fbpx
تقارير

الكنيسة المصرية والسياسة بعد يوليو 2013

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

كراهية الدولة والانفصال عن الطموح السياسي الوطني والانغلاق بالأقباط وعليهم دون المجال العام كان أبرز خصائص السلوك الكنسي بمصر في علاقته بالسياسة، أو ما يمكن اعتباره خصوصية الحالة الكنسية المصرية في تأثرها بتهتك المجال المصري العام مقارنة بما حل بمؤسسات أو منظمات وطنية. التهتك/ التجريف المشار إليه طال كل مصر، كل القوى الحيوية في مصر.

فقد طالتها نخبة مصر العسكرية التي وصفها يزيد صايغ بالفئوية أو نخبة/ جمهورية الضباط، كم طالتها بيروقراطية مصر التي باتت لها رؤيتها وتأويلاتها الخاصة حيال المجال العام ومساره الاقتصادي؛ فأصبحت تعمل لجمع عوائد النمو الاقتصادي بشروطها، وحتى الجماعات السياسية الكبرى في مصر ومنها جماعة الإخوان التي استغرقت في الفصائلية لتصبح ثقافة المنافسة الشرسة عندها مفتاح العلاقة مع المجتمع المدني، فإذا بها تكتسحه دوما، لتجد نفسها في النهاية أمام غول سياسي اسمه الدولة المتحزبة التي تدهسها لاحقا، وانتهاء بقوى المجتمع المدني التي تعلقت بالحداثة مبدئياً لا وظيفياً، وكما الإسلاميين؛ أنكر التيار المدني أن الفكر الاجتماعي ما لم يقدم طرحاً خلاقاً لإدارة التفاعل لأجل التعايش فإنه يصير نقمة تجر مصر إلى مثيلات اللحظة التاريخية الراهنة الواهنة.

ويصف باحثون أقباط، وغير أقباط كذلك، العلاقة بين الأسبق مبارك والبابا شنودة الثالث باعتبارها علاقة اعتماد متبادل؛ فقد بدت العلاقة بينهما وكأنها عقد يقوم فيه البابا شنودة باعتباره رأس المؤسسة الوحيدة المعبرة عن قضايا ومشاكل الأقباط ومطالبهم وحقوقهم بدعم إدارة مبارك، في مقابل حصولهم على بعض المزايا السياسية التي لا يمنحها إلا نظام غير ديمقراطي، وهو ما يعني برأيهم أن إدارة مبارك قد تنازلت عن جزء من سلطتها، “سلطة الدولة” في الواقع، على بعض مواطنيها للكنيسة، وذلك في مقابل منح ولائها للنظام السياسي، وهو الولاء الذي منحته إياه حتى آخر لحظة قبل سقوطه1.

وكفرضية مبدئية، فإن مراهنة الكنيسة على تحصيل نفس النمط من مكاسب النفوذ الطائفي التي اعتادتها إبان إدارة مبارك، قد أغراها بالتضحية بدورها كإحدى أبرز مؤسسات المجتمع المدني في مصر، وجعلها تتوجس خيفة من أية ترتيبات مدنية خاصة بمستقبل مصر، بل وتكافح التوجه المدني لمصر، بدءا برفض مشاركة الأقباط في 25 يناير من جهة، وانتهاز صدام التيارات المدنية بجماعة الإخوان، ثم المشاركة في الإطاحة بهم من جهة ثانية، ودعم توجه عسكرة الحكم في مصر من جهة أخرى، والتدخل في المجال العام ولعب دور سياسي بالاستناد لكونها مؤسسة دينية من جهة رابعة.

الورقة التالية تقدم قراءة مقارنة في خصائص السلوك السياسي للكنيسة المصرية قبل يناير 2011، وما بعد 3 يوليو، مرورا بهزة عنيفة تعرضت لها في مطلع 2011.

 

أولاً: السلوك السياسي للكنيسة قبل يناير 2011:

1ـ الكنيسة والرفض المتطرف للخضوع للدولة

يرى جورج فهمي، أن الكنيسة القبطية كان لها مصلحتان رئيسيتان في المجال السياسي المصري إبان فترة حكم الأسبق مبارك، تمثلت أولاهما في الحفاظ على استقلالها المؤسسي في مواجهة مؤسسات الدولة، في حين تمثلت الثانية في احتكار التحدث باسم الأقباط، حتى وصفهم الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى بأنهم أضحوا “مواطني الكنيسة” وليسوا “شعب الكنيسة”2.

ويرى أن إدارة مبارك قد دافعت عن كلا المصلحتين لصالح قيادة الكنيسة. ففي عهد مبارك، تم التعاطي مع الكنيسة باعتبارها الممثّل الوحيد لأقباط مصر، أو ما أسمته د. مي مجيب “نظام الملة الجديد”3. كما حمى النظام الاستقلالَ المالي للكنيسة، ورفض الإنصات لمطالب قضائية بإخضاع مالية الكنيسة لسلطة الدولة الرقابية. كما أن إدارة مبارك سمحت للكنيسة كذلك بتجاهل أحكام القضاء فيما يتعلق بالشؤون الشخصية للأقباط4.

وفي تحليله لرد فعل الكنيسة حيال حكم مجلس الدولة المتعلق بالأحوال الشخصية للأقباط وصف المستشار طارق البشري رد فعل الكنيسة المتحدي لمؤسسات الدولة، وبالأخص هنا المؤسسة القضائية في حكمها الخاص بإذن زواج الأقباط للمرة الثانية، وصف البشري العبارات التي عبر بها رجال الكنيسة وهيئاتها عن موقفهم الفكري والسياسي تجاه أحكام مجلس الدولة النهائية بأنها “أشد غلوا مما يستعمله غلاة المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية”5.

والواقع أن المحاججة بوجود توافق بين الدولة والكنيسة حيال منح الكنيسة هذه “الامتيازات” التي تجعلها متفردة في عدم خضوعها للدولة المصرية، باعتبار مؤسسات الدولة تعبير عن الجماعة الوطنية وفق المستشار طارق البشري، فإن هذا التوافق لا يمكن تفسيره بأكثر من كونه مقايضة سياسية لإدارة سياسية تفتقر للمشروعية، وتحتاج الدعم، وهو الدعم الذي كان في هذه الحالة دعما غير مشروع، لأنه دعم يتجاهل الدستور، ويغيب القانون، ويدفع الدولة نحو التآكل.

