في السياسة ” وكتاب دونالد هورويتز Donald Hurwitz ” نظريات الانقلاب ودوافع العسكريين “. [11]

1- محفزات ودوافع التدخل السياسي للعسكريين

تقوم الأدبيات في هذا الاتجاه بدراسة التدخل السياسي للعسكريين باعتباره واقع يحدث في كافة النظم السياسية بدرجات متفاوتة، هذا التفاوت يرتبط بعدة عوامل تجعل التدخل السياسي للعسكريين أكثر احتمالية.

  • مؤسسية التنظيم العسكري: حيث تتميز التنظيمات العسكرية عن نظيرتها السياسية بعدة خصائص أهمها مركزية القيادة والهيراركية والانضباط وارتباط السلطة بالجدارة وغياب شخصنة السلطة مقارنة بنظيرتها السياسية التي تقوم على الموائمات والصراعات والفساد السياسي أحيانا وهو ما يترتب عليه نتيجتين هما تصاعد قوة وتأثير العسكريين في النظام السياسي باعتبارهم منتمين للمؤسسة الأكثر تماسكاً به وغياب ثقة العسكريين في المسئولين السياسيين المدنيين. [12]
  • الأخلاقيات العسكرية: ارتبط المنتمين للعسكرية تاريخيا بعدة أخلاقيات مثل الشجاعة والنظام والانضباط والوطنية والاعتماد على الذات بما يمكن اعتباره رأس مال سياسي يعزز من مكانتهم في المجتمع ومن تأييد الرأي العام لتدخلهم السياسي.
  • الاحترافية العسكرية: فعلي نقيض رؤية هنتنجتون للاحتراف العسكري باعتباره أحد آليات منع التدخل السياسي للعسكريين، فإن صمويل فينر يعتبره أحد محفزات تدخل العسكريين في الشؤون السياسية لأن الاحتراف العسكري والتأكيد على انفصال العسكريين عن المجتمع يؤدي لتعزيز إدراكهم لانتمائهم المهني ومصالحهم المشتركة وهو ما يشير إليه فينر تحت مسمي Syndicalism أو الانتماء النقابي. ويترتب على تصاعد مستوي الترابط المهني بين العسكريين تصاعد اتجاههم للتدخل السياسي لحماية مصالحهم، ويري فينر أن المصالح المشتركة للعسكريين تتمثل في: الحفاظ على مستوي إنفاق عسكري مرتفع ومستوي تسليح وتدريب عالي والاستقلالية في إدارة الشؤون التنظيمية والاحتفاظ بالامتيازات ومكانتهم الاجتماعية المتميزة. [13]
  • العقيدة السياسية للعسكريين: رؤية العسكريين لحدود دورهم السياسي وتعريفهم لدورهم في حماية الديمقراطية والمدنية أو اعتبار أنفسهم وسيط وحكم بين القوي السياسية المتصارعة، فعلي سبيل المثال شهدت الحالة التركية عدة انقلابات عسكرية من جانب المؤسسة العسكرية نتيجة عدم الاستقرار السياسي أو وصول الإسلاميين للسلطة وهو ما يعزي إلى رؤية العسكريين لدورهم كحماة للعلمانية، وعادة ما يوظف العسكريين شعارات من قبيل ” حماية الديمقراطية ” و” الدفاع عن المصلحة العامة ” و” محاربة الفساد ” لتبرير تدخلهم السياسي والتغلب على أزمة الشرعية لأنهم غير منتخبين.[14]
  • التكوين الاجتماعي للعسكريين: كلما تركز انتماء العسكريين لطبقة معينة أو أقلية دينية أو مذهبية أو عرقية، كلما كانوا أكثر ميلاً للتدخل السياسي لحماية مصالحهم الطبقية أو الفئوية وفي هذا الصدد يفسر أوغسطس نورتون وعليالفنه، انقلاب العسكريين على النظام الملكي في مصر في 23 يوليو 1952 بفتح المجال لأبناء الطبقة الوسطي للانتماء للمؤسسة العسكرية عام 1936 بما ترتب عليه انقسامات طبقية في صفوف الضباط أسفرت عن تكوين حركة الضباط الأحرار كممثل لمصالح أبناء الطبقة الوسطي. [15]

و يمكن تفسير مساندة غالبية وحدات الجيش السوري لاستمرار حكم بشار الأسد واستخدامهم القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين بانتماء غالبية ضباط وأفراد الجيش للطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد نتيجة استخدام الأخير للتحريض الطائفي وتحذيره من عدم استمرار العلويين في السلطة إذا ما تمت الإطاحة به وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن العلويين يعتبرون أقلية مقارنة بالسنة.[16]

