fbpx
دراسات

العلاقات الأميركية-الصينية .. التطورات والإشكاليات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة

شكّلت العلاقة الأمريكية-الصينية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 نمطا فريدا من العلاقة الثنائية على المستوى الدولي نظرا لتعقيداتها بما تتضمنه من عناصر تبدو متنافرة ومتناقضة، تتأرجح بين الصراع والتعاون مرورا بدرجات متفاوتة تمثل كل منها موقعا أقرب إلى هذا الطرف أو ذاك. بحيث أن كلا من الصين وأمريكا تتأثران بمعطيات البيئة الدولية، وذلك راجع إلى مكانتهما على مستوى النظام الدولي.

هي علاقة يشوبها القلق خصوصا من الجانب الأمريكي نتيجة صعود قوة التنين الصيني وبروز مكانته إقليميا ودوليا، حيث تسعى بكين بجهود حثيثة إلى أن تتربع على عرش التكنولوجيا والاقتصاد العالمي بتنفيذها لخططها التنموية الشاملة والطموحة وأبرزها صنع في الصين 2025 ومبادرة الحزام والطريق، من خلال اعتمادها على إمكانياتها وقدراتها الهائلة سواء على المستوى المادي والبشري.

وأمام هذا الصعود الصيني حاولت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب التصدي لطموحات بكين نتيجة بروز العديد من الخلافات بين الطرفين تخص المجال التجاري، وحقوق الملكية الفكرية، والتجسس الصناعي وغيرها، وكان ذلك من خلال الخوض في حرب تجارية تبنّى خلالها ترامب برنامجا للحد من الواردات الصينية، وذلك من خلال الدخول في معركة محاولة استنزاف الصين من خلال بفرض رسوم جمركية على مجموعة من الواردات الصينية، وكانت النتيجة لتلك الحرب التجارية تراجعا في العلاقات بينهما إلى أن وصلت إلى مستوى منحدر لم تعرفه منذ عقود.

وعلى الرغم من توقيع البلدين اتفاقا تجاريا جزئيا في يناير 2020 بهدف تخفيف النزاعات التجارية إلا أن الاتفاق قد يصبح مهدَّدا في ظل انتشار فيروس كورونا، هذه الأزمة التي سبّبت هزة اقتصادية عالمية، الأمر الذي يقوّض قدرة الطرفين على الالتزام ببنود الاتفاق، جرّاء تصاعد موجة الاتهامات المتبادلة حول مسؤولية انتشار الفيروس عبر بوابة سياسة المؤامرة، هذا الأمر الذي سيرفع من حدة الخلاف بين الطرفين في ظل سعي النظامين إلى تحقيق مصالحهما عبر بوابة كورونا، بحيث أن نظام شي جين يسعى إلى توسيع نفوذه عبر دبلوماسية الأقنعة من خلال نهج سياسة القوة الناعمة، التي تقوم على أساس بناء علاقات اقتصادية من خلال تنفيذ خطة مبادرة الحزام والطريق أو ما يسمى بمشروع طريق الحرير الجديد، بهدف تعزيز تبادلاتها التجارية، وفتح أسواق جديدة للمنتجات والسلع الصينية، أما في المقابل فهذا الصراع يشكل رهانا سياسيا داخليا بالنسبة لدونالد ترامب باعتباره إحدى الأوراق الرابحة لتقوية حظوظه للفوز بالولاية الثانية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر 2020. وبالتالي فإن الأمر في الصراع الأمريكي الصيني الأمر لن يقتصر على الحرب التجارية فقط بل سيتوسع إلى حرب سياسية-دبلوماسية من أجل تغيير موازين على الصعيد العالمي.

 وبالرغم من كل هذه التجاذبات التي شابت العلاقات بين البلدين خلال فترة ترامب إلا أنها كانت علاقة لا مُنَافَسَةً صريحةً فيها ولا عداء مستَتراً، علاقةً تعمل في إطار توازن دقيق بين المصالح المتبادلة والتهديدات المتوقعة، وتتميز بدرجة كبيرة من التحول تنحو تارة إلى درجة متقدمة من الصراع (ما حدث في فترة ترامب) وفي بعض الأحيان تنحو إلى درجة متوسطة من التعاون (ما حدث بفترة أوباما). وهذا الأمر الذي سيكون محط اختبار في ظل تداعيات جائحة كورونا، بحيث أن آثار ما بعد الأزمة ستدفع الطرفين إلى ضرورة التوافق لفترة ما بعد كورونا بهدف إنقاذ الاقتصاد العالمي، من أجل تعويض الخسائر الباهظة التي لحقت بالمنظومة الاقتصادية العالمية لكلا البلدين قبل العودة إلى الصراع والتنافس من جديد.

وهذا يعكس لنا طريقة صانع القرار السياسي للبيت الأبيض الذي يعمل على التوفيق بين المصالح المختلفة مع بكين بالعمل على تقويض التنين الصيني من جهة والعمل على تمتين روابط التعاون من جهة أخرى لمنع تدهور العلاقة كليا خصوصا أننا في مرحلة أشبه ما تكون بمرحلة انتقالية للعلاقة بين ” الاثنين الكبار”، كلاهما يمتلك عناصر القوة للقيام بدور عالمي، فالولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القطب الأوحد في العالم تحاول الاحتفاظ بمكانتها في قمة هرم النظام الدولي في المرحلة المقبلة ويستند هذا إلى قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي تفوق كل دول العالم، أضف إلى ذلك تنامي نفوذها السياسي والإعلامي الذي خول لها قيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. أما الجانب الصيني فيستند إلى ثقله الديموغرافي والاقتصادي والعسكري المتنامي للوصول إلى مرتبة القوة العظمى التي قد تكافئ الولايات المتحدة الأمريكية وقد تتجاوزها إلى قيادة العالم.

إن المتغيرات التي طرأت على البيئة الدولية كان لها تأثير كبير في طبيعة العلاقات ما بين الدول، إذ من خلال تلك المتغيرات اضطرت الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الخارجية وعلاقتها مع الدول الأخرى، وبما أن الولايات المتحدة والصين دولتان تقعان ضمن دائرة الدول الكبرى التي حدثت فيها تلك المتغيرات، فمن الضروري إبراز أهميتها ومدى تأثيرها في علاقتهما المتبادلة سواء تعلق الأمر بمتغيرات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو تكنولوجية أو حقوقية.

وتعد العلاقات الأمريكية-الصينية من الركائز المهمة في سياسة البلدين الخارجية فهي علاقات قديمة وممتدة كونها ترجع إلى القرن التاسع عشر، فقد شهدت العلاقات من خلالها مجموعة من التفاوتات بين الصعود والنزول بين التوتر والانفراج أثّرت بشكل أو بآخر على شكل النظام الدولي وتفاعلاته المختلفة.

المبحث الأول: مراحل تطور العلاقات الأمريكية الصينية

لم تكن طبيعة العلاقة الأميركية-الصينية وليدة اللحظة ولا شيئا جديدا، ولا هي تشكلت مع تشكل جمهورية الصين الشعبية، بل تعود جذورها إلى عقود من الزمن، إلى القرن التاسع العشر حينما عمدت الدول الاستعمارية إلى استغلال الصين عن طريق تجارة الأفيون من أجل الحصول على موطئ قدم يمهد للاستحواذ على ثروات البلاد وتوظيفها لخدمة مصالحها. وضمن هذا الإطار جاءت المساعي الأمريكية لتعزيز مصالحها في منطقة الشرق الأقصى عامة والصين خاصة وأولتهما اهتماماً كبيراً ولاسيما بعد استكمال قوتها الرأسمالية في أواخر القرن التاسع عشر. وبالضبط عام 1784م حين وصول السفينة التجارية الأمريكية إلى ميناء كانتون (Canton) الصيني كانت البدايات الأولى للتغلغل الأمريكي في الصين. ولابد من الإشارة إلى العوامل الثلاث التي ساهمت بشكل كبير في تدعيم مصالحها في الصين[1]:

  • تطور التجارة مع الصين وبشكل خاص في ميناء كانتون[2].
  • نمو الرغبات الصناعية الأمريكية في المحيط الهادي وتطور صناعة السفن البخارية.
  • قصر المسافة بين الصين وساحل المحيط الهادي الأمريكي.

وفي الفترة الممتدة بين (1795-1801) وصلت أرباح الأسطول التجاري الأمريكي إلى 32 مليون دولار سنوياً، بحيث كانت السفن الأمريكية تنقل الشاي والحرير والتوابل والأواني الخزفية من الصين[3]

هكذا سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتباع النهج البريطاني وذلك بإرسال الرئيس الأمريكي جون تيلر بعثة بصحبة ثلاث سفن حربية إلى مكاو (Macau) في عام 1843م للتفاوض مع الصينيين، وأسفرت المفاوضات عن توقيع معاهدة تضمنت (34) بنداً منحت الصين بسببها الولايات المتحدة الأمريكية كل الامتيازات التي منحتها لبريطانيا بموجب معاهدة نانكين مع حل الخلافات التي تحصل بين الأمريكيين وغيرهم من الأجانب بوسائل خارج سيطرة القضاء الصيني وتحديد عمر زمني لتعديل المعاهدة مقداره 12 عاماً[4].

وتعتبر هذه المعاهدة هي الأولى بين الطرفين، وقد نصّت على منح الأمريكيين مختلف الامتيازات والحصانات في الصين. ومنذ تلك اللحظة أصبحت العلاقات الأمريكية الصينية تشكّل نموذجا خاصا من العلاقات الدولية يجمع بين الصراع والتعاون الحذر، ومزيجا فريدا من العلاقات الثنائية المعقدة للغاية أو المتناقضة، ففي 1899م حين كانت الدول الأوروبية -مع سعي اليابان لمضاهاتها- تريد جميعاً إنشاء مستعمرات و”مناطق نفوذ”، كانت الولايات المتحدة في عهد الرئيس وليام مكينلي (ولايته بين عامي 1897-1901) تدعو إلى نهج “الباب المفتوح” مع الصين، وكان المطلوب من هذه الأخيرة أن تكون “منفتحة” على الوجود الأجنبي والتجارة. ولكن الباب المفتوح يعني أيضاً المساواة بين جميع القوى الأجنبية في قدرتها على الوصول إلى الصين، وبدون أي نفوذ. لم ترق أميركا أبداً إلى مستوى ادعاءاتها؛ فقد أصاب الرئيس وودرو ويلسون (ولايته بين عامي 1913-1921م) الوطنيين الصينيين بخيبة أمل كبيرة في مؤتمر فرساي عام 1919م عندما أعطت المعاهدة الناتجة عن المؤتمر شبه جزيرة “شاندونغ” المنزوعة من ألمانيا إلى اليابان، بدلاً من إعادتها إلى الصين.

لكن إدارة الرئيس هربرت هوفر (1929-1933م) وخليفتها إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت، (1933-1945م) قدمتا للصين مساعدات غذائية كبيرة جداً خلال المجاعة الكبرى، ودعمت الولايات المتحدة الأمريكية الحكومة الجمهورية في الصين بزعامة شيانغ كاي شيك عندما بسطت سيطرتها من جديد في حملتها ضد أمراء الحرب المحليين والمسماة “المسيرة نحو الشمال” في الفترة ذاتها. ودعمت أميركا الصين الجمهورية ضد اليابان خلال حرب المحيط الهادي، وذلك من خلال إرسال معونات عسكرية ضخمة لمنطقة “الحدبة” (سلسلة جبال الهيمالايا وسيتشوان).

وبعد “سقوط الصين” في عام 1949م وتأسيس جمهورية “الصين الشعبية”، تشكلت مواقف الصين من الولايات المتحدة بمنحى آخر، بحيث أن الجنرال تشانغ كاي شيك كان يمارس الضغط على الولايات المتحدة، فيما كان ماو تسي تونغ والشيوعيون غير معادين لأميركا، كما تعامل كل من تشو إنلاى (أول رئيس وزراء لجمهورية الصين الشعبية، بين عامي (1949-1976م) والممثلين عن الشيوعيين في تشونغتشينغ في عهد “الجبهة المتحدة” مع الأميركيين.

فقد شهدت العلاقات في تلك الفترة نوعا من العداء خصوصا بعد انضمام الصين للمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، والدور الذي لعبته في الحرب الفيتنامية وكذا دعمها لنظام كوريا الشمالية، لكن على الرغم من ذلك فقد تعالت مجموعة من الرؤى الداخلية التي دعت إلى ضرورة تغيير السياسة الأمريكية تجاه الصين وذلك من أجل الحفاظ على توازن القوى في آسيا، وهذا التحول هو الذي أدى تصاعد الخلاف الصيني-السوفيتي[5].

ولكن الحرب الكورية (1950-1953م)، غيرت من وتيرة العلاقات، وذلك مع تنفيذ سياسة العزل الذاتي الصينية والحملات الشعبية المناهضة للولايات المتحدة في جمهورية الصين الشعبية. هذه السياسة التي يطلق عليها “الستار الخيزراني” أدت إلى عزل الصين التي كانت قد دخلت الحرب الكورية وساعدت الشيوعيين الفيتناميين ضد الولايات المتحدة، ثم جاءت الهدنة الكورية في نوفمبر عام 1953م، لتجنب البلدين الصراع المباشر.

ومع تفكك التحالف بين الصين والاتحاد السوفيتي بين (1959 -1963م) أصبحت العلاقة مثلثة الأضلاع؛ حيث ظلت الصين في المعسكر المناهض للولايات المتحدة وبقيت تشجب “التعايش السلمي” لكنها كانت تعارض أيضاً ما تسميه “النهج التحريفي السوفيتي” وقاتلت بضراوة ضد نفوذ موسكو في العالم الثالث. ولزم الدبلوماسية الأميركية عشر سنوات تقريباً حتى تمكنت من الاستفادة من الفرص التي وفرها الانقسام بين الصين والاتحاد السوفيتي. وكانت إدارة نيكسون بحاجة للصين للضغط على فيتنام وإنهاء الحرب في الهند الصينية، وبعد لقاءات سرية، جاء القرار لتحسين العلاقات الأمريكية-الصينية التي تبلورت بزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين في فبراير من العام 1972م، والتي شهدت انفراجا في العلاقات بين الدولتين، ومن ثم إرساء أسس التفاهم بين الصين والولايات المتحدة، في مقابل تدهور العلاقات الصينية السوفيتية بسبب فيتنام، حيث أكد القادة السوفييت أن نوايا الزيارة تتجلى في تقويض المعسكر الاشتراكي[6].

