fbpx
الشرق الأوسطتقارير

الفلاشا في إسرائيل: مجتمع عنصري وعرقية مأزومة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

لا تزال أزمة الفلاشا تطفو على السطح بين الحين والآخر لتؤرق الداخل الإسرائيلي، حيث شهدت إسرائيل أعمال عنف واشتباكات بين عناصر من الشرطة ويهود فلاشا مساء الإثنين 1 يوليو 2019، وذلك إثر مقتل شاب يهودي أعزل من أصل إثيوبي “سلمون تيكا” 30 يونيو 2019 في بلدة كريات حاييم في بشمال مدينة حيفا برصاص شرطي إسرائيلي خارج مواعيد خدمته، مدعيًا أن الشاب هدد حياته مما جعله يلجأ للدفاع عن نفسه وهو ما نفاه شهود العيان الذين حضروا الواقعة.

وقد أغلق مئات المحتجون الفلاشا الطرق الرئيسة في منطقة حيفا كما حاولوا اقتحام مركز شرطة حيفا وحرقوا إطارات السيارات ورشقوا رجال الشرطة بالحجارة مما أسفر عن إصابة 111 شرطيا واعتقال 136 محتجا، ولم تلبث الاحتجاجات وأعمال العنف إلا أن اندلعت في مفترقات طرق بالقرب من أشدود وبئر السبع ونتيفوت وسديروت ومدن أخرى في خضم غضب عارم من آلاف اليهود الفلاشا، حتى أن المحتجين تعهدوا بالخروج إلى الشوارع في تكرار لحملة 2015، التي بلغت ذروتها في مواجهات عنيفة بين الشرطة وآلاف المتظاهرين في ميدان رابين في تل أبيب وخاصة وأن الأمر انتهى بوضع الشرطي قيد الإقامة الجبرية في منزله، حتى أن عضوة الكنيست عن حزب “أزرق أبيض”، بنينا تامانو شاتا- وهي من أصول إثيوبية- اتهمت  الشرطة ببدء (موسم الصيد) ضد الشبان من أصول إثيوبية.

نتنياهو مع قادة الفلاشا صورة أرشيفية
نتنياهو مع قادة الفلاشا صورة أرشيفية

من هم الفلاشا؟

الفلاشا: كلمة في اللغة الأمهرية تعني الهائم على وجهه أو المهاجر، وقد عرف بها اليهود من الحبشة يسمون أنفسهم “بيتا إسرائيل” – بيت إسرائيل- ويرجعون أصولهم إلى النبي سليمان وملكة سبأ بلقيس. وقد وفدوا منذ أكثر من عقدين من إثيوبيا وتحديدًا في عام 1984، وقد شكك الكثير من الحاخامات في يهوديتهم قبل 1973، وبعد هذا العام أعلنت الحاخامية اليهودية وعلى رأسهم الحاخام الأكبر السابق لليهود الشرقيين “يوسف عوفاديا” بيهوديتهم وأنهم من سبط “دان”.[1]

ولقد جاءت الهجرات الإثيوبية إلى إسرائيل في البداية في شكل أعداد بسيطة لا تتجاوز 270 فرداً في الستينات، ثم 120 في 1977 ولكن في 1978 أغلقت إثيوبيا أبوابها أمام الهجرات اليهودية إلى إسرائيل.

وفي 1984 جاءت العملية “موسى” والتي تم من خلالها نقل 6500 يهودي إثيوبي من مخيمات كانت تتواجد في السودان، وعلى الرغم من تواجد المئات من اليهود الإثيوبيين في السودان، إلا أن تلك الأعداد تم ترحيلها هي الأخرى إلى إسرائيل في عمليات خاصة للمخابرات المركزية الأمريكية في الشهور التالية على ذلك، فيما عرف باسم عملية “جوشوا”[2]، انقطعت كل الهجرات الإثيوبية  إلى إسرائيل حتى أواخر الثمانينات، ولكن الهجرات بدأت في العودة من جديد بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وإثيوبيا في أواخر 1989، وفي 1990-1991 تم نقل ما يقدر بحوالي 14.500 يهودي إثيوبي إلى إسرائيل في حوالي 36 ساعة.[3]

الشكل رقم (1) الهجرات الإثيوبية إلى إسرائيل

الهجرات الإثيوبية إلى إسرائيل
Source: CBS. 2010, the Ethiopian Community in Israel. Press Release for Sigd festival

وخلال الفترة من 1991 وحتى 1997 تم نقل حوالي 11.511 إثيوبي إلى إسرائيل. وفي خلال الفترة من 1998 وحتى 2007 استقبلت إسرائيل 31.028 مهاجر إثيوبي مرة أخرى في إطار العملية فلاش مورا.