2- متي يتدخل العسكريين في الشؤون السياسية؟

يري ادوارد ليتواك Edward Luttwak أن حدوث انقلاب عسكري يرتبط بتوافر مجموعة ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية تزيد من احتمالات تدخل العسكريين مثل حدوث أزمة اقتصادية حادة بتداعيات اجتماعية معقدة أو هزيمة عسكرية مفاجئة أو عدم استقرار سياسي في نظام متعدد الأحزاب. [17]وبالإضافة إلى هذه الأسباب، فإن تدخل العسكريين سياسياً يرتبط بتوافر مجموعة أخري من المسوغات تتمثل فيما يلي:

تصاعد اعتماد السياسيين على العسكريين:

علي الرغم من اعتبار كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخري وأن لجوء السياسيين لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق المصلحة القومية أمر طبيعي، إلا أن هناك جانب آخر للاعتماد على القوة العسكرية وهي تصاعد نفوذ العسكريين سياسياً وتدخلهم المستمر في عملية صنع القرار لضمان تحقيق الأهداف العسكرية، ويؤكد فينر أن تكرار الاعتماد على العسكريين لتحقيق أهداف الدولة يجعلهم مركز قوة في النظام السياسي خاصة في حالة تحقيقهم لنجاح متكرر في تنفيذ مهامهم والمثال الأشهر على ذلك هو الحالة الإسرائيلية التي تتمتع فيها المؤسسة العسكرية بمكانة اجتماعية وسياسية متميزة نتيجة الاعتماد المستمر على الأداة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية، ويمكن إضافة مثالي ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية والولايات المتحدة خلال الحرب الباردة إلى أمثلة ارتباط التدخل السياسي المكانة السياسية للعسكريين بدرجة اعتماد السياسيين على الأداة العسكرية في تحقيق أهدافهم.[18]

و ينتقد اليوت كوهين Eliot Cohen هذه الفرضية في إطار تحليله للعلاقات المدنية العسكرية خلال فترات المواجهات العسكرية، فمن خلال تحليله لسلوك القادة السياسيين خلال فترات الحروب، توصل إلى أن القادة السياسيين يميلون خلال فترات الخروب لفرض سيطرتهم على العسكريين بصورة متزايدة ويتدخلون تخصص العسكريين في ادارة العمليات العسكرية واعتمد كوهين في استنتاجه على تتبع السلوك السياسي لبن جوريون وروزفلت خلال فترات الصراع العسكري، وبمعني آخر فإن الدور السياسي للعسكريين يتوقف على مدي كاريزمية واقتدار القيادة السياسية باعتبار ذلك أحد عوامل تحجيم النفوذ السياسي للعسكريين.[19]

الأزمات الداخلية:

 كلما تصاعدت حدة الأزمات الداخلية الاقتصادية والسياسية كلما زادت فرصة العسكريين في ممارسة نفوذهم السياسي ويشير ليتواك إلى أن هناك حالتين تزيد فيهما احتمالات التدخل العسكري هما وجود صراع سياسي محتدم بين أطراف سياسية متكافئة في قوتها وعدم قدرة أي منها على حسم الصراع لصالحها والحالة الأخرى هي حدوث فراغ سياسي نتيجة عدم وجود أي قوة سياسية قادرة على اكتساب ثقة الرأي العام.[20]

تصاعد وتيرة التهديدات:

أشار هارولد لاسويل في نموذج الدولة الحاميةGarrison State إلى وجود علاقة طردية بين تصاعد مستوي التهديدات الخارجية والنفوذ السياسي للعسكريين وعلي حد تعبيره فإن ” عالم الدول الحامية يصبح فيه المتخصصين في العنف الجماعة الأقوى في المجتمع “، حيث يترتب على التهديدات الخارجية زيادة مستوي الإنفاق العسكري و التوسع في التجنيد الإجباري للمواطنين فضلا عن تصاعد دور القادة العسكريين في عملية صنع السياسة وهو ما يؤدي في المحصلة النهائية لتصاعد نفوذ العسكريين.[21]

علي النقيض يري ميتشيل داش Michael Desch أن ارتفاع مستوي التهديدات الخارجية يقترن عادة بتراجع احتمالات التدخل السياسي للعسكريين وعلي حد تعبيره فإن ” التهديدات الخارجية المتصاعدة عادة ما تجعل العسكريين أكثر قابلين للخضوع لسيطرة المدنيين ” وهو ما يعزوه إلى انهماك العسكريين في مواجهة التهديدات الخارجية بما يقلص اهتمامهم ونفوذهم على المستوي الداخلي، كما يؤدي استمرار التهديدات الخارجية لفترة طويلة إلى زيادة خبرة القادة السياسيين على المستوي العسكري ومن ثم تزيد قدرتهم على السيطرة على المؤسسة العسكرية. [22]

وفي المقابل أشار داش إلى أن تصاعد التهديدات الداخلية مثل الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي يؤدي إلى تصاعد النفوذ السياسي للعسكريين لأن هذه التهديدات تؤدي لانهماك السياسيين في موجهاتها لاسيما إذا ما ارتبطت باحتدام صراع سياسي بين شاغلي السلطة والمعارضين. إلا أن نموذج داش يفترض ضمناً وجود أعداء داخليين وخارجيين دائمين محددين سلفاً من جانب النخبة السياسية والعسكرية وهو ما يتعارض مع وجود مناطق رمادية متعددة في تعريف النخب السياسية والعسكرية للتهديدات ناهيك عن الخلافات التي تنشأ بين الطرفين في تحديدهم.