ظل الحال كذلك إلى أن تولى كارتر الرئاسة فأرسل في عام 1978م إلى بكين مستشاره لشؤون الأمن القومي زبغنيو بيرجنسكي الذي كان الصينيون يكنون له تقديرا كبيرا، بسبب آرائه المضادة للأهداف السوفيتية، فتم الاتفاق على الآتي:

  • إقامة علاقات دبلوماسية اعتبارا من أول يناير 1979م.
  • أن تنهى الولايات المتحدة علاقاتها مع تايوان، واتفاقية الدفاع المتبادل وسحب قواتها من الجزيرة.[7]

وفي نهاية العام 1979 وخلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، توصل الأخير والزعيم الصيني في تلك الفترة دنغ شياو بينغ إلى قرار تاريخي تم اعترفت الولايات على إثره الولايات المتحدة الأمريكية بجمهورية الصين الشعبية، وعلى إثر ذلك تأسست العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين في يناير 1979، بحيث أن التقدم الذي تحقق مع الصين كان من أبرز الإنجازات التي حققتها السياسة الخارجية خلال فترة كارتر، هذا الأمر الذي كان سببا في نمو سريع للعلاقات الثنائية، وقد أدى تسارع الوتيرة في العلاقات إلى قيام الرئيس الصيني شياو بنغ بزيارة تاريخية إلى الولايات المتحدة، وعلى الرغم من هذه الانفراجة في العلاقات إلا أن السياسة الخارجية الصينية ظلت على مسافة ثابتة حيث تبني توجهاتها وفق وقائع موضوعية أو حسب ما تمليه عليها مصالحها.

وابتداءً من 1984م تطورت العلاقات بشكل لافت بحيث أنه تم افتتاح عدد من القنصليات في البلدين وتم تبادل زيارات على مستوي عال مثل زيارة رئيس الوزراء الصيني “شوزيانغ” إلى الولايات المتحدة، بحيث وقد توصل الطرفان من خلالها إلى اتفاق حول مجموعة من الأمور المهمة وبالأخص في منطقة جنوب شرق آسيا، والاتفاق المتعلق بالتعاون الصناعي والعلمي.

ورغم هذا التقارب الكبير بينهما، إلا أن العلاقات الصينية-الأمريكية كانت مليئة بالتناقضات بين التفاهم والصدام المستمر، فعلى سبيل المثال لا الحصر اندلع أول نزاع تجاري بين البلدين في 13يناير1983م، عندما قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على الصين و ردت الأخيرة على القرار الأمريكي بإجراءات اقتصادية مماثلة.

تبعت هذه الأزمة أزمات عديدة ومستمرة، بحيث ظلت العلاقات التجارية والاقتصادية متوترة على الرغم من انعقاد التجمع التجاري الصيني-الأمريكي الضخم في يونيو 1988م، ومحاولته إيجاد الحلول للمشاكل التجارية العالقة بين البلدين، والبحث عن فرص جديدة في مجال الصناعة والتجارة بينهما.

أما على الصعيد السياسي فقد نشبت عدة أزمات كان لها الأثر في توتر العلاقات أبرزها قضية التبت وتايوان، فإن هذا الموضوع يعد من أبرز الخلافات الثابتة والمتفجرة طوال الفترة ما بين (1979-1989م)، فقد شكلت مسألة بيع الأسلحة الأمريكية لتايوان عائقا في تطوير العلاقات بينهما، وفي هذا الشأن توصلت الحكومتان عبر مفاوضات مضنية إلى اتفاق، ففي بيان أعلنت الحكومة الأمريكية أنها لا تسعي إلى تنفيذ سياسة خاصة ببيع الأسلحة لتايوان على المدى الطويل وأن مبيعاتها من الأسلحة لن تتجاوز نوعا وكما المستوى الذي تم تقديمه خلال السنوات الأخيرة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأنها مستعدة لخفض مبيعاتها العسكرية لتايوان بصورة تدريجية وصولاً إلى تسوية نهائية بعد فترة من الزمن ومع ذلك قامت الحكومة الأمريكية بانتهاكات متكررة لنص الاتفاق[8].

وتوترت العلاقات أيضاً بسبب النزاعات المحلية داخل الصين، كان أبرزها الحادثة التي أسفرت عنها احتجاجات ميدان تيانانمين في يونيو 1989م، بحيث أقرت مجموعة الدول الكبرى الصناعية السبعة (G) عقوبات بقيت واحدة منها فعالة حتى اليوم، وهي وقف مبيعات الأسلحة إلى جمهورية الصين الشعبية[9].

فيما شكلت سنة 2001 منعطفا حاسما وتحولا سياسيا شاملا في تاريخ العلاقات، سواءً على مستوي نمط العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول المتوسطة والصغرى التي تتداخل معها في العديد من الملفات، أو على مستوى الجدل حول اختلاف تراتبية الدول في النظام الدولي بعد أحداث سبتمبر 2001 والحديث عن إمكانية منافسة الصين الولايات المتحدةَ على قمة النظام الدولي في المستقبل، ومن تم إزاحتها القيادة العالمية، فعلى الرغم من أن أحداث سبتمبر كان لها دور في تقريب الرؤى بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بخصوص التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، إلا أن الصعود الصيني يشكل إحدى أبرز التحديات المستقبلية للسياسة الخارجية الأمريكية[10].

إدارة بيل كلينتون اختارت المجال التجاري كنهج رئيسي في التعامل مع الصين بحيث منحتها الأفضلية في هذا الجانب، بل وتمكنت الصين من الدخول لمنظمة التجارة العالمية بعد موافقة الولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت الأخيرة ترفضه لموضوع انضمام الصين للمنظمة. في المقابل أقر كلينتون بمراجعة سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان إذ قام بتغيير اسم الهيئة التي تتولى إدارة شؤون تايوان في الولايات المتحدة الأميركية من (مجلس التنسيق بأمريكا الشمالية)إلى(مكتب التمثيل الاقتصادي والثقافي لتايبه في الولايات المتحدة الأميركية) فضلا عن اتخاذه مجموعة من الإجراءات التي سمحت بموجبها للطرفين الأمريكي والتايواني بتبادل الزيارات الخاصة للمسئولين في كلا الدولتين.

أما جورج بوش عند توليه رئاسة الولايات المتحدة سمح لتايوان بشراء 150 طائرة أف 16 الأمر الذي اعتبرته الصين انتهاكا فادحا لإعلان شنجهاي [11]، كما تبنى تشريعا يدعم جهود تايوان في الحصول على وضع الدولة المراقب في منظمة الصحة العالمية، وقد تبدو هذه المسألة قليلة الأهمية وغير مؤثرة، لكنها تمنح نوعا من الوجود القانوني المستقل لتايوان في إحدى المنظمات الدولية، وهو ما يعني تغير السياسة الأمريكية تجاه سياسة الصين الموحدة[12]. وهو ما يوضح توجه تركيز الإدارة الأمريكية نحو آسيا قبل أن تُعطل هجمات 11 سبتمبر 2001 مسار هذا التوجه، بحيث فرضت الواقعية السياسية على الإدارة الأمريكية الحرص على علاقة مستقرة مع الصين في ظل الحملة الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب، وبالتالي تجنب إدارة بوش خلق أزمة مع الصين لأنها تدرك جيدا أنها لن تستطيع أن تديرها بكفاءة في ظل المأزق الذي تواجهه قواتها في العراق وأفغانستان.

ومن الجدير بالذكر أن سنة 2002-2003 كانت معلما بارزا في هذا المسار، حاله حال قرار التوقيع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. ومن الجدير بالذكر أن سنتي (2002-2003م) كانت بارزة في مسار العلاقة بين الطرفين حيث استغلت الإدارة الصينية طرح موضوع الحرب الأمريكية على العراق بحيث لم تعترض على الموضوع بل تجاوبت مع الطرح بشكل إيجابي، وقد شكل هذا الموقف نقلة نوعية في مسار العلاقة بين البلدين حيث ساهم في تراجع حدة الخلافات بين الدولتين بل وعزز من التعاون بين الطرفين بشأن القضايا الرئيسية المطروحة أمام الأمم المتحدة. [13]

خلاصة القول أنه ابتداء من حملة رونالد ريغان الانتخابية الناجحة عام 1980م وحتى انتهاء الفترة الرئاسية لجورج دبليو بوش في عام 2009م، ظلت الدورة السياسية الداخلية تتحكم بالعلاقات الصينية-الأميركية؛ حيث ينتقد كل مرشح فائز سياسة سلفه تجاه الصين، ويعد بموقف أكثر صرامة (بشأن قضايا الأمن بالنسبة للجمهوريين، وبشأن التجارة وحقوق الإنسان بالنسبة للديمقراطيين)[14]. وأحيانا يعود التوازن للعلاقة بين البلدين في فترة رئاسية ما، ففي فترة جورج بوش مثلا كانت علاقة البلدين يشوبها نوع من التوتر في حين أن الأمر بلغ بباراك أوباما إلى عدم إدراج موضوع الصين في حملته الانتخابية، بخلاف ما كان عليه الأمر في الحملات الرئاسية السابقة. بحيث بدأ الفصل الأول من إدارة أوباما بتجديد الجهود لصياغة شراكة مع الصين. وقبل ذلك تعاونت الصين إلى حد كبير في المساعدة على حل الأزمة المالية الكبرى عام 2008 من خلال إطلاق حزمة من الحوافز الاقتصادية الضخمة للحفاظ على النمو الاقتصادي فيها.

لكن وضع الصين الاستراتيجي تنامى باستمرار منذ ذلك التاريخ، بعد أن عكست سياساتها السابقة تجاه جيرانها الآسيويين في تحد ضمني للتفوق الأميركي في آسيا والمحيط الهادي في المستقبل. فمنذ أواخر عام 2009، مع بعض الانقطاعات، تكررت حوادث الحدود بينها وبين اليابان والفلبين وفيتنام والهند بانتظام، بينما ظلت قدرة الصين على إبراز قوتها في ازدياد مستمر في حين تحول حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة على المستوى الثنائي وبشكل متزايد إلى الولايات المتحدة بحثا عن الأمان ملقين برهاناتهم ضد بكين.

وخلال زيارة أوباما الأولى للصين في نوفمبر 2009، ذكر البيان المشترك عبارة “المصالح الأساسية” للبلدين، وهي عبارة مهمة بالنسبة للصين التي تدرج تحت هذا البند العديد من المطالبات السيادية. في الظاهر، تلعب الصين لصالح الولايات المتحدة لأنها تضمن تقريبا استمرار علاقات التحالف بين الولايات المتحدة وآسيا، ولكنها في الوقت نفسه تحرج الولايات المتحدة، التي نشرت آنذاك 60% من قواتها البحرية في آسيا بكلفة كبيرة، وفي مهمة دفاعية بحتة. كذلك أصبحت النزعة القومية المتصاعدة في الصين عاملا له تأثيره؛ فعلى الرغم من أن النظام الاستبدادي لا يسعى عادة إلى الحصول على موافقة الرأي العام، لا يستطيع أي فرد من القيادة تحمل وزر اتخاذ موقف معتدل علنا، خوفا من وصفه بـ “الخائن”، ومن شأن ذلك أن يخلق مناخا صعبا يؤثر سلبا على مجمل العلاقة بين الدولتين.[15]

أما العلاقة الاقتصادية فقد اتخذت مسارا خاصا بها، مع أفضلية كبيرة للصين؛ حيث بلغ فائض تجارتها مع الولايات المتحدة 315 بليون دولار في عام 2012م. ويتم توجيه جزء كبير من الاستثمار الصيني إلى شراء سندات الخزينة الأميركية أو السندات شبه الحكومية، وهكذا تجاوزت الصين الشعبية اليابان كأكبر مالك أجنبي لديون الولايات المتحدة.

وغالباً ما كان هذا الوضع مصدراً للقلق بين البلدين برزت بشكل جلي في عهد دونالد ترامب مارس دونالد مجموعة من الضغوطات على بكين، كان أبرزها فيما يخص المجال التجاري، بحيث صعد انتقاداته للفائض التجاري الهائل الذي تتمتع به الصين في تجارتها مع الولايات المتحدة، متهما إياها بأنها تمارس سياسة تجارية غير عادلة. مؤكدا أن لا سبيل لحل هذه المشكلة إلا عبر زيادة حجم الصادرات الأمريكية للصين، وكذلك حجم الاستثمارات الثنائية، وعدم الحد من الواردات من الصين “[16].

بل وأثار حساسية الصين في مسألة تايوان، حينما خالف البروتوكول المتبع وتلقى مكالمة هاتفية من رئيسة تايوان تساي إينج وين تهنئه بفوزه برئاسة البيت الأبيض، الأمر الذي استنكرته ونددت به بكين. فسارع ترامب لإرضاء الصين بمحادثة أكد خلالها أن الحكومة الأمريكية تؤيد وتتمسك بسياسة “صين واحدة”. ومهما كانت تحركات أمريكا في قضية تيوان فإنها ستخلو بالتأكيد من أي دعم لاستقلال الجزيرة نظرا لمصالح اقتصادية تجمع البلدين.

على الرغم من سعي واشنطن لتأجيج الملفات الحساسية للصين من طرف دونالد ترامب إلا أنه في واقع الأمر لا يلقي بالاً للسياسة الخارجية بقدر ما كان يفعله الرؤساء الأمريكيون السابقون، رافعاً شعار «أمريكا أولاً» قبل كل شيء، وبالتالي فإن ترامب يعتقد أن انشغال الولايات المتحدة يجب أن يكون متعلقاً بالسياسة الداخلية قبل أي شيء؛ إذ يعتبر أن السياسة الداخلية الأمريكية هي الممثل الوحيد للمصالح القومية الأمريكية.

نستنتج أنه من خلال التطرق إلى أبرز المراحل التاريخية للعلاقة الثنائية أنها علاقة تأثرت دوما بالتطورات الدولية عبر عقود، وبالأخص في مرحلة ما بعد الحرب الباردة التي اتسمت بمميزات وخصائص مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في المرحلة السابقة تحكمها محددات داخلية وخارجية خلقت علاقة تتأرجح بين الشراكة والتوتر قائمة بالأساس على مبادئ التناقض والتنافر و الاستراتيجيات المتعارضة التي اتبعتها كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية خصوصا في مرحلة ما بعد الأزمة المالية سنة 2008 والتي يسعى كل طرف منهما إلى الحفاظ على حجم المصالح الحيوية المتنامية في مناطق مختلفة من العالم، بل الأهم من ذلك هو امتداد رقعة تلك المصالح وتشابكها في بؤر متعددة ومشتركة وفق معادلة مركبة مكونة من عناصر متألفة ومتناقضة تحكمها المنفعة و حجم وكثافة المصالح المتحدة، قد يتوقع منها الأسوأ بنفس الدرجة التي يمكن معها توقع الأفضل.

