fbpx
الشرق الأوسطتقديرات

العلاقات المغربية ـ السعودية: الأزمة ومساراتها

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

شهدت العلاقات المغربية-السعودية في السنوات الأخيرة نوعا من الفتور وحالة من الشد والجذب، جاء ذلك على خلفية الموقف المغربي من الأزمة الخليجية (حصار قطر) وما تبعه من تداعيات على مستوى موقف دول الحصار، وكذلك تغيير مشاركة المغرب من التحالف العربي في اليمن انطلاقا من حرصه على ضرورة حل النزاع بالطرق السلمية خصوصا بعد المستجدات السياسية والإنسانية التي طرأت على الساحة الميدانية اليمنية. هذه المواقف أدت بالجانب السعودي إلى شن هجوم على المغرب، وكان لتقرير قناة “العربية” دور في إشعال فتيل الأزمة، أدى في نهاية المطاف إلى استدعاء المغرب لسفيره في الرياض للتشاور حول مستجدات العلاقات بين البلدين. فما هي إذا أسباب الأزمة؟ وما هي سيناريوهاتها المستقبلة؟

سياق أزمة العلاقات المغربية-السعودية

تعود أسباب أزمة العلاقات المغربية السعودية إلى عدة اعتبارات، منها:

1ـ موقف المغرب من الأزمة الخليجية:

انطلقت أزمة العلاقات بين المغرب والسعودية، عندما اتخذ المغرب موقفا حياديا من الأزمة بين قطر ودول الرباعية (السعودية-الإمارات-البحرين- مصر)، هذا الموقف صدر عن أهم جهاز دبلوماسي مغربي متمثل في بيان لوزارة الخارجية الذي جاء في حيثياته: انشغال المملكة المغربية البالغ من تدهور العلاقات بين أطراف الأزمة…وحرص جلالة الملك محمد السادس على حل هذا الخلاف عن طريق القيام باتصالات موسعة ومستمرة مع مختلف الأطراف بالنظر للروابط الأخوية التي تربط المغرب مع دول مجلس التعاون… مع دعوته أطراف الأزمة إلى ضرورة ضبط النفس، والتحلي بالحكمة من أجل تخفيف التوتر، وتجاوز معيقات الأزمة وتسوية الأسباب التي أدت إليها بشكل نهائي، انسجاما مع الروح التي ظلت سائدة داخل المجلس[1].

تفاقم الأزمة الخليجية أدى إلى قطع دول السعودية، الإمارات، البحرين إلى جانب مصر جميع الصلات الدبلوماسية والاقتصادية بل حتى الاجتماعية مع قطر. هذه القطيعة التي كانت لها تداعيات مباشرة على المواطن القطري ومتطلباته المعيشية خصوصا المتعلقة بالنقص الذي اعترى المنتجات الغذائية، في الوقتية التي أتت فيها الأزمة، شهر رمضان، التي يتزايد فيها الطلب بوتيرة عالية.

وانطلاقا من الثوابت المتصلة بروح التعاون وأواصر الأخوة والعلاقات التي تربط المغرب مع الدول العربية وتماشيا مع تعاليم الدين الإسلامي التي تتمثل في خلق قنوات التكافل والتضامن خصوصا في شهر رمضان الفضيل. جعلته يتخذ مبادرة تقديم مساعدات عبارة عن مواد غذائية لسد الحاجيات القطرية في هذا الشهر.

وأراد المغرب أن يمرر رسالة مفادها أن القرار لا يحمل بعداً إنسانيا فقط، والذي تفرضه الثوابت الدينية والأخلاقية للمملكة التي تؤكد على أن المساس بحياة المواطن العربي الإسلامي هو شيء يتنافى مع القيم وواجب الأخوة العربية-الإسلامية، بل أوضح أيضا أن الشعوب لا يجب أن تكون ضحية الخلافات السياسية.