ويرى طارق البشري أن تمايز دور الكنيسة وتمدده، ومعاداة هذا التمدد للدولة يتجاوز التوصيف بكون الكنيسة قد غدت حزباً سياسياً، ذلك أن الحزب السياسي يدعو لسياسة، ولا يمكنه تنفيذها إلا عند وصوله للسلطة، بينما يرى أن الكنيسة كانت تضغط على “الدولة الضعيفة لتنتزع منها هذه الامتيازات”6.

وبينما كان فريق من الباحثين يرون فيما تحصله الكنيسة في مواجهة الدولة “نفوذا” للكنيسة، كان فريق من الباحثين يرون أن ما يحدث لا يعد تعبيراً عن قوة الكنيسة في مواجهة الدولة، بل على العكس، حيث باتوا يرون أن سياسات إدارة مبارك نجحت في عزل الأقباط عن عمقهم الاجتماعي المصري بإفقادهم “المواطنة”، واختزال حضورهم السياسي في رأي بابا الكنيسة باعتباره الأب الروحى لهم، وتحول البابا شنودة إلى ممثل للأقباط أمام الدولة، وبذلك كانت الكنيسة هى الوسيط بين الأقباط والدولة، ما أدى لانسحاب الأقباط عمليا من المجال العام7.

 

2ـ الطائفية ورفض المواطنة:

في دراسته عن السلوك السياسي للكنيسة، نوه جورج فهمي إلى أنه بالرغم من علاقة الولاء بين الكنيسة القبطية وإدارة مبارك إلا أن مصر شهدت “استمرار التمييز ضد الأقباط، والذي مارسته في بعض الأحيان مؤسّسات الدولة نفسها”8، وهو ما دفع أحد الباحثين لوصف هذا الولاء بأنه “ولاء على مضض”9. وبرغم هذا التمييز، فإن علاقة الولاء من الكنيسة لإدارة مبارك قد استمرت حتى لحظة تنحيه، وكان البابا شنودة قبل ذلك قد أعلن مبايعة جمال مبارك رئيسا لمصر، معتبرا أنه البديل الوحيد “للمجهول”10. وبصرف النظر عن غرابة هذه المفارقة، إلا أنها تدفع للتساؤل عن المكسب الذي كانت تحصله الكنيسة جراء هذه العلاقة التي تبدو للوهلة الأولى غير ذات جدوى للأقباط بدليل وجود هذا التمييز الذي يحظى بتأكيد واسع.

ويشير باحثون إلى أن الفوائد الطائفية التي حصلت عليها الكنيسة المصرية عديدة، حيث قدم لها النظام العديد من التنازلات كالتوسع في إنشاء الكنائس وتوسعتها، ورفض تضمين مشروع القانون الخاص بدور العبادة الموحد بندًا يقضي بإخضاع أموال الكنيسة لرقابة أجهزة الدولة باعتبار الكنيسة المصرية كيان اعتباري داخلي لابد من الرقابة على عملية تمويله ومصادرها ومصارفها. كما تغاضت الدولة عن مخالفة الكنيسة القوانين المنظمة لبناء وترميم الكنائس عبر تحويل بعض المباني الخدمية التابعة للكنائس والأديرة إلى كنائس11.

ومن ناحية ثانية، هناك قضايا حرية العقيدة التي واجهت فيها الكنيسة تحديا قويا خلال إدارة مبارك، بصورة أساسية، حيث ظهرت حالات لإسلام مسيحيات، وكان تسليم هذه الحالات للكنيسة النهج الشائع، إن لم يكن الوحيد، مع شيوع حالة من السلبية في مؤسسات الدولة حيال هذا الأمر، سواء من جانب النائب العام أو الأزهر أو دار الإفتاء أو غيرها12.

وتجلى موقف الدولة وأجهزتها عندما قام الدكتور زغلول النجار بالتصريح لصحف مصرية بأن “وفاء قسطنطين”، ربما قتلت في أحد الأديرة التابعة للكنيسة، ولم تحرك الدولة ساكناً، أو تطلب خروجها للعلن لتهدئة الرأي العام13.

ويفسر الباحث محمد عفيفي هذه الوجهة الطائفية في سلوك الكنيسة بالتأكيد على أن اتجاه إدارة مبارك للعب على الوتر الحساس «أنا أو الإسلام السياسي»، أو وتر “الاستقرار أم التطرف والإرهاب”، كان مما دفع الكنيسة أن تختار الولاء لمبارك ونظامه، وأن تكتفي بما يمنحه لها14. بينما يرى “نبيل عبد الفتاح” أن ثمة قدر من تساهل الدولة في التعامل مع تمدد الخطاب النقلي في المجال العام، ما أدى إلى لواذ الأقباط بكنيستهم وانزوائهم بها، ما رفع منسوب الطائفية وحضورها في الوظيفة العامة للدولة15.

وبتفكيك خطاب البحوث التي تناولت حدود الفترة التاريخية بين إدارة مبارك وثورة يناير، نجد أن الخطاب البحثي، وبخاصة خطاب الباحثين الأقباط يميل للتفاؤل باتجاه أكثر مدنية ناتج عن خروج الأقباط من تحت عباءة الكنيسة إلى رحابة المجال العام، وبدء مشاركتهم السياسية. أوردنا من قبل رؤية الباحثة ماريان يوسف، والتي أمكن ملاحظتها في خطاب جورج فهمي حول علاقة الأقباط بالمجال العام بعد 25 يناير، فيما يبدو إشارة ضمنية إلى أن احتكار الكنيسة الحديث باسم الأقباط يحيل علاقة الأقباط بالوطن إلى علاقة طائفية تشهد تغييبا صارخا للمواطنة.

 

3ـ الضغط عبر الخارج:

يمكن القول بأن الدولة تتنصل من التزامها غير المكتوب وغير القانوني تجاه الكنيسة كلما بدا لنخبة إدارة مبارك، أو النخبة الملتفة حول “الوريث” أنها تسيطر على المجال العام، وفي هذا السياق، كانت تبرز قيمة الهجرة القبطية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين للخارج، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، أو ما سُمي بظاهرة “أقباط المهجر”، حيث كانت الكنيسة تلجأ لهذه الفئة القبطية لمساعدتها سلبا أو إيجابا على استمرار مسيرة النفوذ التي تتمتع بها الكنيسة في مصر.