تآكل الشرعية السياسية للنظام الحاكم:

يشير براين تايلورBrian D. Taylor في دراسته للدور السياسي للجيش الروسي بين عامي 1689و 2000 إلى وجود علاقة طردية بين تآكل مصادر شرعية النخبة الحاكمة وميل العسكريين للتدخل في الشؤون السياسية، وكلما تصاعد رفض المواطنين لسلطة القادة السياسيين كلما زادت مستويات تدخل العسكريين سياسيا ويستدل على ذلك بتتبع حالات التدخل السياسي للعسكريين في روسيا مثل فترة الثورة البلشفية 1917 التي أعقبت الهزيمة الروسية في الحرب العالمية الثانية وقبيل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. [23]

3- مستويات وأنماط التدخل السياسي للعسكريين:

اختلف منظري هذا الاتجاه حول المدى الذي يصل إليه تدخل العسكريين سياسياً، حيث وضع هنتجتون نمطين متناقضين حديين للدور العسكريين سياسياً، هما النمط البريتوري الذي يسطر فيه العسكريين على السلطة السياسية والنمط الديمقراطي الذي يقوم على الفصل بين اختصاصات العسكريين والسياسيين وتطبيق مبادئ السيطرة المدنية والاحتراف العسكري [24]، وفي السياق ذاته يفرق صمويل فينر بين أربعة مستويات للتدخل السياسي للعسكريين وهي

  • التأثير في عملية صنع القرار من خلال الآليات الدستورية أو من خلال التحكم في تدفق المعلومات للسياسيين أو استخدام الدعاية وحشد الرأي العام لتأييد سياسة معينة لا يرغب السياسيين في تطبيقها.
  • الابتزاز: تهديد السياسيين بعدم التعاون في قضية بعينها أو التهديد باستخدام العنف في حال إقرار أو عدم إقرار سياسة بعينها وترتبط هذه الحالة بمحاولة تقليص الميزانية العسكرية في بعض الدول.
  • تنحية أو عزل الساسة: سواء من خلال الامتناع عن حمايتهم في مواجهة العصيان المدني أو التدخل لإجبارهم على ترك السلطة مع احلال آخرين وفق الترتيبات المنصوص عليها في دستور الدولة
  • الانقلاب العسكري: إجبار القيادة السياسية على ترك السلطة وتولي قيادات عسكرية للسلطة في الفترة الانتقالية.[25]

تفسر أدبيات هذا الاتجاه دوافع رفض العسكريين في مصر وتونس مساندة النظم السلطوية في مواجهة الثوار باعتبارها نتاج لعدة عوامل هي أن الجيش في الحالتين سالفتي الذكر يتمتع بدرجة عالية من المؤسسية والاحتراف العسكري والإدراك لمصالحهم الوظيفية وكيف أن مساندة النظام السلطوي يؤثر سلبا على مكانتهم الاجتماعية، كما أن تآكل شرعية النظام الحاكم دفعت العسكريين لاتخاذ موقف محايد، ويمكن تفسير دعم العسكريين لاستمرار الحكام السلطويين في سوريا واليمن وانقسامهم حول تأييد استمرار آخرين مثل معمر القذافي بغياب المؤسسية والاحتراف العسكري وقوة التحالف بين العسكريين والسياسيين فضلا عن سيطرة الأقلية أو القبيلة التي ينتمي إليها الحاكم على وحدات الجيش. إلا أن هذه الأدبيات لا تفسر استمرار العسكريين لفترة طويلة في كافة الحالات سالفة الذكر على وفاق تام مع الحكام السلطويين وعدم اعتراضهم على سياساتهم السلطوية أو تفشي الفساد السياسي في الدولة ومن ثم فإن دراسة هذا التحول تتطلب تجاوز مصطلح التدخل السياسي للعسكريين إلى مصطلح بديل وهو التداخل السياسي العسكري.

ثالثا:ً اتجاهات تحليل التداخل السياسي العسكري:

تركز أدبيات هذه الفئة على تحليل علاقات التحالف السياسي العسكري التي تؤدي لبقاء النظم السلطوية في الحكم أو مواجهة تهديدات دائمة لبقاء الدولة. نقطة البداية في هذه التحليلات عادة ما تكون مقولات موريس جانوويتز حول عدم واقعية الفصل بين اختصاصات وسلطات السياسيين والعسكريين وأن الخط الفاصل الذي يفترض هنتنجتون وجود هو خط وهمي تحكمي لأغراض التحليل ولكنه غير موجود في الواقع. ويشير مصطلح التداخل السياسي العسكري Civil Military Fusion إلى عدم وجود تحديد واضح لاختصاصات وصلاحيات النخبة السياسية والعسكريين ووجود نمط من أنماط الشراكة والتحالف بين الطرفين في الاضطلاع بمهامهم لتحقيق منافع متبادلة.

