ترجمات

المقاتلون الأجانب في ليبيا

دراسة تحليلية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى مؤخراً دراسة هامة قام بها آرون ي. زيلين* بعنوان: “الآخرون – المقاتلون الأجانب في ليبيا”. وتقدم الدراسة فهماً أعمق لظاهرة المقاتلين الأجانب في ليبيا وتطورها ومساراتها المحتملة. وفي إطار نقل المعارف، مع حفظ حقوق الملكية الفكرية، قامت وحدة الترجمة بالمعهد المصري للدراسات بترجمة نص هذه الدراسة، وذلك على النحو التالي:

مقدمة:

على مدى السنوات السبع الماضية من الثورة والحرب الأهلية في ليبيا، شهدت البلاد تدفقاً هائلاً من المقاتلين الأجانب. ويقتضي هذا التطور اهتماماً كبيراً، ليس بسبب التهديد الداخلي الذي يشكله فحسب، بل أيضا لأن ليبيا قد تصبح بهذا مركزاً محتملاً لتجمع الجهاديين في المستقبل، خصوصاً بعد انهيار مراكز الدولة الإسلامية في العراق وسوريا في عام 2017. ومما يبعث على القلق على وجه الخصوص في الساحة الليبية هو الدور الضخم الذي يقوم به المقاتلون التونسيون هناك، بالإضافة إلى زيادة نسبة التجنيد بين المقاتلين الأفارقة في صفوف الجهاديين.

وفي هذه الدراسة، ​​يتحدث الباحث بالتفصيل عن مكونات الجهاد الليبي، بما في ذلك عرض احصاءات هامة عن المقاتلين القادمين من كل بلد على حدة. كما يتتبع بدقة الطرق التي يسلكها الطامحون إلى الجهاد من مختلف البلاد الأفريقية حتى وصولهم إلى ليبيا. ومن خلال تقديم فهم أعمق لظاهرة المقاتلين الأجانب وتطورها ومساراتها المحتملة، تُوفر لنا الدراسة رؤى شديدة الأهمية من أجل تخفيف حدة المشكلات التي ترتبط بهذه الظاهرة في كل من أفريقيا وأوروبا خلال السنوات القادمة.

انتشار النشاط الجهادي في ليبيا

انتشر النشاط الجهادي في ليبيا خلال السنوات السبع الماضية عبر ساحات متعددة، وانضم إليه عدد غير مسبوق من الأفراد حيث أصبحوا فيما بعد ما يُسمى بـ “المقاتلين الأجانب”. وكان من المفهوم أن يتم التركيز خلال الفترة الماضية على تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا، لكن الحقيقة أنه في نفس هذا الوقت شهدت ليبيا كذلك تدفقا كبيراً من جانب هؤلاء، حتى أصبحت ليبيا الآن تحتل المرتبة الرابعة على مستوى العالم من حيث تجمع المقاتلين الأجانب، وذلك بعد سوريا (حالياً)، وأفغانستان (في الثمانينيات)، والعراق (عام 2003). وبالإضافة إلى ذلك، فتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يُشارك فيها فعلياً مقاتلون جاؤوا من شرق وغرب أفريقيا في قتال أجنبي خارج بلادهم بعد أن كان ينحصر نشاطهم في المشاركة بأعمال التمرد المحلية أو من خلال القيام بحوادث إرهابية. وتُشير الهجمات التي وقعت في بريطانيا في الثاني والعشرين من مايو عام 2017، وفي ألمانيا في التاسع عشر من ديسمبر عام 2016 – وكلاهما مرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا – تُشير إلى العواقب التي يمكن أن يؤدي إليها الجهاد الليبي المسلح خارج حدود البلاد. وهكذا، تؤكد هذه العوامل وغيرها أهمية دراسة شبكة المقاتلين الأجانب في ليبيا، واستخلاص الرؤى حول المسار المستقبلي للتيار الجهادي في شمال وشرق وغرب أفريقيا، بالإضافة إلى أوروبا الغربية.

وتكمن الأهمية الكبيرة التي يجب أن نوليها للملف الليبي في حقيقة أن ليبيا قد تصبح مركزا متقدماً لتجمع الجهاديين في المستقبل – خصوصاً بعد انهيار مراكز الدولة الإسلامية في العراق وسوريا في عام 2017 – وليس فقط في طبيعة الأنشطة الجهادية القائمة هناك على مدى السنوات العديدة الماضية. وعلى الرغم من أنه لا يوجد ما يُشير إلى أن تنظيم داعش ينوي نقل مركزعملياته من بلاد الشام إلى ليبيا – رغم المخاوف التي يبديها المسؤولون الغربيون حيال ذلك – إلا أن المقاتلين الطامحين إلى الجهاد، وخصوصاً القادمين من أوروبا، قد يجدوا ضالتهم المنشودة في التوجه إلى دولة في شمال أفريقيا (ليبيا) نظرا لقربها من القارة الأوروبية.

وسعيا إلى تسليط الضوء على العديد من الجوانب لظاهرة المقاتلين الأجانب في ليبيا، فإن هذه الدراسة ستقوم بما يلي:

1- استكشاف أعداد الأفراد الذين سافروا إلى ليبيا منذ ثورة عام 2011 وتحديد الدول التي يمثلونها،

2- دراسة تاريخ وتطور عمليات تجنيد وتعبئة المقاتلين الأجانب للذهاب إلى ليبيا، منذ الثورة الليبية وحتى يومنا هذا، حيث تُعتبر المرحلة الحالية هي الأكثر هدوءا في ذلك نظراً لفقدان الدولة الإسلامية سيطرتها على كثير من الأراضي هناك،

3- تحديد مختلف شبكات المقاتلين الأجانب ومراكز انطلاقها بشكل دقيق، بالإضافة إلى الطرق التي يسلكها المقاتلون للوصول إلى ليبيا،

4- الكشف عن الطرق المختلفة التي قد يتمكن الجهاديون العائدون من خلالها أن يُنشئوا شبكاتهم الخاصة لأعمال الجهاد المستقبلية، سواء كان ذلك داخل أوطانهم من خلال ممارسة بعض أشكال الإرهاب، أو خارج بلادهم من خلال تعبئة المقاتلين الأجانب في سياق أحداث مستقبلية.