 ويعيش في إسرائيل طبقاً لتقديرات عام 2010 حوالي 119.700 مهاجر إثيوبي، وحوالي 40% منهم تقل أعمارهم عن 18 عاماً، كانت آخر الهجرات الإثيوبية إلى إسرائيل في عام 2011 في الفترة من يناير وحتى أكتوبر، حيث ضمت تلك الفترة 2400 مهاجر، في حين أنه في الفترة من 2000 وحتى 2010 شهدت إسرائيل قدوم 3000 مهاجر إثيوبي كل عام، ووفقًا لتقرير مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل عام 2017، فقد قدر عدد اليهود من أصل إثيوبى بحوالي 140 ألف شخص، أي ما يقارب 2% من إجمالي التعداد السكاني لإسرائيل، وولد أكثر من 85 ألفًا منهم في إثيوبيا.[4]

مناطق تركزهم في إسرائيل:

ويتركز الفلاشا في مناطق بعينها ويعد أكبر تجمع لهم في الضفة الغربية المحتلة في مستوطنة كريات أربع قرب الخليل، كما يتواجدون في عدد من المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية كذا بالقرب من صفد في الجليل الأعلى داخل الخط الأخضر، ومدينة عسقلان، وعدد من التجمعات الاستيطانية حول القدس مثل: راموت وبيت مئير وتلة زئيف، ومعظمها مناطق تعاني الفقر وتشهد قلاقل بين الحين والآخر.

العنصرية ضد طائفة الفلاشا

رصد تقرير مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل عام 2017 أن 88% من حالات الزواج تعقد ضمن الجالية الإثيوبية، ويحصل 55.4% فقط من طلاب المدرسة ذوي الأصول الإثيوبية على الشهادة الثانوية، ينال 39% منهم الشروط اللازمة للالتحاق بالجامعات، ويقدر معدل الفقر لدى هذه الفئة بـ41% مقارنة بـ15% لدى الطوائف اليهودية الأخرى، فيما أظهرت دراسة أعدها مركز “توبة” للبحوث الاجتماعية العام 2015 أن متوسط الدخل الشهري لعائلات اليهود الإثيوبيين أقل بنسبة 35% مقارنة بالعرقيات الأخرى في إسرائيل، كما كشف أن غالبيتهم يزاولون أعمالاً منخفضة الأجور لا تحتاج إلى تأهيل علمي، مثل النظافة وقطاع الأغذية.[5]

اختلاف نوعية العمل بين يهود الفلاشا وباقي اليهود في إسرائيل 2012

اختلاف نوعية العمل بين يهود الفلاشا وباقي اليهود في إسرائيل 2012
Source: Myers-JDC-Brookdale Institute special analyses of CBS Labor Force Surveys

معدلات التسرب في التعليم الثانوي بين يهود الفلاشا واليهود بشكل عام في إسرائيل

معدلات التسرب في التعليم الثانوي بين يهود الفلاشا واليهود بشكل عام في إسرائيل
Source: Myers-JDC-Brookdale Institute special analysis of Ministry of Education and CBS data

ليس الحراك الأول من نوعه

لم تكن هذه الانتفاضة هي الحراك الأول لليهود الفلاشا في وجه التمييز الصارخ ضدهم في إسرائيل سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي، ففي يناير2019، لقي الشاب يهودا بيادغا (24 عاما) من بات يام مصرعه بعد إطلاق النار عليه من قبل الشرطة. وقالت السلطات إن الضحية ركض باتجاه شرطي وهو يحمل سكينا.

وأدت الحادثة إلى تظاهرات حاشدة في تل أبيب وفي جميع أنحاء البلاد ضد استخدام الشرطة للقوة المفرطة، لا سيما ضد الإسرائيليين من أصول إثيوبية.

وكذلك في مايو 2015 فتحت حادثة الاعتداء على جندي يهودي من أصل إثيوبي- وما تلاها من احتجاجات قام بها يهود الفلاشا ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاههم- الباب على مصراعيه للحديث عن ظاهرة العنصرية وعدم الاستقرار في إسرائيل، حيث تظاهرة ضخمة دعما للمجتمع الإثيوبي واحتجاجا على وحشية الشرطة حولت ميدان رابين في تل أبيب إلى ساحة شجار ضخمة. وأصيب في المواجهات، التي شهدت قيام المتظاهرين برشق رجال الشرطة بالحجارة ورد الشرطة بإطلاق القنابل الصوتية واستخدام خراطيم مياه واستمرت لساعات، واعترف الرئيس الإسرائيلي بفشل إسرائيل في استيعاب طائفة الفلاشا، كما زاد من حدة هذا السخط على الدولة تراخيها في تحرير ابراهام منغستو الجندي الإسرائيلي ذي الأصول الفلاشية عندما وقع رهينة في أيدي حماس منذ 2014([6]).