موقف المغرب من الأزمة انطلق من الأهداف الرئيسية التي تقوم عليها مبادئ الدبلوماسية المغربية تجاه محيطها العربي المرتكزة على خلق فضاء للتعاون والتضامن والشراكة القائمة على الاحترام المتبادل. بالإضافة إلى ترجيحها لخيار السياسة التفاوضية وفتح قنوات الحوار لحل النزاعات والخلافات البينية العربية.

وإبان ذلك أطلق الجانب المغربي مجموعة من المبادرات التوسطية لحل الأزمة الخليجية إلى جانب بعض الدول أبرزها دولة الكويت. هذه الحلول الاحتوائية لم تلق أي تجاوب من الأطراف المعنية خصوصا دول الرباعية التي رفضت أي تسوية سياسية للأزمة.

موقف المغرب الذي تبنى ضرورة حل الخلاف داخل البيت الخليجي والعربي. معتبرا أن تفاقمه سيخلق تداعيات خطيرة يمكن لها أن تؤثر بشكل مباشر وكبير على كيان مجلس التعاون. لم يرق لأطراف الرباعية العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية مما أدى إلى مهاجمة الموقف المغربي، بوسائل رسمية وغير رسمية من أبرزها تصريحات بعض المسؤولين السعوديين عن طريق تهكمات كلامية لم تأخذ بعين الاعتبار تاريخية العلاقات بين البلدين. والتي لا يمكن أن يطلق لها العنان دون رضا النظام السعودي.

2ـ التصويت ضد الملف المغربي لاستضافة كأس العالم 2026

أخرج ملف تنظيم المغرب لكأس العالم 2026 التوتر بين الرباط والرياض من الصمت إلى العلن، هذا التوتر الذي جاء على خلفية موقف المغرب الإيجابي من الأزمة الخليجية كما ذكرنا سلفا، والذي أدى إلى تشنج في العلاقات على خلفية سياسة المناوئة التي نهجها مسؤولين على رأس النظام السعودي للعمل على تقويض ملف المغرب لاستضافة نهائيات كأس العالم 2026، إذ أدخلت هذه السياسة المناوئة العلاقات بين البلدين في منحى آخر أكثر تعقيداً، إذ أن الجانب السعودي لم يكتف فقط بالتصويت ضد الملف المغربي ودعم الملف الثلاثي الأمريكي، كما جاء على لسان رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة السعودي السابق تركي آل شيخ وأحد المستشارين المقربين من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان صراحة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك وهو الضغط على اتحادات عربية وآسيوية بالتصويت ضد الملف المغربي، وهذا ما أكده تقرير لصحيفة نيويورك تايمز حول هذا الملف وما قام به آل الشيخ.

عدائية الموقف السعودي أكدته أيضا تغريدات المسؤول الأول على الشأن الرياضي السعودي سابقا عندما قال في إحداها: هناك من أخطأ البوصلة، إذا أردت الدعم فعرين الأسود في الرياض هو مكان الدعم، ما تقوم به هو إضاعة للوقت، دع الدويلة تنفعك! رسالة من الخليج إلى المحيط”.

هذا النوع من التصريحات يؤكد النهج العدائي التي بدأت تحيكه دواليب صانعي القرار في السعودية نتيجة عدم انصياع المغرب للاتجاه التي نهجته السعودية وحلفائها وعدم قبوله لسياسة الإملاء أو الوصاية. لأن من الثوابت الأساسية للسياسة الخارجية المغربية هي الاستقلالية في المواقف التي تعبر عما يتناسب مع مصالح المغرب القومية.

