تحليلات

العقوبات الأمريكية على إيران وأحكام القانون الدولي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

إن التدابير الاقتصادية التي أصبح يصطلح عليها بالعقوبات الاقتصادية الدولية هي نوع من أنواع الجزاء الدولي في القانون الدولي . ومعناها وقف العلاقات الاقتصادية مع أفراد أو دول لتحقيق غرض إصلاح سلوك عدواني وحماية مصالح الدول الأخرى، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ولعل الهدف المشترك في كل حالات العقوبات الاقتصادية هو عقاب وتأديب الدولة.
ولقد أوردت المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة صور لبعض التدابير غير العسكرية على سبيل المثال لا الحصر، والتي من ضمنها (الحظر، الحصار البحري السلمي، المقاطعة). ويمكن القول إن الأساس القانوني للعقوبات الاقتصادية الدولية مستمد من ميثاق الأمم المتحدة في فصله السابع المواد (39- 41) والتي يتولى تنفيذها كل من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة. ولكن على الرغم من سلمية هذا الإجراء في ظاهره إلا أن باطنه مدمر نتيجة تضارب مصالح القوى الدولية، فهي وسيلة حربية بطريقة صامتة وغير مباشرة.
وفي سياق ذلك وكمثال العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب أو ما يصطلح عليه في القانون الدولي بالتدابير الاقتصادية على إيران . والتي انطلقت فعليا يوم 7 أغسطس 2018، وهذه العقوبات تمر عبر مرحلتين : المرحلة الأولى طبقت ابتداءً من التاريخ أعلاه، المرحلة الثانية بدأت في 5 نوفمبر 2018 .

تفاصيل المرحلة الأولى تتمثل في أنه1 :

  • لا يجوز لإيران استخدام الدولار الأمريكي في تجارتها .
  • فرض واشنطن عقوبات على الدول التي لا تلتزم بقرارها وتواصل تبادل التجارة مع إيران .
  • حظر تبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية .
  • حظر التعاملات التجارية المتعلقة بالمعادن النفيسة (الذهب خصوصا).
  • فرض عقوبات على المؤسسات والحكومات التي تتعامل بالريال الإيراني أو سندات حكومية إيرانية .
  • حظر توريد أو شراء قائمة من المعادن أبرزها الألومنيوم والحديد والصلب .
  • فرض قيود على قطاعي صناعة السيارات والسجاد في إيران .
  • حظر استيراد أو تصدير التكنولوجيا المرتبطة بالبرامج التقنية الصناعية، ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري .

تفاصيل المرحلة الثانية تتمحور حول :

  • فرض عقوبات ضد الشركات، التي تدير الموانئ الإيرانية، إلى جانب الشركات العاملة في الشحن البحري وصناعة السفن .
  • فرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني، وخاصة قطاع النفط .
  • فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني وتعاملاته المالية.