و تعتبر العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل بالنسبة لأدبيات هذه الفئة أوضح مثال تطبيقي على التداخل السياسي العسكري في حالة وجود معضلة أمنية دائمة، وهو ما يشير إليه ستيوارت كوهين في دراسته “تغير العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل: نحو جيش دفاع خاضع للمدنيين ” أن العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل لا يمكن تحديد خصائصها أو مجالات اختصاص وسلطات أطرافها وهو ما يعزوه كوهين لتغير طبيعة التهديدات الأمنية التي تتعرض لها إسرائيل وغياب قواعد دستورية قاطعة على توضح سلطات واختصاصات المؤسسات السياسية والعسكرية بما يجعل بعض العوامل مثل الخصائص الشخصية للقيادات السياسية والعسكرية وقدراتهم على التفاعل بإيجابية والأوضاع الميدانية ومتطلباتها وتوجهات الرأي العام تؤثر على العلاقات المدنية العسكرية وتحدد التغير بنمط التفاعلات الحاكم لها([26])   

و على ذات الصعيد نوهت جيورا جولدبرج، في دراستها المعنونة “العسكرة المتنامية للنظام السياسي الإسرائيلي، إلى وجود تغلغلاً كبيراً من جانب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في النظام السياسي الإسرائيلي، وهو الاستنتاج الذي توصلت إليه من خلال عدة مؤشرات مثل الاتجاه المتصاعد لتولي القادة العسكريين المتقاعدين لوزارات بحيث بلغ متوسط نسبة ذوى الخلفية العسكرية في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى حوالي 15.4% بين عامي 1990 و2002، فضلاً عن وصول نسبة رؤساء الأحزاب الإسرائيلية ذوي الخلفية الوظيفة العسكرية بين عامي 1990 و2002 إلى حوالي 40%. وأشارت جولدبرج إلى أن هذا التحول نحو “عسكرة النظام السياسي” أسفر عن عدة تحولات في النظام السياسي من بينها مركزية الأمن القومي بالنسبة للقادة السياسيين الإسرائيليين وشخصنة السلطة وارتباطها بالقيادات ذات الخلفية العسكرية وتراجع مكانة الأحزاب السياسية في النظام السياسي نتيجة للتواصل المباشر بين الرأي العام الإسرائيلي والقادة السياسيين ([27]

يتميز التداخل في الحالة الإسرائيلية عن الأوضاع في الدول العربية بغياب قواعد دستورية وقانونية تحدد اختصاصات المسئولين السياسيين والعسكريين بصورة دقيقة تحول دون تدخل أي من الطرفين في اختصاصات الآخر ومن ثم يكون اللجوء إلى التوافقات وحلول الوسط في مختلف القضايا الصيغة الأمثل لإدارة الخلافات بين الطرفين.

1- مؤشرات التداخل السياسي العسكري:

تعددت محاولات رصد التداخل السياسي العسكري في الأدبيات المتخصصة في العلاقات المدنية العسكرية، حيث يشير بيتر فيفر إلى أن المؤسسة العسكرية تظل قوية سياسياً حتى لو لم تتدخل سياسياً أو تسيطر على عملية صنع القرار، وفي إطار محاولات تحديد مستويات التداخل السياسي العسكري شرح ديفيد أولبريت David E. Albright ثلاث أنماط للتداخل السياسي العسكري هي قيام العسكريين الوساطة بين القوي السياسية المتصارعة وترجيح إحداها على الآخرين والنمط الثاني هو حماية العسكريين للحكم السلطوي والتصدي لمحاولات إسقاطه وأخيراً تولي العسكريين للسلطة السياسية سواء على مستوي رأس الدولة أو السلطة التنفيذية.[28]

من الحالات السابقة يمكن استخلاص عدة مؤشرات لقياس التداخل المدني العسكري في المنطقة العربية من أهمها:

  • مؤشرات التداخل السياسي
    • الخلفية العسكرية للقائد السياسي والنخبة السياسية.
    • مشاركة العسكريين المتقاعدين في المناصب الحزبية والوزارية
    • تمثيل العسكريين في المجالس النيابية المنتخبة.
    • منح حق التصويت للعسكريين
  • مؤشرات التداخل الأمني العسكري:
    • وجود كيانات شبه عسكرية تابعة للسلطة السياسية موازية للمؤسسة العسكرية.
    • وجود شرطة مدنية شبه عسكرية من حيث التسليح والتدريب والتجنيد الإجباري.
  • مؤشرات التداخل الاقتصادي العسكري.
    • مستوي مرتفع للإنفاق العسكري
    • مساهمة ملحوظة للمؤسسة العسكرية في الناتج المحلي الإجمالي والمشروعات التنموية المدنية.
    • تقديم المؤسسات العسكرية لخدمات للمدنيين (صحية وتعليمية) كبديل للمؤسسات المدنية.
    • غياب آليات للرقابة والمحاسبة البرلمانية على الموازنة العسكرية والأنشطة الاقتصادية العسكرية.