وفي عام 1996، كُشف النقاب عن أن المؤسسات الطبية في الكيان الصهيوني رفضت استخدام كميات الدم التي تبرع بها الفلاشا، بدعوى أنها قد تكون ملوثة بفيروس نقص المناعة المكتسبة “الإيدز”، ومن ثم فقد تؤدي إلى نقل المرض إلى سكان المستوطنات الصهيونية([7])، وإذا كانت المؤسسات الطبية قد غلفت رفضها بذرائع “علمية”، فقد كانت هناك أصوات أكثر جرأة في التعبير عن السبب الحقيقي لهذا الرفض، ألا وهو التشكك في “نقاء” دم أولئك الإثيوبيين، والحرص على عدم اختلاط دمائهم بدماء غيرهم من أبناء الجماعات اليهودية التي يُنظر إليها باعتبارها الأكثر رقياً ونقاءً([8]).

وقد أدى ذلك إلى موجة من الاحتجاجات، حيث نظم الفلاشا مظاهرة أمام مكتب رئيس الوزراء، شارك فيها نحو عشرة آلاف إثيوبي، وكان شعارها الأساسي هو “دمنا مثل دمكم”، وفيما بعد تطورت المظاهرة إلى اشتباكات دامية بين المتظاهرين وأفراد الشرطة، سقط خلالها عشرات الجرحى من الجانبين، وحاولت الحكومة الإسرائيلية احتواء الموقف، فشكلت لجنة للتحقيق في القضية، ترأسها “إسحق نافون” الرئيس الأسبق لإسرائيل، ولكن اللجنة انتهت إلى أنه ليس هناك ما يلزم المؤسسات الطبية بقبول الدم من الإثيوبيين، ولا يزال هذا الحظر المفروض على دم “الأفارقة” ساريًا حتى اليوم، باستثناء القادمين من شمال أفريقيا.

احتجاج وتخريب في تل أبيب بعد تعرض يهودي إثيوبي للقتل علي يد جندي عن عمد
احتجاج وتخريب في تل أبيب بعد تعرض يهودي إثيوبي للقتل علي يد جندي عن عمد

صعوبة تحول عنف الفلاشا إلى حرب أهلية

وبالرغم مما تعانيه هذه العرقية في المجتمع الإسرائيلي إلا أنها من المستبعد أن تتحول الاضطرابات التي يقومون بها إلى حرب أهلية تؤدي لانهيار الدولة؛ ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل:

1ـ التعتيم على الممارسات التمييزية ضد الفلاشا

تنجح دائمًا إسرائيل في مواراة المشكلات الداخلية لها، لاسيما ما يرتبط منها بالجوانب الحقوقية والتمييز العرقي، حيث لا يسلط الإعلام والمنظمات الحقوقية الكبرى المحلية أو الدولية الضوء على مثل هذه الجرائم وبالتالي لا تستطيع هذه العرقيات أن تعرض قضيتها للعالم، كما أن الاضطرابات التي يحدثها الفلاشا من وقت لآخر تنجح إسرائيل في كبحها سواءً بالترهيب أو الترغيب.

2ـ حداثة عهد الفلاشا في إسرائيل

ينظر للفلاشا داخل المجتمع الإسرائيلي على أنهم من ضمن العرقيات التي وفدت مؤخرًا لإسرائيل؛ وبالتالي فهم لم يشهدوا ما شهده اليهود الأوائل من تضحيات ومشاق في سبيل بناء الدولة مما يؤثر على وضعهم كمواطنين في المجتمع الإسرائيلي ويصل الأمر أحيانًا إلى التشكيك في يهوديتهم والعنصرية ضدهم من قبل أغلب الفئات العرقية في إسرائيل فقلما ما يتم التعاطف معهم.

3ـ عدم وجود داعم لقضايا الفلاشا

الفلاشا كما ذكرنا عرقية فقيرة مهمشة، لا تتولى المناصب العليا في الدولة، ونسبة المتعلمين فيها محدودة، كما أنها لا تتجاوز 2% من السكان، وبالتالي لا تملك القدرة المادية ولا المعنوية على عرض قضاياهم أو التشبيك مع جهات داخلية أو خارجية لنصرتها، وبالتالي لا يعتبرون ورقة ضغط قوية يمكن المساومة بها للضغط على إسرائيل.