فمع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، بدأت التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالرؤية الناصرية، والتي ارتبطت بها بعض أزمات التكامل الداخلي، ما دفع بعض المصريين للهجرة الدائمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروباً؛ بحثًا عن ظروف علمية ومالية أفضل من تلك السائدة في مصر حينها، وبدأت موجات الهجرة القبطية إلى الخارج، وخصوصًا إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا؛ فكانت الموجة الأولى عقب قانون الإصلاح الزراعي بمصر سنة 1952، وبدأت الموجة الثانية بعد تمصير الشركات الأجنبية سنة 1957، أما الموجة الثالثة فأعقبت قوانين التأميم سنة 1961، والتي كانت سببا رئيسيًا لهجرة نسبة كبيرة من الأقباط وجميع الأقليات من الأجانب تقريبًا16.

وكان أقباط المهجر يلعبون دوراً مؤثراً، لاسيما أقباط الولايات المتحدة، خاصة دورهم في تحديد العلاقة بين الدولة والكنيسة خلال عهد مبارك من خلال تكوينهم لـ”جماعة ضغط على الطرفين” بغرض مواجهة التمييز والاضطهاد الذي يعاني منه الأقباط في مصر، حيث أصبحوا طرفا فاعلا في السياسة المصرية فيما يتعلق بموضوع أقباط المهجر، وبقدر ما إن تكتل أقباط المهجر مثل ضابطاً على سلوك إدارة مبارك تجاه الأقباط، فإن المشهد العام أفاد باستناد إدارة مبارك على نفس التنظيم لترهيب أقباط الداخل من خلال اتهامهم بمحاولة تدويل قضية الأقباط17.

لكن بصرف النظر عن قدرة إدارة مبارك على التلاعب بورقة أقباط المهاجرين فإن هذا التيار الواسع من أقباط الخارج أرادت له الكنيسة القبطية تنظيماً يضمن لها أداة سياسة خارجية مساندة فعالة. وقد اتخذت الكنيسة قرارها بإنشاء الاتحاد القبطي الدولي في المؤتمر العالمي للهيئات القبطية في أكتوبر 1997 بولاية نيوجرسى الأمريكية، وضم المؤتمر مندوبين عن أقباط ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية. ويشير الباحث القبطي هاني لبيب إلى أن الاتحاد تأسس ليكون بمثابة مظلة للهيئات القبطية في العالم من أجل عدة أهداف تضمنها نظامه الأساسي، تتمثل في خلق مجتمع قبطي دولي متعاضد، والمساهمة في دعم كيان الأقباط في مصر والمطالبة برفع الظلم الواقع عليهم، نشر الوعي عالميا بأهمية التراث والفكر القبطي، وتأسيس معهد ومراكز للدراسات القبطية في الخارج، وعرض قضايا الأقباط على المجتمع الدولي، ومساعدة المهاجرين الجدد من الأقباط، والدفاع عن حقوق المواطن القبطي في مصر أمام المحاكم الدولية، والتعاون مع كافة منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية من أجل قضايا الأقباط في مصر. وسجل هذا الاتحاد في واشنطن وتم اتخاذها مقرا رئيسيا 18.

 

4ـ عزل الأقباط عن المجال العام:

ترى ماريان يوسف، أنه خلال الأعوام الثلاثين لإدارة مبارك، كان هناك تعاظم للتوترات الطائفية، واعتبرت نمو الطائفية بديلا عن الدور السياسي للأقباط. وترتأي أن سنوات العزلة أدت لتصاعد الدور السياسي للكنيسة ورجال الدين في توجيه الرأي العام القبطي، مع وجود انعزال شبه تام للأقباط في الحياة السياسية19. ويدعمها جورج فهمي بالتأكيد على أن نهج احتكار تمثيل الأقباط كان يعمّق عزلة الأقباط، ويثنيهم عن الانضمام إلى الأحزاب أو الحركات السياسية، وذلك من خلال تشجيع أعضاء الكنيسة على الاعتماد على الزعماء الأقباط لإيصال مطالبهم السياسية والاجتماعية.20

وكان الاستثناء من هذه العزلة ما صرح به القس شنودة وهيب من كون الكنيسة مفتاحا لضبط توجهات الأقباط في الاتجاه الذي تريده الدولة. ونفى “وهيب” منع أو تراجع المشاركة السياسية للأقباط في تلك الفترة، ولفت إلى أن الكنيسة كانت دائما تشجع على المشاركة السياسية، لكن أصر على أنها “لم تكن تقول انتخبوا شخصا بعينه”21.

 

5ـ المساومة مع قبول التضحيات:

بصرف النظر عن الخلاف الذي حدث في تحديد نطاق السلطة الروحية للكنيسة22، والإشكالات المتعلقة بهذه السلطة وحدودها، فإن الاستقلال الذي تسعى إليه الكنيسة كان مرتهنا بحالة تفاوض أو مساومة مع الدولة. وترى د. “مي مجيب” أن الكنيسة دائما ما تميل لربط وجودها بالنظام لأسباب متعددة مثل الخوف من فقدانها لقدرتها على جذب الجماهير، والخوف من فقدان الكنيسة للشعبية وانحسار دورها تماماً، أو عندما تتزايد جماهيرية الكنيسة دون أن تستطيع تقديم حل أو إجابة لمشكلات هذه الجماهير، فتخشى من فقدان الثقة أو انقلاب الجماهير عليها، فنجد أنه أحيانا تحاول الكنيسة تمييز نفسها عن النظام، وفى الوقت نفسه تظل هناك مساحة فعالة لمحاولة الارتباط بالنظام وسياساته العامة23. وب

ذلت فإن للكنيسة في هذا الصدد مساع عدة، بدءا من ثني أقباط المهجر عن التظاهر في التوقيتات الحرجة، وحتى منع الخروج للشارع في 25 يناير وما تلاها.

وكان الحفاظ على هذه العلاقة مع الإدارات السياسية المختلفة مقرونًا بقبول الكنيسة لتضحيات كبيرة من جانب الأقباط، ما أدى لضعف موقف الكنيسة تجاه شعبها، وبخاصة مع قيام ثورة 25 يناير، حيث بدا للمواطنين الأقباط أنهم بسبيلهم لاسترداد موقعهم المدني من دون الدخول في جدول مواءمات ومفاوضات وتنازلات الكنيسة لتحقيق مصالحها. بدأت بظواهر المذابح الجماعية التي يمكن بدء الحديث عنها بمذبحة منشية ناصر بأسيوط في 4/5/1992، والتي أودت بحياة 13 قتيلاً، وحتى كنيسة القديسين قبل يناير مباشرة، والتي أسهمت تداعياتها الإعلامية في تحفيز خروج الأقباط لميدان التحرير، وراح ضحيتها 28 قتيلا، مرورا بمذابح دير المحرق والبداري، ومذبحة كنيسة العذراء بأبو قرقاص بالمنيا، ومذبحة الكشح في عام 2000 والتي خلفت 21 قتيلا، فضلا عن مذبحة العمرانية بالجيزة، عام 2009، ونجع حمادى بقنا في 2010 والتي خلفت 6 قتلى. هذا فضلا عن حوادث الاغتيال الفردي، والاعتداء على الكنائس وحرق الممتلكات24، وكلها عولجت وفق مواءمات ارتأت الكنيسة أنها تحقق مصالح لها، غلبت عليها الصبغة الطائفية.