إحصائيات عن المقاتلين الأجانب في ليبيا

يُعتبر تحليل البيانات الخاصة بالمقاتلين الأجانب في ليبيا في عام 2018 أقرب كثيراً إلى الاستقصاءات التي أُجريت في سوريا في عامي 2012 و2013 للوصول إلى نفس الهدف. فمعظم الحكومات اليوم لم تكشف ​​عن عدد مواطنيها الذين انخرطوا في أنشطة جهادية بالخارج، تماماً كما حدث في السابق أثناء حشد المقاتلين الأجانب للذهاب إلى سوريا. لذلك، تعتمد البيانات التي تم جمعها عن المقاتلين الأجانب في ليبيا خلال السنوات الأخيرة بشكل أساسي على معلومات مفتوحة المصدر، مما قد يدفع البعض إلى التشكيك في صحتها. ورغم ذلك، فإن تحليل تلك البيانات من خلال بيانات تصدر عن الجهاديين بشكل مباشر، أو وثائق إدارية مسربة عنهم، أو ملفات للمحاكم، أو وسائل إعلام عربية محلية، أو وسائل إعلام غربية – منذ عام 2011 وحتى الآن – قد يوفر لنا صورة جيدة إلى حد كبير عن تلك الظاهرة الأوسع انتشاراً.

وقد أصدرت حكومات تونس والسودان وكينيا والسنغال منذ عام 2014 بيانات بأعداد مواطنيها الذين سافروا أو حاولوا السفر إلى ليبيا من أجل القتال. ولكن بعض البلدان قامت بإعلان أعداد أقل من الأعداد الحقيقية؛ حيث صرحت السودان أن سبعين شخصا فقط قد سافروا أو حاولوا السفر إلى ليبيا وسوريا مجتمعة (للمشاركة في أنشطة جهادية)، في حين أنه من خلال بحث هذا الأمر في ثنايا هذه الدراسة، وعلى العكس من الرواية السودانية الرسمية، ثبت أن مائة سوداني قد سافروا أو حاولوا السفر إلى ليبيا وحدها، مع احتمال وجود عدد أكبر من ذلك كانوا قد توجهوا إلى سوريا.

الدور التونسي

لعبت تونس على وجه الخصوص – من خلال المقاتلين الذين خرجوا منها – دورا رئيسيا في القتال الدائر في كل من سوريا وليبيا، حيث ساهمت بأكبر عدد من الجهاديين الذين انخرطوا في الأعمال القتالية في كلتا الدولتين. والواقع أن الوضع الجغرافي لليبيا وتونس كجارتين قد سَهّل علينا تفسير هذه الحقيقة. وخلال بعض اجتماعات الأمم المتحدة، كشف مسؤولون حكوميون تونسيون أن ما يصل إلى 1500 تونسي قد ذهبوا للقتال في ليبيا. وقد تمكن الباحث في هذه الدراسة من إثبات 625 حالة من هذه الحالات، مما يدل على الفجوة بين ما هو مُعلن للجميع (عن طريق الحكومة)، وما تم الحصول عليه بشكل سري غير مُعلن (من خلال الجماعات الجهادية المختلفة). وخلافاً لتونس، فليست هناك فجوة كبيرة بين تقديرات الحكومة والمعلومات المتاحة للجمهور في دول أُخرى مثل كينيا والسنغال. فعلى سبيل المثال، صرحت الشرطة الكينية بأن 20 مواطنا كانوا قد ذهبوا للقتال في ليبيا، وأثبت الباحث في هذه الدراسة خروج 16مقاتلاَ من كينيا. وفي السنغال، قال المسؤولون هناك أن ما يصل إلى 30 فردا انضموا للجهاديين الذين يقاتلون في ليبيا، وتمكن الباحث من إثباتهم جميعاً.

وبالإضافة إلى الأبحاث مفتوحة المصدر والبيانات الحكومية، أصدر مكتب النائب العام الليبي، الذي يتخذ من طرابلس مقرا له، في سبتمبر 2017، بيانات عن المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى داعش. وتستند البيانات إلى تحقيقات جرت على مدى سنوات فضلا عن أعداد السجناء الذين تم القبض عليهم وجثث المقاتلين الذين تم تحديد هويتهم في أعقاب معركة داعش في سرت. وبفضل هذه المعلومات، أصبحنا نستطيع رسم صورة أقرب للحقيقة عن ظاهرة المقاتلين الأجانب بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، وفي سرت على وجه الخصوص، وليس في وقت سابق على ذلك أو في مناطق أخرى من ليبيا. لذلك، فالمعلومات التي صدرت عن مكتب النائب العام الليبي كانت ذات قيمة كبيرة حيث لم يكن من الممكن توفرها من مصادر مفتوحة أو من خلال حكومات أجنبية. وقد قدم مكتب النائب العام بشكل مستقل مزيدا من التفاصيل عن أعداد المقاتلين القادمين من بعض البلدان؛ حيث بلغ عدد الذين جاءوا من تونس ومصر والسودان بالترتيب أكثر من 100 مقاتل؛ وجاء ما بين 50 إلى 100 من السنغال وجامبيا وتشاد والنيجر وغانا وإريتريا ومالي والصومال على التوالي؛ وما بين 10 إلى 50 ، جاؤوا من المملكة العربية السعودية، والأراضي الفلسطينية، والمغرب، وموريتانيا، واليمن، والجزائر على التوالي؛ وما بين 1 إلى 10 من كل من العراق والولايات المتحدة وسوريا وقطر ونيبال وبوروندي وفرنسا والأردن.