2- التداخل السياسي العسكري في الدول العربية:

شهد دور العسكريين العرب تحولات واضحة بداية من منتصف سبعينات القرن الماضي حيث تراجعت أنماط الحكم العسكري المباشر في غالبية الدول العربية بالتواكب مع السماح بتعددية سياسية مقيدة وتولي عدد من القيادات العسكرية الحكم في عدد من الدول العربية وسعيهم لتوطيد دعائم حكمهم من خلال تحييد دور الجيش سياسياً.

و يبدو التداخل السياسي العسكري واضحاً على مستوي القيادة، حيث ينتمي القادة السياسيين في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن إلى المؤسسة العسكرية، في حين يسيطر ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري بشار الأسد على الجيش وهو ما جعل عدد كبير ممن تعرضوا للحالة العربية بالتحليل مثل ديفيد سورنسون وستيفن كوك للربط بين استمرار هؤلاء الحكام في السلطة وولاء قيادات الجيش لحكمهم ومن ثم تأدية العسكريين لدور حراس النظام السلطوي.[29]

إلا أن هذه التحليلات أغلفت تراجع الدور السياسي للعسكريين نتيجة إجراءات تحجيم نفوذهم السياسي التي اتبعها الحكام في الدول العربية سالفة الذكر والتي من الممكن أن نفهم من خلالها ولو بصورة جزئية سلوك العسكريين خلال فترة الثورات العربية:

  • السيطرة السياسية على الجيش: فرضت الأنظمة العربية قيود مؤسسية وقانونية على الدور السياسي للعسكريين بدرجات متفاوتة من بينها التوسع في الاختصاصات العسكرية لرأس الدولة والتأكيد على خضوع المؤسسة العسكرية لقيادته المباشرة لاسيما فيما يتعلق بالموازنة العسكرية وتعيين وعزل قيادات الجيش.
  • السيطرة العائلية والقبلية: ومثال ذلك سيطرة أسرة الرئيس الأسد على قيادة الجيش وسيطرة الطائفة العلوية التي ينتمي إليها على قيادة الجيش، كما تسيطر قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها القائد الليبي على مؤسسات الحرس الثوري والحرس الرئاسي وتسري تلك القاعدة على غالبية دول الخليج لاسيما المملكة العربية السعودية. [30]
  • اختلاق الكيانات شبه العسكرية الموازية: أو بمعني آخر وجود مستوي مرتفع من التداخل الأمني العسكري، ويهدف هذا الإجراء لإيجاد موازن للقوة العسكرية للجيش بهدف حماية بقاء النظام الحاكم، ففي ليبيا اختلق العقيد معمر القذافي عدة هياكل شبه عسكرية تابعة لقيادته المباشرة وتضم غالبيتها عناصر من القبيلة التي ينتمي إليها وهي الحرس الشعبي والحرس الثوري والحرس الرئاسي وهي وحدات على مستوي عالي من التدريب والتسليح مقارنة بقوات الجيش النظامية[31]، وفي تونس قام الرئيس السابق بن على بإنشاء كيانات شبه عسكرية مثل الحرس الرئاسي والشرطة السرية ويصل عدد أفرادها 120 ألف فرد بمعدل 1.3 فرد أمن لكل 100 مواطن تونسي[32]، وفي مصر يوجد الأمن المركزي يصل عدد أفراده إلى حوالي 122 ألف مجند ومهمتها الأساسية التصدي لاحتجاجات معارضي النظام [33]و جهاز أمن الدولة تتلخص مهمته الأساسية في الحفاظ على بقاء النظام الحاكم في السلطة بما منح قياداته نفوذ واسع النطاق وتغلغل في كافة مؤسسات الدولة.
  • تقليص عدد أفراد المجندين والموازنة العسكرية: ففي تونس لجأ الرئيس السابق بن على إلى تقليص عدد أفراد الجيش التونسي ليصل إلى حوالي 36 ألف مجند فقط، وهو العدد الأصغر حجما في دول المغرب العربي[34]، بينما لا يتجاوز الإنفاق العسكري التونسي 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2009 بالمقارنة بمستوي الإنفاق العسكري المصري الذي يصل إلى 2.4 % من الناتج المحلي الإجمالي. [35]

و من ثم يمكن تفسير حياد العسكريين في مصر وتونس ورفضهم قمع الثوار حماية للنظام الحاكم بطبيعة القيود القانونية والمؤسسية والمالية التي خلقت هوة بين النظام الحاكم والعسكريين، فيما فشلت الكيانات شبه العسكرية في الدولتين في أداء وظيفة الحفاظ على بقاء النظام الحاكم، في المقابل أدت القيود العائلية والقبلية في ليبيا وتونس والبحرين إلى دعم العسكريين لبقاء النظام أو انقسام المؤسسة العسكرية بين مؤيد ومعارض لبقاء النظام السلطوي، بما أدي لإطالة أمد بقاء الحكام في السلطة ودعم قدرتهم في التصدي للثوار.