ولم يكن وضع الأقباط ما بعد 3 يوليو استثناء من هذا السياق، سواء بأعين قبطية مصرية25، أو بأعين مراقبين وخبراء أجانب26.

ويرى جورج فهمي أنه برغم كل ذلك، أمّنت الكنيسة دعم الأقباط لنظام مبارك وسياساته من خلال تصريحاتها العلنية في وسائل الإعلام. كما ضغطت الكنيسة على الأقباط المقيمين خارج مصر كي لا يتظاهرون ضد مبارك، وخصوصاً خلال زياراته للولايات المتحدة27.

 

ثانيا: الكنيسة المصرية بعد 30 يونيو 2013:

كانت 25 يناير نقطة فاصلة في تاريخ علاقة الأقباط بالكنيسة، ولكنها لم تستمر كثيراً، كانت نقطة فاصلة لأنها مثلت للأقباط فرصة لتحقيق مواطنتهم، وكسر العزلة المفروضة عليهم من جانب الكنيسة، ولكن بدا مع مجزرة ماسبيرو وما سبقها من تدخل الكنيسة والوساطات مع المجلس العسكري وتهديد الكنيسة بقطع العلاقات، ثم معاودة الاتصالات على أرضية أمنية، مع هذه الإجراءات، بدا أن هناك اتجاه لاحتواء تعدد الحديث باسم الأقباط28، وانتقل الأقباط مجددا من مربع إنشاء التنظيمات الحركية، والأحزاب السياسية إلى العودة لظل الكنيسة مجددا. وفيما يلي نتناول ملامح الحضور الكنسي في المجال العام المصري.

 

1ـ الثابت والمتغير في الدور السياسي الكنسي

شهد حضور الكنيسة القبطية في المجال العام المصري تطورا في اتجاهين، الاتجاه الأول يعبر عن استمرار نفس ملامح النهج السياسي الذي مثل العلاقة بين إدارة مبارك من ناحية، وبين الكنيسة القبطية من ناحية أخرى، غير أن ثمة متغيرات طرأت على حضور الكنيسة في المجال العام. فيما يلي نوضح أبرز ملامح الثابت والمتحول في علاقة الكنيسة بإدارة السيسي:

 

الاتجاه الأول: الثابت:

حضور الكنيسة القبطية في المجال العام شهد استحضارا لمركب العلاقة بينها وبين إدارة مبارك خلال فترة حكمه التي امتدت نحو 32 عاما، وكان من أبرز العوامل التي شهدت استمرارية اتجاه الانفراد بالتعبير عن مطالب المجتمع القبطي، وثانيهما استمرار تقديم تنازلات فيما يتعلق بحقوق الأقباط كمواطنين في مقابل تحقيق أهداف طائفية من المفترض أنها تمثل حقوقا لهم بموجب الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها مصر من قبل، أي أنها حقوق لم يكن من المفترض التضحية بحقوق أخرى لأجلها. وتفصيل استمرار هذه المسالك فيما يلي:

 

(أ) الانفراد بالتعبير عن مطالب المجتمع القبطي:

ما زالت الكنيسة المصرية خلال فترة إدارة 3 يوليو تباشر نفس دورها التقليدي، والذي اجتهدت لتحصيله، حيث ما زالت تمارس ما أسمته د. مي مجيب بـ”الملية الجديد”. ففي السنوات الثلاثة الأخيرة، وبرغم وجود نحو 36 نائبا من الأقباط في مجلس النواب، منهم 24 فازوا ضمن منظومة القوائم و12 بالنظام الفردي29، إلا أن هؤلاء النواب لم يكن لهم أي دور فيما يتعلق بالأقباط وحقوقهم، بما في ذلك “قانون بناء وترميم الكنائس”، والذي يُعد من القوانين المكملة في الدستور المصري، وأقره مجلس النواب المصري في ختام شهر أغسطس الماضي30.

كان مجلس النواب قد التقى البابا تواضروس الثاني خلال مرحلة الإعداد للقانون، حيث نقلوا عنه رسالة للرأي العام مفادها أن “الكنيسة تسيطر حتى الآن على غضب الأقباط في الداخل والخارج، لكنها لن تصمد كثيراً أمام الغضب”، مُعرباً عن خشيته من إقرار البرلمان قانوناً جديداً ينظم بناء الكنائس تضطر الكنيسة لرفضه؛ لأن الكنيسة لن تقبل سيطرة جهة معينة على بناء الكنائس في مصر”.

وبعد أيام من لقاء اللجنة الدينية، التقى السيسي بالبابا تواضروس بقصر الاتحادية، وأعلن المتحدث باسم الكنيسة القس بولس حليم أن اللقاء “لم يتطرق للأحداث الطائفية التي شهدتها مصر مؤخرا، ولم يطلب البابا خلاله أي شيء من السيسي، إلا أن جملة عابرة اختتم بها القس حليم تصريحاته الصحفية حول اللقاء أوضحت أن الدولة فيما يبدو قد قررت الاستجابة لمطالب الكنيسة حول بناء الكنائس، حيث لفت حليم إلى أن “الأنبا بولا أسقف طنطا (الذي حضر اللقاء ضمن وفد الكنيسة)، قدم شكره للسيسي على توجيهاته بسرعة إنجاز قانون بناء الكنائس، والتوافق حول مواده بين الكنيسة والحكومة”. وجاء التصريح في توقيت لم تكن أية جهة رسمية قد أعلنت شيئاً حول توجيهات السيسي التي شكرت الكنيسة المصري عليها31.