لذلك، أصبح بإمكان المحللين تحديد حجم المقاتلين الأجانب الذين وصلوا إلى ليبيا بشكل عام من خلال الاعتماد على أي من المصادر الثلاثة الآتية: بيانات المصادر المفتوحة، أو الأرقام الرسمية من الحكومات المعنية، أو المعلومات الصادرة من مكتب النائب العام الليبي. وباختصار، تشير البيانات مفتوحة المصدر إلى أن هناك حوالي 1351 فردا من أربع وأربعين دولة على الأقل انضموا إلى الجماعات الجهادية في ليبيا أو حاولوا الانضمام إليها منذ عام 2011، في حين ارتفع العدد إلى حوالي 3436 مقاتلاً عند الجمع بين المصادر الحكومية الأجنبية ومصادر النيابة العامة الليبية. وبالنسبة إلى الحد الأعلى للأرقام المعلنة، فإنها تشمل احتمالية تأكيدات فردية من خلال بيانات مفتوحة المصدر عن أعداد المقاتلين الذين جاؤوا من بلدان لم تكشف رسمياً عنها، ولا تعكس بذلك الصورة الكاملة لهذه الظاهرة. فعلى سبيل المثال، تحدثت الصحافة المغربية عن أن 300 مغربي قد ذهبوا للقتال في ليبيا، في حين تم إثبات 58 حالة فقط من خلال البيانات التي أوردها الكاتب في هذا البحث. وفي كل الأحوال، فمن خلال بيانات المصادر المفتوحة، والتصريحات الحكومية، والبيانات الصادرة عن مكتب النائب العام الليبي، لن تندهش عندما تعلم أنه على مدى السنوات السبع الماضية، انضم ما بين 2600 إلى 3500 مقاتل أجنبي أو حاولوا الانضمام إلى الجماعات الجهادية في ليبي، وهذا رقم أدنى قليلاً عن أعداد المقاتلين الأجانب الذين ذهبوا إلى العراق خلال الفترة من 2003 إلى 2011.

وعلى الرغم من عدم وجود عدد كبير من الجنسيات بين المقاتلين الأجانب في ليبيا كما كان الحال في سوريا، فإننا نستطيع أن نرصد كثيراً من التنوع؛ فهناك مقاتلون في ليبيا أتوا من شمال أفريقيا والشرق الأوسط والقرن الأفريقي وغرب أفريقيا وأوروبا الغربية والبلقان وأمريكا الشمالية، وجنوب وجنوب شرق آسيا؛ حيث كان بعض هؤلاء الأفراد مجرد عاملين أجانب مغتربين في ليبيا في الفترة التي سبقت الثورة الليبية. وهذا يساعد على تفسير وجود مقاتلين أجانب في ليبيا من جنسيات ليس لها تاريخ كبير في الأعمال الجهادية أو القتال في بلدان أجنبية. فعلى سبيل المثال، يُظهر شريط فيديو لأنصار الشريعة في ليبيا صدر في منتصف مايو 2014 – يُظهر الجماعة الجهادية وهي ترحب بمهاجرين غانيين مسيحيين أسلموا حديثاً. وعلى غرار ذلك، فإن هناك أيضاً حالات فردية مثل محمد ناصر باكير وتابريز محمد تامبي، وهما شابان في العشرين من العمر، تم تجنيدهم من دبي والرياض على التوالي للذهاب إلى القتال في ليبيا، حيث كانا مغتربين للعمل في الإمارات والسعودية.

ويُشكل انخراط مقاتلين من شرق وغرب أفريقيا في القتال الدائر في ليبيا ظاهرة ينبغي ملاحظتها، كما ذكرنا آنفا. ففي الماضي كان يُركز معظم الأفارقة على المشاركة في الأنشطة الجهادية في مناطق النزاع المحلية أو القريبة منهم، كما كان الحال في مالي ونيجيريا والصومال، وكانوا يبتعدون عموما عن الانخراط في أعمال قتالية عابرة للحدود. غير أنه بعد انضمام هؤلاء الأفراد للقتال في ليبيا مع الجهاديين ضاعف من احتمالية تطبيقهم للدروس التي استفادوها في ليبيا على أنشطة التمرد المحلية، وقد يقومون أيضاً بتجنيد مقاتلين من بلدان مثل تشاد وإريتريا وغانا وغامبيا وكينيا والسنغال في أعمال جهادية.

وفيما يلي، سوف نستعرض تاريخ تدفق المقاتلين الأجانب إلى ليبيا منذ بدء الثورة الليبية في عام 2011 وحتى يومنا هذا.

تاريخ تدفق المقاتلين الأجانب إلى ليبيا

في المراحل الأولى من الثورة الليبية، انضم بعض الأفراد ومزدوجي الجنسية ممن نشأوا في بلدان غربية مثل بريطانيا وأيرلندا وكندا والولايات المتحدة – انضموا إلى الحرب ضد نظام معمر القذافي إما لأسباب قومية أو لأسباب أخرى. ومع استمرار القتال وخاصة بعد وفاة القذافي، يمكننا القول بأن الغالبية العظمى من المقاتلين الأجانب أصبحت تتبنى أيديولوجية جهادية.

الثورة الليبية

قبل إنشاء قاعدة لاستقبال المقاتلين الأجانب، كان على الشبكات الجهادية المحلية أن توفر المساحة اللازمة لذلك. وعلى الرغم من أن أول تقارير أمريكية عن تدفق مقاتلين أجانب على ليبيا كانت في سبتمبر 2011، فقد كشفت مصادر جهادية عن وصول ما يسمى بـ “مجاهدو ليبيا” قبل ذلك بستة أشهر كاملة، في مارس 2011، لمحاربة نظام القذافي. وبالإضافة إلى ذلك، ففي وقت مبكر منذ بداية الأحداث في ليبيا انضم أفراد جاؤوا من دول مجاورة مثل الجزائر ومصر ومالي والمغرب وتونس إلى مجموعات للتدريب والقتال في ليبيا؛ وهذا يؤكد إلى حد كبير المُكَون الإقليمي لمجموعات المقاتلين الأجانب هناك منذ البداية.

