fbpx
الشرق الأوسطترجمات

المعهد الدولي: التكيف مع الواقع الجديد في أفغانستان

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو معهد أبحاث دولي مقره بالمملكة المتحدة يركز على التطورات العسكرية والجيوسياسية والجيواقتصادية التي قد تؤدي إلى الصراع، في 20 أغسطس 2021 تقريراً عن مختلف الاستراتيجيات التي قد تتبناها أبرز القوى الإقليمية والدولية كرد فعل على الانتصار الذي حققته طالبان في أفغانستان. حيث يقدم فريق البحث التابع للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، من خلال هذا التقرير، رؤاهم حول كيفية قيام الحكومات المختلفة بإعادة ضبط العلاقات بعناية شديدة بعد أسبوع من الاضطراب بالمنطقة نتيجة للانسحاب الأمريكي المفاجئ من أفغانستان. ويتناول التقرير تسع دول، هي: الصين، الهند، إيران، باكستان، قطر روسيا، السعودية، تركيا، والإمارات، وذلك على النحو التالي:

الصين: تحول غير مرحَّب به في التركيز العسكري الأمريكي

من المرجح أن يكون قلق الصين بشأن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان أكبر مما أظهرته في العلن. وسوف تراقب بكين بحذر ما يمكن أن يعنيه حكم طالبان بالنسبة لمصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وقد حافظت بكين على التواصل مع طالبان على مر السنين – على الرغم من أنها لم تقم بعد بإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات معها. ومنذ إعلان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، سعت بكين للحصول على تأكيدات حول المسائل الأمنية خلال اجتماعات عقدتها مع وفود لطالبان، كما عرضت المساعدة في إعادة بناء البلاد اقتصادياً. وعلى الرغم من إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال استثمارات مبادرة الحزام والطريق أو التعدين، فقد تكون المخاطر الأمنية داخل الدولة الأفغانية حجر عثرة، كما كانت كذلك في الماضي.

فالقيادة الصينية ستركز بشكل مباشر على مخاطر تأثير التطورات الأخيرة على الأمن الإقليمي. وستواصل بكين سعيها للحصول على ضمانات من طالبان بأن أفغانستان لن تصبح ملاذاً آمناً للمنظمات التي تصنفها إرهابية – مثل حركة تركمانستان الشرقية الإسلامية. وتشتد خشية الصين من استخدام أفغانستان كنقطة انطلاق لشن هجمات على إقليم شينج يانج الغربي. حيث من النقاط  التي يجب مراقبتها هو مدى تأثير تعامل الصين مع الأويغور في شينج يانج على علاقة طالبان ببكين.

ومن غير المرجح أن تتدخل بكين مع جيش التحرير الشعبي لسد العجز الأمني ​​أو حماية مصالحها هناك. فالهجمات السابقة على مشاريع مبادرة الحزام والطريق أو الموظفين الصينيين في الخارج لم تسفر بعد عن تواجد جنود صينيين على الأرض. حيث توفر تجربة الجيوش الغربية في أفغانستان رسالة تحذيرية قوية حول مخاطر التورط في صراع طويل الأمد. لكن الأهم من ذلك، أن الأولوية العسكرية لبكين تكمن في الشرق. وبالتالي، فإن التطورات الأخيرة في أفغانستان تشكل أيضاً مصدر قلق أكبر بكثير بالنسبة للصين – من التحول في التركيز العسكري لواشنطن من الشرق الأوسط إلى منطقة المحيطين الهندي والهادي، وإلى الصين نفسها.

(كتبته ميا نوينز، وهي زميل أول في سياسة الدفاع الصينية والتحديث العسكري)

———————-

الهند: تسعى إلى تعويض الخسارة الكبيرة في نفوذها

يمثل انتصار طالبان خسارة فادحة في نفوذ الهند. ومع أنها كانت شريكاً رئيسياً في التنمية في أفغانستان، إلا أنها لم تتعامل في السابق مع طالبان بشكل كبير. حيث قادت باكستان في غضون ذلك جهوداً حازمة لإنهاء وجود الهند في أفغانستان، بمساعدة من طالبان وشبكة حقاني، حلفائها منذ فترة طويلة. وقد يؤدي احتمال توسيع النفوذ الصيني إلى تراجع نفوذ الهند بشكل أكبر في كل من أفغانستان والمنطقة.