3ـ جولة ولي العهد السعودي العربية والاستثناء المغربي

قام ولي العهد السعودي بجولة عربية قبيل مشاركته في قمة العشرين التي انعقدت في 30 نوفمبر/1 ديسمبر 2018 بالأرجنتين، وشملت دول الإمارات، البحرين مصر، تونس ثم موريتانيا فالجزائر، وجاءت هذه الزيارات بعد ما شهدته قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي من تداعيات على مستوى التحقيقات التي قادت إلى ضلوع أقرب المقربين لولي العهد في ارتكاب الجريمة، بل وتورط الأمير المباشر من خلال إعطائه الأمر بقتل الصحفي بحسب تقارير وكالة الاستخبارات الأمريكية وتلميحات التحقيقات التركية مع تعالي الأصوات من طرف دول ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية إلى ضرورة فتح تحقيق دولي شفاف في الجريمة وضرورة محاسبة كل من له صلة بالجريمة. بالإضافة إلى تأكيد دول وحكومات متعددة، على ضرورة فرض عقوبات على الرياض نتيجة تقاعسها في ملفات حقوق الإنسان وسياستها المتهورة التي يمثلها ولي العهد. لذلك جاءت هذه الجولة من أجل تجميل صورة المملكة التي تدنت على إثر هذه الجريمة وما تلتها من انتهاكات حقوقية التي هزت الرأي العام العالمي.

في إطار ذلك، فالمغرب لم يستقبل ولي العهد السعودي نظرا لاعتبارات وأعراف بروتوكولية ورسمية ترافق الزيارات الرسمية للوفود والشخصيات الرسمية. كما أن الزيارة أتت في سياق سياسي غير ملائم، وهذ ما أشار إليه وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة وذلك في معرض جوابه على سؤال متعلق بحيثيات الاستثناء المغربي من جولة ولي العهد العربية والمغاربية على وجه الخصوص في نوفمبر/ ديسمبر 2018، نتيجة تحفظات المغرب على الزيارة. إذ قال:” إنه بالفعل كان المغرب مدرجاً في الأول ضمن قائمة البلدان التي سيزورها ولي العهد، لكن الأمر لم يحدث بسبب عدم التوافق حول تاريخ جدولة الزيارة”. مردفا قوله: “أن الزيارات ترتب وقد يحدث هناك عدم توافق على مستوى مواعيدها أو مضمونها، وهو أمر طبيعي”[2].

هذا الأمر أظهر في باطنه وعمقه على أن العلاقات المغربية-السعودية ليست على ما يرام بل تمر من محطات عصيبة على الرغم مما أظهرته الدبلوماسية المغربية من حنكة في التعامل مع السلوك المعادي التي انتهجته السياسة الخارجية السعودية ضد المغرب، والتي ظهرت في مناسبات عديدة. واتضح علنية خلال التصويت ضد الملف المغربي ومحاولة تقويض الإعلام الرسمي السعودي ضد المغرب.

ولكن تمادي السياسة التي تنتهجها إدارة الحكم في الرياض بزعامة ولي العهد في تعاملها مع المغرب أصبحت تظهر وكأنها محاولة لابتزازه لعدم اصطفافه مع دول الحصار ضد قطر ومحاولته التوسط في الأزمة الخليجية.

4ـ تغيير استراتيجية مشاركة المغرب في التحالف العربي في اليمن

شارك المغرب رسميا إلى جانب بلدان عربية أخرى، في العملية العسكرية التي قادتها السعودية تحت اسم “عاصفة الحزم” في مارس 2015، وأتت هذه المشاركة حسب الموقف المغربي الذي عبر عنه بيان لوزارة الخارجية من أجل درء أي سوء أو خطر ممكن أن يهدد السلم والأمن في المنطقة الخليجية.

وأفاد البيان: ” أن المملكة المغربية قررت تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة إلى التحالف من أجل دعم الشرعية في اليمن”، مضيفاً أن الانخراط المغربي في التحالف العسكري العربي، جاء استجابة لطلب الرئيس الشرعي للجمهورية اليمنية عبد ربه منصور هادي”[3].