ويشير ولفرام لاشر إلى أنه في حين أن الألوية الثورية التي أطاحت بالقذافي كانت ذات طابع قومي في المقام الأول، فقد قاتل عدد من الجهاديين إلى جانبهم، والذين يمكن تصنيفهم إلى ثلاثة أجيال:

1- الجيل الأول، وهم عبارة عن أعضاء سابقين في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة التي رفضت المراجعات الفكرية التي أجرتها الجماعة في عام 2009،

2- الجيل الثاني، وهم الليبيون الذين عملوا كمقاتلين أجانب في أثناء الحرب العراقية،

3- الجيل الثالث، وهم المنضمون الجدد إلى التيار الجهادي والذين اعتنقوا هذا الفكر من خلال الإنترنت ومن خلال الجيلين الجهاديين السابقين، بعد بدء الثورة الليبية.

والواقع أن طبيعة التنوع للقوى الثورية التي قاتلت ضد القذافي كانت قد وفرت مساحة للجهاديين، الذين كانوا متحمسين بشكل كبير لإثبات وجودهم وتأسيس قوتهم. وبالإضافة إلى ذلك، أدى الاندفاع المشترك لهذه القوى صوب هدف واحد – هو الإطاحة بنظام القذافي – إلى قصر نظر القوى الثورية المؤثرة في المشهد، مما أدى إلى فشلها في تهميش الجهاديين. وهذا بدوره أتاح الفرصة للاتجاهات الجهادية من أجل تجنيد مقاتلين أجانب جدد وتشكيل منظماتهم، وخاصة بعد مقتل القذافي.

فعلى سبيل المثال، ساهم أعضاء سابقون في الجماعة الليبية المقاتلة في تأسيس بعض القوى المسلحة التي شاركت في التمرد على القذافي، أو على الأقل أصبحوا رموزاً بارزة في تلك القوى بما في ذلك كتيبة شحادة أبو سليم، وكتيبة عمر المختار، والحرس الوطني، وكتيبة راف الله السحاتي، وكتيبة النور – مما أدى في نهاية المطاف إلى تطوير علاقاتهم مع جماعة أنصار الشريعة في ليبيا، وهي الجماعة الجهادية التي كانت لها الهيمنة في ليبيا قبل صعود تنظيم الدولة الإسلامية في ربيع عام 2014. وهنا، أدرك تنظيم القاعدة الفرصة، كما ذكر القائد البارز في التنظيم، عطية عبد الرحمن الليبي، في رسالة وجهها إلى أسامة بن لادن في 5 مايو 2015، قال فيها: “لقد خرج الإخوة من الجماعة الليبية [الإسلامية] المقاتلة وآخرون من السجن. وقد كانت هناك نهضة إسلامية جهادية نشطة في شرق ليبيا (بنغازي، درنة، البيضاء، وهذه المنطقة) خلال الفترة الماضية، ونحن كنا ننتظر هذه الفرصة. ونعتقد أن أنشطة الإخوة وأسماءهم و “تسجيلاتهم” ستبدأ في الظهور قريبا”. وبالإضافة إلى ذلك، فقد عادت كثير من عائلات الجماعة الليبية المقاتلة التي كانت تعيش في المنفى في مانشستر، إنجلترا – عادت إلى ليبيا للعمل مع هذه الجماعات. ولم يكن معظم الشباب من أفراد هذه الأسر قد سبق له أن زار ليبيا من قبل، مما جعل “عودتهم” تبدو غريبة وكانوا يشعرون بأنهم أجانب أكثر من كونهم مواطنين ليبيين. ويعتقد بلال بتامر- الناشط الليبي الشاب الذي يعمل الآن لتعزيز المصالحة الوطنية – أن ما بين 60-70 في المئة من تلك المجموعات الأكثر صلابة، خاصة تلك الموجودة في مدينة درنة الساحلية في شمال شرق ليبيا، استندت في قوتها إلى حد كبير على هؤلاء المهاجرين الليبيين.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الفصائل المهيمنة نسبيا داخل ليبيا مثل لواء 17 فبراير غضت الطرف عن تطور قوى أنصار الشريعة في أواخر عام 2011 وأوائل عام 2012. وفي يونيو 2014، انضمت هذه المجموعة (لواء 17 فبراير) في نهاية الأمر إلى مجلس شورى ثوار بنغازي، تحت مظلة أنصار الشريعة بليبيا كجزء من عملية إعادة التسمية لتجنب المواجهة مع العملية العسكرية المعروفة باسم “عملية الكرامة” بقيادة الجنرال خليفة حفتر ضد المسلحين في بنغازي. وتظهر هذه القضية كيف يمكن مع مرور الوقت أن تكتسب جماعة جهادية مثل “أنصار الشريعة في ليبيا” نفوذا على الفصائل الأخرى عندما تواتيها الفرصة المناسبة. فجماعة “أنصار الشريعة في ليبيا” ، التي أعلنت رسميا تأسيسها في ديسمبر 2011 في درنة، وفي فبراير 2012 في بنغازي، كانت بمثابة البنية التحتية التي مكنت القتال الأجنبي من الازدهار داخل ليبيا. وهكذا أصبحت الجماعة وسيلة لتدريب المقاتلين الأجانب، والتدريب على العمليات الخارجية، وكذلك تقديم الخدمات اللوجيستية، وغيرها، وفي نهاية الأمر، قامت الجماعة الجهادية بليبيا بتطوير العلاقات مع جماعة أنصار الشريعة في تونس، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وكذلك مع النشاط الجهادي في سوريا.

العلاقة بين أنصار الشريعة في ليبيا وتونس

وكان من بين الآثار المباشرة للحرب الأهلية في ليبيا هو ذلك الملاذ الآمن الذي قدمته البلاد بشكل ضمني لمختلف الأنشطة الجهادية التونسية. فما أن يصل التونسيون إلى ليبيا، حتى ينخرطوا في القتال هناك، أو يقومون بتهريب الأسلحة إلى تونس، أو يخضعون لتدريبات عسكرية من أجل شن هجوم في تونس أو الانضمام إلى القتال في سوريا. وتستخدم كل من جماعة أنصار الشريعة في تونس وأنصار الشريعة في ليبيا أساليب علنية وسرية في تأسيس علاقاتها وانتشارها؛ فالأولى تقوم بذلك باستخدام كل ما يتعلق بالدعوة وبرامج الخدمة الاجتماعية، وتستخدم الأخيرة أنشطة التمرد والقتال ضد النظام للوصول إلى أهدافها.