أغلقت الهند سفارتها وأجْلت موظفيها الدبلوماسيين، لكن لم يتم إجلاء عدة مئات من المدنيين، بمن فيهم الأفغان الهندوس والسيخ. ولدى الهند مخاوف جدية من إمكانية استخدام أفغانستان كنقطة انطلاق لشن هجمات “إرهابية” على مصالحها. فالجماعات المناهضة للهند والتي تصنفها “إرهابية”، بما في ذلك “عسكر طيبة” و “جيش محمد” المدعومتين من المخابرات الباكستانية، موجودة في أفغانستان ويقال أنها كانت نشطة في الحملة العسكرية لطالبان. ومع ذلك، فمن المرجح أن تسعى الحكومة الهندية برئاسة مودي إلى استيضاح نوايا وممارسات الحكومة الجديدة التي تسيطر عليها طالبان قبل اتخاذ قرارات سياسية صارمة.

وباعتبارها جارة قريبة، فليس لدى الهند “سياسة خروج”. فالاستثمار في البنية التحتية وبناء القدرات على مدى عقود، والقوة الناعمة الناتجة عن ذلك، لا يمكن تآكلها بسهولة. وسيستمر دعم الهند للشعب الأفغاني والجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في أفغانستان من خلال إجماع إقليمي. ومن المرجح أن يكون هناك دور جديد للهند في أفغانستان يركّز على الدعم الاقتصادي لأفغانستان، ولكن على أساس عدم تعرض مواطنيها للأذى وتلبية متطلباتها الأمنية. وعلى الرغم من أن الهند لن تقدم اعترافاً دبلوماسياً مبكراً بنظام طالبان، إلا أنها لن تكون آخر من يفعل ذلك أيضاً.

(كتبه: راهول روي شودري، وهو زميل أول في جنوب آسيا)

———————–

إيران: تحالف استراتيجي مع طالبان، في الوقت الحالي

كانت إيران وطالبان خصمين في عام 2001: فقد دعمت إيران التحالف الشمالي، عدو طالبان. وقتلت طالبان دبلوماسيين إيرانيين في هرات. وتواطأت إيران في الإطاحة بطالبان. والآن عادت طالبان، وهذه أخبار تبدو أفضل مما كانت عليه في السابق بالنسبة لطهران.

ففي العقدين الماضيين، تحرك النظام الإيراني بشكل مطّرد وخفي إلى إقامة تحالف استراتيجي مع طالبان. قد لا يتشاركون في نفس العقيدة، لكنهم في الوقت الحالي يتشاركون في المصالح الاستراتيجية. وعلى أقل تقدير، فليس لدى أي من الجانبين الآن مصلحة في تنفير الآخر منه.

أولاً، هم يتشاركون في الرفض الشديد لنفوذ الولايات المتحدة في المنطقة. فبينما جعلت إيران من هدفها الاستراتيجي طرد الولايات المتحدة من العراق على حدودها الغربية، فعلت طالبان ذلك تماماً في أفغانستان على حدودها الشرقية. وبالإضافة إلى هذا الهدف المشترك، فسيكون هناك إعجاب متبادل وربما تقليد كذلك. فطالبان تبحث عن نموذج على كيفية ضمان بقاء الإمارة الإسلامية هذه المرة: وفي هذه الحالة، ستكون إيران، التي لا تزال موجودة على الرغم من كل شيء، مصدر إلهام جيد لطالبان في ذلك.

ثانياً، تحتاج كل من إيران وطالبان إلى عمق استراتيجي. فإيران تحتاج إلى حليف في هرات وغرب أفغانستان، بينما تحتاج طالبان إلى عمق استراتيجي من جميع الأطراف للتعويض عن محدودية الدعم الذي قد تتلقاه في أحسن الأحوال، كما تعلم تماماً، من المجتمع الدولي. فلديها بالفعل باكستان. وإيران توازنها بشكل جيد وتصل من خلالها إلى بلاد الشام العربي.