 

(ب) استمرار القبول بالطائفية في سبيل استمرارية القيادة:

من يفحص قضية إصدار قانون “بناء وترميم الكنائس”، والدفق الإخباري المرتبط به يجد أن المتحدث باسم الكنيسة تعمد في تصريحاته لوسائل الإعلام أن يوضح أن لقاء البابا تواضروس بالسيسي لم يتطرق إلى الأحداث الطائفية التي كانت مصر قد شهدتها خلال العامين الأخيرين، وهي الأحداث التي تجاوز صداها المشهد المحلي. وكانت مصر قد شهدت 6 حوادث طائفية في غضون شهرين، اجتاحت محافظة المنيا وحدها، وهي الحوادث التي انتهت إما بالتهجير أو بجلسات عرفية، في استمرار لنفس النهج القديم لإدارة مبارك، والذي كان يقوم على تغييب القانون، واللجوء لقيادات الرأي العام والجلسات العرفية لإنهاء الأزمات، بالرغم من أن منشأ هذه الحوادث كان ذي طبيعة جنائية، ويمكن من خلاله للعدالة أن تتحقق في إطار من سيادة القانون32.

إلا أن الأكثر من ذلك، أن البابا تواضروس أعلن أنه رفض تظاهر أقباط المهجر في نيويورك أو واشنطن بسبب ما سمي بالأحداث الطائفية التي شهدتها مصر، وأنه أصدر تعليماته بمنع التظاهر، وهو التصريح الذي تداولته صحف مصرية في وجهات مختلفة، حيث اعتبرت صحيفة محسوبة على إدارة 3 يوليو أن الكنيسة اتخذت موقفا وطنيا باتجاهها لـ”نهي” “أقباط المهجر” عن التظاهر ضد مصر فيما تشهده من أحداث ومواجهات ضد الأقباط33.

غير أن صحيفة البداية أشارت إلى البابا تواضروس قد أعلن، خلال لقائه وفد البرلمان بالمقر البابوي في 22 يوليو 2016، أن أقباط المهجر، حتى الآن، في منتهى الدعم لمصر، وأنه قد أرسل لهم عبر كنائس الولايات المتحدة مباشرة يأمرهم “مفيش مظاهرات تتعمل”، وأضافت الصحيفة أنه صرح عقب ذلك بقوله “أنا أعلم أن مش كلهم هيسمعوا الكلام”34. فيما يعد مباشرة منه لقدر من الضغوط على الدولة لسرعة البت في شأن قانون بناء وترميم الكنائس.

 

الاتجاه الثاني: المتغير:

يمكن القول بأن حضور الكنيسة القبطية في المجال العام تضمن تطورات، بعضها طائفي الطابع، وبعضها نظامي الهوى، والبعض الآخر وطني لا خلاف عليه. وتفصيل ذلك فيما يلي:

(أ) إنتاج ودعم تيار استدعاء العسكر:

من أبرز أدوار الكنيسة خلال فترة ما بعد 3 يوليو 2013 أنها حرصت على تعبئة الأقباط بشكل خاص، والمصريين بشكل عام، خلف خارطة الطريق التي أعلنها الفريق أول عبد الفتاح السيسي إبان إطاحته بالرئيس محمد مرسي. ففي أعقاب مشاركة الكنيسة في إعداد دستور 2014، وبصرف النظر عما حل به من تلاعب، فإن البابا تواضروس نشر مقالا شهيرا في صحيفة الأهرام في منتصف يناير 2014، حمل عنوان “قول نعم تزيد النعم”، دعا فيه الأقباط، وغير الأقباط، إلى المشاركة بإيجابية في الاستفتاء على هذا الدستور، معربا عن اعتقاده أن هذه مشاركة “وطنية خالصة”، وأنها “ممارسة لأحد حقوق المواطنة” الواجبة على كل مصري35. ويعذر البابا لخلطه بين مفاهيم الحقوق والواجبات، فهو في النهاية متخصص في الصيدلة لا السياسة.

كما دعا البابا تواضروس السيسي للترشح في انتخابات الرئاسة، وقال خلال لقاء مع تلفزيون “الوطن” الكويتي، ونشرته صحيفة “الوطن” الكويتية، إن مشاركة وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية يعد واجبا وطنيا، وأضاف أن المصريين يرونه منقذا وبطلا لثورة 30 يونيو36. وكان دعم الكنيسة من أبرز آليات استدعاء النخبة العسكرية لدائرة الحكم المباشر مجددا.

غير أن استدعاء النخبة العسكرية لإدارة شؤون البلاد مجددا، لم تكن آخر خطوات الكنيسة القبطية في دعم حضور النخبة العسكرية في المجال العام. وإطلالة على فيديو “الأنبا يؤانس” و”الأنبا بيمن”، والذي سربه أحد أقباط المهجر على “فيسبوك”، يكشف كم الدعاية الهائلة التي باشرها “الأنبا يؤانس” في الإشادة بالدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية المصرية، سواء في قطاع المقاولات؛ بالإشارة لبناء الكنائس التي تضررت نتيجة السلوك الطائفي للكنيسة، أو في قطاع الطرق والكباري، في إشارة للطرق التي امتدت بجوار المزارع التي تملكها الكنيسة في مصر37.

 

(ب) دور دبلوماسي خاص:

من أبرز المتغيرات التي شهدتها إدارة 3 يوليو فيما يتعلق بالدور السياسي للكنيسة القبطية أنها طورت، بالتعاون مع إدارة السيسي، دورا دبلوماسيا واضحا، تختلف توجهاته وقسماته. ويبدو أن كلا الطرفين يحمل تصورا للاستفادة من انتشار الكنيسة القبطية جغرافيا، والذي وصفه القس بولس حليم المتحدث الرسمى باسم الكنيسة الأرثوذكسية، بتصريحه عن شراء الكنيسة وتأجيرها لما يقرب من 400 كنيسة على مستوى 60 دولة بجميع أنحاء العالم38. ومن ملامح الأدوار الدبلوماسية الكنسية ما يلي:

(ب/1) التطبيع:

الملمح الأول من ملامح هذا الدور الدبلوماسي تمثل في مسلسل زيارات التطبيع التي قامت بها الكنيسة القبطية بدءا من البابا نفسه، وحتى مستويات أقل. فقد زار البابا نفسه مدينة القدس لحضور جنازة مطرانها الراحل الأنبا إبراهام وتلاها زيارة الأنبا رافائيل لحضور ذكرى الأربعين للأنبا إبراهام، ثم أوفد البابا تواضروس فريقًا من المطارنة لتجليس الأنبا أنطونيوس مطران القدس والكرسي الأورشليمي.