وتستخدم جماعة أنصار الشريعة التونسية، على وجه الخصوص، أنشطتها الدعوية العلنية من أجل التغطية على أجندتها في ليبيا. فعلى سبيل المثال، كان أول نشاط من أنشطة الدعوة الذي نظمته جماعة أنصار الشريعة التونسية هو مساعدتها للاجئين على الحدود التونسية الليبية في مارس 2011. وعند الإعلان عن هذه النشاطات على صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، نشرت الجماعة الجهادية التونسية صوراً فوتوغرافية لأعضائها أثناء قيامهم بإنشاء مساكن مؤقتة، وتقدیم المساعدات الغذائية والطبیة للاجئين بمجرد عبورھم الحدود. وبعيداً عن اللاجئین، فوفقا لمجموعة الأزمات الدولیة، قامت جماعة أنصار الشريعة التونسية باستغلال ھذه الفرصة في شراء وبيع معدات عسکریة من خلال خیام الوعظ في مخیمات اللاجئین . وکان موالون سابقون للقذافي هم من يقومون أساساً ببيع ھذه الأسلحة.

وأدى ما يُسمى بعملية إرساء الديمقراطية إلى تفاقم ظاهرة تهريب الأسلحة. فبعد سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في يناير 2011، كان الجهاديون على وجه الخصوص حريصين على استغلال هذه الفرصة.  وكان أبو بكر الحكيم – وهو أحد قادة أنصار الشريعة بتونس وقائد تنظيم الدولة الإسلامية لاحقاً، والذي قتل بعد ذلك في نوفمبر 2016، قد شرح هذا الوضع قائلاً: “كانت ليبيا بجانبنا وكانت الأسلحة منتشرة على نطاق واسع هناك. لذلك ذهبنا إلى ليبيا وأنشأنا معسكرا للتدريب. سنقوم بتدريب الإخوة هناك، وفي الوقت نفسه سنعمل على تهريب الأسلحة إلى تونس “. وقد ساعدت أنشطة التهريب (للأسلحة) هذه على تسهيل العلاقات بين أعضاء التنظيم أنفسهم، ومع المقاتلين الأجانب في ليبيا (القادمين من تونس)، وكذلك جماعة أنصار الشريعة في ليبيا. كما أن هذه الأنشطة ساعدت على تعميق العلاقات بين جماعة أنصار الشريعة في تونس ونظيرتها في ليبيا. وقد كان التونسي علي بن الطاهر بن الفالح العوني الحرزي – أحد اللاعبين الرئيسيين في الهجوم على القاعدة الأمريكية في بنغازي في سبتمبر 2012 – كان ينتمي إلى جماعة أنصار الشريعة في تونس. وبعد استجوابه من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي في تونس وإطلاق سراحه فيما بعد من قبل السلطات التونسية، بحجة عدم كفاية الأدلة، نشرت جماعة أنصار الشريعة التونسية شريط فيديو تثني فيه على إطلاق سراح الحرزي (والذي سيصبح في وقت لاحق أحد قادة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا). وقد انسحب الذين تورطوا أيضاً في هذا الهجوم في نهاية الأمر إلى خليتهم في مدينة نصر، القاهرة، حيث تم اعتقالهم أو قتلهم على يد السلطات هناك.

وفي يونيو 2012، أي قبل ثلاثة أشهر من استهداف القنصلية الأمريكية في ليبيا، كانت هجمات جماعة أنصار الشريعة الليبية ضد المنشآت الدبلوماسية التونسية في ليبيا – هجوم في طرابلس، واثنان في بنغازي – هي في الحقيقة رداً على إقامة معرض فني في لامارسا، وهي ضاحية تونسية؛ حيث قام أفراد ينتمون إلى السلفية الجهادية هناك بأعمال شغب احتجاجا على ما اعتبروه فناً غير إسلامي. وهناك أدلة أخرى على العلاقة الوثيقة بين جماعة أنصار الشريعة في ليبيا وتونس من خلال شريط فيديو تم تسريبه على الإنترنت في ديسمبر 2016، يظهر فيه أحد قيادات جماعة أنصار الشريعة التونسية، أبو إياد التونسي، (الاسم الرسمي له: سيف الله بن حسين) في أواخر عام 2014 وهو يصلي الجنازة على جثة مؤسس جماعة أنصار الشريعة الليبية، محمد الزهاوي، في بنغازي.

وقد ظهرت أدلة على قيام التونسيين بتدريبات عسكرية في ليبيا في وقت مبكر من ربيع عام 2012، عندما تم اعتقال اثنين من التونسيين في منطقة درنة بعد الانتهاء من تدريبات عسكرية مع جماعة أنصار الشريعة الليبية في بنغازي. وبالإضافة إلى ذلك، تم ضبط عدد من جوازات السفر التونسية في نوفمبر 2013 في قاعدة عسكرية لجماعة أنصار الشريعة الليبية في بنغازي. وفي غير مدينة بنغازي، قامت جماعة أنصار الشريعة الليبية بتدريبات في درنة ومصراتة وهون والجبل الأخضر. واستضافت هذه المخيمات نفسها اثنين من الانتحاريين التونسيين قبل قيامهما بهجمات فاشلة في أكتوبر 2013 على الشواطئ في سوسة (لا ينبغي الخلط بين هذه الهجمات الفاشلة وبين نجاح التنظيم في إطلاق النار الجماعي في يونيو 2015)، وعلى ضريح بورقيبة في موناستير.