4ـ وجود جيل الشبيبة من الفلاشا

حيث وجدت أجيال الأبناء والأحفاد من الفلاشا الذين يختلفون عن جيل الآباء، فبالرغم من ثورتهم على العنصرية ضدهم، إلا أنهم ارتبطوا بأرض إسرائيل ونشأوا فيها وتعلموا في مؤسساتها، مما أدى لارتباطهم بها كوطن لا يمكن هدمه أو استبداله والعودة إلى أصولهم الفقيرة في إثيوبيا أو أي من الدول الأفريقية.

مظاهرات اليهود الفلاشا في "إسرائيل"
مظاهرات اليهود الفلاشا في “إسرائيل”

تقرير بالمور 2015:

يعد من أبرز التوصيات التي قدمت للحكومة الإسرائيلية كمحاولة لحل المشكلات التميزية الخاصة بالعرقية الفلاشية، وقد مر نحو 4 سنوات على تقرير إيمي بالمور المديرة العامة بوزارة العدل الإسرائيلية حيث طالبت بإجراء إصلاحات رئيسية في أحوال الإسرائيليين من أصول إثيوبية، وقد أنجزت الحكومة 67% فقط من التوصيات الواردة به، وأبرزها يتعلق بمجالي التعليم والتوظيف، أما بقية التوصيات ولاسيما ما يتعلق بها بالجانب الأمني فمسكوت عنها. ([9])

لا يمكن القول بوجود مخاطر يشكلها الفلاشا على الأمن القومي الإسرائيلي بشكل مؤثر ومباشر وفوري، فيهود الفلاشا يعمل أغلبهم في إسرائيل في الأعمال الدنيا والتي لا يقبل باقي اليهود العمل بها، وعلى الرغم من النظرة الدونية للثقافة الأفريقية بشكل خاص، وما دون الأوروبية بشكل عام، إلا أن تلك النقطة قد تم تجاوزها في ظل حاجة الدولة للمزيد من اليهود، إلا أن ما يشهده الواقع الإسرائيلي حاليًا يكشف عن:

  • هشاشة التركيبة المجتمعية في إسرائيل.
  • أن التعامل العنصري ليس استثنائي للسلطات الإسرائيلية.
  • إثارة الذاكرة الجماعية للعرقيات المضطهدة بين الحين والآخر.
  • العرقيات المضطهدة في المجتمع الإسرائيلي بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر إذا توافرت لها الظروف المناسبة.

وبشكل عام فإن جل ما يشكله يهود الفلاشا من مخاطر، ينحصر بالأساس في الهجرات غير الشرعية التي تتوالى على البلاد من إثيوبيا بين الحين والآخر، إلى جانب شعورهم بالاغتراب الذي ولدته النظرة الدونية لهم وعدم المساواة من قبل الدولة والمجتمع في إسرائيل، مما قد يسبب اضطرابات وجرائم وقلاقل في المستقبل تؤثر على أمن الدولة في حال تم الاهتمام بقضاياهم على المستوى الدولي ونجحوا في اجتذاب داعمين لهم [10].

أقراء أيضاً

الهامش

[1] عبد الوهاب المسيري، “يهود الفلاشا: الوعود ضائعة في أرض الموعد”، الاتحاد الإماراتية، 18/8/2007.

[2] Tanya Schwarz, Ethiopian Jewish Immigrants in Israel: The Homeland Postponed (New York: Routledge, 2001), p. 31

[3] الرابط

[4]  “العنصرية في إسرائيل.. من هم يهود الفلاشا ولماذا ينتفضون؟”، روسيا اليوم، 4/7/2019.

[5]  “انتفاضة اليهود المهمشين في إسرائيل.. الفلاشا نموذجًا”، وكالة الأناضول، 4/7/2019.

[6] ابراهام منغستو رهينة حماس وتراخي إسرائيل، ارم نيوز، 9/ 7/ 2015 الرابط.

[7] فراس خطيب، “مهاجرون إلى الجريمة”، صحيفة الأخبار اللبنانية، 18 /7/ 2007.

[8] معاريف، 28/1/1996.

[9] “ما سبب الاشتباكات بين الإسرائيليين الفلاشا والشرطة”، BBC، 4/7/201.

[10] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
إسرائيل ثورات العنصرية يهود الفلاشا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close