وفي مطلع أغسطس من العام الجاري 2016، زار وفد من الكنيسة القبطية مدينة القدس المحتلة، وفي محاولة لشرعنة الزيارة، فإن المعلومات عنها خرجت من لجنة الأزمات بالمجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية، حيث صرح الأنبا بيمن، رئيس اللجنة، إن زيارتهم للقدس جاءت بطلب من الكنيسة الأثيوبية، عبر اتصال من مطران القدس، لمتابعة مشكلة دير السلطان المتنازع عليه مع الجانب الإثيوبى وترميمه. وبالإضافة لهذه المشكلة الإدارية التي كان حلها ممكنا بزيارة لإثيوبيا، فإن الوفد الكنسي المصري ترأس روحيا صلاة عشية تطييب الأجساد للقديسين موريس وفيرينا. وتضمنت مراسم استقبال الوفد الكنسي حضور سفير إثيوبيا في إسرائيل39.

وبدا أن الرحلة الرابعة تضمنت “ثمن” الرحلات الثلاثة الأولى ومستوى تطبيعها، حيث إن دير السلطان (كان صلاح الدين الأيوبي قد أهداه للكنيسة القبطية) هو الدير الذي استولت عليه “إسرائيل” في عام 1970، وهو ما أدى لاتخاذ البابا شنودة الثالث قراره بتحريم زيارة القدس على الأقباط إلا بعد تحريرها. وكان الأنبا إبراهام قد رفع احتجاجاً أمام “المحكمة الدستورية العليا الإسرائيلية”، والتي حكمت بتمكين الكنيسة من الدير، وهو الحكم الذي لم يجد طريقه للتنفيذ إلا بعد الزيارة الأولى40.

(ب/2) بناء الثقة مع إثيوبيا:

الملمح الدبلوماسي الثاني تمثل في تحرك الكنيسة ضمن جهود إذابة الجليد وإنهاء التوتر بين مصر وإثيوبيا إثر تصاعد أزمة سد النهضة، حيث صرح السفير أبوبكر حنفي، سفير مصر في إثيوبيا، في 27 سبتمبر 2015، بأن زيارة البابا تواضروس الثاني لإثيوبيا كانت ناجحة جدا وتاريخية، مشيراً إلى أن للكنيسة المصرية دور هام ورئيس في بناء الثقة بين البلدين. كلمة السفير المصري حرصت على تسكين زيارة البابا ضمن جهود بناء الثقة مع الجانب الإثيوبي بعد مشكلات “سد النهضة”. وأشار السفير إلى أن البابا تواضروس أجرى عدة لقاءات رسمية وشعبية، على رأسها لقاءً مع أعضاء البرلمان الإثيوبي والوفد الدبلوماسي الشعبي الإثيوبي41.

(ب/3) تلميع صورة الملك سلمان بن عبد العزيز:

خلال زيارة العاهل السعودي للقاهرة في أبريل 2016، التقى البابا تواضروس الثاني في الفندق الذي مثل مقر إقامته، وكان اللقاء الأول من نوعه بين ملك سعودي وبابا لأقباط مصر. وعلى هامش اللقاء، صرح وكيل الأزهر عباس شومان أن هذا اللقاء الذي وصفه بالتاريخي “دليل قوي على أنه يمكننا أن نختلف في المذاهب والتوجهات السياسية وحتى الخلاف على المعتقد الديني، بينما يمكننا أن نجلس ونتحاور ونلتقي ويكون هناك ود وتسامح فيما بيننا”. ويعكس تصريح شومان الرسالة الأساسية التي كان المفترض باللقاء أن يرسلها للعالم عبر وسائل الإعلام المصرية.

وذهبت تصريحات القس “بولس حليم”، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لوسائل الإعلام في نفس الوجهة التي عبر عنها من قبل وكيل الجامع الأزهر، ما يعني وجود اتساق في الرسالة، حيث أفادت تصريحات حليم بأن “اللقاء يحمل رسالة قوية يرغب العاهل السعودي في توصيلها، وتتمثل في الوحدة الوطنية والتكاتف لمحاربة الجماعات الإرهابية التي تسعى لهدم الأديان وتفتيت العلاقات السعودية المصرية”، واعتبر حليم أن هذه الخطوة تؤكد على مدى بعد نظر سلمان في تعامله مع العلاقات الخارجية للسعودية، وسوف تعمل على تغيير الصورة الذهنية التي يعتقد فيها البعض عن السعودية”42.

وهناك اتفاق بين الباحثين والمراقبين الذي رصدوا الزيارة وقاموا بتحليلها على أن لقاء البابا بالملك سلمان يأتي في إطار تأكيد المملكة السعودية على أن آفاق التعاون القادمة بين البلدين تخاطب عنصري الأمة المصريين، وتشجع على وصول ثمار التنمية في مصر للجميع وليس لطرف معين على حساب طرف آخر، فضلا عن إرسال رسالة ضمنية أو غير مباشرة، مفادها أن المملكة لا تشجع الانتهاكات ضد الأقليات الدينية أو ضد المدنيين. وأن رؤيتها الجديدة ترفض الحساسية تجاه الآخر الديني، واعتبارها الأقباط جزء من النسيج العربي يجب التعامل معهم بمبدأ المساواة.

(ب/4) زيارة السيسي لنيويورك:

أحد أبرز ملامح الدور الدبلوماسي للكنيسة خلال فترة ما بعد 3 يوليو ما أسهمت فيه من تعبئة قطاع من أقباط الولايات المتحدة من نيويورك ونيوجيرسي لتوفير دعم شكلي للسيسي خلال زياراته للجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلا عن موازنة الوجود المعارض للسيسي، والتي كان آخرها زيارة سبتمبر 2016 وما أثارته من لغط حاد، ونالت استياء قطاع واسع من أقباط الداخل والخارج، فضلا عن كونها حملت أكبر مردود سلبي ما تبدى في إحراجات تلقتها البعثة المصرية بسبب تصريحات الأمريكي حول الانقلابات العسكرية التي عصفت باستقرار المنطقة. أو تلك التي حدثت نتيجة رفض بعض الوفود الإقليمية مقابلة الوفد المصري43.

 

2ـ مكاسب الكنيسة خلال إدارة 3 يوليو

يمكن القول بأن الكنيسة القبطية حصدت عدة مكاسب خلال تلك الفترة44، يمكن إيجازها فيما يلي:

(1) حق ترميم وبناء الكنائس دون اشتراط الموافقة الأمنية، وفق ما أوردناه سابقا.

(2) صفقة ترميم واسعة لما خرب أو تهدم أو تهالك من مبانيها خلال السنوات الخمس الماضية، قامت بها الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة.