وحسب دراسة حالة تم نشرها في مقال على “هفينجتون بوست” كان هناك تعايش واضح بين جماعة أنصار الشريعة في ليبيا ونظيرتها في تونس من خلال موضوع: “مهدي” الذي كان يعيش في حي تونسي فقير في دوار هيشر، وهي نقطة ساخنة معروفة بالأنشطة الجهادية. ونتيجة لخيبة أمل التوقعات بخصوص الثورة التونسية – التي كانت أحد الأسباب الرئيسية لانضمام التونسيين إلى الجماعات الجهادية سواء محليا أو في الخارج – وهنا وجد مهدي ضالته في الانضمام إلى جماعة أنصار الشريعة في تونس؛ وفي وقت لاحق انتقل إلى جماعة أنصار الشريعة في ليبيا . ومن بين ما قاله مهدي: “أقسم بالله أن 90 في المائة من الناس الذين ينضمون إلى [الجماعات الجهادية]، من التونسيين، وخاصة من المناطق المجاورة لنا، لا صلة لهم بهذا الأمر، وهذا هو الأسوأ”. وفي أبريل 2012، بعد تجنيده لصالح جماعة أنصار الشريعة في تونس في منطقة مجاورة، انتقل إلى جماعة أنصار الشريعة الليبية وتم تدريبه في مدينة سرت، ليبيا، حيث تَعلّم إطلاق النار وتدرب على تفكيك وتجميع الكلاشينكوف، وأشياء أخرى. وعلى الرغم من أنه كان يحصل على 3000 دولار شهريا، وهو مبلغ يفوق كثيراً ما يمكن أن يتقاضاه من أي وظيفة في تونس، عاد في نهاية الأمر إلى وطنه بناءً على طلب والدته. إن مثل هذه التجربة التي خاضها مهدي تُعتبر أمراً شائعاً بالنسبة للعديد من التونسيين الذين أصبحوا مقاتلين أجانب في ليبيا.

تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في ليبيا

وبالإضافة إلى جماعة أنصار الشريعة في تونس، فهناك جماعة أخرى استخدمت ليبيا للتدريب، والقتال، والتخطيط لهجمات، وهي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ففي أغسطس 2012، قال تقرير لمكتبة الكونجرس إن جماعة أنصار الشريعة بتونس كانت واجهة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي داخل ليبيا؛ وفيما بعد، أفاد التقرير بأن كلاً من جماعة أنصار الشريعة في ليبيا وجماعة أنصار الشريعة في تونس كانتا مجرد واجهتين لأنشطة تنظيم القاعدة في أعقاب الثورات في كل من تونس وليبيا. وذكر التقرير أن أبو أنس الليبي هو “مؤسس شبكة القاعدة في ليبيا”، وأشار إليه باعتباره وسيطا بين القيادة العليا للقاعدة في باكستان وقادة الجماعة على الأرض في ليبيا. وقد أكدت ذلك الرسالة التي ذكرناها آنفاً والتي كتبها عطية عبد الرحمن الليبي إلى أسامة بن لادن، حيث قال إن “أنس الصبيعي الليبي [أبو أنس الليبي] وآخرين قد طلبوا الإذن بالذهاب إلى ليبيا … ومجمل القول، أنني أعطيته الإذن للذهاب إلى هناك.” كما أتاح وجود تنظيم القاعدة في ليبيا الفرصة للقيام بعمليات في مالي سواء من خلال تهريب الأسلحة أو تجنيد المقاتلين الأجانب، وتوفير ملاذ آمن للمقاتلين – وخصوصاً في أعقاب “عملية سيرفال” التي قامت بها فرنسا في يناير 2013 للتدخل في شمال مالي – أو التدريب والتخطيط للهجمات الإرهابية في الخارج.

وقد تعززت الصلة بين جماعة أنصار الشريعة في بنغازي ودرنة، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في مالي أوائل عام 2012. وفي الفترة التي سبقت عملية سيرفال، أرسلت جماعة أنصار الشريعة في ليبيا عددا من أعضائها لمعاونة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ومجموعاته المساعدة: جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا وكذلك جماعة أنصار الدين. ویمکن أن يُشير تأسيس أنصار الشریعة في مالي مؤخراً إلى وجود صلة أخرى من هذا القبيل. ویساعد ھذا الانتشار بین الشمال والجنوب في تفسير کیف یمکن لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة أنصار الشريعة، جنبا إلی جنب مع الوحدات المقاتلة الأجنبیة وغیرھا من الهيئات التابعة لها، أن تستغل أجزاء من جنوب لیبیا لصالحھا.

ومع ذلك، لا يزال وجود الجماعات الجهادية “تحديا في الجنوب، ولكن لا ينبغي أن يكون مبالغا فيه”، كما يرى “لاشر” الذي أضاف قائلاً إن “هذه الجماعات استغلت غياب أي نوع من السيطرة الحكومية في الجنوب في تقديم الدعم اللوجستي والتدريب للمقاتلين”. وعلق دافيد جارتنستين روس وناتانيل بار على أن “الجماعات الجهادية في جنوب ليبيا ركزت على إقامة معسكرات تدريب وخطوط إمداد بدلا من الاستيلاء على الأراضي هناك. وهذا ما يفسر كيف يمكن لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتنظيم الدولة بعد ذلك أن يستغل الأراضي الصحراوية الشاسعة التي يسهل اختراقها دون أن يكون لهم بالضرورة دعم محلي واسع النطاق؛ حيث يتم الاعتماد على تلقي دعم تنظيمي قوي من المقاتلين الأجانب أو الليبيين في الشمال.

وعلى الرغم من ذلك، فقد كان هناك بعض الدعم المحلي، مثل قبائل الطوارق التي تتداخل أراضيها بين جنوب ليبيا وشمال مالي. وقد ساعدت هذه العوامل على تسهيل حركة الأفراد عبر الحدود، وخاصة بعد التدخل الفرنسي. فعلى سبيل المثال، يقود اللواء 315، الذي يقع مقره في بلدة العوبري الجنوبية ويحمي جزء من الحدود الليبية، أحمد عمر الأنصاري، النائب السابق لقائد جماعة أنصار الدين، وهي جبهة الطوارق الإثنية في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الموجودة في مالي. ويعتقد مسؤولون في المخابرات الغربية أن بعض الأفراد مثل الجزائري مختار بلمختار استخدموا هذا المسار للانسحاب شمالا في أواخر عام 2012 لتخطيط الهجوم على منشأة الغاز في أميناس في الجزائر، وذلك بعد خمسة أيام من بدء عملية سيرفال.