و على مستوي آخر يبدو الدور الاقتصادي للعسكريين واضحاً في حالة مثل مصر، حيث وصلت قيمة الإنتاج العسكري حوالي 4 مليارات جنية عام 2008 من بينها 1.8 مليار جنية منتجات مدنية، بالإضافة إلى مشاركة المؤسسة العسكرية في قطاعات الإنشاءات والاتصالات وتقديمها لخدمات صحية وتعليمية للمواطنين بما يجعل تداخل وظائفها مع المؤسسات المدنية أوضح من أي دولة عربية أخري[36]، ويمكن في هذا الإطار الربط بين الدور الاقتصادي القوي للعسكريين وامتناعهم عن التدخل السياسي طوال فترة حكم الرئيس السابق باعتباره نوع من الزبونية Clintelism  أو تبادل المنافع، بمعني إطلاق يد العسكريين في القطاع الاقتصادي وعدم فرض قيود أو رقابة برلمانية على الموازنة العسكرية في مقابل امتناعهم عن التدخل السياسي أو تهديد استمراره في السلطة.

وختاماً يمكن القول أن التداخل السياسي العسكري في الحالة العربية يقتصر على رأس النظام الذي يعمل باستخدام القيود المختلفة وآليات التداخل الأمني العسكري إلى محاصرة محاولات العسكريين للتدخل السياسي وإضعاف تأثيرهم، بينما يوظف آليات التداخل الاقتصادي العسكري لاستمالة العسكريين لدعم استمراره في السلطة من خلال تبادل المنافع ولا يمكن اعتبار الحالات العربية سالفة الذكر مثال على السيطرة المدنية الموضوعية لهنتنجتون لسببين أولهما أن رأس النظام غير مدني والسبب الثاني أن العسكريين لا يتمتعون بالاحتراف العسكري بسبب تدخل رأس النظام في اختصاصاتهم ودور الهياكل شبه العسكرية في إضعاف اقتدارهم العسكري، بما يجعل الحالة العربية أقرب إلى السيطرة المدنية الذاتية Subjective Civilian Control التي تقترن بإفراط العسكريين في التدخل في الشؤون العسكرية.

رابعاً: ملاحظات ختامية على دور العسكريين في الثورات العربية:

لم يكن العسكريين العرب طرفاً أساسيا في تفجير الثورات العربية في ظل عزوفهم عن التدخل السياسي نتيجة القيود المفروضة لتحجيم نفوذهم السياسي، وتراوح موقفهم ما بين الحياد والامتناع عن دعم النظام الحاكم في مصر وتونس والانقسام حول دعم النظام في ليبيا واليمن أو الدعم شبه الكامل للنظام في كل من سوريا والبحرين، وبنجاح الثورتين المصرية والتونسية وإلي حد ما الليبية في الإطاحة بالنظام الحاكم ورموزه ظهرت معضلة من نوع جديد تتعلق بمشاركة العسكريين في إدارة المرحلة الانتقالية ومدي إمكانية أن يقود العسكريين عملية الإصلاح الديمقراطي.

وتكمن معضلة المرحلة الانتقالية في التناقض بين تماسك وقوة المؤسسة العسكرية وتوافق قياداتها وتفكك التحالفات والائتلافات للثوار نتيجة خلافات حول أولويات المرحلة الانتقالية لاسيما في الحالة المصرية ومن ثم بات العسكريون المتحكم الرئيسي في مسار ووتيرة الإصلاح السياسي وهو ما يثير عدة إشكاليات:

الإشكالية الأولى: هل يمكن أن يدير العسكريين عملية انتقال ديمقراطي للسلطة؟

وفي هذا الصدد تتفق غالبية الأدبيات على أن تدخل العسكريين يعتبرون عقبة في طريق عملية التحول الديمقراطي نتيجة التناقض الجذري بين الديمقراطية والقيم العسكرية ذات الطابع السلطوي التي تقوم على طاعة السلطة وهيراركية التنظيم، ويضاف إلى ذلك عاملين هما غياب ثقة العسكريين في السياسيين المدنيين ومن ثم لا يعتمدون على الحوار في اتخاذ قراراتهم ولا يتعاملون مع القوي السياسية باعتبارهم شركاء والعامل الآخر هو احتكارهم للاستخدام الشرعي للقوة بما يحمل تهديد استخدامها في حسم الخلافات السياسية وتصفية المعارضين

وبمعني آخر فإن إدارة العسكريين لعملية التحول الديمقراطي يحمل في طياته مخاطر عديدة حول انحراف مسار عملية التحول الديمقراطي إلى تكريس بقاء العسكريين في السلطة ولو من خلال آليات للتدخل المنتظم والمتواصل في العملية السياسية عقب انقضاء المرحلة الانتقالية ومن ثم فإن مخاوف القوي السياسية الداعمة للثورة من استمرار العسكريين في إدارة المرحلة الانتقالية له ما يبرره في ضوء الاعتبارات سالفة الذكر.