ولكن هذا الاصطفاف قد لا يمنع المشاكل الثنائية للبلدين مثل تقاسم المياه، أو المخدرات، أو اللاجئين. ولذلك يتعين عليهم أيضاً تحديد ما يجب فعله مع “القاعدة”، التي تؤويها إيران، على الرغم من أن كلا الجانبين، يريدان التخلص من ولاية خراسان الإسلامية (التابعة لتنظيم الدولة)، بشكل ملائم. وتمثل الاختلافات المذهبية، رغم أنها مدفونة تحت الشراكة الإستراتيجية بينهما، ما يمكن اعتباره برميل بارود محتمل، لا سيما حول طائفة الهزارة التي جندت إيران منها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني – بما في ذلك فرقة “فاطميون”. وقد تستنتج طهران أن هذه القضايا يتم التعامل معها بشكل أفضل في إطار علاقة عمل مع طالبان وليس كخصوم. حيث يُتوقع أن يكون التعاون أكثر واقعية مما قد يبدو في الظاهر. فلدى إيران الآن جار أذل الولايات المتحدة ويمكنها العمل معه. وبالنسبة للرئيس الجديد المتشدد إبراهيم رئيسي، فهذا ما يبدو أنه سيصل إليه.

(كتبه: جون رين، وهو كبير مستشارين في مجال المساعي الجيوسياسية المستحقة)

———————–

باكستان: رغم المكاسب الواضحة، هناك بعض التحفظات

لم تعرب باكستان عن أسفها على زوال النظام المدعوم من الولايات المتحدة في كابول. فقد كانت العلاقات الثنائية بينهما متوترة، في أحسن الأحوال، حيث وصف رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان سيطرة طالبان على أنها لحظة “كسَر فيها الأفغان أغلال العبودية”. لكن رد فعل إسلام أباد، رغم أنه الأقل تشاؤماً من جيران أفغانستان، تنتابه أيضاً مخاوف بشأن ما يمكن أن تعنيه حكومة طالبان بالنسبة للأمن الداخلي لباكستان.

ومن المتوقع أن تكتسب باكستان نفوذاً كبيراً في أفغانستان تحت قيادة طالبان، على حساب الهند، خصمها اللدود. لكن من غير المرجح أن يكون نفوذها غير محدود هناك، حيث يمكن لطالبان أن تنوع شركاءها الدوليين الآن بعد أن أصبحت في السلطة. ومن غير المرجح أن تهتم إسلام أباد بالمنافسة مع القوى الأخرى هناك، إلا إذا كان ذلك قد يؤدي بطريقة ما إلى تعزيز موقف الهند. لذلك، من غير المرجح أن تكون دعوة باكستان لـ “تسوية سياسية شاملة” بمثابة قيد على أنشطة طالبان.

ومن المتوقع بشكل كبير أن تُقدم باكستان على تقديم اعتراف رسمي بالحكومة التي تسيطر عليها طالبان في كابول، تماماً كما فعلت في عام 1996. ومع ذلك، فمن المرجح أن تمنح هذا الاعتراف بالتنسيق مع دول أخرى، بما في ذلك تركيا على الأرجح، لتجنب الوقوف منفردة أمام الغرب.

لكن باكستان لديها مخاوف أمنية وستطلب تأكيدات بشأنها من طالبان، مقابل اعترافها الرسمي بالنظام الجديد. وتركز هذه على الحاجة إلى تقييد تدفق اللاجئين عبر خط دوراند، وهي حدود “الأمر الواقع” التي يبلغ طولها 2600 كيلومتر، والتي عززتها باكستان بالكامل تقريباً من خلال إقامة سياج على طولها. وسيكون ضمان احترام الحدود أمراً حيوياً إذا كانت هناك إرادة للحد من تحركات حركة طالبان الباكستانية المناهضة للدولة والحفاظ على مكاسب باكستان في مكافحة الإرهاب. كما أن ذلك من شأنه أن يساعد على تجنب أي توترات جديدة مع الصين، التي لديها أكثر من 25.4 مليار دولار من استثمارات مبادرة الحزام والطريق في باكستان، تحت مسمى الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني رفيع المستوى.

(كتبه: أنطوان ليفيسكيس، باحث في شؤون جنوب آسيا)

———————–

قطر تسعى للحفاظ على صلتها بحركة جسورة كطالبان

قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي حافظت على أفضل العلاقات مع حركة طالبان، وعلى هذا النحو، يبدو أنها في وضع أفضل للاستفادة من تحول السلطة في كابول.

حيث كانت طالبان قد افتتحت مكتباً لها في الدوحة عام 2013، والذي أصبح مركزها الدبلوماسي. وعاش هناك كبار مسؤولي طالبان، وأبرزهم الملا عبدالغني بردار، المؤسس المشارك لحركة طالبان ونائب زعيم الحركة الذي قاد المفاوضات مع الولايات المتحدة ثم مع الحكومة الأفغانية لاحقاً.