المبحث الثاني: قضايا العلاقات الأمريكية الصينية

سيتناول هذا المبحث أبرز القضايا الإشكالية في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ومن أبرزها: القضية التايوانية، الملف النووي الإيراني، كوريا الشمالية، قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

أولا: القضية التايوانية:

إن مشكلة تايوان ليست وليدة اللحظة بل تعود جذورها إلى اللحظة التي قامت فيها اليابان بغزو الصين، فأجبرتها على التنازل عن تايوان عام 1895. وظل الوضع على هذه الحال إلى غاية سنة 1943 حين أصدرت الصين و الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا “إعلان القاهرة” الذي أكد على ضرورة إرجاع اليابان الأراضي التي احتلتها للصين، ثم انضم الاتحاد السوفيتي للمطالب الصينية والتأكيد على حقها في استعادة أراضيها.

وقد أعلنت اليابان استسلامها في العام 1945، واسترجعت الصين الأراضي المحتلة بما فيها تايوان. ولكن مع إعلان تأسيس الحكومة المركزية الشعبية لجمهورية الصين في 1949، أسرع القادة غير الشيوعيين إلى تايوان وأعلنوها دولة الصين الشعبية، وفي ذلك الوقت عملت الولايات المتحدة الأمريكية على توفير الحماية لتايوان واعتبرتها الحكومة الشرعية للصين”. وبذلك أقام تشانج حكومته في تايوان وأنتُخب رئيسا لها عام 1950 وسارعت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بالاعتراف بحكومة تايوان ممثلا شرعيا للشعب الصيني، بينما اعترف الاتحاد السوفياتي بالصين الشعبية كممثل شرعي للشعب الصيني[17].

في عهد ترومان فرضت التغييرات على مستوى توازنات القوى والانقسام في بنية النظام الدولي وبدايات الحرب الباردة وطبيعة المصالح الأمريكية في العام 1950 تحييد تايوان ووضع الأسطول السابع الأمريكي، وذلك من أجل حماية الجزيرة وكانت صعدّت الإدارة الأمريكية من علاقاتها مع تايوان بتوقيع معاهدات أمنية في الأمم المتحدة باعتبارها الممثل الشرعي للصين[18].”

وفي فبراير 1953 وبعد فترة قصيرة من توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، أعلن دوايت إيزنهاور عن سحب الأسطول السابع من مضيق تايوان، هذا الأمر الذي صعد من وتيرة العلاقات بين البلدين، لتصل إلى حد تبادل التهديدات باستخدام الأسلحة النووية، فنشبت سلسلة من تبادل القصف والاشتباكات فيما سميت بأزمة مضيق تايوان الأولى[19].

سياسة الإدارة الأمريكية في هذه القضية كانت مرتبطة بالصلابة والجمود وذلك بسبب العداء العام تجاه الشيوعيين الصينيين. وبالأخص من خلال اعتماد الصين الشعبية في استراتيجيتها وبشكل متزايد على الاتحاد السوفييتي، وفي ظل هذا المناخ السياسي كان هذا السبب من أهم الأسباب التي دعت الإدارة الأمريكية لتعديل سياستها تجاه الصين خاصة بعد إعادة انتخاب أيزنهاور. وما صعد من ذلك بشكل رئيسي الضغوط التي مارسها الحلفاء من الحكومات التي كانت ترغب في تطوير العلاقات التجارية مع الصينيين الشيوعيين. بحيث اضطرت الولايات المتحدة لقبول قرار من قبل البريطانيين لفتح علاقات تجارية في السلع غير الاستراتيجية مع جمهورية الصين الشعبية[20].

. ومنذ تلك الفترة ظهر انقسام في الداخل الأمريكي بشأن قضية تايوان فيرى البعض أن الموقف الأمريكي تجاه القضية التايوانية يجب أن يرتكز على استخدام الأساليب السلمية ومعارضة أي استخدام للقوة لتسوية هذه القضية، حيث إن حل هذه القضية يحتاج إلى الكثير من الحوار والمرونة تحت مسمى “الصين الواحدة”، و يقترح أصحاب هذا الاتجاه الكونفدرالية كحل ” صين واحدة وإدارتين”، بحيث تتنازل تايوان عن السيادة المطلقة للصين في مقابل الاعتراف السياسي بنظام الحكم في تايوان، بينما يرى البعض الآخر أنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحمي حق الشعب في تقرير مصيره باعتبارها المدافع عن القيم الديمقراطية في العالم.

أما عن حكومة بكين فقد كانت طوال فترة الخمسينات والستينات تسعى لاستعادة السيادة الصينية على كافة الأراضي التي كانت تحت سيطرتها في السابق، وكانت ترى أن لها الحق في فرض سيادتها على هذه الأراضي باستخدام القوة العسكرية. ومن هذا المنطلق، رفضت الصين الشعبية مطالب الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة فيما يتعلق بمنح سكان تايوان حق تقرير المصير طبقا لميثاق الأمم المتحدة، ورفضت وضع تايوان تحت وصاية الأمم المتحدة، وأصرت على أنها جزء منها وأن توحيدها مسألة داخلية.

و في السبعينيات من القرن الماضي بدأ نوع من التقارب و الانفراج في العلاقات الصينية-الأمريكية نتج عنه بيان “شنغهاي” بين الرئيس “ريتشارد نيكسون” و”شوان لاي”، تعهد الطرفان من خلاله بإقامة علاقات طيبة بينهما، وبانسحاب القوات الأمريكية من تايوان، وفتح مكاتب اتصال بينهما[21].

وفي العام 1978م أعلنت الحكومتان الصينية والأمريكية في بيان مشترك عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة. و لقد كانت العقبة الرئيسة في طريق تطبيع العلاقات الصينية- الأمريكية هي (معاهدة الدفاع المتبادل بين الولايات المتحدة الأمريكية وتايوان)، وقد صدر قرار تم بموجبه للرئيس الأمريكي (كارتر) أن يلغي معاهدة الدفاع المشترك بين الطرفين، وتم بذلك تطبيع العلاقات الصينية-الأمريكية في العام 1979م، وافتتحت كل دولة منهما سفارة لها في الدولة الأخرى، لذلك قام (دنغ شياو بينغ) في العام 1979م بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية والتي انعكست على العلاقات الثنائية الفعلية بين الطرفين[22].

وفعليا في العام 1987 أكدت ” الولايات المتحدة على سحب كافة القوات والمنشآت العسكرية الأمريكية من تايوان، وصدر بيان من الجانبين الصيني والأمريكي بخصوص تايوان، تضمّن موافقة الحكومة الأمريكية على الشروط الصينية وأهمها ما يلى:

  • إنهاء العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وتايوان.
  • إلغاء معاهدة الدفاع المشتركة التي أُبرمت عام 1950 الخاصة بالدفاع الجوي والبحري عن تايوان ضد أي هجوم تقوم به الصين الشعبية.
  • سحب القوات العسكرية الأمريكية من تايوان.
  • اعتراف الولايات المتحدة بوجودصين واحدة، وإن تايوان جزءمن الصين، وإن حكومة الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية. 
  • استمرار العلاقات التجارية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وتايوان.

وقد أدت هذه المتغيرات إلى إنهاء الاعتراف الدولي بأن حكومة الصين الوطنية في تايوان هي الممثل الشرعي للصين[23].

خلال مرحلة الثمانينات أكدت الولايات المتحدة في بيان 17 أغسطس أنها لا تسعى إلى تطبيق سياسة بيع الأسلحة إلى تايوان على المدى الطويل، بل ستقلل كمية الأسلحة المباعة إلى تايوان سعيا إلى حل هذه المشكلة نهائيا بعد فترة معينة. إلا أن الإدارة الأمريكية لم تلتزم بنصوص البيان، بحيث سبب بيع الأسلحة بالفعل مشاكل في العلاقات الصينية الأمريكية في عهد الرئيس رونالد ريغان، ففي عام 1982 باعت الإدارة الأمريكية طائرات F-15 E/F لتايوان، وذلك ما طرح مشكلة للإدارات المستقبلية في تقرير ما إذا كان عليها الالتزام بالاتفاق أم لا، بحيث اعتبرت الصين ذلك “العائق الأساسي أمام تطوير العلاقات الصينية الأمريكية”[24].

وعقب حادثة تيانانمن في العام 1989 تضاءلت إيجابية الرأي العام الأمريكي بحيث كان هناك القليل من الدعم الشعبي للحفاظ على العلاقات بين البلدين، وكانت نهاية الحرب الباردة أيضا نهاية للمبرر الاستراتيجي لعلاقات أمريكا الوثيقة مع الصين في مواجهة الاتحاد السوفياتي. إن الافتقار إلى الدعم العام والأساس المنطقي الاستراتيجي كان سيحكم بالفشل على العلاقات الأمريكية الصينية لفترة طويلة بعد عام 1989. ومع ذلك، فقد حاول الرئيس بوش الحفاظ على العلاقات، أقرب ما يمكن إلى علاقة ما قبل تيانانمن. من خلال الحفاظ على قنوات اتصال خاصة مفتوحة مع دنغ شياو بينغ والاستفادة الكاملة من صداقته الشخصية مع الزعيم الصيني، فقد ذكر مرارا القيادة الصينية بالوضع السياسي في أمريكا وأوضح لهم لماذا كانت خياراته السياسية هي الأفضل للعلاقة الثنائية، ويشهد بيع بوش ل 150 طائرة مقاتلة من طراز F-16 إلى تايوان على نجاح بوش في هذا الصدد.

ومع ذلك، خسر الرئيس بوش على الجبهة السياسية الداخلية. بحيث أكد خصومه أن سياسته تجاه الصين كانت تتسم بالضعف مما أثار عليه معركة كبيرة مع الديمقراطيين في الكونجرس حول السياسة الأمريكية تجاه الصين. وقد كلفه ذلك جزئياً إعادة انتخابه عام 1992، عندما انتقد المرشح كلينتون الرئيس بوش مراراً في تدليل الديكتاتوريين الصينيين الشيوعيين[25].

وقد أقدمت الإدارة الأمريكية ولمرات متواصلة على مخالفة بنود البيان، ببيع 150 طائرة مقاتلة من طراز أف 16 لتايوان سنة 1992 كما و سمحت للمسئولين التايوانيين بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية. بل وكادت أن تنشب أزمة بين الولايات المتحدة والصين في العام 1996 نتيجة الاحتكاكات العسكرية بين الجانبين، حينما أقدمت الولايات المتحدة على القيام بدوريات مراقبة واستطلاع قرب مضيق تايوان ردا على المناورات العسكرية الصينية في مضيق تايوان وتطبيقا للوعود التي قطعتها على نفسها في قانون العلاقات مع تايوان.

ولابد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن السياسة الأمريكية تجاه قضية تايوان شهدت تغييرات جلية في مراحل مختلفة وانطلاقا من المصالح الأمريكية مما أثر بشكل بالغ على العلاقات الأمريكية الصينية.

 ويمكن تتبع مراحل هذا التغير حسب التواتر الزمني التالي:

  • 1990-1979 تميزتبإقامةالعلاقاتالدبلوماسية بينالصينوالولاياتالمتحدة و باعترافهذهالأخيرةبالصين،وبمبدأ “الصينواحدة” كحلللقضيةالتايوانية. رغمذلكاستمرتالمشكلة التايوانية إلاأنتأثيرهاعلىالمصالحالإستراتيجيةالأمريكيةأصبحقليلا،وخاصةأنالمصلحة الإستراتيجيةالمشتركةفيالتصديللاتحادالسوفيتيقدأجلتكلصراعمصالحبينالطرفين.
  • من 1990 إلى الآن في ضوءالتغيرالذيعرفته الأوضاعالدوليةبعدنهايةالحربالباردة حدثتتغيراتكبرىفيمسار العلاقات الصينية-الأمريكية،مماأثرعلىتطورالمشكلةالتايوانيةحيثعرفت العلاقاتالأمريكيةالصينيةأكثر من أزمة:
  • الأزمةالأولىفي 1992 نتجتعنبيعالولاياتالمتحدة 15 طائرةعسكريةمن طراز ( أ.ف -16) لتايوان.
  • الأزمةالثانية في 1995 بعدقيامالرئيسالتايوانيليدنغهويبزيارةالولايات المتحدة، وقدتطورتهذهالأزمةإلىحدالاحتكام الاحتكام(تكرار)إلىالسلاحبإرسالالولاياتالمتحدةحاملةطائراتإلىمضيقتايوان.[26] 
  • الأزمة الثالثة كانت في 1999 بعد أن أعلنالرئيسالتايواني ليدنجهوي عن نظرية دوليتين” فيمكاننظرية “صينواحدةبنظامين” التيتؤمنبهاالصينوتدعوإليهاوإلىاحترامها. هذاالإعلان أعقبه تهديدات من الجانبين ونزاع كاد أن يفضي إلى صدام بينتايوانوالصين. ورغم أنالولاياتالمتحدة أكدت حينها علىتأييدهالمبدأصينواحدة،وعدمتأييداستقلالتايوان. إلا أنها أكدت من جهة أخرى على اضطلاعهابمسؤوليةضمانأمنتايوان،وزيادةتعزيزالعلاقاتالأمنية والعسكريةبينالولاياتالمتحدةوتايوان.[27]

وظلت العلاقة بين الجانب الصيني والأمريكي يشوبها التوتر في ملف تايوان رغم تصريحات الرئيس بوش الابن الرافضة لمبادرة “شين” بشأن استقلال تايوان وتصريحات براك أوباما باعتبار استقلال تايوان يمثل تهديدا للوضع القائم الشديد الحساسية، وقد عمل على ضرورة إقامة علاقة مستقرة مع الصين نظرا لبروز تحديات أمنية خطيرة لأمريكا منذ أحداث 11 سبتمبر. وظلت الإدارة الأمريكية طيلة الفترة الرئاسية لبوش و أوباما كسابقها تنهج سياسة وسط دقيقة بين الصين التي تربطها بها مصالح اقتصادية وسياسية قوية من ناحية، وبين تايوان التي تحظى بعناية أمريكية خاصة حيث الأيديولوجيا المتقاربة والموقع الاستراتيجي لتايوان بين دول آسيا (آسيا) والذي يحقق للإدارة الأمريكية مصالحا من نوع آخر، ولعل ما يؤكد هذا النظر تصريح الرئيس التايواني ما إن جو حينما سأله الصحفي فادي سلامة عما إذا كان الرئيس المرتقب لولاية واشنطن سنة 2008 سيغير من سياسته اتجاه تايوان؟ فقال: أيا كان الفائز بواشنطن فإن سياستها لن تتغير سواء اتجاه الصين أو تايوان فهذه السياسة حافظ عليها سبعة رؤساء أميركيين سابقين متعاقبين.

إلا أنه يبدو أن ترامب قد خالف النهج و وضع سياسة الولايات المتحدة المتبعة منذ نحو 40 عاما موضع الشك حينما استقبل ولأول مرة منذ1979 اتصالا هاتفيا من الرئيسة تيوان تساي إنغ-ون تهنئه فيها على فوزه في الانتخابات الرئاسية فخرق بهذا الاتصال الهاتفي المباشر أحد مبادئ الدبلوماسية الأمريكية، ما تسبب في احتجاج دبلوماسي صيني، فاضطرت إدارة أوباما إلى الاتصال ببكين مؤكدة أن سياسة واشنطن في مسألة “صين واحدة ” لم تتغير.[28] لكن حينما سئل ترامب في حديث له مع قناة فوكس نيوز عن الموضوع، قال:”أنا لا أريد أن تملي علي الصين كيف أتصرف…” وأضاف متسائلا: “بأي حق يمكن لأمة ما أن تسمح لي بالرد على الاتصال الهاتفي أو لا؟”.

وفي أكتوبر2017 كانت الأزمة الثالثة حينما أعلنت الوزارة الخارجية الأمريكية أن رئيسة تايوان ستعبر إلى أراضي الولايات المتحدة وأن هذا العبور سيكون بشكل “خاص وغير رسمي ” [29]. وهو ما اعتبرته بكين تلاعبا من الإدارة الأمريكية على أعصاب بكين، بل و ضغطا على وترها الحساس. وكانت مناسبة “الذكرى الأربعين لبيان السياسي بشأن تايوان ” مناسبة للرئيس الصيني، شي جينبينغ لعتاب أمريكا وتهديد تيوان، بإمكانية استخدام الصين للقوة العسكرية لإعادة بسط سيادتها على جزيرة تايوان التي حكمها نظام مناهض لبكين منذ انتهاء الحرب الأهلية الصينية عام 1949. وإن إعادة الوحدة يجب أن تجري في إطار مبدأ الصين الواحدة الذي يقر بأن تايوان جزء من الصين”. في المقابل خرجت الرئيسة التايوانية مطالبة من حلفائها المساعدة في الدفاع عن سيادة تايوان، و متّهمة بكين بشن “حملة متعمّدة” لتقويض الديموقراطية في الجزيرة برفضها التحاور مع حكومتها، بل وتهديد الصين لها عسكريا [30].و إن حدث واندلع الصراع فإن تايوان ستكون مجالا للصراع بين القوة البحرية الأمريكية والقوة البرية الصينية كونها تقع في كلا المسرحين، فهي جزيرة يمكن لواشنطن أن تستخدم قدراتها البحرية الأكثر تفوقا، بما في ذلك السفن والطائرات، للدفاع عنها ضد القوات الصين البرية. و قرب تايوان من بكين جغرافيا يحقق للصين تفوقا عسكريا لردعها عن استقلالها الكامل. وهكذا تظل الجزيرة الأم تردع تايوان بقوتها البرية والولايات المتحدة الأمريكية تردع الصين بقوتها البحرية [31].

وعموما ترتبط السياسة الأمريكية إزاء تايوان بالأوضاع التي يشهدها مضيق تايوان إلى حد كبير، وتظهر هذه العوامل تأثيراتها مع تغير السياسة الأمريكية تجاه المشكلة التايوانية، حيث يمكن توضيحها كالتالي:

أولا: السياسة الأمريكية اتجاه الصين: حيث تتأثر المعالجة الأمريكية للقضية التايوانية بطبيعة ونوع العلاقة القائمة مع الصين، كما تم توضيح ذلك سابقا.

من المنظور الصيني، ترجع المطالبة بأحقيتها في تايوان إلى التاريخ، وإلى التفسيرات القانونية، وأيضا في العاطفة السياسية الصينية فقضية تايوان تدرج دائما في بند “إذلال” الصين على أيدي قوى أجنبية، إضافة إلى ذلك ترتبط مطالبة الصين بالسيادة على تايوان بقضايا الاستقرار الوطني، وبقاء النظام وشرعية الحكام، صحيح أنه لم يرد ذلك في أي وثيقة رسمية صينية، إلا أن التحليلات المعلنة للرؤساء والباحثين الصينيين تدرج تايوان في باب الأهمية القصوى لمحافظة الصين على توازنها واستقرارها. الملاحظة الأساسية التي يجب أن تورد بالموازاة مع حقيقة تغير السياسة الأمنية الأمريكية اتجاه تايوان هو استعدادات الصين لتقديم فكرة أكثر مرونة لمبدأ “صين واحدة”، ففي العادة يستخدم هذا المبدأ للدلالة على تبعية تايوان للصين، أي وجود صين واحدة وتايوان جزء منها. فهناك صين واحدة في العالم، وأن البر الرئيسي وتايوان ينتميان إليها، وأن سيادة الصين ووحدة أراضيها كل لا يتجزأ. فما من مرونة تبديها الصين إلا وهي ردة فعل براغماتية على الوقائع الناشئة في تايوان وخاصة من الناحية الاقتصادية.

ثانيا: تأثير الإستراتيجية الأمريكية تجاه آسيا في القرن 21 حيث تأثرت السياسة الأمريكية اتجاه القضية التايوانية، بطبيعة الإستراتيجية الأمنية الأمريكية تجاه منطقة شمال شرق آسيا والقارة الآسيوية ككل، وهو تحقيق استقرار نسبي في المنطقة، لذلك فقد اتخذت الولايات المتحدة من تايوان منطلقا لتحقيق الاستقرار النسبي، حيث استعملت تايوان كمنطقة أساسية للحفاظ على الوجود الأمريكي (العسكري)، بالإضافة إلى كون تمسك الولايات المتحدة بضرورة حماية أمن تايوان ينبع من كسب ثقة حلفائها في المنطقة وتأكيد زعامتها المطلقة عليها. [32]

ثالثا: إن الاهتمام الأميركي بتايوان لا ينبع من فراغ، وإنما من أهميتها للمصالح الأميركية البالغة الأهمية في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم.

فالموقع الجغرافي لتايوان، من مضيق تايوان وقناة باشي الممرين البحريين الرئيسيين اللذين يربطان شمال شرق آسيا بجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، هذا الموقع يشكل أهمية خاصة لحلفاء واشنطن مثل اليابان التي تعتبر تايوان مهمة لأمن حدودها الجنوبية، كذلك الفليبين في ما يتعلق بحدودها الشمالية. ولا ننسى أن كلّ دول المنطقة تقريباً تسيطر عليها المخاوف والهواجس عقب تنامي وتزايد نفوذ الصين. أضف إلى هذا أن واشنطن تعيد ترتيب أولويات سياساتها الخارجية ومصالحها الأمنية عقب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي لم يعد هو التهديد والخطر الأساسي للمصالح الأميركية، بل النزاعات الإقليمية.

وللولايات المتحدة دور مهم يمكن أن تلعبه في الحفاظ على التوازن بينهما. فكل من بكين وتايبيه تقران بهذا الأمر، وذلك عندما يقوم كلّ منهما سراً بالتواصل مع واشنطن للتأثير على الطرف الآخر[33]. لذا على الإدارة الأمريكية سواء خلال الفترة الرئاسية لترامب أو بعده أن تؤكد على أعلى المستويات، في سياستها القائمة على وجود صين واحدة التي هي التي تبناها الرؤساء الأميركيون الآخرون… كما أن عليها رفض الزيارات المستقبلية التي يقوم بها كبار المسؤولين التايوانيين حتى يتم إعادة بناء علاقة واشنطن ببكين، وفي المقابل تعزيز وتقدير أهمية تايوان “كشريك تجاري وككيان ديمقراطي”. وذلك من خلال مساندة عضويتها في المنظمات الدولية التي لا تتطلب التمتع بصفة دولة، كما يجب أن تضمن بأن تايبيه تمتلك رادعاً عسكرياً يتميز بالكفاءة، خصوصاً في الوقت الذي ظلت فيه بكين تعمل على تحديث قواتها المسلحة. إلا أنه على أميركا أن تحذر تايوان من مغبة اتخاذ خطوات إضافية تعمل على زعزعة الإطار الذي تمكنت تايبيه بواسطته من تحقيق أمور كثيرة… وأن تذهب في ذلك إلى المدى الذي تعرف فيه تايبيه أن واشنطن لن تعترف بأن إعلان الاستقلال يصدر عن جانب واحد”.

وعلى الولايات المتحدة أن تعبر عن معارضتها الشديدة لاستخدام الصين للقوة أو اللجوء إلى ترهيب تايوان. أما في ما يتعلق بإمكانية تدخل الولايات المتحدة في حالة حدوث عمل عسكري، فعلى واشنطن أن تبقى خياراتها مفتوحة، وأن تظل كأداة توازن بين تايوان والصين فبإمكانها أن تلعب دورا في غاية الأهمية في تفاقم النزاع بينهما، كما ويمكنها من خلق تقارب قوي بينهما عن طريق محاولة التعاون في مجال السياسة الخارجية مما قد يعزز حماية المصالح الأميركية الحيوية و تعزيز مصداقية أميركا في الخارج [34].

وبالرغم من أن الوضع حاليا في مضيق تايوان لا يبدو على وشك التحول إلى وضع عسكري خطير، إلا أن التهديد بحدوث زعزعة فجائية للأوضاع ما زال قائماً. رغم أن النزاع غير مدرج على جدول أعمال منبر “آسيان” الإقليمي أو أية منظمة أمنية أخرى. الأمر الذي قد بدأ يقرّب الطرفين من بعضهما البعض، على الأقل نظرياً.[35] لذا سيعمل الطرفان ومن مصلحتهم جميعا على تجنب الحل العسكري والصراع المباشر لأن نزاعا من هذا النوع سيؤدي إلى مواجهة نووية مباشرة بين الصين والولايات المتحدة وهذا ما يتفاداه كلاهما إلى الآن على الأقل.

ثانيا: الملف النووي الإيراني

تعتبر أهمية الموقع الجغرافي لإيران المتمثلة في سواحلها المطلة على خليج عمان والخليج العربي قيما غير اعتيادية في إعطاء إيران وزنا جيو بوليتيكيا مميزا نظرا لأهمية هذه العوامل التي تساعد في بناء قوات البحرية، وذلك يربط عالم المحيط الأطلسي بالمحيط الهندي، وهي دولة أيضا تتمتع بموقع جيو استراتيجي يربط بين الشرق والغرب، فمن خلال ما تم ذكره نرى أن هذه الامتيازات التي تمتلكها إيران تجعلها في مقدمة الدول التي تمتلك قوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط مما يرجح أن تكون لها مكانة إقليمية ودولية بل عالمية في جميع المجالات، الاقتصادية منها والعسكرية والسياسية[36].

ولم تكتف إيران بهذه الامتيازات فقط، بل عملت أيضا على خوض غمار الإنتاج النووي، وذلك في خمسينات القرن الماضي بمساعدة كاملة من الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي كان له دور في قطع أشواط في اكتساب الخبرة النووية. لكن مع الثورة الإيرانية 1979 تم إيقاف الأبحاث النووية خاصة مع إصدار الخميني لفتوى تحرم السلاح النووي.

وفي بداية التسعينات عادت إيران لمتابعة برنامجها النووي وبتعاون مع روسيا بشكل أساسي ومع الصين. إلا أن ما يسمى البرنامج النووي الإيراني تصاعد بعد حرب غزو العراق 2003. وفي تلك الفترة قدمت إيران محمد خاتمي عرضا سخيا للغرب من خلال الديبلوماسية السويسرية حيث عرف ذلك العرض باسم “الصفقة الكبرى” Grand Bargain تعهدت إيران في ذلك العرض بالشفافية الكاملة حول ملفها النووي وإيقاف دعمها لحماس وحزب الله مقابل ضمانات أمنية كاملة من الولايات المتحدة الأمريكية وتطبيع كامل للعلاقات معها. لكن إدارة جورج بوش رفضت ذلك العرض بدعوى الشك بصدقيته.

وفي عام 2006 بدأت مفاوضات ما يسمى مجموعة الخمسة زائد واحد والتي تضم: الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين، بالإضافة لألمانيا مع إيران. وتتابعت سلسلة التوترات حول هذا البرنامج[37].

ومع مرور الوقت أصبح البرنامج ضمن مقدمة الملفات على الساحة الدولية، وموضوع نقاش مهم بين الدول الكبرى، ليدخل بعد ذلك حيز الاتفاق من أجل التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف ليصبح من ضمن المسائل في مجلس الأمن، مر البرنامج النووي الإيراني بالعديد من المراحل منذ انطلاقته، وقد تأثرت المراحل بالبيئة الدولية والإقليمية وكذلك البيئة الداخلية في إيران. و مؤخرا بدا جليا خلال الفترة الماضية السباق بين إيران والولايات المتحدة على كسب الصين في قضية العقوبات الدولية التي فرضتها على طهران على خلفية برنامجها النووي.

ففي الوقت الذي توجه فيه وزير النفط الإيراني مسعود مير كاظمي إلى بكي لإجراء محادثات مع مسؤولي الطاقة الصينيين والعمل على جلب استثمارات صينية إلى مصافي النفط الإيرانية، فإن روبرت إينهورن المستشار الخاص لشؤون عدم الانتشار النووي في وزارة الخارجية الأمريكية قصد هو الآخر بكين لحثها على التزام تطبيق العقوبات الدولية على إيران في برنامجها النووي، و دعا الصين إلى إدراك أن لها مسؤوليات دولية بصفتها عضواً دائماً في “مجلس الأمن الدولي” تقتضي منها تطبيق العقوبات المفروضة على طهران، وأن السباق على كسب الصين يعود إلى أهميتها في نجاح العقوبات على طهران أو فشلها بالنظر إلى علاقاتها النفطية والتجارية القوية مع الجانب الإيراني، على اعتبار أنها ثاني مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة.

واحتلت إيران في النصف الأول من سنة 2010 المركز الثالث بين موردي النفط الخام إلى الصين بشحنات بلغت تسعة ملايين طن. وتعول إيران على الصين كثيراً في ضخ استثمارات تساعدها على التغلب على نقص البنزين لديها تأثراً بالعقوبات الدولية والأوروبية والأمريكية.

وعلى الرغم من أن بكين قد أعلنت التزامها العقوبات التي تقررت في قرار “مجلس الأمن الدولي” بشأن إيران، فإنها أكدت صراحة معارضتها العقوبات الأمريكية والأوروبية على أساس أنها عقوبات خارج إطار الأمم المتحدة، وأعلن نائب وزير النفط الإيراني أن الصين تعد الشريك التجاري والاقتصادي الأول لبلاده استثمرت قرابة 40 مليار دولار في قطاعي النفط والغاز الإيراني. هذا الموقف الصيني أقلق الولايات المتحدة بشدة، وقد قامت بالتحرك على مسارين لمعالجته: المسار الأول هو الحوار وهو ما قام به روبرت إينهورن في زيارته، المسار الثاني هو الضغط السياسي والاقتصادي، في هذا السياق أتت الانتقادات الأمريكية لعدم التزام الصين الكامل العقوبات على إيران، وفي هذا السياق دعا بعض نواب الكونجرس إلى فرض عقوبات فورية من قبل الولايات المتحدة على الصين وروسيا حول استثمارات قامتا بها في قطاع النفط الإيراني.

ومن الواضح من طبيعة الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الصين في هذا الشأن، أنها ضغوط ذات جدية كبيرة، كما أن أوروبا انضمت إلى واشنطن فيها، ومن ثم تصبح بكين في مواجهة ضغط أمريكي-أوروبي مشترك يجعل رفضها التزام العقوبات الأمريكية والأوروبية على طهران ذا ثمن كبير ربما لن يمكنها احتماله كثيراً، خاصة في ضوء ثلاثة عوامل: الأول هو مصالح الصين الاقتصادية والتجارية الكبيرة مع الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن أوراق الضغط العديدة التي يمكن أن تستخدمها واشنطن في مواجهتها، العامل الثاني هو أن الغرب يرى في إثارة بكين لقضية احتياجها النفطي إلى إيران أمرا مبالغا فيه، خاصة مع التقارير التي أشارت إلى أن الغرب مستعد لتوفير مصادر بديلة للصين في ما يتعلق بالنفط الإيراني، العامل الثالث هو أن الصين تبدو واقفة مفردها في الدفاع عن إيران في قضية العقوبات حيث يبدو الموقف الروسي أقرب إلى موقف الغرب في هذه القضية[38].

وقد كانت الصين قبل ذلك أشد الدول حرصاً على إنجاح مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، وذلك بالدفع لتنازل المتبادل خطوة بخطوة لإنجاحه، وهذا الجهد اعترف به الرئيس الأمريكي باراك  أوباما.[39] الاتفاق الذي أبرم في أبريل 2015، بعد 21 شهراً من المفاوضات 1. بموجبه سيتم تقيد البرنامج النووي الإيراني الذي يصر الغرب على أن له أبعادا عسكرية في حين تصر إيران على أنه سلمي، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والمعرفية المفروضة على إيران بعد التأكد من وفائها بالتزاماتها الصارمة على الأنشطة والمنشآت النووية الإيرانية، ويضع قيودا على مستوى تخصيب اليورانيوم م والبلوتونيوم، ويحدد أجهزة الطرد المركزي التي تملكها إيران، وبالنسبة للشق الذي ينص على رفع العقوبات على إيران لن يدخل حيز التنفيذ حتى تصادق الوكالة الدولية للطاقة الذرية على وفاء إيران بالالتزامات الواردة في الاتفاق كافة.  

والاتفاق مرتبط بمسألة خطر مبيعات الأسلحة التقليدية والصواريخ البالستية، أو التكنولوجيا المؤدية إليها لإيران، وكان هذا أيضا إحدى نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة وبين إيران المدعومة بالموقفين الروسي والصيني، وكحل وسط اتفق الطرفان على أن يستمر حظر معظم مبيعات الأسلحة التقليدية لمدة 5سنوات أخرى، في حين يستمر الحظر بين الصواريخ التكنولوجية المؤدية إليها إلى 8سنوات قادمة والخروج بآليات لمنع إيران من امتلاك السلاح[40].

خلاصة القول أن الاتفاق النووي بين إيران و 5 + 1 هو أمر مهم ليس فقط بسبب خلقها مشاكل للأمن الإقليمي و مشكلات الانتشار النووي فقط، ولكن أيضا بسبب التداعيات المحتملة التي قد تترتب على السياسة الداخلية والخارجية الإيرانية وواقع البعد السياسي له، وهو أمر يتجاوز تعقيد الجوانب التقنية للاتفاق النووي، الي أمر بالغ الأهمية لضمان التوصل إلى حل دائم وطويل الأجل للمسألة. أما إذا ما كانت إيران تلتزم بالاتفاق خلال الإطار الزمني الذي يتراوح بين 10 و 15 سنة أو تقيد من التسلح بعد ذلك فإن هذا يعتمد على الحسابات السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي الحسابات التي تتشكل من سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية. لذلك، فإن أحد أهم السياسات التي ترنو إليها الولايات المتحدة هو تقليل رغبة النخبة الإيرانية في إنتاج سلاح نووي على المدى الطويل. ويهدف هذا المسعي جزئيا إلى جعل الإدارة الأمريكية تبحث عن “اتجاه جديد” مع إيران من خلال التكامل الذي يتكون من مزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي والمزيد من التفاعل مع المجتمع الدولي وقدرة الشعب الإيراني علي الازدهار[41].

    لكن الأوضاع تغيرت بعد مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكم، بحيث أبدى رأيا مناقضا تماما لرؤية إدارة أوباما حول تسوية الملف النووي الإيراني، فقد مارست إدارة ترامب عددا من الإجراءات العقابية ضد إيران حتى قبل الانسحاب من الاتفاق النووي، ومنها مثلا توقيع عقوبات على الإدارة الإيرانية والحجز على عقارات مملوكة للحكومة. وذلك على خلفية برنامجها الصاروخي الباليستي وسياستها في المنطقة والتي اعتبرتها إدارة ترامب تهديدا للأمن الإقليمي والعالمي.

وفي مايو 2018 أقدم على ما هو أكبر وهو الانسحاب الفعلي من الاتفاق النووي الذي أبرم بين إيران والسداسية الدولية (مجموعة 5+1)ومن ثم أتبعه بسلسة من العقوبات الاقتصادية والتي تم تنزيلها في مرحلتين:

  • عقوبات المرحلة الأولى:بتاريخ 7 أغسطس 2018، وشملت العقوبات صادرات النفط والشحن والمصارف المالية وحظر التعاملات التجارية وتبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية. وكل القطاعات الأساسية في الاقتصاد الإيراني بالإضافة إلى حظر استيراد أو تصدير التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري.
  • عقوبات المرحلة الثانية: طبقت هذه العقوبات بتاريخ نوفمبر 2018، وتمركزت تفاصيلها حول فرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني، وخاصة قطاع النفط، وضد الشركات، التي تدير الموانئ الإيرانية، إلى جانب الشركات العاملة في الشحن البحري وصناعة السفن. أضف إلى ذلك فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني وتعاملاته المالية.
  • عقوبات أخرى: ما بين أبريل إلى يوليو 2019 صعدت الإدارة الأمريكية من نهج عقوباتها على إيران، بحيث أوقفت تمديد الإعفاءات من عقوبات النفط التي منحتها لثماني دول باستيراد النفط الإيراني، كما هددت في إطار ذلك بعقوبات على الدول التي تخرق الحظر[42].

الرد الإيراني ربط التزام بلاده بمدى التزام الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق، فيما أبدت الخارجية الصينية أسفها لقرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وتعلن مواصلتها العمل لحماية الاتفاق وتدعو كل الأطراف المعنية به إلى التحلي بالمسؤولية. 

أما الصين فتتجه في جانب مخالف للولايات المتحدة، حيث تواصل استيراد نفط إيران، متحدية العقوبات الأمريكية، بحيث تم رصد ما بين 4.4 و 11 مليون برميل من النفط الخام الإيراني جرى تفريغها في الصين في شهر أغسطس 2019، أي ما بين 142 و 360 ألف برميل يوميا، وذلك من طرف الشركات التي ترصد حركات الناقلات. كما تستثمر الصين حوالي 280 مليار دولار في القطاعات الإيرانية المستهدفة بالعقوبات، وهي قطاعات النفط، والغاز، والبتروكيماويات الإيرانية، التي تتضرر جراء العقوبات الأمريكية[43].

فمن البديهي أن تنزعج الصين من هذا الانسحاب، فالصين كما قال مايكل سينغ الخبير بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الأمريكي تعتبر الشريك الأمني الذي لا غنى عنه لطهران والمزود الرئيسي لها بالأسلحة والمكونات النووية الأساسية، وإن نهج بكين مدفوع برغبة في بلورة محصلة دبلوماسية معينة للحيلولة دون أي من محصلتين غير مرغوب فيهما، وهما قيام حرب أمريكية –إيرانية يمكنها أن تعرض واردات الصين النفطية من الخليج العربي للخطر، أو حدوث تقارب أمريكي-إيراني يمكنه أن يترك المجرى المائي محاطا بالشركاء الأمريكيين.

 ثم إن مبادرة الرئيس الصيني شي جين بينغ التي تحمل عنوان “حزام واحد وطريق واحد ” التي يروم من خلالها إلى إنشاء سلسة من حلقات الربط والبنية التحتية والملاحة تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وموقع إيران في ملتقى الطرق بين هذه المناطق يجعل طهران مهمة بالنسبة لبكين.

وإذا أخذنا بالحسبان سجل إيران الحافل بالعمل مع إقليمها، فإن المساعدة الصينية ووقوفها الدائم مع طهران يمكنها بشكل أو بآخر أن تقدم للصين موطئ قدم مهما واستراتيجيا في الشرق الأوسط إذا ما رغبت في تحدي النفوذ الأمريكي بالمنطقة.

و من كل ذلك يمكن أن نقول عن الموقف الصيني المدافع عن إيران جراء إلغاء الاتفاق النووي من طرف الولايات المتحدة هو “موقف لا ينم عن التزام بمبادئ القانون الدولي بقدر ما هو موقف ناجم عن مصالح اقتصادية، الشيء الذي لم يجده ترامب بهذا الاتفاق، و سعيا منه لطمأنة دول الخليج وتخليصها من الهاجس الصاروخي الإيراني.

ثم إن تصور الولايات المتحدة الأمريكية الرافض للبرنامج النووي الإيراني، لم يكن وليد اللحظة ولا يقتصر على خشية تطويره للاستخدامات العسكرية، أو بسبب نظام طهران المعادي للولايات المتحدة الأمريكية والغرب، أو حرصا على التفوق الإستراتيجي لإسرائيل والتزاما بأمنها في المنطقة فقط، إنما كان متضمنا لمصالح أمريكية أولا، وخوفا من عدم المسؤولية والعدوانية التي يتصف بها حكام الشرق الأوسط ثانيا.

أما الجانب الإيراني فهو مستعد أكثر من أي وقت مضى أن يعرض على الصين مشتريات النفط بخصومات مستمرة، بسبب الضغوط الأمريكية التي حوَّلت اقتصادهم إلى زبونٍ أسير لبكين. والصين مستعدة بشكل متزايد لاستغلال الضغوط الأميركية على إيران لإثبات أنها شريكة وحليف مسؤول. ومن الناحية السياسية ستقول إن تعددية الأطراف طريق إلى الأمام في حل توترات الشرق الأوسط. ففي الوقت ذاته تولي بكين اهتماما كبيرا لحساسيات واشنطن تجاه طهران، وهذا يبدو جليا في الأرقام الاقتصادية الأخيرة من الأشهر الخمسة الأولى للعام الجاري التي تظهر أن تجارة الصين مع إيران انخفضت بشكل ملحوظ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق[44].

وإذا حدث و انهار الاتفاق النووي وهو السيناريو الأقرب إلى الواقع نتيجة هشاشته في الظرف الحالي، فإن ذلك سيؤدي إلى:  

  • تراجع استيراد النفط والغاز الإيراني والمعاملات المالية مع البنك المركزي بسبب العقوبات الملاحقة للمتعاملين مع إيران خصوصا مع إدارة ترامب، الأمر الذي سيؤثر على أسعار النفط التي ستشهد ارتفاعا نتيجة حرمان إيران من التصدير، وبالتالي نقص في النسبة المصدرة لمجموعة أوبك، المكسب الذي أضاعته الصين مع انهيار الاتفاق.
  • عودة عامل من عوامل التوتر بين بكين وواشنطن، فملف النووي الإيراني يشكل قضية من القضايا الخلافية بين البلدين، وانهيار الاتفاق سيسهم في تأجيج التوتر بين البلدين وتبادل الاتهامات بدعوى التضييق واستهداف مصالح أحد الطرفين.
  • تخفيض التعاون الاقتصادي والتجاري لا قطعه.

فلا يوجد أدنى شك في أنَّ الصين مستعدة على نحوٍ متزايد لاستغلال ولع إدارة ترامب بالتحرُّك أحادياً من أجل ترسيخ سُمعة بكين باعتبارها شريكة مسؤولة. وبالتالي ستلعب الصين بورقة إيران بما يتماشى مع هذا. فستحاول بكين ولو بشكل نسبي ملء الفراغ التجاري والاستثماري الذي تركته الشركات الغربية التي غادرت إيران، وربما ستُشجِّع على تجارة أكبر يهيمن عليها اليوان الصيني. وعلى الصعيد السياسي، سيستغل الصينيون المواجهة النووية للمحاججة بأنَّ النهج متعدد الأطراف هو السبيل للمضي قدماً لحل التوترات في الشرق الأوسط. [45]و يُمثِّل هذا صفعة للأحادية الأمريكية التي أجهضت دور الفاعلين الإقليميين والدوليين بالدفع بالاتفاق النووي نحو الانهيار، الأمر الذي قد يدفع طهران إلى الارتماء في أحضان التنين الصيني، خاصة حال خضوع أوروبا لإملاءات ترامب، هذه الخطوة ووفقا لدراسة حديثة صادرة عن معهد بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجيّة في تل أبيب ستُشكّل عاملاً رئيسياً في السعي إلى تشكيل البنية المستقبلية للطاقة الأوراسية، مما قد يدفع طهران إلى تفضيل بكين بدلاً من أوروبا في تخصيص الفائض المتوقع خلال السنوات الخمسة القادمة، مما ينعكس إيجاباً على قوة الصين الاقتصادية ومن ثم السياسية.

 ثالثا: الملف النووي لكوريا الشمالية

 إن سعي بيونغ يانغ إلى امتلاك سلاح النووي خاص بها، والذي زاد تحت قيادة كيم جونغ أون، أثار شبح اندلاع سباق تسلح إقليمي بالقرب من حدود الصين، واحتمال شن الولايات المتحدة وحلفائها عملا عسكريا استباقيا، أو نشوب صراع غير مقصود، وهو الشيء الذي لا تستطيع بكين تجاهله لما له من خطورة عليها، بل إن بكين تشهد قلقا بالغا في أوساطها السياسية من احتمال قبول الولايات المتحدة كوريا الشمالية كحليف نووي لها أو على الأقل كدولة صديقة.

خصوصا أن العلاقة بين البلدين قد شهدت تحسناً في تسعينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، وتوّجت بزيارة وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين أولبرايت إلى بيونغ يانغ أواخر عام 2000.

ومع 2006 برزت جليا الطموحات النووية لكوريا الشمالية، حيث أجرت أول تجربة نووية ناجحة بعد أن كانت أوقفت العمل في 2005، بتجميد إنتاج الصواريخ بعيدة المدى. الأمر الذي أثار حفيظة المجتمع الدولي فأصدر مجلس الأمن قرارا فرض بموجبه عقوبات اقتصادية وتجارية.

وفي 2007 وافقت بيونغ يانغ على تفكيك برنامجها النووي واستقبال مفتشين تابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل الحصول على مليون طن من الوقود، وسحب اسمها من اللائحة الأميركية للدول الداعمة للإرهاب.

وفي 2009 انسحبت بيونغ يانغ من المفاوضات بين الدول الست الكوريتين والصين وروسيا والولايات المتحدة واليابان) التي كانت بدأت في 2003، ثم أعادت تفعيل برنامجها النووي.

وفي2013 أشرف الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على ثالث تجربة نووية كورية شمالية، ما أدى إلى تصاعد التوتر في شبه الجزيرة، وفرض عقوبات جديدة للأمم المتحدة على البلاد.

وفي 2013 أطلقت بيونغ يانغ صاروخين باليستيين عابرين للقارات، وأكد كيم جونغ أون أن كل الأراضي الأميركية باتت في مرماه.

وفي 2017 تصاعدت حدة التصريحات العدائية والتهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الشمالية إلى مستوى لم تبلغه في تاريخ العالقات المتوترة بين البلدين منذ انتهاء الحرب الكورية عام 1953، ووصل الأمر إلى حد التهديد المتبادل بحرب نووية مدمرة. فقد بدأ التصعيد مع إجراء كوريا الشمالية تجربتي إطلاق صاروخين باليستيين عابرين للقارات في يوليو 2017، متحدية بذلك الولايات المتحدة وقرارات دولية كثيرة. و تزامن ذلك مع تقدير استخبار ي أميركي صادر في يوليو 2017،رجح نجاح بيونغ يانغ في تطوير رؤوس نووية صغيرة يمكن تحميلها على صواريخ عابرة للقارات؛ وهو ما يعني تجاوز عتبة رئيسة في طريق تحول.

كما أشار تقدير استخباري أميركي آخر إلى أن كوريا الشمالية قد تكون رفعت بيونغ يانغ إلى قوة نووية كاملة، مخزون ترسانتها من القنابل النووي يصل إلى ستين قنبلة. و إضافة إلى ذلك، فإن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية باتوا مقتنعين بأن كوريا الشمالية أصبحت تملك القدرة على إنتاج محركات صواريخ و أنها ليست في حاجة إلى استيرادها.

أخطر ما في التقديرات الاستخبارية الأميركية حول القدرات الصاروخية والنووية الكورية هو أن برنامج بيونغ يانغ النووي يسير أسرع مما كانت تتوقعه الاستخبارات الأميركية؛ إذ يبدو أن البلد الشيوعي المعزول، والذي أجرى أول تجربة نووية عام 2006،قد يكون وصل، أو اقترب من الوصول، إلى القدرة على ضرب البر الرئيس في الأراضي الأميركية “Mainland.”في حين يبدو من المؤكد الآن أن الصواريخ الباليستية الكورية المحملة برؤوس نووية حربية صغيرة قادرة على ضرب جزر أمير كية في المحيط الهادئ، مثل هاواي و غوام.

 أمام هذه التطورات المقلقة للولايات المتحدة، بادرت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تشديد الضغوط على نظام كيم جون أون، وردا على تجربتي إطلاق الصاروخين الباليستيين، فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإجماع أعضائه الخمسة عشر، بما في ذلك روسيا والصين، عقوبات جديدة على بيونغ يانغ. وتستهدف العقوبات تخفيض عائدات الصادرات الكورية، والتي تبلغ نحو ثلاثة مليارات ًدولار سنويا..[46] وسرعان ما تحولت هذه التهديدات، والتصعيد من الجانبين إلى مبادرة من طرف كيم جون للتفاوض قصد تحقيق تقارب بين الجانبين لتجاوز الخلاف والصدام وتحقيق مصلحة[47].

أمريكا التي عهدت أن تطالب الصين أن تتدخل لها في هذا الملف وجدت نفسها دون وسيط هذه المرة، بشكل سريع وفجائي بعد سنة من التصريحات التهديدية بين الجانبين الأمريكي والكوري، وفي خطوة غير مسبوقة وغير متوقعة وجه كيم جون أون الدعوة إلى ترامب فوافق هذا الأخير.

ذلك ما لا تريده بكين، فتصرفت بسرعة لتؤكد موقفها و دورها في القضية الكورية الشمالية وأنها اللاعب الأساسي في شبه الجزيرة الكورية سواء في صراع الكوريتين أو في الملف النووي لكوريا الشمالية، فهي تعتبر نفسها ذات الأحقية في استغلال أي فرصة لممارسة نفوذها في المنطقة، وخدمة مصالحها.

فكان اللقاء السري بين كيم وشي، الذي تم خلاله نقاش الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية وضمان “وجود السلام والاستقرار وحل المشكلة من خلال الحوار والمفاوضات.

 هذا يؤكد تخوف الصين من أن تجري الأمور بما لا تشتهي بالتقارب الأمريكي الكوري الشمالي، وألا تكون النتائج مخالفة لمصالحها، بل تعتقد الصين بضرورة تأثيرها في الموضوع وأن تتحكم بزمام الأمور التي تجري بشرق آسيا و أن تقود العلاقة بين أمريكا وكوريا الشمالية.

وبعد أول زيارة خارجية للزعيم الكوري الشمالي للصين بدت بعدها بوادر نجاح المسعى الصيني بشكل أوضح؛ وذلك ببدء التصريحات الكورية المرنة تجاه برنامجها النووي و الصاروخي، و تبع ذلك زيارة لرئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية مايك بومبيو إلى كوريا الشمالية و لقاءه الزعيم كيم، ولتأتي تصريحات ” بيونغ يانغ ” بأنها ستعلق برامجها للتطوير النووي والصاروخي لتوضح الصورة بأن صفقة ما قد تمت وأنجزت تماما ولم يعد لقاء ترامب بكيم أون إلا مباركة لهذا الاتفاق وليس لبحث التوصل لاتفاق، وعلق ترامب على هذا الحدث بتغريدة على تويتر قائلا: “كوريا الشمالية وافقت على تعليق كل التجارب النووية وإغلاق موقع تجارب رئيسي. هذا نبأ جيد جدا لكوريا الشمالية وللعالم وتقدم كبير، أتطلع لقمتنا”.

و لاشك أن هذا الإعلان الكوري كان بدافع الحوافز الاقتصادية مقابل تعليق لتجاربها النووية  والصاروخية كما توحي بذلك التصريحات الكورية الشمالية عن التحول للعمل الاقتصادي و للتنمية، ومع أن المطلب الكوري الشمالي–في ظل دبلوماسية التصعيد و التهديد – كان مغادرة القوات الأمريكية لكوريا الجنوبية مقابل تخلي كوريا عن برنامجها النووي إلا أن هذا المطلب غاب في ظل هذه الصفقة تماما، واقتصرت الإشارات المرسلة كلها على جوانب اقتصادية وتنموية.

إن طبيعة الإعلان الكوري الشمالي الأخير عن مستقبل برنامجها النووي كان عن تجميد وليس عن التخلي عن التجارب النووية و الصاروخية وبين الاثنين فرق، فالتجميد يعني قبول كوريا الشمالية بوقف تجاربها مع احتفاظها بحقها في معاودتها في أي وقت تحتاج، بينما التخلي يعني أنها قد قبلت بأن تتوقف تماما عن التطوير النووي و الصاروخي – على الأقل في الالتزامات المعلنة – حاليا ومستقبلا.                                 

وفي يناير 2019 أعلن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أن بلاده تريد إقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، لكنّه حذّر في خطاب بمناسبة رأس السنة من أن بيونغ يانغ قد تغيّر نهجها إذا أبقت واشنطن على العقوبات التي فرضتها على خلفية ملف بيونغ يانغ النووي.[48]

وفي فبراير عقدت القمة الثانية في العاصمة الفيتنامية هانوي، دون التوصل إلى اتفاق،[49] وفشلت المفاوضات مرة أخرى. فخرج ترامب متهما الصين بتعقيدها للأمور وتأثيرها بشكل مباشر في العلاقات الأمريكية-الكورية الشمالية وأن قسما من المشكلة مع كوريا الشمالية مرتبط بالخلافات التجارية مع الصين.[50] ورغم أن الصين من هذا المنطلق تجازف بالنظام الكوري الشمالي؛ فآخر ما تريده الصين هو سقوط النظام الذي سيؤدي إلى محاصرتها بكوريا موحدة حليفة للولايات المتحدة ومعادية لها، بقواعد أميركية عسكرية على أراضيها. فضلا عما سيعنيه وقوع حرب في شبه الجزيرة الكورية من موجات نزوح بشرية هائلة من كوريا الشمالية نحو الحدود الصينية.  لكن يبقى الخيار العسكري خيارا مستبعدا لدى واشنطن نظرا لمعارضة المؤسسات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية الأمريكية التي تدرك أن الألاف من مواطنين أمريكيين مقيمون بكوريا الجنوبية، وعدد مهم من القواعد العسكرية الأمريكية ستكون هدف الصواريخ الكورية الشمالية.

 ورغم لجوء الولايات المتحدة لفرض عقوبات على كوريا إلا أن تلك العقوبات لم تؤد إلى النتائج المرجوة ولم تحل دون حصول كوريا على تمويل خاصة بالتأييد الروسي والصيني والدعم بالتمويل المالي والتجهيزات التي لا تزال كوريا الشمالية تتلقاها من هاتين الدولتين. [51]

وقد لخص بريجنسكي أسباب الفشل المتواصل في التعامل مع هذا الملف من خلال إعطاء الاستنتاجات التالية:

  • أولا: أنكورياالشماليةلمتواجهبشكلمقنعفيأيمرحلةاحتمالأن تفوقتكلفةتصميمهاعلىالحصولعلىأسلحةنوويةالفائدة المرجوةمنالحصولعليها.
  • ثانيا:سمحترددالولاياتالمتحدةفيمعاقبةبيونغيونغرغبةكورياالجنوبيةفيالتمويهمعكورياالشمالية،وبالتاليإضعافالملفالتفاوضيالأمريكي.
  • ثالثا: تمكنتكوريا الشماليةخلالهذهالفترةمنمتابعةسعيهاللحصولعلىأسلحةنووية. وقداستفادتكورياالشماليةوستواصلهذهالاستفادةمنالأسلوبالمرنالذيانتهجتهالولاياتالمتحدةفيتعاملها،حيثمكنهاذلكمناستغلالقوةضعفخصومهاوالمتمثلةفيالمخاوفالدوليةمناشتعالحربعالمية –نووية-.

لذا فالولايات المتحدة لا تملك اليوم الكثير من الخيارات الرادعة في التعامل مع الملف النووي الكوري الشمالي، خاصة مع استمرار التمرد الكوري، واستفزازاته المتواصلة لكل من كوريا الجنوبية واليابان.[52]

رغم ذلك فإن واشنطن كانت ولا تزال تفضل التمسك بخيار الضغوط الاقتصادية في مواجهة البرنامج النووي الكوري، مع إبقاء الخيار العسكري على الطاولة، إذا ما حدث و فشلت كل الجهود   و مّثلت كوريا الشمالية تهديدا أو مصالح حلفائها في شرق آسيا.  

رابعاً: قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان

يعد النظام العالمي الجديد أكثر اهتماما بقضية حقوق الإنسان والحريات المدنية والسياسية، استنادا إلى الأسس الديمقراطية والليبرالية، على النقيض من النظام العالمي القديم الذي اتسم بأن العدد الأكبر من دوله هي دول عسكرية وسلطوية وفردية لا تعطي التقدير اللازم لحقوق الإنسان وحرياته، وفي هذا السياق يعتبر ملف حقوق الإنسان في الصين من ضمن أبرز الملفات المطروحة على الساحة الدولية خاصة في ظل الانتقادات الأمريكية والغربية المستمرة لملف حقوق الإنسان الخاص بالصين، فعلى الرغم من أن المجتمع الصيني أصبح أكثر تعددية في ظل دور أكبر للمنظمات غير الحكومية في توفير الخدمات الاجتماعية، وانتشار أكبر لحركات المعارضة الاجتماعية مع زيادة وعي المواطنين، لكن من الجدير بالذكر في هذا الإطار أنه على الرغم من أن حقوق الإنسان في دول شرق آسيا تعد جزءا أساسيا تم النص عليه في دساتير هذه الدول من خلال ألوان عدة من الحقوق في المجالات المدنية والفكرية، إلا أن الواقع السياسي شهد بعض التجاوزات التي تعود إلى سوء معاملة السجناء وإعدام بعضهم سرا، كما اتسم الأمر في كثير من الأحيان بقدر كبير من التسامح من الأفراد انطلاقا من قناعتهم بأولوية الجماعة والدولة على الفرد الذي يضحي من أجل استقرار الدولة.

وبالتالي ينتقد الغرب أوضاع حقوق الإنسان في آسيا ويدعو إلى ضرورة التزمها بالمعايير العالمية لحقوق الإنسان، بينما تتهم دول آسيا الغرب أنه يستخدم مفهوم حقوق الإنسان كأداة من أجل التدخل في شئونها الداخلية بصرف النظر عن اختلاف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدول النامية، حيث تدافع آسيا عن الخصوصية القيمية في مواجهة دعاوى عالمية حقوق الإنسان[53].

وتجدر الإشارة إلى بدايات ظهور قضية حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث لم يصبح تعزيز حقوق الإنسان جزءا من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية إلا في عقد السبعينيات من القرن الماضي.