وترجع الأسباب الرئيسية لفرض العقوبات حسب الإدارة الأمريكية إلى: ضلوع إيران في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وذلك عن طريق أذرعها العسكرية في العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني، ودعمها وتمويلها للإرهاب، وامتلاكها أسلحة نووية وعدم التزامها بالاتفاق النووي المبرم في يوليو 2015 مع الدول الغربية الكبرى (5+1).
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل العقوبات أحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران مشروعة وفق القانون الدولي؟
فالإجابة هي: ليست مشروعة لأن هناك العديد من المواثيق الدولية التي يمكن الاستشهاد بها في الأمر، وذلك لإثبات عدم شرعية تلك العقوبات. ومن أبرز المواثيق الدولية التي تم الاستناد عليها للتوضيح، ميثاق الأمم المتحدة بحيث يعتبر أهم وثيقة أوضحت عدم مشروعية العقوبات الأمريكية، فبالرجوع إلى نص المادة الثانية في بندها السابع، نلاحظ أن فرض عقوبات انفرادية ضد إيران يشكل انتهاكا مباشرا للبند الذي يحظر على الأعضاء التدخل في المسائل والشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهو ما تناقضه الولايات المتحدة الأمريكية فهي دائمة التدخل في شؤون الدول الأخرى من خلال ممارستها لضغوط سياسية واقتصادية من أجل ردعها وإخضاعها والسيطرة عليها، وهو ما تحاول تطبيقه على إيران من خلال نهج سياسة تشديد الخناق.
كما أن قرار العقوبات هي خرق للمواد (39-41) من الميثاق والتي تؤكد على أن التدابير ومنها الاقتصادية يجب أن تصدر بقرار من مجلس الأمن، لأنه هو الجهة المخول لها فرض هذه التدابير والذي يحتاج فيها لموافقة أغلب أعضاءه قبل إقرارها .
بالإضافة إلى الميثاق الأممي، فقد انتهكت إدارة دونالد ترامب الاتفاق النووي الذي أبرم في يوليو 2015 بين الدول (5+1) وإيران بمصادقة من مجلس الأمن بقراره الأممي المرقم (2231). وبالرجوع إلى المواد 26 و 28 و 29 من بنود الاتفاق، يتضح التباين ما بين قرار العقوبات الأمريكي وبين هذه المواد التي تنص صراحة أنه لا يحق لأي طرف من أطراف الاتفاق أن يحدد أو يتهم الطرف الآخر بانتهاكه، لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي الطرف المسؤول عن الاتفاق النووي وهي التي تحدد آليات خرقه من عدمها، وكذلك هي من تمتلك الحق في الحكم على التزامات طهران ببنوده.
وإلى جانب ميثاق الأمم المتحدة والاتفاق النووي، يعد البروتوكول الثاني الملحق بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966 وثيقة استدلالية أخرى، إذ يعتبر هذا البرتوكول أن إقامة علاقات اقتصادية حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وهذا ما يؤكد بجلاء عدم مشروعية العقوبات الأحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران فيما يخص منع الدول التي كانت شريكا تجاريا ولها تعاملات اقتصادية مع إيران من التعامل معها بل وتهديدها بفرض عقوبات عليها هي أيضا في حالة تجاوز القرار الأمريكي، وهو ما يمثل صرخا كبيرا  لحق من حقوق الإنسان في جانبه الاقتصادي .
أضف إلى ذلك كله، يعتبر معاقبة الشركات الأجنبية التي تجرى استثمارات اقتصادية ضخمة في إيران بالإضافة إلى البنك المركزي الإيراني خرقا وانتهاكا لمبادئ النظام الدولي الاقتصادي والمالي والتجاري.
وبصرف النظر عن الوثائق الدولية المتعددة الأطراف، هناك أيضا وثائق لها صبغة ثنائية تحتوي على اتفاقيات بين إيران والولايات المتحدة، أبرزها معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية والحقوق القنصلية بين إيران والولايات المتحدة الموقعة في 15 من أغسطس 1995 في طهران التي تعد هذه العقوبات انتهاكا لبنودها، وهذا ما أكدته فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في أكتوبر 2018، التي اعتبرت العقوبات الأمريكية خرقا لهذه المعاهدة، مطالبة الإدارة الأمريكية إلى تخفيف حدة العقوبات المفروضة على السلع الأساسية التي قد تؤثر يكون لها تأثير كبير ومباشر على الشعب الإيراني.
من صفوة القول، فقد فرضت الولايات المتحدة العديد من العقوبات بشكل أحادي الجانب ليس فقط عل إيران بل على بلدان مختلفة منها العراق، ليبيا، روسيا، تركيا، كوبا، كوريا الشمالية وغيرها من الدول وذلك من أجل مواصلة استراتيجيتها المتمثلة في فرض سيطرتها خصوصا على الدول التي تعادي أيديولوجيتها السياسية.
وقد أظهرت الوثائق والقوانين الدولية السالفة الذكر مدى التفاوت الواضح ما بين القانون الدولي والسياسة الدولية. إذ كشفت أزمة البرنامج النووي الإيراني الازدواجية الواضحة في تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية مع قضية الانتشار النووي حول العالم، ففي الوقت الذي تسمح فيه لقوى حليفة بتطوير برامجها النووية (إسرائيل)، نجدها تقف بالمرصاد للدول الأخرى المعادية لها (إيران) .
هذا ما أدى بنا إلى طرح سؤال عريض ما جدوى القانون الدولي في ظل الانتهاكات المتواصلة التي تطال مواثيقه لاصطدامها بقانون القوة السياسية (2 ).


1 – تفاصيل العقوبات متوفر على الرابط التالي: https://arabic.rt.com/business/961783

2 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *