fbpx
تحليلات

القيادة السياسية وتغير السياسة الخارجية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يرتبط فهم الأحداث والتحولات التي تشهدها العلاقات الدولية، والسياسات الخارجية للدول، بالعديد من المتغيرات، والعوامل التي يجب أخذها في الاعتبار عند محاولة دراسة السياسة الخارجية لدولة من الدول، ومن بين هذه المتغيرات نمط القيادة السياسية في هذه الدولة، والشخصيات الفاعلة التي تقوم علي صنع سياستها الخارجية.

ومع أهمية هذا المتغير فقد تعددت الاقترابات التي تناولت مفهوم القيادة وأبعادها وتأثيراتها علي السياسة الخارجية للدول، وفي هذا الإطار يمكن تناول القيادة من خلال عدد من الأبعاد الأساسية:

أولاً:  تعريف القيادة:

تندرج دراسة القيادة السياسية ضمن الدراسات السياسية التى تتناول الظواهر السياسية على المستوى الجزئي (Micro politics)، حيث تركز على دراسة الأفراد، والجماعات الصغرى كوحدة التحليل، ودراسة القيادة السياسية تتطلب النظر إليها فى السياق الثقافي الذي توجد فيه، حيث إن موقع القيادة ومكانتها وتأثيرها، تتأثر بالقيم السائدة فى المجتمع، وكذلك النظر إليها فى المحيط السياسي والاجتماعي والاقتصادى السائد فى ذلك المجتمع أيضاً.

ونظراً لأن القيادة تتأثر بالسياق الثقافي والسياسي، لذلك لابد من تعدد الأطر التحليلية وتنوعها، أو على الأقل تناولها لمتغيرات جديدة تماثل أوزانها الأوزان التى توجد فى الوقائع السائدة فى الظواهر محل الدراسة، بمعنى أن يكون المركب التحليلي متكافئا مع الظاهرة محل الدراسة والتحليل.[1].

وقد اهتمت الكثير من الدراسات بموضوع القيادة وتأثيراتها المختلفة فى العمليات السياسية، حيث تم الربط بين القيادة والتنمية، أو بين القيادة والنظام السياسي، وبين أنماط القيادة السياسية وأنماط النظم السياسية، حيث اعتبر المتغير القيادي متغيراً مستقلاً والعمليات والنظم السياسية متغيرات تابعة.

وقد تعددت تعاريف القيادة السياسية، ويرجع هذا التعدد إلى اختلاف زوايا النظر إلى ظاهرة القيادة؛ فهناك من يوليها اهتماماً كبيراً حتى أنه لا يرى عملية سياسية داخل النظام السياسي، أو الجماعة السياسية والتنظميات المختلفة لا تتأثر بالمتغير القيادي؛ وهناك من ينظر إلى القيادة ضمن شبكة من التفاعلات والعلاقات المتبادلة، كعلاقة القيادة بالنخبة وعلاقتها بالجماهير وعلاقتها بالمؤسسات المختلفة. ومن ثم لا يمكن تناول القيادة بمعزل عن تلك الأطراف، فدراسة القيادة في هذا الإطار ينبغي النظر إليها كمركب أو تفاعل ثلاثي بين قائد، وأتباع، وموقف، أو تفاعل رباعي بإضافة عنصر المهمة أو المنظمة أو تباين المسئوليات[2].

وفي هذا الإطار يمكن تناول أهم هذه التعريفات ومن ذلك:

أن القيادة هي: “مجموعة السلوكيات التى يمارسها القائد فى الجماعة، والتى تعد محصلة للتفاعل بين خصال شخصية القائد والأتباع، وخصائص المهمة والنسق التنظيمي، والسياق الثقافي المحيط، وتستهدف حث الأفراد على تحقيق الأهداف المنوطة بالجماعة. بأكبر قدر من الفاعلية التى تتمثل فى كفاءة عالية فى أداء الأفراد، مع توافر درجة كبيرة من الرضا، وقدراً عالياً من تماسك الجماعة”[3].

وطبقاً لهذا التعريف فإن المكونات الرئيسية لعملية القيادة تتضمن (القائد، والجماعة، والأهداف، والتأثير)، كما تتضمن التفاعل بين تلك المكونات، ذلك التفاعل الذي ينطوي على إمكانات التأثير المتبادل فيما بينها، والذي يعد سلوك القائد محصلة له.

تعريف “بايلى” Baily أن القيادة هي: “قدرة القائد على اتخاذ القرارات فى مواجهة الموقف وإقناع الآخرين من أعضاء النخبة السياسية والجماهير بهذه القرارات”، وبهذا المعنى تصبح القيادة فى جوهرها عملية إقناع[4].

أن القيادة كعملية Process هي: “قدرة وفاعلية وبراعة القائد السياسي بمعاونة النخبة السياسية فى تحديد أهداف المجتمع السياسي وترتيبها تصاعدياً حسب أولوياتها، واختيار الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الأهداف بما يتفق مع القدرات الحقيقية للمجتمع، وتقدير أبعاد المواقف التى تواجه المجتمع واتخاذ القرارات اللازمة لمواجهة المشكلات والأزمات التى تفرزها هذه المواقف، ويتم ذلك كله فى إطار تفاعل تحكمه القيم والمبادئ العليا للمجتمع”[5].

ثانياً: نشأة القيادة وتفاعلاتها:

تختلف الظروف التى تؤدى إلى بروز القيادات السياسية من مجتمع إلى آخر، وحسب نمط القيادة ذاتها. كذلك فإن نمط وصول القيادة إلى السلطة له تأثيراته المختلفة، فالأشكال المختلفة للصعود إلى القمة وطريقة صعودها سيكون لها أبعد الأثر فى طبيعة النظام السياسي عامة، وكذلك فى مختلف العمليات السياسية.

فالقيادة الجماهيرية (الكاريزمية) تعكس نشأتها تفاعل مجموعة عناصر؛ شخصية، واجتماعية، وتاريخية، وهذا يعني: أن القيادة تمتلك قدرات تؤهلها لإنجاز تفاعل إيجابي بين خصائصها الشخصية وخصائص الإطار الاجتماعي والثقافي، الذى توجد فيه، وكذلك قدرتها على تكتيل الجماهير وتقديم القدوة الصالحة لهم، وقدرتها على التعبير عن الشعور الجماعي.

كما أن شكل الوصول إلى السلطة يترك أثره فى ممارستها وعلاقاتها بالجهات المختلفة، فالقيادة التى تعتمد فى الوصول إلى السلطة على القوى الأجنبية، ستتأثر القرارات التى تصدرها، والسياسات التى تتبعها محلياً ودولياً، ذلك أن نمط السلوك التابع سيطبع تصرفاتها، وإذا تعارضت المصالح الداخلية للدولة مع المصالح الخارجية، فإن الخارجية هى التى تسود. ويمكن ملاحظة ذلك فى عمليات التصويت فى المحافل الدولية، كما يمكن قياس استجابة سلوك الدولة التابعة بناء على ذلك.

والقيادة التى تعتمد على العسكر فى الوصول إلى السلطة تتميز فى الغالب باللجوء إلى الإكراه والقهر، وحسم القضايا عن طريق القوة والعنف. والقيادة التى تعتمد على المساندة القبلية فى وصولها إلى السلطة، فإن الطابع القبلي يميز أبنيتها وتصرفاتها وعلاقتها، وأسلوب تجنيدها، ونمط توزيعها للمنافع والأضرار، ونمط الترقيات فيها، وخصائص عملياتها الانتخابية[6].

إلا أن هناك بعض الاستثناءات ترد على هذه المقولات، فقد تنصرف قيادات ـ في حالات معينة ـ عكس رغبات من أوصلوها إلى السلطة، حينما تنفتح على الجماهير وتكون قوى إسناد جديدة تضعف بها القوى التقليدية وتمكن للمشروع الديمقراطي.

فالحديث عن القيادة السياسية يقتضي الحديث عن تفاعل ذلك المركب من القادة والجماهير والمؤسسات، وتفاعل القيادة مع الجماهير قد يتخذ صوراً ثلاثاً: تفاعل قوامه النفوذ ويعبر عن الحب والاحترام المتبادلين واللذين يتحولان على محور الطاعة وأسسها، وتفاعل ينتج من ظاهرة السلطة وقوامة الخوف والرهبة، وتفاعل قوامه المساومة وتبادل المصالح بين الطرفين، فالناس يطيعون ويمتثلون لقاء مصلحة يصيبونها، والجماهير يمكن أن تتفاعل مع القائد سلباً أو إيجاباً حسب تعلقها به، وتبعاً لإنجازاته ومواهبه، ومدى تجسيده لطموحها.

كما تتفاعل القيادة مع النخبة التى تحوز مكان القرب من القيادة، والتفاعل بين الطرفين يأخذ أشكالاً وصوراً من التعاون والصراع والمساومة. وتتأثر العلاقة بين الطرفين بحسب القرب والبعد، وكذلك تبعا لبنية السلطة، والنخبة، بالإضافة إلى تفاعل القيادة مع المؤسسة أو المؤسسات، حيث تلعب المؤسسات دوراً مهماً ـ فى الديمقراطيات ـ فى التأثير فى سلوك القادة، وعلى العكس من ذلك فى الأنظمة الشمولية[7].

يؤكد ما سبق أن القيادة السياسية تعبر فى نشأتها عن تفاعل عوامل شخصية (تتعلق بالسمات النفسية والسلوكية للقائد من قبيل السيطرة أو الخضوع، الذكاء أو عدمه، القدرة الابتكارية أو عدمها، الثقة بالذات أو عدمها، قوة الشخصية أو ضعفها، سعة الأفق أو ضيقه، الميل للعنف أو التسامح، والاستعداد للمخاطرة من عدمه، وتتأثر هذه السمات بعملية التنشئة الاجتماعية خاصة على المستوى الأسرى وبالخلفية التعليمية والمهنية للقائد) واجتماعية (تتعلق بطبيعة البناء الاجتماعي والأزمة أو الأزمات التى يعانى منها للمجتمع) وتاريخية وثقافية (ترتبط بطبيعة الخبرات التاريخية للمجتمع، حيث تتصف خبرات وثقافات بعض المجتمعات كالمجتمعات العربية بأنها تفسخ مجالاً خاصاً لظهور نمط معين للقيادة، كوسيلة المواجهة أزمات حادة خصوصاً ما يرتبط منها بالتحديات الخارجية).

وترتبط الفاعلية النسبية التى اتصفت بها قيادات كاريزمية إلى قدرة كل قيادة منها على تحقيق التفاعل بين خصائصها الذاتية وسمات الإطار الاجتماعي والثقافي، وقدرتها على تكتيل الجماهير وتقديم القدوة الصالحة لها، وقدرتها على التعبير عن التقاليد الحضارية القومية التى يشكل الانتماء إليها أساس الضمير التاريخي والوعي الجماعي.

وفي إطار هذه الاعتبارات يأتي التأكيد علي أنه في الوقت الذي تتنوع فيه أساليب وصول القادة إلى السلطة من نظام سياسي إلى آخر، وتأثير هذه الأساليب بدرجة أو بأخرى فى نمط القيادة السياسية وخصائصها وأساليبها فى ممارسة السلطة وفى التعامل مع القضايا الداخلية والخارجية، كما تؤثر فى النظام السياسي ككل، فإن هناك عدد من الملاحظات التي يجب أخذها في الاعتبار:

ـ إن وصول القائد إلى السلطة اعتمادا على انقلاب عسكري، يجعل القائد يتصف بالقمع فى ممارسة السلطة، ويصبح النظام سلطوياً، وقد يلجأ بعض هؤلاء القادة إلى “العسكرة الكاملة أو شبه الكاملة” لنظمهم السياسية من خلال تعيين كبار الضباط الموالين فى المناصب العليا السياسية والإدارية، بينما يلجأ قادة آخرون إلى تقليص نفوذ العسكريين من خلال عمليات “التطهير” و”التصفية” وموازنة قوة الجيش النظامي بقوات شبه عسكرية.

ـ إن وصول القيادة إلى السلطة اعتماداً على دعم قبلي وعشائري، ـ وما يرتبط بذلك من توريث السلطة ـ يجعل القيادة قبلية فى أساليب ممارستها للسلطة سواء من حيث الاعتماد على مساندة قبيلتها والقبائل الأخرى القوية المرتبطة بها بروابط نسب ومصاهرة، وحماية المصالح والأوضاع المتميزة لهذه القبيلة وامتداداتها، وتعيين أبنائها فى المناصب الهامة والحساسة كالوزارات السيادية، أو من حيث الاعتماد على هذه القاعدة القبلية فى القوات العسكرية (الجيش) أو شبه العسكرية (كالحرس الوطني بالسعودية).

ـ إن الانتخابات أو الاستفتاءات فى غالبية الدول النامية كسبيل للوصول إلى السلطة وبحكم ما يشوبها من تدخل حكومي، لا تفرز قيادات تتصف بالديمقراطية الحقيقية فى ممارسة السلطة، ورغم أن بعض النظم السياسية فى العالم الثالث، تشهد انتخابات “حرة” كسبيل وحيد لتولى السلطة وتداولها، إلا إنه حتى فى حالة هذه النظم قد تلجأ قياداتها إلى أساليب غير ديمقراطية فى التعامل مع القوى والأحزاب المعارضة[8].

ثالثاً: القيادة بين الرئاسة والنخبة:

القيادة السياسية جانب متميز لممارسة السلطة السياسية، حيث أن القائد الحقيقي فى ممارسته للسلطة يأخذ فى اعتباره دائماً دوافع وحاجات أعضاء النخبة السياسية والجماهير كبشر ويعتمد بالأساس فى تعامله معهم على الإقناع والاقتناع ويستهدف بلوغ الأهداف العامة للمجتمع. أما من يوصف “بالرئيس” فيمارس عادة السلطة متجاهلاً هذه الدوافع ومتعاملاً مع الآخرين (النخبة والجماهير) باعتبارهم “أشياء”، من منطلق سلطته الرسمية، وقد لا يعنيه من ممارسة السلطة المرتبطة بمنصبة الرئاسي سوى تحقيق مصالحه وأهدافه الخاصة.

أي أنه إذا كانت الرئاسة تعنى فى حقيقتها سلطة التوجيه والأمر والنهى التابعة من الاعتماد الكامل أو شبه الكامل على فرض وتوقيع الجزاءات فى حالة عدم الاستجابة، فإن القيادة السياسية لا تعتمد بالأساس أو على الدوام على هذه السلطة الجزائية وتنظر إليها كإحدى أدواتها الثانوية، وتعتبر اكتساب ثقة الآخرين بطريق الإقناع أدائها الأولى مستغلة فى ذلك ما تتمتع به من خصائص وقدرات “قيادية” ذاتية نفسية وسلوكية.[9].

أما النخبة السياسية Political Elite فهي جماعة محدودة العدد يملك أعضاؤها من الأعوان Supporters والأتباع Followers القدرة على التأثير السياسي، فالأعوان والأتباع يمثلون القوى المساندة والتابعة للقائد فى ممارسته للسلطة. ورغم صعوبة التمييز بين الأعوان والأتباع، إلا أنه يمكن القول أن الأخيرين أقل عمقاً فى ارتباطهم العاطفي بالقائد حتى أن علاقتهم به عادة ما تختفي وتتواري بمجرد فقده للسلطة أو تعرضه للهزيمة، ويتصفون بقدرة كبير على التكيف أو “التلون” مما يمكنهم من العمل وتحويل الولاء إلى أى قائد يحل محله.

وتنبع علاقة الأعوان بالقائد من عاطفة قوية تجعلهم قوة مساندة ولصيقة به فى لحظات ومواقف الانتصار والانكسار، ولذا يصعب عليهم بعد اختفاء أو رحيل القائد العمل مع من يخلفه، وفى كثير من الدول يسعى القائد الجديد إلى “التخلص” بشكل أو بأخر من هؤلاء الأعوان فى حالة سعيه إلى الاعتماد على مصدر أخر للشرعية أو تبني سياسات داخلية وخارجية جديدة تختلف عن تلك التى كان يتبناها القائد السابق.

والتأثير السياسي للنخبة لا يعنى فقط المشاركة الفعلية لأعضائها أو بعضهم فى صنع القرارات السياسية، وإنما أيضاً تأثير هؤلاء على القائد لصرفه عن اتخاذ قرارات معينة قد لا تخدم مصالح النخبة أو مصالح الجماعات المرتبطة بها. وتأثير النخبة فى هذه الحالة “اللاقرار ـ Nondecision عادة ما يكون أكثر أهمية وخطورة من تأثيرها فى حالة اتخاذ القرار، فعدم اتخاذ قرار فى قضية مثارة يعد قراراً فى حد ذاته بالنظر إلى “أن كل تنظيم أو بناء سياسي يتضمن انحيازاً لقيم ومفاهيم وقضايا معينة على حساب غيرها، ويترتب على ذلك أن قنوات أى تنظيم تسمح لبعض الصراعات بالإثارة والظهور دون غيرها وبإبراز مشكلات بعينها دون غيرها، فتأثير النخبة لا يظهر فقط فى تدخلها ودورها فى إصدار قرار سياسي معين، بل فى قدرتها على عدم إثارة القضايا أو قدرتها على عدم اتخاذ القرار إذا أثيرت القضية”.

ويمكن في إطار تناول التأثير السياسي للنخبة فى عملية صنع القرار، التمييز بين عدة مجموعات، الذين قاموا بعرض المشكلة على صانع القرار الأول، أى القائد الأعلى، ومن خلال ذلك تم العرض بشكل معين وفى إطار معلومات محددة مما يسمح لهم بإغفال بعض جوانب المشكلة أو عدم عرض قضايا بأكملها أو التأثير فى عرضها، ثم الذين قاموا بالتداول والبحث والتفكير فى البدائل المختلفة والحلول المقترحة للقضية موضع البحث بغرض رفعها إلى القائد، والذين عاونوا القائد مباشرة فى اتخاذ القرار.

وفي هذا الإطار فإن النخبة تؤثر فى القائد السياسي وقراراته، وتتأثر أساليب القائد وسياساته بدرجة أو بأخرى بطبيعة تكوين النخبة السياسية. فالقائد المستند إلى نخبة من العسكريين الشبان، يتصف فى حركاته وسياساته بالاستفزاز والمغامرة وعدم المرونة وعدم الاستعداد للتوفيق، على عكس قائد آخر يعتمد على نخبة من السياسيين والحزبيين المتقدمين فى العمر حيث يتصف فى حركته عموماً بالاعتدال والمرونة وعدم المخاطرة وعدم اتخاذ قرارات وسياسات تعبر عن التصلب أو التطرف.

والقائد المستند إلى نخبة سياسية يملك أعضاؤها قسطاً معقولاً من الثقافة والخبرة يختلف فى أساليبه وسياساته من حيث الحركة والتخطيط، عن قائد أخر لا يعبر أعضاء نخبته عن أى ثقافة أو خبرة ولا يقبل التعامل مع المثقفين والخبراء. وبالمثل فإن القائد المعتمد على نخبة تمثل “أرستقراطية” قبلية عشائرية أو اجتماعية ـ اقتصادية تختلف مواقفه إزاء قضايا التنمية والتغيير عن قائد آخر لا تعبر نخبته فى أصولها الاجتماعية عن مثل هذه “الأرستقراطية”[10].

والقائد بدوره يؤثر فى النخبة السياسية من حيث تكوينها ونمط العلاقات بين أعضائها (تعاونيةـ صراعية)، وتتعاظم درجة هذا التأثير بوجه عام فى العديد من النظم السياسية بالدول العربية وغيرها من الدول النامية الأخرى، ففي مثل هذه النظم لا تقتصر العضوية فى النخبة السياسية على شاغلي المناصب الرسمية العليا، بل تضم أيضاً ما عداهم من أفراد يملكون ركائز أخرى للتأثير السياسي.

وفى بعض النظم يشكل هؤلاء الأفراد أكثر عناصر النخبة تأثيراً ونفوذاً، أى أنهم يمثلون العنصر الغالب فى “الدائرة الضيقة” المحيطة بالقائد، الأمر الذي يمكن تفسيره بتعاظم دور القائد وسلطته واعتماد التأثير السياسي وعضوية النخبة على الولاء الشخصي والاقتراب من القائد. وفى مثل هذه النظم تتصف العلاقات فيما بين أعضاء النخبة وبعضهم البعض بالتنافس والصراع، خصوصاً مع لجوء القائد إلى تطبيق سياسة معينة فى التعامل مع النخبة، وتؤدى هذه السياسة أيضاً إلى صعوبة استمرار وجود وتأثير عناصر النخبة فى ظل اتجاه القائد بشكل مستمر فى كثير من الحالات إلى إبعاد أو تقريب وتصعيد عناصر النخبة لمنعها من تكوين ركائز للتأثير السياسي مستقلة عن شخصه.

رابعاً: نظريات تفسير القيادة:

ترتبط السياسة بالسلوك الإنساني ارتباطًا مباشرًا لأن القائمين على تسيير دفة الحكم أفراد تتفاوت سماتهم الشخصية حسب عوامل عديدة منها الميزات الموروثة، والخبرات المكتسبة. وهكذا فإن المؤثرات الخارجية الناجمة عن البيئة بالإضافة إلى نوعية الشخصية تحددان سلوك الفرد بدرجة كبيرة. والأحداث السياسية عبر التاريخ هي نتيجة قرارات اتخذها رجال سياسة يتميزون بسمات شخصية كان لها أثر على دوافعهم ومهاراتهم واتجاهاتهم الفردية، وفي هذا الإطار فقد تعددت النظريات التي تفسر دور القيادة وتأثيرها علي العملية السياسية، وعلي السياسة الخارجية.

وفي هذا الإطار يرى أصحاب النظريات التقليدية أن طبيعة الأزمة السياسية التى تواجه صانع القرارات تحدد مسار سياسته الخارجية. وتفترض أن القادة يرون الواقع الذى بموجبه يتخذون القرارات طبقًا لسلوك الدولة المعتاد دون تأثيرهم الشخصي على تلك الأحداث[11].

ويرفض مؤيدو نظريات الشخصية اعتبار الأزمات العامل الأوحد فى تحديد قرارات السياسة الخارجية، ويكمن تبريرهم فى أننا نجد أن أزمة ما تعالج بطرق مختلفة من قبل صانعي القرارات، فشخصية صانع القرارات يجب أن تعتبر عاملاً أساسيًا فى صنع القرارات، وتدخل فى معادلة تفسيرها، فهناك اختلاف أساسي نوعي بين الطريقة التى يعالج بها العسكريون ويحلون بها مشاكل السياسة الخارجية والطريقة التى يتبعها المدنيون، فأهم خصائص نظرة العسكريين إلى السياسة الخارجية يكمن فى اعتقادهم فى “قدراتهم” على عمل الشيء، فبينما يميل صانعو القرارات التقليدية إلى تأجيل اتخاذ قرارات ملزمة حتى يتأكدوا من جدوى تلك الإجراءات خصوصًا عند مواجهتهم للمواقف الغامضة والمعقدة. إلا أن ذلك لا يحظى بموافقة العسكريين، فالعسكريون الأمريكيون يؤكدون بشدة على ضرورة حل المشاكل بسرعة دون تأجيل.

وبين هذين الاتجاهين تعددت نظريات تفسير الشخصية القيادية، والتى سعت إلي تفسير سلوك واتجاهات صانعي القرارات، في إطار العلاقات الدولية، ومن ذلك:

1ـ نظرية العلاقات الشخصية:

تبحث هذه النظرية فى كيفية معاملة الفرد السياسي لمن حوله، وبالتالي فإنه يرغب أن تكون علاقات دولته على نفس الطريقة، وتري أن العلاقات الدولية تتأثر بنوعية العلاقات الشخصية لصانع القرارات إذ أن هناك ارتباطًا بين روح الفرد العدائية أو التسامحية وبين طبيعة مجتمعه، فإن كان مجتمعه يركز على استعمال العنف فى علاقاته مع المجتمعات المحيطة به، يتحتم على أفراد ذلك المجتمع التعبير عن نزعاتهم العدائية بتأثير البيئة، وبذا يصبح سلوك الجماعة تعبيرًا عن سلوك الفرد[12].

2ـ نظرية العصبية:

وتؤكد تضامن الفرد مع جماعته ضد الجماعات الأخرى، بحيث تصبح العلاقة “نحن وهم” وبموجب هذه النظرية كلما زاد تعلق الفرد بجماعته، زاد ميله إلى استعمال القوة ضد الغرباء، وتعتمد هذه النظرية على ركيزتين، الأولى: الارتباط بالقومية، والثانية: المثالية المنبثقة عن الحضارة والثقافة، ففي الأولى يكون انتماء الفرد إلى دولته دون غيرها، وينظر إلى العالم من خلال منظار بلده، وبذا تنصهر شخصيته فى بوتقة بلده، أما الثانية فتقوم على تعزيز وتصدير قيم دولته التى يعتبرها متفوقة على حضارات وقيم الآخرين[13].

3ـ نظرية الشخصية الفردية:

يشكل كل إنسان نموذجًا فريدًا يستخدم سماته الشخصية فى تقييم الآخرين وتفسير قراراتهم، وتقوم النظرية علي عدد من الفرضيات الأساسية، منها: أنه كلما رغب الشخصي فى أن يكون نشيطًا فى المجال السياسي للوصول إلى مراكز نفوذ، زاد شعوره وتأكيده على طموحات سياسية العدو الخارجية التوسعية، ومن ناحية أخري فكلما زاد عداء الفرد لمن حوله، زاد ميله لأن يرى السياسة المعادية لدولته تهديدًا شخصيًا له، ويفسر ذلك السلوك بأنه تعلق شديد بالقومية التى تبرز العداء للجماعات الأجنبية، وهكذا يعتبر الفرد حكومته امتدادًا لشخصيته، ويرى فى ممارسات دولته تحقيقًا لرغباته الشخصية.

4ـ نظرية الدور:

وتقوم علي أنه لا علاقة لعامل الشخصية فى السياسة الخارجية، لأن ممارسة الفرد لتدريبه ومهاراته، وتحليل المعلومات واستعمالها فى البيئة البيروقراطية وموقع المسئولية، بالإضافة إلى المصلحة القومية، كلها عوامل تحدد تأثير الخاصيات الشخصية فى صنع القرارات، وفى الواقع العملي فإن الاندماج فى الجماعة البيروقراطية والتأقلم لتقاليدها يعيق التخطيط الفردي والابتكار، وبذلك فإن الفرد يصبح مسيرًا بالحرص أكثر من الحكمة والتعقل، الأمر الذى يؤدي إلى اضمحلال أثر الشخصية.

5ـ نظرية الإحباط:

وتقوم علي أن الشعور بالإحباط يؤدي إلى التعدي على الأشياء أو الأشخاص الآخرين، فازدياد الضغوط إلى درجة لا يمكن تحملها، تؤدي إلى القيام بالاعتداء الفعلي، وإذا أخذ هذا مقياسًا لمبادئ السلوك الإنساني، فإن تخفيض تلك الضغوط يصبح خطوة أساسية فى اتجاه السلام، ولذا فإن حرمان الفرد من حاجاته الضرورية لتحقيق رغباته الشخصية، يؤدي إلى شعور سلبي تجاه الشعوب الأخرى، كما أن عدم رضاء الجماعات عن أوضاعهم الاقتصادية يدفعهم إلى التفتيش عن كبش الفداء وكراهية الأجنبي. والدعوة إلى شن حرب شاملة ضد الأعداء التقليديين، وأكد مورجنثو هذه الظاهرة بقوله: “كلما زاد استقرار المجتمع وأخذ المواطنون يشعرون بالطمأنينة والأمن (الاقتصادي والسياسي) انخفضت درجة الشعور العدائي القومي تجاه الأجانب.

6ـ نظرية القومية:

يعرف الشعور الوطني بأنه تركيز الانتباه والشعور الإيجابي نحو رموز الأمة، وكلما زادت درجة الانتماء إلى الأمة، زاد الشعور بالتعلق بها، والدفاع عنها، والشعور المتطرف بالقومية ناتج عن الشعور العميق بالنقص وعدم الكفاءة. وعند تعظيم الأمة يعمد الفرد إلى رفض الأشياء التى لا تتلاءم من صورة بلده.

وهكذا فإن الإيمان بعظمة الأمة وتفوقها تدفع الأفراد المتطرفين إلى اعتبار الغرباء أعداء شريرين ومتآمرين على ما ينتمون إليه، وهو الشئ الروحي الذي يعلقون عليه آمالهم، وهكذا فإن علاقة الفرد بأمته تتمثل فى الحفاظ على شهرتها ومدها، وأن يربط بها مصالحه الشخصية العسكرية والاقتصادية، وتبرير سياساتها القومية، فإنه يعتبر انتصاراته انتصارًا شخصيًا له[14].

خامساً: مداخل دراسة القيادة السياسية:

في إطار هذه النظريات تعددت مداخل تفسير القيادة السياسية، فهناك من نظر إلى المتغير لقيادي على أنها الركيزة التي تتوقف أنماط العمليات السياسية عليها، وهناك من لم يول القيادة دوراً إلا داخل الموقع الذى توجد فيه، أو الموقف الذى تواجهه وخصائص البيئة التى تحيط بها، من بين هذه المداخل:

1ـ مدخل السمات الشخصية:

والذي يركز على السمات الخاصة للقائد، والتى لها تأثير كبير علي العملية السياسية أكثر من تأثير القوى الاجتماعية والاقتصادية، والأبنية المؤسسية. ومن ثم فإن معرفة نمط التنشئة التى تلقاها القائد، وخبراته المختلفة، والثقافة التى تلقاها، وما يتحلى به من مهارات فردية وقدرة على الإبداع، وكذلك طريقة عمله وأسلوبه، فسلوك القائد يتشكل ويتحدد، تبعاً لتصوره وتشخيصه وتقديره وإدراكه للموقف، ومن ثم، فإن إدراك العمليات السياسية وفهمها تستدعي التركيز على القائد، ومعرفة دوافعه، وإدراكه، وثقافته، ومعتقداته، وخبراته التاريخية، وتجاربه التى مر بها، وتنشئته وطفولته، والصورة التى يكونها عن نفسه[15].

ويهتم هذا المدخل بالمهارات السياسية للقائد، ووضوح أهدافه، وقدرته على التجنيد ومهاراته الاتصالية، وثقافته السياسية وذكائه وحنكته، وميزاته الفردية الأخرى كالشجاعة، وأسلوبه فى التعاطي مع القضايا السياسية هل هو متفاعل أو عقائدي صلب المزاج أو هو براجماتي، وكذلك قدرته على لعب أدوار متعددة[16].

2ـ مدخل المكانة (الموقع):

ويشير إلى موقع القائد داخل مؤسسات النظام، والصلاحيات التى تخولها له الدساتير، وعلاقاته المختلفة بالمؤسسات الأخرى (التشريعية والتنفيذية والبيروقراطية)، ومن ثم فإن تفسير القيادة ينبغي أن يأخذ فى اعتباره موقع القيادة من كل ذلك وصلاحيتها، أى يفسر السلوك القيادي بالنظر إلى البناء المؤسسي الذى توجد فيه، ودرجة هامش الحركة والحرية الذى تتوفر عليه. وإن النظر إلى رئيس دولة فى بلد قد يختلف من حيث الصلاحيات عند فى بلد آخر.