وانطلاقا من هذا الأمر، تعد قضية حقوق الإنسان من القضايا الشائكة في إطار العلاقات الصينية الأمريكية والتي ترتبط بالأساس بانتقاد الولايات المتحدة المستمر لملف حقوق الإنسان في الصين ورؤية الولايات المتحدة الخاصة بأن رخاء الصين الاقتصادي يحتاج إلى تدعيم من الحريات السياسية والفكرية[54].

 فيما تعتبر الصين أن قضية حقوق الإنسان تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية ورقة للضغط، قصد إرغامها – في بعض الأحيان – على الاستجابة وإجراء التحديث في سجل حقوق الإنسان والأخذ بالقيم والمفاهيم الغربية الرأسمالية وفقاً للمنظور الأمريكي وبما يخدم مصالحها القومية العليا. 

ترى الصين أن حقوق الإنسان شأن داخلي، والمطالبات الأمريكية في هذا الصدد مبعثها التدخل في الاختصاصات الداخلية للصين، فلكل دولة أن تنظم علاقاتها برعاياها وفق ما ترى، وعلى سبيل المثال بعد أحداث الميدان السماوي (تيان أن مين) التي شهدتها العاصمة الصينية بكين في1989،هاجمت الحكومة الصينية الاهتمام الأمريكي بحقوق الإنسان في الصين على أساس أنه تدخل غير شرعي في الشئون الداخلية الصينية، واعتبار ذلك جزءا من استراتيجية أمريكية لتحويل الصين من الاشتراكية للرأسمالية، واعتبرت الصين ذلك تطاولا على سيادتها و لا يحق للولايات المتحدة الأمريكية التدخل في شؤونها الداخلية وخرق سيادتها، وأن كل دولة لها الحرية في تنظيم علاقاتها برعاياها وفقاً لطبيعة نظامها السياسي، وأن قضية حقوق الإنسان في الصين ليس بالضرورة أن تلتقي مع المفهوم الأمريكي، إذ أن للصين ثقافتها وتاريخها الحضاري الذي يحتم عليها صياغة شؤونها الداخلية وفقاً لتصوراتها ورؤيتها الخاصة بها بدون التدخل في شؤونها، إذ يقول الرئيس الصيني جيانغ زيمين: إن كل دولة في العالم تستطيع التقدم في مجال حقوق الإنسان على وفق طريقتها وظروفها الخاصة “[55].

وتعتبر الصين أن الولايات المتحدة الأمريكية دأبت على استخدام قضية حقوق الإنسان وإثارتها بين الحين والأخر، بل وربطت قضايا الديمقراطية و حقوق الإنسان بمدى الامتيازات الاقتصادية التي تنالها من الصين.

بالمقابل ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن الصين تختار ما ترغب فيه من القوانين الدولية وتخترق القوانين التي لا تريد تنفيذها كلما سمحت لها الفرصة.

فيما ترى الصين أن من أولوياتها الكبرى هي النمو الاقتصادي وعازمة وهي على أن لا تدع شيئاً يلهيها عن هدفها المنشود، فضلاً عن أن الصين في عملية انطلاقها الاقتصادي تركز على تحقيق الريادة الاقتصادية والتخلص من الثقافة.

فمثلا، عندما يواجه قادة الصين بأسئلة حول انتهاكات حقوق الإنسان، فإن إجاباتهم تكون شديدة البرجماتية. فبحسب الحكومة الصينية. فإنه يجب تعريف حقوق الإنسان بحيث لا يشمل فقط الحقوق السلبية ضد إساءة المعاملة، لكن يجب أن تشمل – أيضا- الحقوق الإيجابية المرتبطة بالرخاء الاقتصادي. يقولون: إن طريق الصين عبر قيادة الحزب، مشوار التنمية الاقتصادية هو ضرورة من أجل خلق الظروف التي يمكن بها ضمان حقوق الإنسان من صحة ورخاء. ويرون أن القيود على حرية الخطاب وحق الضمير هي قيود ضرورية في هذه المرحلة، وفي ظل هذه الظروف من حيث المضمون فإن قادة الصين يقولون بأن: ضمان حقوق للفرد مماثلة لتلك الموجودة في الديمقراطية الغربية قد يتسبب في سقوط نظامهم. والنظام يبرر وجوده بحقيقة أنه يسهل من عملية النمو الاقتصادي السريع.

وبذلك، فإنهم يخلصون إلى أن اعتقال المنشقين وقمع المظاهرات ليست انتهاكات لحقوق الإنسان. بل هي تقوم بدورها من أجل تحقيق حقوق إنسان أخرى لا تقل أهمية عن تلك الحقوق.

قد تبدو أطروحة مستحيلة بالنسبة لمستمع غربي، لكنها تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار. فهم يدعون بأن حقوق الإنسان تشمل حق الحياة الكريمة الرغدة، وهو حق لا يمكن تحقيقه في الدولة إلا عن طريق تحقيق بعض التنمية الاقتصادية، وهو ما قد يبدو مقبولا بالنسبة للغربيين. تخيل شخصا يعيش بلا سكن ولا صرف صحي ولا تعليم أو تغذية مناسبة. قد يكون لديه حق حرية التعبير وحق الممارسة الدينية، وقد يكون لديه حق الانتخاب. لكن لا شك في أن هذا لا يكفي بالنسبة لشخص مشهد حياته محدود للغاية بسبب الظروف. ثم لا يجب على مناصري حقوق الإنسان أن يفترضوا أن هذه الأطروحة التدريجية هي على سبيل النفاق، فالعديد من نخب الحزب الشيوعي تؤمن فعلا بأن نظام الحكومة الذي يطورونه براجماتيا يوفر أفضل حل ممكن من أجل تحسين حياة المواطنين في الصين. من الواضح أنه من مصلحتهم أن يؤمنوا بأن بقاءهم في السلطة ضروري من أجل تحقيق حقوق إنسان فعلية[56]. ثم إن الشعب الصيني يعكس توجهات حكومته، وليس هنالك الكثير من الذين يطالبون بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنذ أحداث الميدان السماوي لوحظ العزوف عن الديمقراطية وحقوق الإنسان نتيجة الخوف من عدم الاستقرار في أعقاب تلك الأحداث.

فيما أثار هذا الحدث ردود فعل قوية لدى الشعوب المحافظة واليمينية المتطرفة في و.م. أ وأنصارها وممثليها في الكونغرس الأمريكي، وقد أدى ذلك إلى المطالبة بفرض عقوبات ضد الصين ووقف التطبيع، وكان من أهم هذه المطالب وقف منح الصين حق الدولة الأولى بالرعاية، أما موقف الإدارة الأمريكية فقد جاءت استجابتها لما حدث بشكل متوازن يجمع بين التعبير عن غضب الرأي العام الأمريكي تجاه ما حدث وبين مراعاة المصالح وحماية العلاقة الإستراتيجية.

وفي ظل إدارتي ريغان وبوش الأب بلغت العلاقات بينهما ذروتها من التأزم. و لطالما مارست الولايات المتحدة الأمريكية على الصين الضغط بخصوص سجل حقوق الإنسان واضطهاد الأقلية المسلمة، ونلاحظ أن هنالك عشرات المظاهرات في مختلف أرجاء العالم ويتم قمعها بالقوة ويذهب ضحيتها العشرات بل المئات دون أن يتحرك المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ساكنا إزاء تلك الأعمال القمعية، كالمظاهرات التي حدثت بمصر إبان الانقلاب العسكري ومذبحة رابعة و النهضة وما تبعها من اعتقالات تعسفية وملاحقة المدنيين والتعذيب الذي يطال المعتقلين بالسجون المصرية تحت غطاء محاربة الإرهاب.

أما في ظل رئاسة “بيل كلينتون” فقد أكدت على ضرورة الربط بين حقوق الإنسان والعلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، و من جانب آخر عبر الرئيس الصيني “جيانغ تسه مين” قائلاً: “إن هناك قوى كبرى معينة كثيراً ما تتستر وراء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لتعتدي على سيادة دول أخرى والتدخل في شؤونها الداخلية ولتقوض وحدتها الوطنية وتجانسها العرقي”.

وفي عام 2005 دعا الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش القيادة الصينية خلال زيارته للصين بالسماح بالمزيد من الحريات السياسية والاجتماعية والدينية للصينيين، وضرورة الأخذ بتايوان نموذجا للديمقراطية، وأبدت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها إزاء تقارير وصلت إليها تفيد بتعرض منشقين صينيين للقمع، وقد ازداد التوتر وتبادل الاتهامات في عام 2006 بين البلدين عندما أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرا يدين سجل حقوق الإنسان في الصين وينتقد النظام السياسي لهونغ كونغ والقيود المفروضة على حرية الصحافة.

وقد ردت الصين بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتبع معايير مزدوجة بشأن قضية حقوق الإنسان، مؤكدة بأنها قضية يمكن حلها بالحوار وليس المواجهة وعلى أسس المساواة، مع الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف الظروف وتباينها بين كل دولة وأخرى، وبعيدا عن التسييس واستخدامها كمبرر للتدخل في الشؤون الداخلية للصين. و أن لا تستخدم شعار حقوق الإنسان محاولة منها التحرش بالدول التي تنتهج سياسة مستقلة كالصين[57].

ومع إدارة أوباما تجاوز سيد البيت الأبيض مسألة قضية حقوق الإنسان والديمقراطية لما ينطوي عليه من احتمالات الصدام وأن تقليصا أو تقييدا في التعامل الاقتصادي (العقوبات الاقتصادية) لن يخدم مصالحها البعيدة المدى بل يستدعي ضرورة الفصل بين القضيتين،

وفك الارتباط بين شرط تحسين سجل حقوق الإنسان في الصين وبين العلاقات التجارية بين الدولتين رغم عدم حصول تحسن في سجل حقوق الإنسان في الصين وفق المفهوم الغربي لتلك الحقوق، واعتبر أوباما أن الشركات والمصالح الأمريكية هي الخاسر الأكبر من قطع العلاقات مع الصين أو تقييدها.

ومما ساعد على تجسير التفاهم بين إدارة أوباما وبكين تبني الإدارة الأمريكية الجديدة نهجا مغايرا فيما يخص الموقف من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات حول العالم، إذ أعلن أوباما وطاقمه رفض إدارتهم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى أو ممارسة الضغوط على الأنظمة الحاكمة فيها لحملها على تحسين سجلاتها في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات. و أن هذه القضايا لم تكن حائلا يعوق التقارب والتفاهم المشترك بينهما وبين أي نظام سياسي آخر في أية دولة، وأن إدارته لم ترهن أي تقدم في علاقاتها مع الصين بسجلاتها الحقوقية أو في كيفية التعاطي مع تلك القضايا، وكانت الأولوية للمصالح المشتركة، على ألا تتوقف واشنطن عن دعوتها إياهم بشكل ودي إلى اتخاذ خطوات إيجابية وعملية في هذا الخصوص.

وتأتي تصريحات أوباما في هذا المضمار متناغمة مع مواقفه وتوجهاته التي سبق أن أعلنها قبل أن يغدو الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة، فلم يكن الرجل ميالا باتجاه التدخل لفرض الديمقراطية فلم يكن الرجل تجاه فرض الديموقراطية من خلال التدخل العسكري أو ممارسة الضغوط على الأنظمة المتسلطة حول العالم، وفي أثناء حملته الانتخابية الرئاسية أثنى أوباما على برنت سكوكروفت رغم أنه جمهوري وعمل مستشارا للأمن القومي خلال رئاستي ريجان وبوش الأب، ولم يخف أوباما إعجابه الشديد بواقعيته وعدم إيمانه بفكرة فرض الديمقراطية في الخارج بالقوة.

وفي خطاب له أثناء تتويجه رئيسا لأمريكا أعلن أوباما أن مساعي نضال الجماهير في الدول الأخرى لانتزاع الديمقراطية سوف تكون أمضى من أي تدخل غير مرغوب من قبل بلاده في هذا الصدد. وأن ما على بلاده إلا الدعم المعنوي والتشجيع في هذا الخصوص. 

فيما أصدرت الأمم المتحدة سنة 2015 تقريرا أكدت فيه ” أن الصين لا تزال دولة قمعية، يحكمها “الحزب الشيوعي الصيني” لأكثر من 6 عقود، وتمنع قطاعا عريضا من حقوق الإنسان الأساسية على نحو منهجي؛ منها حرية التعبير، وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، والمُعتقد. 

حيث صعّدت بكين الضغط على حكومات أخرى من أجل إعادة مسؤولين فاسدين إلى الصين. امتثلت 12 حكومة على الأقل ذات أنظمة قضائية مُسيسة، وأعادت العشرات في 2015. 

و تواصلت إثارة المخاوف بشأن أعمال انتقامية ضد مواطنين صينيين مُشاركين في عمليات الأمم المتحدة. أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن الصين لم ترد حتى الآن على رسائل بشأن وفاة الحقوقي تساو شانلي في الحجز؛ كان يُشارك في حملة من أجل المزيد من مشاركة المُجتمع المدني في استعراض الأمم المتحدة الدوري الشامل. 

كما واصلت السلطات حملتها لإزالة الصُلبان من الكنائس، وفي بعض الحالات هدمت كنائس بكاملها في مقاطعة ججيانغ، التي تُعتبر مركز المسيحية في الصين[58].

وفي سنة 2017 أصدرت الأمم المتحدة تقريرا تؤكد فيه أن الصين لا تزال تمارس اعتقالات تعسفية في حق المعارضين السياسيين و تقوض حرية التدين، و أنها تلقت تقارير كثيرة موثوقا بها عن احتجاز نحو مليون فرد من أقلية الأويغور في الصين فيما يشبه “معسكر احتجاز ضخما محاطا بالسرية”. وما إلى ذلك من ممارسات تخرق الحق الطبيعي للإنسان.

أما عن إدارة ترامب فقد تميزت بانحدار حاد في جهود الحكومة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان، حيث تبنّت الإدارة الأمريكية تغييرات في السياسات أضرّت باللاجئين والمهاجرين، أدت إلى تقويض مساءلة الشرطة عن الإساءات وتدهور حقوق المرأة، والحصول على الخدمات الصحية الهامة حسب ما جاء في تقرير العالمي 2018 لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

 وختمت إدارة ترامب السنة الأولى لها بانسحاب من منظمة الأمم المتحدة احتجاجاً على ما أسمته “التحيز المزمن ضد إسرائيل”. وانتقدت هيلي السفيرة الأمريكية بالمنظمة الدولية، روسيا والصين وكوبا ومصر لعرقلتها الجهود الأمريكية الرامية لإصلاح المجلس ”المنافق والأناني[59]“.