الإشكالية الثانية تتعلق بالتفضيلات السياسية للعسكريين خلال إدارة الفترة الانتقالية، حيث يترتب على انخراط العسكريين في إدارة المرحلة الانتقالية أن تتشكل لديهم قناعات وتفضيلات حول القوي السياسية الأصلح لتولي السلطة بعد المرحلة الانتقالية نتيجة تعاملهم مع مختلف القوي السياسية وتقييمهم لأطروحاتهم السياسية وفي هذا السياق تثار شكوك حول علاقة الجيش بحركة الإخوان المسلمين ومدي صياغة ترتيبات المرحلة الانتقالية لتأتي في صالحها لاسيما التعجل في إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل إقرار الدستور الجديد.

الإشكالية الثالثة تتعلق بتفضيلات الرأي العام المصري في ظل الخيارات السياسية المتاحة، حيث نجح النظام السابق في خلق فراغ سياسي من خلال استقطاب عدد كبير من الكفاءات السياسية القادرة على القيادة واستبعاد عدد آخر منهم على أساس موقفهم من استمرار النظام السلطوي ومهادنتهم لرموز الحكم، ويضاف إلى ذلك نجاح النظام السابق في إضعاف الأحزاب السياسية وتفجيرها من الداخل بما خلق حالة من التشظي السياسي في مرحلة ما بعد الثورة، وقد يكون الخيار الأقرب للمواطنين هو الإبقاء على الأوضاع الراهنة أو على الأقل منح ثقتهم في الانتخابات لمرشح من أعضاء المجلس العسكري أو ممن يذكيهم أعضاؤه لدي الرأي العام وفي هذه الحالة ستتحول عملية الانتقال الديمقراطي إلى إعادة إنتاج للنظام السلطوي.

الإشكالية الرابعة: تربط باحتمالات حدوث انشقاقات في صفوف العسكريين نتيجة خلافات حول إدارة المرحلة الانتقالية أو سعي بعض القيادات العسكرية لتدعيم نفوذهم السياسي من خلال الخروج على صياغة المرحلة الانتقالية المتوافق عليها أو اختراق الالتزام بتسليم السلطة للمدنيين والانسحاب من الحياة السياسية عقب انتهاء المرحلة الانتقالية، هذا الانقسام قد يؤدي إلى عدم استقرار سياسي وأمني واسع النطاق بما يعوق استكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية.

الإشكالية الخامسة تتعلق بوضع العسكريين في النظام السياسي عقب انتهاء المرحلة الانتقالية، فإذا افترضنا نجاح العسكريين في إدارة المرحلة الانتقالية وتأسيس نظام ديمقراطي لتداول السلطة، فما هي احتمالات عودة العسكريين لثكناتهم طوعاً؟ وكيف يمكن إخضاعهم لسلطة المؤسسات السياسية المنتخبة؟ من المحتمل أن يستمر التدخل السياسي للعسكريين حتى بعد نهاية الفترة الانتقالية لما تخلل تلك الفترة من توطيد لعلاقات القيادات العسكرية بالنخب السياسية المختلفة بما قد يمهد لعلاقات تحالف سياسي عسكري جديدة كتلك التي أبقت القادة السياسيين في مصر وتونس في السلطة لفترة طويلة، حتى لو يحدث هذا السيناريو فمن المؤكد أن المؤسسة العسكرية ستظل مركز قوة في النظام السياسي وستظل حكماً بين القوي السياسية على الأقل في السنوات التي ستتلو انتقال السلطة لنخبة سياسية مدنية بما سيعوق فرض السيطرة المدنية والرقابة المؤسسية على نفقاتها وأنشطتها.


الهامش

[1] Thomas c. Bruneau , Scott D. Tolleson , Who Guards the Guardians and How Democratic Civil-Military Relations , Austin : University of Texas Press , 2006 , pp. 3-5

[2] Samuel P. Huntington, “The Soldier and The State: The Theory and Politics of Civil – Military Relations”, (Massachusetts: The Belknap Press of Harvard University Press, 1957), PP. 80 – 95.

[3] Sam C. Sarkesian, “Military Professionalism and Civil Military Relations in the West”, (International Science Review; Vol. 2, No. 3, 1981), PP. 283 – 287.

[4] Amos Perlamutter, “The Praetorian State and The Praetorian ِArmy: towards a Taxonomy of Civil Military Relations in Developing Polities, (Comparative Politics: vol. 1, No. 3, April 1969), PP. 382 – 386.

[5] Peter D. Feaver, “The Civil-Military Problematique: Huntington, Janowitz and the Question of Civilian Control,” Armed Forces & Society, vol.23, no.2, 1996,pp.149-178.