أي تفسير سلوك القيادة تبعاً للقيود والفرص التى يجب عليها مراعاتها، من حيث المدة الزمنية التى يقضيها القائد فى المنصب، والإطار المؤسسي السائد، والتفاعلات الداخلية عبر الأجهزة المتعددة؛ تفاعل الرئيس مع الوزير الأول، أو القيادات المعارضة داخل البرلمان، وكذلك علاقة الرئيس بمحيطه، بالمؤسسات الأخرى، كالأحزاب والجماعات المختلفة والمؤسسة العسكرية.

3ـ المدخل البيئي:

ويركز على البيئة الداخلية والخارجية وما تتضمنانه من قيود على حرية حركة القيادة، أو من فرص تلعب دور الموارد والمساندة للقيادة. ومن ثم، فإن تفسير السلوك السياسي، للقائد ينبغي ربطة بالأوضاع الداخلية (الاقتصادية، الاجتماعية، الرأي العام، الأحزاب)، والوضع الدولي السائد (الموارد والضغوط) [17].

سادساً: وظائف القيادة:

تتعدد الوظائف التي يمكن أن تؤديها القيادة السياسية، ومن بين هذه الوظائف، تحديد أهداف المجتمع وتعريفها ووضع برنامج بالأوليات، والتوسط بين المصالح المتصارعة وتسوية الخلافات والنزاعات، وتجنيد المساندة داخل التنظيمات المختلفة وكسب الدعم والتأييد، وصناعة القرارات وتنسيق السياسات، بجانب أنها تمثل القدوة فى المجتمع للنخب والأفراد والجماعات المختلفة، فالقيادة تمثل نموذجاً للمثاليات الاجتماعية (الشجاعة، الشرف، الكرم، التضحية، علو الهمة …. إلخ)، كما تمثل رمزاً للمجتمع، وتجسيداً لطموحاته وإيجاد الشعور بالثقة[18].

وهذه الوظائف قد تتسع لتشمل مجالات عديدة يفترض أن تقوم بها جهات وأطراف أخرى، ولكن هذا الاتساع والتضخم يكون غالباً فى الأنظمة الشمولية، حيث تتداخل شخصية القائد مع المؤسسة، بل تدمج المؤسسة فى شخصية الزعيم. وقد تضيق كما هو الشأن فى الديمقراطيات، فالقائد السياسي يمثل محور العملية السياسية وتفاعلاتها بحكم موضعه فى قمة النظام السياسي، فضلاً عن أنه يؤدى أو يجب أن يؤدى عدة وظائف وأدوار لها أكبر الأثر فى حياة وتطور النظام والمجتمع. وفي إطار هذه الوظائف يمكن التمييز بين:

1ـ دور القائد كأداة للتغيير المجتمعي “التنمية الشاملة”:

حيث يرتبط هذا الدور بوظيفة القائد فى تحديد أهداف المجتمع وأولوياتها وصنع القرارات، وتبرز فى هذا الخصوص أهمية إنصاف القائد بالبراعة فى تقويم المواقف وحسن التوقيت عند اتخاذ القرارات وإجادة اختيار الأعوان.

2ـ دور القائد كأداة للتخطيط :

وهنا يجب على القائد عند وضع الخطط أن يستعين بأهل العلم والخبرة والاختصاص، وأن يأخذ فى اعتباره ردود أفعال الجماهير إزاء الخطط والسياسات وما تفرزه من توقعات ومطالب جديدة، وأن يهتم بخلق التفاعل والتجارب مع الجماهير لضمان مشاركتها والتزامها بمساندة وتنفيذ هذه الخطط والسياسات.

3ـ دور القائد كأداة لتسوية الخلافات بين القوى والجماعات المختلفة فى المجتمع:

حيث يتعين على القائد أن ينظر إلى نفسه على أنه يعلو الجميع، فحتى إذا وصل إلى السلطة اعتماداً على فئة أو طائفة أو طبقة أو حزب معين، يجب فور توليه السلطة وأعباء القيادة أن يتخذ موقف الحياد والتوفيق بين الجماعات المختلفة دون انحياز أو محاباة للجماعة التى ينتمي إليها، بيد أن ذلك الحياد لا يعنى سلبية ولا مبالاة القائد إزاء قهر أو تسلط بعض الجماعات على غيرها من الجماعات[19].

4ـ دور القائد كنموذج للمثالية الاجتماعية:

يرتبط هذا الدور بالقيم، فعلى القائد أن يمثل بالنسبة للنخبة السياسية وللمجتمع المحكوم نموذجاً أو قدوة سلوكية، وبحيث يعبر فى سلوكه العام والخاص عن القيم والمبادئ الأخلاقية التى يتمناها المجتمع فى أفراده وبالأخرى فى قائده.

5ـ دور القائد كرمز للمجتمع:

وهذا الدور يرتبط فى معظم الحالات بالقيادات الجماهيرية أو الكاريزمية، وقد يسعى قادة لا يملكون مقومات تذكر للزعامة إلى محاولة أداء هذا الدور فى مواقف معينة لكسب تعاطف ومساندة الجماهيرة أو قطاعات مهمة فى المجتمع، وفى حالات أخرى قد يصبح القائد “كبش فداء” عندما تلقى الجماهير على عاتقة مسئولية الاخفاق أو الهزيمة[20].