وسط رفض واستياء شديد من قبل الإتحاد الأوربي، بريطانيا، الصين وغيرها من الدول المكونة لمجلس الأمم المتحدة التي اعتبرت هذا الانسحاب تقويضا لدور واشنطن الداعم للديمقراطية وحقوق الإنسان على الساحة العالمية. فيما نشر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين تغريدة قال فيها: “بالنظر إلى حالة حقوق الإنسان في عالم اليوم، كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تعزز (جهودها)، ولا تنسى.

يبدو أن هذا الانسحاب لم يكن وليد اللحظة وإنما كان انعكاسا لسياسة ترامبية (نسبة لرئيس ترامب) التي طالما عبر عنها في تغريدات له على توتير أثناء حملته الانتخابية والان جاء الوقت المناسب لتطبيقها، والتغريدة أدناه نموذج على ذلك.

وخلاصة القول، إن حقوق الإنسان التي تمثلها منظمة الأمم المتحدة يجب ألا يُنظر إليها من زاوية السيادة المطلقة، أو من زاوية التدخل السياسي، بل يجب إدراك أن حماية حقوق الإنسان و فعالية المنظمة تقتضى ضرورة تكثيف الجهود بالتعاون والتنسيق بين الدول والمنظمات الدولية. ثم لابد من العمل على إيجاد الرابط بين الحقوق والاقتصاد. أكثر عنصر من عناصر القانون الدولي يتم تطبيقه الآن هو القانون الاقتصادي، وخاصة قانون التجارة. حيث تكون انتهاكات حقوق الإنسان هي – أيضا – انتهاكات للاتفاقات الاقتصادية الدولية، وقد تنعكس السيادة النامية للقانون الدولي على حقوق الإنسان[60].

وإن هذا الترابط الاقتصادي يمكنه أن يفيد في المساعدة على إدارة صراع سياسي حقيقي ذي قيمة بالنسبة لحقوق الإنسان. كما رأينا، فإن القانون الدولي مازال بمقدوره أن يعمل، ويتم إنقاذه بدون الحاجة إلى سلطة عليا، مادامت المصالح الاقتصادية للمشاركين الرئيسيين تقودهم إلى البقاء داخل المنظومة، حتى وهم يخسرون القضايا، ويضطرون إلى دفع تعويضات. بالفعل، يمكن لهذا أن يحدث حتى عندما يكون لاعبان بحجم الولايات المتحدة والصين موجودين معا في ساحة منافسة القوى العالمية. والقانون الدولي النافذ يمكنه أن يتعايش مع الصراع الرئيس بين القوى العظمى، ليفتح إمكانية توسعة المجالات التي يعمل فيها القانون. يشير مثال حقوق الإنسان إلى أنه ليس من الضروري أن تقودنا ظروف “الحرب الهادئة” إلى اليأس. بل على النقيض، هناك مساحة للتحسن حتى في عالم خطر، معقد كالذي نعيش فيه الآن [61].

كاستنتاج عام يجب الخروج به أن السياسة الخارجية الأمريكية والصينية تتغير وتتطور تبعاً لتطور الأحداث والأوضاع الإقليمية والدولية السالفة الذكر، ويبقى هدف السياسة الخارجية الأمريكية الحفاظ على مكانتها على قمة النظام الدولي، أما هدف السياسة الخارجية الصينية فتسعى إلى بروزها كقوة كبرى على الصعيد الدولي.


الهامش

[1] – صفاء كريم شكر العزاوي:” السياسة الأمريكية تجاه الصين (1895 – 1931) دراسة تاريخية”، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه فلسفة في التاريخ الحديث، المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية، بغداد: جامعة المستنصرية، 2005، ص: 46.

[2]– يقع ميناء كانتون في الطرف الجنوبي من الصين، وكان يعد مركزا تاريخيا للتجارة مع الخارج منذ حكم أسرة ما بين 618 إلى 906، وكانت هذه التجارة في صالح الصين، بحيث كان التجار الأوروبيون يأتون إلى الصين لشراء الشاي والحرير والمنسوجات القطنية وغيرها، وكانوا يدفعون ثمن هذه السلع بالذهب أو الفضة، انظر في ذلك: خالد عبد نمال حوران الدليمي‎: ” ثيودور روزفلت و سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية ( 1901 – 1909 )”، عمان: دار غيداء للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2013، ص:148.

[3]– حسن علي سبتي الفتلاوي: “العلاقات الأمريكية- اليابانية 1850-1922: أهداف ثابتة…سياسات متغيرة”، بغداد، الطبعة الأولى 2004، ص: 11.

[4] – نفس المرجع السابق، ص15.

[5] – Wooseon Choi: Structural Explanation Of Alliance: U.S.-China Relations 1949-1972, ”,Doctoral Degree in Philosophy, Department Of Political Science, The University Of Chicago, 2005, P: 22-23.

[6]– فرنسوا غومودو: العلاقات الصينية الأميركية: الجذور التاريخية والمستقبل الغامض، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 27 أكتوبر 2013، ص:  3-4، الرابط: https://bit.ly/3k9oTHU  للاستزادة في الموضوع: أنظر:

William Jeffery Stephens: “”China And The United States: A Balance Of Power”, Doctoral Degree in Philosophy, The University of Southern Mississippi, 2009, P: 98-99.

[7]– جهاد عمر محمد الخطيب، “العلاقات الأمريكية الصينية “آفاق الصراع والتعاون” 2008-2015 م”، دراسة بحثية، برلين: المركز الديمقراطي العربي، يونيو 2016، ص: 14.

[8] – جعفر كرار أحمد: “العلاقات الصينية الأمريكية ونذر المواجهة في جنوب شرقي أسيا”، الدراسات الاستراتيجية، العدد الثامن، 1997م، ص: 28-31.

[9] – رنسوا غومودو: العلاقات الصينية الأميركية: الجذور التاريخية والمستقبل الغامض، مرجع سابق، ص: 6.

[10] –  سالي نبيل شعراوي: “العلاقات الصينية الأمريكية وأثر التحول في النظام الدولي “، دار العربي، الطبعة الأولى، 2018، ص: 109.

[11] – صفاء حسين علي الجبوري: العلاقات الصينية-الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 3، العدد 13، ص: 156.

[12] – عبد الله صالح، أزمة تايوان: تصعيد صيني ومحاولتا أمريكية للتهدئة في ظل فشلها في العراق، 2004، ص:  2،  الرابط:

https://bit.ly/33ntq3k

[13] – جهاد عمر محمد الخطيب، المرجع نفسه، ص: 20.

[14] – عادل حسن محمد أحمد: العلاقات الأمريكية-الصينية صراع أم شراكة،  مجلة العلاقات الدولية،  العدد السابع، السودان، فبراير 2017، ص: 3، الرابط:   https://bit.ly/3fltBPa

[15] – جهاد عمر محمد الخطيب، المرجع نفسه، ص: 42.

[16]– الرئيس الصيني تشنغ تشي جوانغ في حديثه عن وجهة النظر الصينية للتجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية في أول زيارة رسمية لرئيس  و.م.أ سنة 2017 .

[17] – Kevin Quigley: The Evolving Consensus: The Development Of U.S. China Policy Between 1959 And 1972 And The Domestic Influences On It. Doctorate of philosophy degree, University Of Warwick, 2000, PP: 13-14.

[18] – جهاد عمر محمد الخطيب: دراسة بحثية “العلاقات الأمريكية الصينية “آفاق الصراع والتعاون” مرجع سابق، ص: 16.

[19]– Kevin Quigley: The Evolving Consensus: The Development Of U.S. China Policy Between 1959 And 1972 And The Domestic Influences On It. Op. Cit., P: 18.

[20] – Ibid, p: 24.

[21]– سميرة نعيم عبد الرضى الموسوي: مستقبل الدور الصيني في النظام السياسي الدولي، ماجستير  في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، الجامعة المستنصرية، بغداد، 2013، ص: 6-7.

[22]–   Tan Qingshan: US-China policy: A function of strategy or process?,  Emory University, 1989  P: 8

[23] – جهاد عمر محمد الخطيب، المرجع نفسه، ص: 16.

[24]–   Tan Qingshan: US-China policy: A function of strategy or process?, Op. Cit. P. 10.

[25]-Chuanjie Zhang: National Image and Foreign Policy Preferences: Between the United States and China. Doctorate of philosophy degree, Yale University. 2008. P 135-136.

[26] –  طويل نسيمة، الإستراتيجية الأمنية الأمريكية في منطقة شمال شرق آسيا: دراسة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، رسالة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في: العلوم السياسية تخصص علاقات دولية، جامعة الحاج لخضر –باتنة-، 2009 – 2010، ص 228-229.

أنظر أيضا:

Chuanjie Zhang: National Image and Foreign Policy Preferences: Between the United States and China; Op. Cit.; P: 143.

[27]  – طويل نسيمة، المرجع نفسه، ص: 225.

[28]– ترامب يشكك في السياسة الأمريكية بشأن “صين واحدة”، روسيا اليوم، 13 ديسمبر 2016، الرابط: https//arabic.rt.com/press/854110

[29]– رغم معارضة الصين… رئيسة تايوان تصل إلى أمريكا، متوفر عبر موقع قناة العالم، بتاريخ 29 أكتوبر 2017: https://bit.ly/2Ppqprk

[30]–  بكين تحذر واشنطن من التدخل في شؤونها الداخلية، متوفر  على موقع سبوتنيك الإخباري، بتاريخ 22 أبريل 2016:  https://bit.ly/3gEZyUd

[31]–  مايكل إى براون  وآخرون “صعود الصين”، الترجمة مصطفى قاسم، القاهرة،  الطبعة الأولى 2010، ص: 349.

[32] – طويل نسيمة، المرجع نفسه، ص: 227 ـ 229.

-[33] الصين والقلق من المساعدات الأمريكية لتايوان، موقع الصباح العربي بتاريخ 12 أبريل 2014، الرابط: https://bit.ly/39UWMaP

[34] – كمال حداد: تايوان بين استراتيجيتين الصينية والأمريكية، مرجع سابق.

[35] – نوح فلدمان، الحرب الهادئة مستقبل التنافس العالمي، ترجمة هشام سمير، الرياض، تكوين للدراسات والأبحاث،  2016،  ص: 51.

[36]– عمارة فرحاني – نوال قمادي: الاتفاق النووي الإيراني وانعكاساته على العلاقات الأمريكية – السعودية مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية، جامعة العربي التبسي – تبسة- كلية الحقوق والعلوم السياسية قسم العلوم السياسية،  2015-2016،  ص:25.

[37]– عمارة فرحاني – نوال قمادي، المرجع السابق، ص 19-20.

[38] – سباق أمريكي –إيراني نحو الصين، نشرة «أخبار الساعة»، العدد رقم 4406،  الثلاثاء 10 أغسطس  2010، ص: 6.

[39] – الصين اتفاقية إيران جيدة للعلاقات الصينية – الأمريكية، جريدة العرب القطرية، بتاريخ 4 أبريل 2015، الرابط:  https://bit.ly/3i6rAZ0

[40] – وحدة دراسة السياسات: قراءة في الاتفاق النووي الإيراني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوليو 2015، الرابط:  https://bit.ly/2ZRw0gl

[41] – بوحمامة أسامة:  الاتفاق النووي الإيراني وتأثيره على تغير سياسات إيران اتجاه المنطقة العربية، دفاتر السياسة والقانون، العدد العاشر،  2018، ص: 159-168.

[42] – نورة الحفيان: مسارات الموقف الأمريكي من البرنامج النووي الإيراني، المعهد المصري للدراسات، أغسطس 2019، ص: 3-4، الرابط:  https://bit.ly/3djjVVb

[43] – سماء سليمان: تداعيات التنافس الأمريكي-الصيني على مستقبل النظام الدولي، مجلة السياسة الدولية، العدد 218، أكتوبر 2019، ص: 132.

[44] – أمريكا تعاقب شركة نفط صينية بزعم انتهاكها العقوبات على إيران، موقع وكالة أناضول، بتاريخ 23.07.2019، الرابط:  1538898https://www.aa.com.tr/ar/.

[45] –  الصين تتلاعب بإيران.. كيف تستفيد بكين من العقوبات الأمريكية؟، موقع  عربي بوست، بتاريخ 09-09-2019، متوفر على الرابط:  https://arabicpost.net/

[46] – أسامة أبو أرشيد: “خلفيات التصعيد الأمريكي – الكوري الشمالي وآفاقه”، الدوحة: مركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017، ص: 4.

[47]– زعيم كوريا يلوح ب “نهج جديد” مع أمريكا، متوفر عبر موقع الجزيرة في الرابط التالي:  https://bit.ly/3fvGtCi

[48] – كيم يحذر من أن كوريا الشمالية قد تغير نهجها إذا أبقت واشنطن عقوباتها، موقع فرانس 24 عربي، بتاريخ 01-01-2019، الرابط:   https://bit.ly/31erXtK

[49] – فشل القمة الثانية بين ترامب وكيم في التوصل لاتفاق، موقع KBS WORLD RDIO، بتاريخ 2019-02-28، الرابط:

https://bit.ly/3k6Cb7Y

[50] – ملف كوريا الشمالية: ترامب يتهم الصين بتعقيد الأمور وبكين تندد بمنطق غير مسؤول، موقع france24، بتاريخ  2019- 02 -29، الرابط :  https://bit.ly/3ft6stY-  

[51] – طويل نسيمة، الإستراتيجية الأمنية الأمريكية في منطقة شمال شرق آسيا: دراسة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، رسالة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في: العلوم السياسية تخصص علاقات دولية، جامعة الحاج لخضر –باتنة-، 2009 – 2010، ص: 293.

[52] – طويل نسيمة، المرجع نفسه، ص: 300.

[53] – سالي نبيل شعراوي, العلاقات الصينية الأمريكية وأثر التحول في النظام الدولي, العربي للنشر والتوزيع, 2018, ص 131.

[54] – سالي نبيل شعراوي، المرجع نفسه، ص: 136.

[55] – بشير عبد الفتاح: أزمة الهيمنة الأمريكية، مطبعة نهضة مصر، الطبعة الأولى 2010، ص333- 334.

[56] – نوح فلدمان، مصدر سابق، ص 205.  

[57] – بشير عبد الفتاح، بشير عبد الفتاح: أزمة الهيمنة الأمريكية، مرجع سابق

[58] – بشير عبد الفتاح، المرجع ذاته، ص: 333- 334.

[59] – أمريكا تنسحب من مجلس حقوق الإنسان بسبب إسرائيل، موقع أورينت نيوز، بتاريخ 20 يونيو 2018، الرابط:  https://bit.ly/2DtGrh0

[60] – نوح فلدمان – مرجع سابق، ص: 210.  

[61] – المرجع نفسه، ص: 212-213.  

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close