(3) وصل الكنيسة دعم غير مباشر من كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة45 ممثلا في منشآت تنموية أقامتها الدولتان لصالح الكنيسة القبطية.

(4) شهدت المنظمات الاقتصادية التابعة للكنيسة وقياداتها دعما من القوات المسلحة تمثل في تحسين منظومة الطرق التي تؤدي إلى ممتلكات تلك المؤسسات.

(5) حصلت الكنيسة على عقود للأراضي التي كانت قد وضعت يدها عليها بدون وجه حق وفق تصريح الأنبا يؤانس.

(6) حصلت الكنيسة على تراخيص للكنائس والأديرة والمؤسسات الاقتصادية التي تملكها.

وتجدر الإشارة إلى أن كل تلك المكاسب التي حققتها الكنيسة جراء تقديمها تنازلات في حق الأقباط، وفي حق الحركة السياسية المدنية المصرية، إنما تمثل حقوقا أصيلة للكنيسة، لكنها اختارت لتحصيلها في إطار صفقة تتمكن بها من تكريس الوقيعة بين القوى المدنية والحكومة المصرية، وهي الوقيعة التي تقطع بها الطريق أمام إمكان تطوير أية حركة تعقب استعادة المجال العام المصري لتشكيلات التيار الإسلامي المختلفة، والتي تراها التهديد الحقيقي لتنامي نفوذها.

 

على سبيل الخاتمة: ردود الأفعال تجاه معاودة الكنيسة نهجها

إن تطورات أدوار الكنيسة القبطية بدأت تثير حفائظ أقباط داخل مصر وخارجها على 3 اتجاهات، هي:

الاتجاه الأول: يرى أن سلوك الكنيسة بات براجماتياً بصورة غير مقنعة، وأنها باتت تفاوض على حقوق الأقباط التي ينبغي أن يتيحها القانون، معتبرين تصريحات الأنبا يوأنس عن العلاقة مع الدولة بأنها علاقة «خد وهات» ثقافة صادمة للأقباط. وفي نفس الإطار يرى البعض أن الكنيسة تقدم تنازلات أكبر من العوائد التي تعود على المجتمع القبطي نتيجة تحفظات الكنيسة ومواءماتها46.

الاتجاه الثاني: يحذر من خطورة انزلاق الكنيسة في الصراع السياسي الدائر في مصر. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن قيادة الكنيسة للأقباط تنطوي على مقامرة بالشعب القبطي، وتخوف أصحاب هذه الوجهة من النظر من الطابع الطائفي الذي يأخذه تحرك الكنيسة لمساندة إدارة 3 يوليو 2016، ويرون أن لهذا التوجه انعكاساته السلبية على علاقات وأوضاع الأقباط في المجتمع المصري، آنيا ومستقبليا.

ونقل تحقيق أجرته “إذاعة مونت كارلو” عن أحد الأقباط قوله: “الأساقفة يضعونا في مواجهة مع الإخوان، يذهب السيسي والأساقفة إلى مثواهم ويظل الحقد والكره في قلوب الإخوان والسلف كامناً لنا حتى تأتي لحظة تمكنهم مرة أخرى، وهي ليست ببعيدة عن شعب مغيب متعصب، ونواجه نحن أو أولادنا بل إننا نواجه الآن نتائج فكر الكنيسة”47.

الاتجاه الثالث: ويرى أن أداء الكنيسة إعلاميا، وتنفيذ توجهها لدعم إدارة السيسي كانت إدارة هواة، أدت لإضفاء طابع طائفي غير متوازن على حملة المساندة، ما دفع عددا كبيرا من الأقباط للتأفف من طريقة التنفيذ، ورفضوا التورط في الصورة التي من الممكن أن تنجم عن مثل هذا التنفيذ الرديء48. ما يلفت لكون الكنيسة المصرية بكل ما تملكه ما زالت ابنة للبيئة المصرية في تنفيذ التكتيكات الإعلامية والاجتماعية والسياسية (49).

—————————–

الهامش

(1) ماريان ميخائيل يوسف، تطور الدور السياسى للكنيسة المصرية (2): مرحلة ما قبل الثورة (2005 – 2011)، فكر أونلاين، 2 أغسطس 2015. https://goo.gl/87SSlJ ، ولمثل هذه الفرضية ذهب باحثون كثر، منهم جورج فهمي، وشحاتة عوض.

(2) طارق البشري، الدولة والكنيسة، القاهرة، دار الشروق، 2011، ط1، ص: 23.

(3) مي مجيب عبد المنعم، الأقباط في الصراع السياسي والاجتماعي، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، 23 يوليو 2013. https://goo.gl/r4BNFb

(4) جورج فهمي، الكنيسة القبطية والسياسة في مصر، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 22 ديسمبر 2014. الرابط

(5) طارق البشري، الدولة والكنيسة، القاهرة، دار الشروق، 2011، ط1، ص: 15.

(6) طارق البشري، الدولة والكنيسة، القاهرة، دار الشروق، 2011، ط1، ص: 21.

(7) ماريان ميخائيل يوسف، تطور الدور السياسى للكنيسة المصرية 2005 – 2014 (1): المحددات الداخلية والخارجية، فكر أونلاين، 26 يوليو 2015. الرابط

(8) جورج فهمي، الكنيسة القبطية والسياسة في مصر، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 22 ديسمبر 2014. الرابط

(9) محمد عفيفي، الأقباط من عهد الذمّة إلى الربيع العربي، صحيفة الحياة اللندنية، 16 أكتوبر 2014. الرابط

(10) جمال جرجس المزاحم، البابا شنودة: لن أتراجع عن تأييد جمال مبارك رئيسا، صحيفة اليوم السابع، 19 أكتوبر 2009. الرابط

(11) فريق التحرير، محطات في علاقة الكنيسة بالدولة والنظام السياسي في مصر، موقع ساسة بوست، 14 مايو 2014. https://goo.gl/Bfkpxf

(12) مراسل شبكة الجزيرة، وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة تعودان للواجهة، الجزيرة نت، 16 فبراير 2015. https://goo.gl/MwlkFT

(13) فراج إسماعيل، شقيق وفاء قسطنطين: “هي بخير” ومستشار الكنيسة المصرية أبلغ النيابة، العربية نت، 26 أغسطس 2008. https://goo.gl/JlR7I5

(14) محمد عفيفي، الأقباط من عهد الذمّة إلى الربيع العربي، صحيفة الحياة اللندنية، 16 أكتوبر 2014. https://goo.gl/5hBMqi

(15) نبيل عبد الفتاح، مزايا التوترات الطائفية ومخاطرها، العربية نت، 4 يوليو 2016. https://goo.gl/rQ1MkF

(16) وزارة القوى العاملة المصرية، الهجرة المصرية المعاصرة، بروتوكول تعاون ثلاثي بين وزارة القوى العاملة ومنظمة تعاون الإيطالية والمنظمة الدولية للهجرة، 2003، ص 18 – 21.