هذه هي المنطلقات التي بُني عليها الموقف المغربي للمشاركة في التحالف العربي والتي رآها متوافقة مع مبدأ الدفاع الشرعي المتوافق مع المعايير الدولية. لكن مع توالي الوقت وخروج التحالف العربي عن سياق أهدافه وما خلفته الحرب في اليمن من مآسي إنسانية اعتبرت الأخطر في التاريخ. قرر المغرب تغيير موقفه من مشاركته في التحالف بدأت بسحب طائراته F16 من الميدان، تلاها عدم مشاركته في الاجتماعات الوزارية التنسيقية للتحالف وكذا المناورات العسكرية مع الدول المشاركة في التحالف.

هذا الأمر الذي أكده أيضا السيد ناصر بوريطة في برنامج بلا حدود، بأن المغرب قرر تغيير شكل مشاركته في التحالف العربي انطلاقا من تدبير التحالف ومن تقييم المغرب بنفسه لتطورات أرض الواقع لا على الجانب الإنساني والسياسي، مؤكدا أن المغرب لم يشارك في المناورات العسكرية الأخيرة للدول المشاركة في التحالف كما لم يحضر الاجتماعات الوزارية الخاصة بالتحالف.

وعلى الرغم من تغير شكل مشاركة المغرب في التحالف. إلا أن السيد بوريطة شدد على موقف المغرب الثابت من دعم الشرعية في اليمن ودعم المبادرة الخليجية وقرارات الشرعية الدولية.

كما ثمن التطورات الإيجابية في المسار التفاوضي بين أطراف الأزمة، وأن المغرب يدعم عمل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، واتفاق استكهولم الذي شكل تطورا إيجابيا في سبيل حل الأزمة اليمنية[4].

الإعلان المغربي عن تغيير شكل مشاركته في التحالف أغضب الجانب السعودي مما أدى به إلى تصعيد التوتر المباشر، استعمل فيه آلياته ومنابره الإعلامية لشن حملة هجومية على المغرب من خلال النيل من أمنه واستقراره عبر مس قضيته الوطنية الأولى وهي قضية الوحدة الترابية.

5ـ تقرير قناة العربية التابعة للنظام السعودي حول الصحراء المغربية

أشعل تقرير مصور عرضته قناة “العربية” الإخبارية التابعة للنظام السعودي أزمة دبلوماسية خطيرة بين المغرب والسعودية. التقرير الإخباري احتوى على معلومات، اعتبرها المسؤولون وعدد من المحليين في المغرب، مضللة لها فحوى ممنهج مفاده استفزاز المغرب بدبلوماسيته الرسمية ومكوناته الشعبية. فقضية الصحراء المغربية تعتبرها الرباط من الثوابت والرواسخ وأن كل مناوئة سياسية في ملفها يُعتبر انتهاكا صارخا للسيادة المغربية التي لا تقبل لا الجهات الرسمية أو الشعبية المس بها.

وقد صور هذا التقرير في حيثياته أن الصحراء المغربية، هي عبارة عن مساحة جغرافية لدولة أخرى تحت مسمى “الجمهورية العربية الصحراوية”، وأن المغرب يحدها شمالا والجزائر شرقا وموريتانيا من الجنوب… كما قال إن الصحراء كانت مستعمرة إسبانية قبل أن تنسحب منها هذه الأخيرة سنة 1975، وتمنح الرقابة للمغرب وموريتانيا. كما أظهر التقرير أيضا خريطة المغرب مبتورة من صحرائه.

التقرير جاء بمغالطات تاريخية قانونية وهي دلالة على منهجيته، فبعدما دعمت القنوات السعودية والسياسة الخارجية السعودية في السابق المغرب في قضيته الوطنية الأولى، تأتي الآن وتخرج بتقرير “وهمي” لا علاقة له بالموضوعية. فمغربية الصحراء هي ثابتة بقوة التاريخ والقانون، وهذا أمر جزمه الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية المؤرخ في 16 سبتمبر 1975، والذي أكد على الروابط التاريخية والقانونية التي تجمع المغرب بصحرائه والارتباط والولاء بين سكان الصحراء وملوك المغرب، زيادة على حدث المسيرة الخضراء في 6 نوفمبر 1975 الذي وثق هذا الترابط والتلاحم، وأيضا التوقيع على اتفاقية مدريد في 14 نوفمبر 1975، والتي تم بمقتضاها تصفية الاستعمار في الصحراء وبالتالي استكمال المغرب لوحدته الترابية.