[6] Peter D. Feaver, Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations, Cambridge: Harvard University Press, 2003 , p.54

[7] Ibid.,pp.87-95

[8] Rebecca L. Schiff, The Military and Domestic Politics: A Concordance Theory of Civil-Military Relations, New York, New York: Routledge, 2008 , pp.32-34

[9] Charles C. Moskos, “Institutional/Occupational Trends in Armed Forces: An Update.” Armed Forces & Society ,vol. 12, no.3, 1986 , p.37

[10] Douglas L.Bland , “ a unified theory of civil military relations , Armed Forces &Society , vol.26 , no.1 , fall 1999, pp.9-12

[11] Samuel E. Finer, The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics, Colorado: Westview Press,1988 .

[12] Mazhar Aziz , “ Military control in Pakistan : the Parallel state” , New York : Routledge , 2008 , 27-32

[13] Samuel E. Finer , Op.Cit.,pp.23-28

[14] Nilufer Narli , Civil-military relations in Turkey, Turkish Studies:vol.1, no1, 2000, pp.114-117

[15] Augustus Richard Norton & Ali Alfoneh, “The Study of Civil-Military Relations and Civil-Society in the Middle East and North Africa” , in Carsten Jensen (ed.), Developments in Civil-Military relations  in the Middle East , Copenhagen : Royal Danish Defence College , 2008 , pp.8-11

[16]  الأسد يزيد اعتماده على قاعدة الدعم العلوية لسحق الاحتجاجات ، صحيفة الشروق المصرية ،5 مايو 2011

http://www.shorouknews.com/contentdata.aspx?id=447742

[17] Edward Luttwak, Coup d’Etat: A Practical Handbook, New York : Harvard University Press, 1979 , pp.13-25

[18] Samuel E. Finer , Op.Cit.,pp.72-74

[19] Eliot Cohen, Supreme Command: Soldiers, Statesmen and Leadership in Wartime , New York : Free Press , 2002 , p.229

[20] Edward Luttwak ,Op.cit., p.17

[21] Harold D. Lasswell , “ The Garrison State ” , The American Journal of Sociology, Vol. 46, No. 4 January 1941, pp. 457-459

[22] Michael C. Desch , Soliders , State and Structures : the end of the cold war and weakening U.S. Civilian Control ., Armed Forces & Society, vol.24, no.3 , Spring 1998 , pp.390-392

[23] Brian D. Taylor, Politics and The Russian Army: Civil-Military Relations 1689-2000 Cambridge University Press, 2003, pp. 6-30.

[24] Samuel P. Huntington, “The Two Worlds of Military Politics”, in Frank P. Horton, Anthony C. Rogerson, Edward L. Warner (eds.), “Comparative Defense Policy”, (Baltimore: The John Hopkins University Press, 1973), PP. 107 – 113.

[25] Samuel E. Finer , Op.Cit.,pp. 139,140

[26]Stuart A. Cohen, “Changing Civil Military Relations in Israel: Towards an Over Subordinate IDF?”, (Israel Affairs: vol. 12, No. 4, October 2006), PP. 676 – 788.

[27] Giora Goldberg, “The Growing Militarization of Israel Political System”, (Israel Affairs: vol. 12, No. 3, July 2006), PP. 377 – 394.

[28] David E. Albright, “Comparative Conceptualization of Civil – Military Relations”, (World Politics: Vol. 32, No. 4, July 1980), PP. 553 – 576.

[29] Steven A . Cook ,Ruling But Not Governing: The Military and Political Development in Egypt, Algeria, and Turkey , Baltimore : The Johns Hopkins University Press , 2007 , pp.73-75

– David S. Sorenson ,CIVIL-MILITARY RELATIONS IN NORTH AFRICA, MIDDLE EAST POLICY:VOL. XIV, NO. 4, WINTER 2007 , pp99-112

[30] Augustus Richard Norton & Ali Alfoneh, “The Study of Civil-Military Relations and Civil-Society in the Middle East and North Africa” , in Carsten Jensen (ed.), Op.Cit., p.13

[31] David S. Sorenson ,Op.Cit.,pp.109-111

[32]   إبراهيم اسعيدي ، دور المؤسسة العسكرية في الانتقال الديمقراطي بتونس ، موقع الجزيرة للدراسات ، 3 مارس 2011، الرابط

[33]  نص استجواب النيابة العامة لمساعد وزير الداخلية السابق لقطاع الأمن المركزي المصري  ، المصري اليوم ، 18 ابريل 2011 ، الرابط

[34]  إبراهيم اسعيدي، مرجع سابق

[35] SIPRI Military Expenditure Database , Stockholm International Peace Research Institute website http://milexdata.sipri.org/

[36]   الإنتاج العسكري المصري يتجاوز 700 مليون دولار ، صحيفة الخليج الإماراتية ، 17 أغسطس 2008، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Close