ومن بين أفراد كتيبة بلمختار الذين تم تدريبهم في منطقة أوباري على هجوم أميناس الذي أدى إلى مقتل ثلاثة وثلاثين رهينة، كان هناك أيضاً جزائريون، فضلا عن الليبيين ومقاتلين من مالي وتونس ومصر وفرنسا وموريتانيا والمغرب. وبالإضافة إلى ذلك، استخدم بلمختار جنوب لیبیا لتخطیط وتنفيذ تفجیرات بشاحنات مفخخة في وقت متزامن في 23 مایو 2013 في النیجر، والتي أصابت منجم اليورانيوم الفرنسي في أرليت وقاعدة عسکریة علی بعد 150 میلا في أغادير. ووفقا لمجلس الأمن الدولي، فإن الکثیر من التدریب للمشارکین في هذه الأحداث قام بتسهيله جماعة أنصار الشريعة في ليبيا. لذلك لم تكن الزيارة التي قام بها وفد من رجال القبائل غير المعروفين من أوبري في 19 مارس 2013، إلى بنغازي – لم تكن مفاجئة. حيث كان الغرض من هذه الرحلة، وفقا لجماعة أنصار الشريعة في ليبيا، أن يتعرف رجال القبائل على هذه المنظمة الجهادية. وهكذا تصبح خيوط أخرى في شبكة الروابط الجهادية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل أكثر وضوحاً.

وبالإضافة إلى هذه الشبكات، فقد تم تشكيل شبكة جهادية مصرية تدعم تنظيم القاعدة في ليبيا في أواخر عام 2014. وعقب إعلان ولاية سيناء عن ولائها لتنظيم الدولة الإسلامية بعد أن كانت في الأصل تُسمى جماعة أنصار بيت المقدس، ترك هشام علي عشماوي، وهو قائد سابق في القوات المسلحة المصرية، (المعروف أيضا باسم أبو عمر المهاجر المصري) الجماعة اعتراضاً على هذه الخطوة. وفي أعقاب تأسيس ولاية سيناء، فر عشماوي إلى درنة، حيث أنشأ لواء “المرابطون”، الذي ركز منذ ذلك الحين هجماته على وادي النيل ومناطق الصحراء الغربية في مصر. وعلاوة على ذلك، فإن عشماوي، وفقا لمصادر الدولة الإسلامية، مرتبط تنظيمياً بمجلس شورى المجاهدين في درنة وضواحيها، وهي جماعة تتبع القاعدة، وانضم إليها أعضاء من أنصار الشريعة في مدينة درنة بعد تشكيلها في ديسمبر 2014.

وعلى الرغم من عدم الانتشار الكبير لعشماوي ومجموعته، إلا أن جماعة “المرابطون”  التي شكلها عشماوي نفذت عدداً من الهجمات ذات المستوى الفائق. وكان أبرزها اغتيال النائب العام المصري هشام بركات في يونيو 2015 عن طريق سيارة مفخخة. وفي الآونة الأخيرة، في أواخر أكتوبر 2017، أرسل عشماوي نائبه، أبو حاتم عماد الدين عبد الحميد، لشن هجوم ضد الشرطة المصرية، قُتل فيه ما لا يقل عن ستة عشر فرداً. ومن المثير للاهتمام أن هذا الهجوم تبنته جماعة “أنصار الإسلام”، بدلا من “المرابطون”، مما يشير على الأرجح إلى أن تنظيم “المرابطون” قد أحرز تقدماً يتيح له القيام بهجمات بين حين وآخر بوتيرة أسرع. ویعتقد المسؤولون المصریون أنه علی الرغم من أن هذه الجماعة لا تزال تتلقى التوجیھات من عشماوي، بالإضافة إلى أن معظم الخدمات اللوجستیة والتسهيلات تتم في لیبیا، فإن المجموعة لدیھا الآن معسکرات تدریبیة في مصر. وسوف تُظهر الأيام ما إذا کان ھذا التطور یمثل تھدیدا جدیدا لمصر أو أنه شيئ عابر. وفي كلتا الحالتين، فإن الشبكة التي يقودها عشماوي تمثل لاعباً أجنبياً نشطاً في ليبيا.

معسكرات تدريب في ليبيا للقتال في سوريا

وبالإضافة إلى تقديم الدعم للحركات التي تشاركها الفكر في شمال أفريقيا ومالي ومصر، وفرت “أنصار الشريعة في ليبيا” معسكرات للتدريب فضلا عن الدعم اللوجستي والتسهيلات للأفراد الذين يسعون للقتال في سوريا. وقد سافر بعض السوريين إلى ليبيا لتلقي تدريبات مع أنصار الشريعة في ليبيا قبل عودتهم إلى ديارهم لاستخدام مهاراتهم الجديدة ضد نظام الأسد. وبعد إعلان تنظيم الدولة للخلافة في ربيع عام 2014، أرسل التنظيم مقاتلين ليبيين كانوا يقيمون في سوريا وآخرين إلى ليبيا لإقامة “ولايات” جديدة. وعلى وجه العموم، فإن جميع ما كان يحدث في ليبيا، كان سيء السمعة، حيث وصفه مسؤول أمريكي في الدفاع بأنه “الممر الرئيسي للمقاتلين الأجانب إلى سوريا انطلاقاً من أفريقيا”.