وعندما سعت إدارة ترامب إلى الخروج من أفغانستان من خلال إبرام صفقة مع طالبان، وجدت في قطر طرفاً ذا حيثية كبيرة يرغب في التفاوض. ومنذ عام 2018، كانت قطر هي الميسِّر الرئيسي للمفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان، والتي تُوجت في عام 2020 بالاتفاق الذي حدّد جدولاً زمنياً صارماً لانسحاب الولايات المتحدة. وشارك المفاوضون القطريون بشكل وثيق في تهدئة طالبان. ونتج عن هذا الدور إبداء أمريكا حسن النية لقطر في وقت تعرضت فيه الأخيرة لمقاطعة وحشية من السعودية والإمارات.

ومع أنه لا يبدو واضحاً ما الذي وعدت به قطر طالبان لحملها على الدخول في محادثات سياسية، إلا أن الدوحة تحاول مع ذلك إقناع طالبان بأهمية الاعتراف الدولي من خلال الدبلوماسية. لكن السرعة الخاطفة التي سيطرت بها طالبان على أفغانستان أضعفت بشدة يد قطر في موضوع التفاوض. ففي هذه المرحلة، يبدو أن حاجة طالبان إلى الود والوساطة القطريين قد تضاءلت كثيراً: حيث انسحبت الولايات المتحدة ولم تعد الحكومة الأفغانية موجودة، ولذلك فليست هناك حاجة لمزيد من المفاوضات. ومع تسارع القوى الكبرى في الاعتراف بالواقع السياسي الجديد في كابول، فمن المحتمل أن يكون تأثير قطر على طالبان قد بلغ نقطة الذروة.

ومع ذلك، فإن قوة الدوحة المالية وعلاقاتها القوية مع تركيا وإيران وباكستان تضمن لها الأهمية السياسية والدور الأبرز في المستقبل الاقتصادي لأفغانستان. وبالنظر إلى معرفتها بقيادة طالبان، فإن الكثيرين يتوقعون أيضاً أن تنفق الدوحة رأس مال سياسي لتهدئة الجماعة الأصولية وتأمين وصول الأمم المتحدة والمساعدات الإنسانية.

(كتبه: إميل حُكيِّم، باحث أول في أمن الشرق الأوسط)

—————————

روسيا: فرصة لاستغلال ضعف العزم الغربي؟

يتسم المزاج العام الرسمي لروسيا بالسكون الهادئ. وتبدو قدرة سفارتها في كابول على العمل – تحت الحماية الواضحة لطالبان – دون عوائق إلى حد كبير نقطة معاكسة بشكل صارخ لمظاهر إجلاء البعثات الغربية. وعلى الرغم من أن طالبان لا تزال منظمة محظورة في روسيا، يبدو أن الكرملين مستعد للتعامل مع الحركة، حيث لم يُصدر احتجاجاته المعتادة على الإطاحة بحكومة معترف بها. وقد يكون لفشل أمريكا وحلفائها، وهو بالتأكيد مصدر جوهري لرضا موسكو، استخدامات محلية أخرى خصوصاً قبل انتخابات مجلس الدوما الشهر المقبل.

لكن التاريخ الحديث يعطي موسكو أسباباً للقلق أكثر من أي شيء آخر. ففي التسعينيات، سعى “التطرف الإسلامي” القادم من أفغانستان إلى استهداف تقويض ليس آسيا الوسطى فحسب، بل روسيا نفسها. ولهذا السبب جزئياً، رحب الرئيس فلاديمير بوتين بالتدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001. ولفترة من الوقت، تشاركت روسيا والولايات المتحدة في الالتزام بمكافحة الإرهاب الدولي. وحتى قبل استيلاء طالبان على كابول، بدأت موسكو في توقع عودة ظهور المخاطر المألوفة من فترة حكمها الأخيرة، لا سيما من خلال إجراء تدريبات عسكرية مع أوزبكستان وطاجيكستان، المتاخمتين لأفغانستان. وسلط نيكولاي باتروشيف، أمين مجلس الأمن، الضوء منذ ذلك الحين على التهديد بزعزعة استقرار من تدفقات المخدرات والمسلحين.