6ـ خلق الشعور بالثقة والأمن والاطمئنان والكرامة وتقدير الذات فى نفس المواطن:

وذلك فى مواجهة ما يعانى منه من توتر وإحباط وخوف نتيجة للصراعات والمواقف الحياتية اليومية. ويصبح القائد أحد وسائل أو ميكانزمات الدفاع، سواء بطريق الإسقاط أو الإحلال، ويقصد بالإسقاط، سعى الفرد لتخطى حالة التوتر والإحباط من خلال النظر إلى ذاته كامتداد للقائد السياسي موضع الإعجاب والتقدير، بينما “الإحلال” محاولة الفرد التخلص من شعوره بالإحباط الناشئ عن فشله فى تحقيق أهدافه الخاصة من خلال أحلال الأهداف العامة التى تبناها القائد ونجح فى تحقيقها محل هذه الأهداف الخاصة[21].

وحتى ينجح القائد فى أداء مثل هذه الوظائف، يجب أن يجمع بين خصائص وقدرات ذاتية معبرة عن مفهوم “النبوغ السياسي” من قبيل الحساسية والذكاء والفطنة والتدبر وسعة الأفق، وبين قدرة على تطويع خصائصه الذاتية وأساليبه فى الحركة والتعامل بما يتفق مع خصائص ومقتضيات مواجهة المواقف المختلفة التى تواجه المجتمع. ويتعين على القائد أن يدرك أيضاً أن القيادة عملية اتصال أساسه الإقناع والثقة وليس القهر أو المناورة وأنها عملية تفاعل ومشاركة، وأن يخلق الترابط بين قراراته وسياساته وبين قيم ومثاليات المجتمع حتى يصبح أداة للتعبير عن هذه القيم.

هذا مع مراعاة وجود نمط قيادي يتميز بتأكيده على أهمية استجابة الجماهير العاطفية، وبدعوته إلى أحداث تغيير اجتماعي، ورفض أى معارضة لبرامجه، وهذا النمط يستمد سلوكه من دوافع خاصة غير محسوسة، فبينما يبدو منطقيًا فى أقواله، إلا أنه يمارس ذلك الشعور بشكل غير عقلاني [22].


الهامش

[1]Alistair cole, “Studing, Political leadership, The case of fracsios Mitte- rand”; In Political Studies, Vol. 42, No.3. (September 1994), P. 466.

[2] نيفين عبد المنعم مسعد، “القيادة كمتغير فى العملية السياسية، بين العالمية والخصوصية”، المستقبل العربي، ع 155، يناير 1992، ص ص 43 ـ 44.

[3] طريف شوقي، السلوك القيادي وفعالية الإدارة، (القاهرة : مكتبة غريب، 1993) ص 41.

[4] خليفة علي البكوش، المتغير القيادي فى مصر والصراع العربي ـ الإسرائيلي، رسالة دكتوراه غير منشورة (جامعة القاهرة : كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1994) ص 40.

[5] جلال عبد الله معوض، “القيادة السياسية كأحد مداخل تحليل النظم السياسية” فى على عبد القادر، مرجع سابق، ص 176.

[6] المصدر السابق، ص ص 180 – 182.

[7] نيفين مسعد، مرجع سابق، ص ص 46 ـ 50.

[8] د. حسن نافعة، د. جلال معوض، ود. حمدي عبد الرحمن، مقدمة في علم السياسة ـ الجزء الأول: الأيديولوجيات والأفكار والنظم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2001/2002، ص 272 ـ 275.

[9] د. حسن نافعة، د. جلال معوض، ود. حمدي عبد الرحمن، مقدمة في علم السياسة ـ الجزء الأول: الأيديولوجيات والأفكار والنظم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2001/2002، ص 268 ـ 270.

[10] د. حسن نافعة، د. جلال معوض، ود. حمدي عبد الرحمن، مصدر سابق، ص 291 ـ 295.

[11] James Doughert, Robert Pflatgraff.: Contending Theories of International Relations, (Philadelphia: Lippincott, 1971) pp. 25- 35.

[12] Henry Kissinger, “Domestic Structure and Foreign Policy”, Daedalus, Vol.XCV, (Spring, 1966) pp. 503 – 509.

[13] Robert Levine, Ethnocentrism: Theories of Conflict, (New York: Wiley, 1972)p. 213.

[14] د. محمد إبراهيم فضة، أثر عامل الشخصية في صنع السياسة الخارجية، السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، عدد 74، أكتوبر 1983، ص 57 ـ 60.

[15] سلوى شعراوي جمعة، الدبلوماسية المصرية فى عقد السبعينيات، ترجمة عطا عبد الوهاب، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988، ص 17.

[16] Alistair, op. cit., P. 456.

[17] د. محمد شلبي، المنهجية في التحليل السياسي ـ المفاهيم والمناهج والاقترابات والأدوات، القاهرة: بيت الحكمة، 1996، ص 222 ـ 228

[18] المرجع نفسه، ص ص 178 ـ 179.

[19] Alistair, op. cit. P. 453.

[20] د. حسن نافعة، د. جلال معوض، ود. حمدي عبد الرحمن، مصدر سابق، ص 269 ـ 273.

[21] Bjorn Christensen: Attitudes Towards Foreign Affairs as a Function of Personality, Viewpoint, Connecticut: Greenwood Press, 1974, p. 19.

[22] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
علاقات دولية نظريات سياسية
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close