وقد جاء تقرير قناة “العربية” المعروفة بهجومها على كل دولة تضعها الرياض في مربع الفتور أو الجفاء أو العداء، بعد فترة وجيزة من خروج وزير الخارجية والتعاون المغربي في برنامج بلا حدود الذي يبث على قناة ” الجزيرة” بعدة تصريحات وضح فيها على تبني المغرب سياسة الحياد البناء في الأزمة الخليجية من خلال دخوله على خط الأزمة في محاولة منه بكل الوسائل الدبلوماسية لحلها، لقناعته بأن وحدة الصف الخليجي هو ضرورة مهمة للمنطقة العربية ككل. مع تأكيده كما ذكرنا سابقا على تغيير استراتيجية مشاركة المغرب في التحالف العربي في اليمن نتيجة تغير المعطيات على المستوى السياسي والتداعيات الخطيرة على المستوى الإنساني. ودعمه لكل الجهود الدولية والتي أدت إلى مؤشرات أولية إيجابية من خلال جلوس الأطراف المتنازعة على طاولة المفاوضات في السويد كخطوة أولى للمضي نحو حل نهائي للأزمة اليمنية.

سيناريوهات مستقبل العلاقات المغربية السعودية:

نتيجة العوامل الرئيسة التي وسمت توتر العلاقات بين المغرب والسعودية، فإن واقع هذه العلاقة يرسم ثلاثة سيناريوهات أساسية محتملة لشكل هذه العلاقات:

1ـ سيناريو تحسين العلاقات:

هذا السيناريو يعتبر من السيناريوهات الضعيفة خصوصا في ظل الوضع الحالي الذي يشهد هزة في العلاقات المغربية- السعودية، ولكن يبقى ممكنا في حالة تراجع السلوك العدواني للنظام السعودي الذي يستعمل المقربين منه من مستشارين ومنابر إعلامية ومحللين سياسيين وجيوش إلكترونية لتصعيد التوتر بين البلدين، فالسيناريو رهين باحترام السعودية لمجموعة من المبادئ وهي: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، واحترام الأسس التي تقوم عليها العلاقات الدبلوماسية، وعدم التعدي على السيادة المغربية، فقضية “الصحراء المغربية” من القضايا الحساسة التي تُعتبر خطا أحمرا بالنسبة للمغاربة بمختلف توجهاتهم وأيديولوجياتهم، والتي لا يمكن لأي دولة أو أي جهة مهما كانت قوة ومتانة العلاقات التي تربط أن تساوم المغرب بشأنها.

2ـ سيناريو استمرار الوضع القائم:

هو السيناريو الحالي والذي يمكن له أن يستمر لفترة ليست بالقصيرة في ظل السياسة التي ينتهجها نظام محمد ابن سلمان تحت مسمى “من ليس معنا أو في صفنا فهو ضدنا”، فسياسة الحياد الإيجابي التي نهجتها الدبلوماسية المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس والتي كانت لها رؤية واضحة وهي محاولة تقريب وجهات النظر بين الأطراف محور الخلاف من أجل درء الصدع الخليجي من أجل الحفاظ على كيان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي تعتبره المملكة المغربية كيان له أهمية استراتيجية في وحدة دولة من أجل مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. ذهب بدول الحصار وعلى رأسها السعودية إلى أن تنهج سياسة انتقامية من المغرب تجلت أولا في حشد التصويت ضد الملف المغربي لتنظيم كأس العالم 2026، وأخيرا محاولة الالتفاف على قضية الوحدة الترابية للمغرب ومحاولة ابتزازه بطريقة غير مباشرة عن طريق دعم الإعلام التابع للسعودية للجبهة المزعومة المسماة بالبوليساريو، وتصويره لها على أنها جهة صاحبة حق وأن المغرب هي جهة مستعمرة. هذا الأمر الذي لم يستطع المغرب أن يغض الطرف عنه، كما فعل وتساهل في عدة مناسبات سابقة، فالاعتداء على السيادة المغربية لا يمكن لأي جهة في المغرب أن تسمح به.