(17) بشير عبد الفتاح، المسألة القبطية بين الثورة والثورة المضادة، موقع الجزيرة نت، 16 إبريل 2013. https://goo.gl/AMtay1

(18) ماريان ميخائيل يوسف، تطور الدور السياسى للكنيسة المصرية 2005 – 2014 (1): المحددات الداخلية والخارجية، فكر أونلاين، 26 يوليو 2015. الرابط

(19) ماريان ميخائيل يوسف، تطور الدور السياسى للكنيسة المصرية (2): مرحلة ما قبل الثورة (2005 – 2011)، فكر أونلاين، 2 أغسطس 2015. الرابط

(20) جورج فهمي، الكنيسة القبطية والسياسة في مصر، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 22 ديسمبر 2014.

(21) ماريان ميخائيل يوسف، تطور الدور السياسى للكنيسة المصرية (2): مرحلة ما قبل الثورة (2005 – 2011)، فكر أونلاين، 2 أغسطس 2015. الرابط

(22) طارق البشري، الدولة والكنيسة، القاهرة، دار الشروق، 2011، ط1، ص ص: 18-19.

(23) مي مجيب عبد المنعم، الأقباط في الصراع السياسي والاجتماعي، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، 23 يوليو 2013. https://goo.gl/r4BNFb

(24) سليمان شفيق، الأقباط بين الماضي والحاضر وأفاق المستقبل، مجلة مصر المدنية، 12 يونيو 2014. http://www.civicegypt.org/?p=48990

(25) إسحاق إبراهيم، من يتحمل مسئولية ما جرى للأقباط؟ المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 10 سبتمبر 2013.

(26) جايسون براونلي، العنف ضد الأقباط والمرحلة الانتقالية في مصر، كارنيجي للشرق الأوسط، 14 نوفمبر 2013.

(27) جورج فهمي، الكنيسة القبطية والسياسة في مصر، كارنيجي للشرق الأوسط، 22 ديسمبر 2014.

(28) مي مجيب عبد المنعم، الأقباط في الصراع السياسي والاجتماعي، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، 23 يوليو 2013. https://goo.gl/r4BNFb

(29) مصطفى رحومة، لأول مرة: 36 قبطياً في «النواب».. و«غطاس» أول الفائزين من «الجولة الأولى»، صحيفة الوطن المصرية، 4 ديسمبر 2015. https://goo.gl/ZPSnbl

(30) المحرر، البرلمان المصري يقر بناء الكنائس دون موافقة أمنية، موقع روسيا اليوم، 30 أغسطس 2016.

(31) محمد موسى، كيف “استرضى” السيسي بابا الكنيسة المصرية، هافنجتون بوست عربي، 28 يوليو 2016.

(32) عبد الغني دياب، أحداث عنف المنيا.. حوادث جنائية تتحول إلى فتنة طائفية، مصر العربية، 28 يوليو 2016.

(33) سارة علام، انقلاب على أقباط المهجر.. الكنيسة ترفض تظاهرهم أمام البيت الأبيض، صحيفة اليوم السابع، 23 يوليو 2016. https://goo.gl/obznVx

(34) وكالات، البابا تواضروس: طالبت أقباط المهجر بوقف التظاهرات ضد أحداث المنيا.. وغضب «الشعب القبطي» كبير، موقع البداية، 25 يوليو 2016. https://goo.gl/cZsLJw

(35) البابا تواضروس الثاني، قول نعم يزيد النعم، صحيفة الأهرام المصرية، 13 يناير 2014.

(36) أشرف عبد الحميد، بابا الأقباط للسيسي: ترشحك للرئاسة واجب وطني، العربية نيوز، 23 مارس 2014.

(37) لقاء الأنبا يؤانس والأنبا بيمين بأقباط المهجر، موقع يوتيوب، 23 سبتمبر 2016.

(38) جمال جورج- جرجس صفوت، الكنيسة المصرية تشترى وتؤجر 400 كنيسة في 60 دولة، بوابة الفجر، 20 مايو 2016. الرابط

(39) أحمد بدراوي، بالصور: وفد الكنيسة المصرية يصل القدس، بوابة الشروق المصرية، 3 أغسطس 2016.

(40) أحمد جمال الدين، عار الكنيسة المصرية: البابا في تل أبيب بحماية إسرائيلية، صحيفة الأخبار الفلسطينية، 15 نوفمبر 2015. الرابط

(41) جرجس ميلاد، فيديو.. السفير المصري ب أثيوبيا: الكنيسة تلعب دورا رئيسيا في إعادة الثقة بين البلدين، بوابة الوفد الإليكترونية، 27 سبتمبر 2015. الرابط

(42)محمد مصطفى، الكنيسة المصرية: لقاء خادم الحرمين بالبابا تواضروس تاريخي، موقع العين الإماراتي، 9 أبريل 2016. الرابط

(43) رباب الشاذلي، 6 مشاهد تلخص زيارة السيسى لنيويورك، صحيفة المصريون، 23 سبتمبر 2016. https://goo.gl/7rB3qA

(44) أغلب المكاسب بسطها الأنبا يؤانس في لقائه والأنبا بيمين بأقباط المهجر، موقع يوتيوب، 23 سبتمبر 2016.

(45) المحرر، الإمارات تدعم مشروعات للكنيسة القبطية في مصر، موقع عربي 21، 29 يناير 2016.

(46) نجوان مهدي، أقباط يتهمون «تواضروس » باستغلال المسيحيين بالخارج، صحيفة الصباح المصرية، 26 سبتمبر 2016. https://goo.gl/a1MOE5

(47) وليد عباس، الكنيسة القبطية والسيسي في نيويورك، موقع إضاعة مونت كارلو الدولية، 20 سبتمبر 2016. https://goo.gl/8Q3MJT

(48) نجوان مهدي، أقباط يتهمون «تواضروس » باستغلال المسيحيين بالخارج، صحيفة الصباح المصرية، 26 سبتمبر 2016. https://goo.gl/a1MOE5

(49) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close