ومثلها مثل الآخرين، تراقب روسيا الوضع عن كثب لترى كيف تتطور نوايا طالبان بعد عودتها للحكم. وإذا قامت أفغانستان بتصدير التطرف مرة أخرى خارج حدودها، فقد تسعى روسيا إلى تعاون محدود مع الغرب في مقابل علاقة قد تكون محصلتها صفر إلى حد كبير. لكنها قد تسعى أيضاً إلى استغلال التصورات بأن العزم الغربي قد ضعف. وقد رسم باتروشيف بالفعل مقارنة بين الانسحاب الأمريكي وعلاقتها بأوكرانيا. والمعنى الضمني هو أن روسيا قد تصعد ضغطها هناك وفي أماكن أخرى.

(كتبه: نايجل جولد ديفيز، محرر متخصص في المسح الاستراتيجي، وباحث أول في شؤون روسيا وأوراسيا)

—————————-

السعودية ترصد أي ميزة جديدة قد تحصل عليها إيران

قد يقابَل استيلاء طالبان على أفغانستان بإمكانية تكرار مواقف سابقة للرياض، ولكنه يقابَل أيضاً بمشاعر من التردد والقلق.

فقد كانت المملكة العربية السعودية واحدة من ثلاث دول فقط اعترفت بحكم طالبان قبل عام 2001. وعلى الرغم من جذورها في القرب الأيديولوجي وعلى الرغم من التمويل السعودي الخاص الكبير للجماعة الأصولية، إلا أن العلاقة لم تكن ملائمة أبداً وكان النفوذ السعودي محدوداً دائماً.

لكن السعودية عام 2021 تختلف اختلافاً كبيراً عن السعودية عام 2001. إن رعاية حكم طالبان ليست بالافتراض المغري الذي قد يجذب حكام السعودية الآن. فالقيادة الحالية أقل ميلاً إلى تبني القضايا البعيدة من منطلق التضامن الإسلامي، وهي تركز بشكل أكبر على بناء صورة حديثة للدولة والحد من التأثير الديني في الداخل.

ولدى السعودية تأثير أقل على طالبان اليوم من ذي قبل. حيث تحافظ قطر، التي يُنظر إليها على أنها منافس مزعج للمملكة، على علاقات أفضل مع طالبان، التي تسعى بالفعل إلى اعتراف الصين وروسيا وباكستان وتركيا. وكما في الماضي، فمن المرجح أن تعتمد الرياض على إسلام أباد لتشكيل علاقات طالبان الإقليمية.

وستكون طبيعة العلاقات بين إيران وطالبان مصدر قلق للرياض. فمن وجهة نظر السعودية، كانت ميزة “طالبان” لصالحها هي أنها أجبرت إيران على القلق بشأن خاصرتها الشرقية. وبعد أن وصلت إلى هدفها المتمثل في رؤية الإطاحة بالولايات المتحدة بطريقة مذلة، فإن طهران مهتمة الآن بالتوصل إلى تسوية عملية وإن كانت غير سهلة مع طالبان.

كما ستقلق الرياض بخصوص ما إذا كان نجاح طالبان سيعيد إحياء حظوظ “القاعدة” والجماعات الجهادية الأخرى. فمقاتلو القاعدة يحتفلون بالفعل بهزيمة تاريخية للولايات المتحدة وحلفائها، على أمل أن تولّد الزخم والإلهام لقضيتهم بعد سنوات من التراجع. وسيتعين على طالبان أن تقرر ما إذا كانت ستسمح للقاعدة بالقيام بأنشطة معادية للسعودية من الأراضي الأفغانية.

(كتبه: إميل حُكيِّم، باحث أول في أمن الشرق الأوسط)

—————————

تركيا: العمل على توازن غير يقيني وخطير

تواجه تركيا مستقبلاً متقلباً للغاية في علاقاتها مع أفغانستان التي تحكمها طالبان، وتتسم بمخاطر عالية وقليل من المكافآت الملموسة. وهي ترى في هذا الواقع فرصة لاستعادة بعض القوة الناعمة التي قد تكون فقدتها نتيجة بعض الأخطاء في السياسة الخارجية على مدى السنوات الأخيرة. فبصفتها الدولة المسلمة الوحيدة العضو في حلف الناتو، فمن المرجح أن تسعى إلى تحقيق نوع من التوازن بين التنافس على تحقيق المصالح والحلفاء.