3ـ سيناريو تعليق أو تجميد العلاقات الديبلوماسية:

يبقى هذا السيناريو مرهوناً في حال استمرت السعودية في التجاوزات ضد المغرب ووحدته الترابية. والتي يعتبرها مساسا بأمنه واستقراره، فتجميد العلاقات أو قطعها سياسة نهجها المغرب في السابق مع عدة دول تمادت في التعدي على السيادة المغربية أو المس بالأمن القومي المغربي. ومن أبرز هذه الأمثلة قطع العلاقات مع إيران في ماي 2018 نتيجة توصل المغرب وبالأدلة الدامغة على وجود تعاون لوجستي وعسكري وتمويلي بين جهات إيرانية وأتباعها في المنطقة مع “كيان البوليساريو”، بالإضافة إلى فنزويلا التي قطع المغرب علاقته معها في 2009 إثر دعمها المباشر لهذا الكيان، وغيرها من الدول.

لذلك فاستدعاء سفير المغرب لدى السعودية مصطفى المنصوري للتشاور، ما هو إلا رسالة بمثابة إنذار وجهته الدبلوماسية المغربية لجهات داخل المملكة العربية السعودية، مفادها أنه في حال تمادي الاعتداءات المتكررة التي يمكن أن تشكل مخططاً تحريضياً على المغرب وثوابته الراسخة، ممكن لهذا الأمر أن يعصف بالعلاقات وأن يصل بالأمر إلى حد تعليقها أو تجميدها أو حتى قطعها في أبعد الحدود في حالة وصول هذه العلاقات إلى نفق مسدود.

خاتمة:

إن السياسة الخارجية المغربية هي سياسة متوازنة تنهج نهجا بناءً ينبني على اتخاذ قرارات تتسم بالعقلانية والاستقلالية، وهذا ما تؤكده علاقات المغرب بمختلف الدول التي تشيد برصانة الدبلوماسية المغربية ودورها الفاعل في التعامل مع العديد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية.

وفي المقابل فإن العربية السعودية، سلكت مؤخراً، نهجاً غير متزن يقوم على مبدأ الفرض والإجبار والابتزاز والاستعلاء في علاقاتها الخارجية. وهو ما خضعت له أو انصاعت إليه أطراف عربية وإقليمية وحتى دولية.

فالسعودية تعيش في الفترة الحالية عزلة دولية جراء السياسة المتمادية والمتهورة لبعض المسؤولين الموجودين على رأس هرم النظام السعودي والتي فجرتها قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي وما أفرزته من تداعيات عالمية. بالإضافة إلى تدني مؤشرات حقوق الإنسان في السعودية على المستوى الدولي نتيجة تصاعد وثيرة ملف الناشطين الحقوقيين والسياسيين القابعين في المعتقلات والسجون السعودية.

واستمرار هذا النهج السعودي في سياساته الخارجية، يمكن أن يفاقم من توتر علاقاته مع العديد ممن الدول العالم، والمغرب لن تكون استثناء، في ظل تحفظها بل ورفضها لهذا النهج[5].


الهامش

[1]– أنظر نص بيان وزارة الخارجية حول موقف الموقف من الأزمة الخليجية الصادر في 11 يونيو 2017، عبر الرابط.[2] أنظر ن مقابلة وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة حول مواقف الدبلوماسية من ملفات المنطقة العربية، المتوفر على الرابط

[3] أنظر بيان وزارة الخارجية والتعاون المغربية حول مشاركة المغرب في التحالف العربي في اليمن متوفر على الرابط

[4] أنظر نص مقابلة وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة، مرجع سابق.

[5] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close