وستسعى أنقرة إلى تعزيز المصداقية مع إدارة بايدن والشركاء الغربيين الآخرين، واستخدام علاقاتها الوثيقة مع قطر وباكستان (وكلاهما أقام علاقات وثيقة مع كبار قادة طالبان) لتتبوأ دور الوسيط بين إدارة طالبان والعالم الخارجي. ولكن في غياب إطار قانوني واضح، ونوع من الغطاء كمهمة لحلف الناتو، تواجه تركيا نظرة مستقبلية غير يقينية وخطيرة في أفغانستان ما لم يتم تحديد شروط مشاركتها السياسية والدبلوماسية هناك بوضوح. حيث من المتوقع أن يضيف ذلك ضغوطاً إضافية من روسيا وإيران، وبدرجة أقل، من “القاعدة”، والتي تلعب جميعها أدواراً مهمة في أفغانستان، إلى الطبيعة غير المستقرة للموقف التركي في كابول.

وبالإضافة إلى ذلك، فتركيا تواجه الآن أزمة لاجئين جديدة: فحتى في الأسابيع التي سبقت سقوط كابول، تشير التقديرات إلى أن ما بين 500 و 2,000 أفغاني كانوا يصلون إلى أراضيها كل يوم. وتفتقر أنقرة إلى سياسة شاملة لتسوية المشكلة بينما تكافح للحد من الهجرة غير النظامية إلى البلاد. حيث لا يمكنها التأقلم إلى أجل غير مسمى مع طفرة جديدة في عدد اللاجئين القادمين إليها، وترى أن الزيادة الحادة في تدفقات اللاجئين المرتبطة بالصراع هي أزمة عالمية يتم إحالتها إلى الدول المجاورة.

(كتبه: بورجو أوزجيليك، زميل مشارك؛ وباحث في قسم السياسة والدراسات الدولية، جامعة كامبريدج)

—————————

الإمارات والتحوط في الرهانات

بعد أن قادت الإمارات العربية المتحدة حملة ضد الجماعات الإسلامية العابرة للحدود على مدى العقد الماضي، قد تبدو الإمارات في البداية كواحدة من أكثر اللاعبين الذين يرجح أن يندبوا حظهم لانتصار طالبان السريع في أفغانستان. فالإمارات حليف قوي للولايات المتحدة وشريك موثوق في مكافحة الإرهاب، وكانت في مرحلة ما الدولة العربية الوحيدة التي أرسلت قوات خاصة إلى جانب القبعات الخضراء الأمريكية التي تقاتل طالبان.

ومع ذلك، فإن أبو ظبي وطالبان ليسوا غرباء. فخلال التسعينيات، كانت الإمارات واحدة من ثلاث دول فقط اعترفت بإمارة أفغانستان الإسلامية في ظل حكم طالبان. وفي عام 2018، استضافت أبوظبي جولة من محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان، مما يشير إلى أنها احتفظت بثقة الحركة. ورغم أن أبو ظبي حظرت الفرع الباكستاني للحركة – حركة طالبان باكستان – وفرضت عقوبات على أفراد من طالبان، إلا أنها امتنعت عن تصنيف حركة طالبان الأفغانية بشكل رسمي ككيان إرهابي. ومنذ استيلاء طالبان على كابول، رحّبت الإمارات “بتركيز الجماعة على العفو والتسامح”. وتُعتبر “طيران الإمارات” واحدة من شركات الطيران القليلة التي تشغل حالياً رحلات طيران من كابول.

في الوقت الحالي، تتعرض الإمارات لضغوط. فخصومها، تركيا وإيران، يشقون طريقهم مع طالبان. لكن الإمارات تتمتع بميزة أخرى: وهي علاقاتها الوثيقة مع الصين وروسيا، القوتين العظميين الأكثر اهتماماً بأفغانستان. وبغض النظر عن مدى رغبة الإمارات في تنمية نفوذها مع المنتصرين، فإن سياستها ستكون مقيَّدة بالسياسة الأمريكية. وبالتالي، فإن أبو ظبي تقوم بالتحوّط بخصوص رهاناتها. وكانت قد منحت حق اللجوء للرئيس الأفغاني المعزول أشرف غني، وامتنعت عن الإشارة إلى ما إذا كانت تعتزم الاعتراف بحكم طالبان. فقد يكون اتخاذ موقف واضح في ذلك بالنسبة لدولة الإمارات، التي تضم حوالي 150 ألف أفغاني، نوعاً من الترف الذي قد لا تستطيع تحمله الآن.

(كتبه: حسن الحسن، زميل وباحث في سياسة الشرق الأوسط)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close