وقد أنشئت أول معسكرات تدريب، حسبما عُرف لاحقاً، لإعداد المقاتلين وإرسالهم إلى سوريا في ربيع عام 2012، وذلك بعد تأسيس جماعة أنصار الشريعة في ليبيا. وكانت هذه المعسكرات داخل مدينة بنغازي، وفقا لتقارير منفصلة جاءت من اثنين من التونسيين الذين تم أسرهم بعد تلقيهم تدريبات هناك. وشملت هذه الدورات – التي كانت تستمر ما بين عشرين إلى ثلاثين يوما – تدريبات على الأسلحة وحرب العصابات والأفخاخ المتفجرة والهجمات المفاجئة. وتشير التقارير إلى أن صبراتة كانت موقعا آخر للمتدربين المرتبطين بسوريا، وغيرها من المواقع التي ذُكرت سابقا في سياقات أخرى قد تكون قد استضافت بعض من كانوا يطمحون للذهاب إلى سوريا. وعلى سبيل المثال، فقد أشار رئيس الوزراء الليبي آنذاك علي زيدان إلى أن التحقيقات قد كشفت عن جزائريين ونيجيريين وسودانيين وتونسيين في بنغازي كانوا يُعدون العدة للذهاب إلى القتال في سوريا.

وحتى منتصف عام 2013، كانت الغالبية العظمى من الأجانب الذين يسعون للقتال في سوريا يخططون للانضمام إلى جبهة النصرة، وهي منظمة تابعة للقاعدة، ولكن حساباتهم تغيرت خلال الفترة من أواخر 2013 إلى صيف عام 2014، مع تصاعد قوة الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. واستنادا إلى ملفات لموظفي الدولة الإسلامية، تم تسريبها في مارس 2016، عن ستة عشر مقاتلا أجنبيا قيل إنهم سبق أن تم تدريبهم أو مارسوا القتال في ليبيا قبل الانضمام إلى داعش في سوريا، وأشارت التسريبات أن ستة منهم كانوا أعضاء في أنصار الشريعة في ليبيا. وضمن هذه المجموعة، كان هناك ثلاثة عشر من تونس، واثنان من مصر، وواحد من البوسنة.

أما بالنسبة للسوريين الذين سافروا إلى ليبيا للتدريب، خاصة في وقت مبكر من النزاع السوري، فقد كانوا يأملون في أن توفر لهم ليبيا مزيدا من الأمان بعيداً عن قصف نظام الأسد لهم في وقت لم يكن أي من الجهاديين أو الثوار قد قاموا بتحرير مساحات تُذكر من الأراضي السورية. وبحسب مسؤولي الحدود في بنغازي، فقد كانت العملية منظمة للغاية وممولة تمويلا جيدا. وحتى مسؤولي الهجرة في مطار بنغازي كانوا أعضاء في أنصار الشريعة في ليبيا. وذكر مسؤولو المطار أن من عشرة إلى خمسة عشر سورياً كانوا يصلون كل أسبوع لتلقي التدريبات.

مشروع الدولة الإسلامية في ليبيا

بعد تدفق المقاتلين من ليبيا إلى سوريا في عامي 2012-2013، انعكس المسار نفسه في ربيع 2014، بهدف دعم محاولة تنظيم الدولة الإسلامية لإقامة قاعدة له في ليبيا. هذا التدفق العكسي، كما لوحظ، شمل الليبيين الذين دُربوا وقاتلوا مع داعش في العراق وسوريا، وشمل أيضا كادراً من المقاتلين الأجانب. ومن شأن هذه القوى أن تُؤسس علاقات متينة مع بعض الرموز من أنصار الشريعة، مما يساعد على إقامة البنية التحتية لتنظيم الدولة في ليبيا من خلال استغلال الموارد الجهادية (لأنصار الشريعة). وقد تشكلت الدولة الإسلامية في ليبيا من قبل مجموعة من أنصار التنظيم في درنة، وكذلك اللاجئين الليبيين العائدين وغيرهم من المقاتلين الأجانب في كتيبة البتار الليبية القادمة من سوريا، بالإضافة إلى المنشقين من أنصار الشريعة. ووفقا للتحقيق الذي أجراه مكتب النائب العام الليبي والبنيان المرصوص، وهي القوة المقاتلة في مصراتة التي انتصرت على داعش في سرت في عام 2016. وقد ساعد حسن الصالحين بلعرج (المعروف أيضا باسم أبو حبيبة) في عملية التأسيس من خلال تجنيد أعضاء جدد لداعش في درنة قبل عودة نشطاء كتيبة البتار الليبية في ربيع 2014.

تدعي الأمم المتحدة أن تنظيم الدولة الإسلامية بدأ بتأسيس تواجده في ليبيا بين مارس ومايو 2013، عندما قام المفكر الديني البحريني البارز تركي البنعلي بجولة في البلاد، وقدم محاضرات دينية، والتقى بشخصيات جهادية رئيسية، وقدم إجازات علمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بنعلي سافر إلى ليبيا بناء على دعوة من أنصار الشريعة هناك. ومع ذلك، فإن رحلته قد تكون قد ساعدته في حسم قراره النهائي بالانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية في أغسطس 2013، والذي أصبح فيما بعد قائدا رئيسيا فيه. وشهد شهر إبريل 2013 تغيير اسم الجماعة الجهادية لتصبح: الدولة الإسلامية في العراق والشام (حيث كانت سابقا: الدولة الإسلامية في العراق). ومن ثم، فإن هناك احتمالاً بأن بنعلي كان قد أعلن ولاءه لتنظيم الدولة من قبل، وكان يجمع الأتباع للتنظيم سرا خارج بلاد الشام، تحت غطاء زيارة جماعة أنصار الشريعة من أجل تعزيز مصداقيتها ضد تنظيم القاعدة، وذلك ترقباً لإعلان الخلافة في يونيو 2014. وقد يكون هناك المزيد من التوضيح عن هذا الموضوع إذا أصدرت داعش قصة استشهاد بنعلي، الذي قتل في غارة جوية في سوريا في 31 مايو 2017.

وبحلول أبریل 2014، أقامت الدولة الإسلامیة مجموعة مقاتلة تمثل واجهة لها في درنة – مجلس شورى شباب الإسلام – وھو ما حظي بترحيب رسمي من التنظيم، عندما أعلن أبو بكر البغدادي زعيم داعش أنه سیوسع نطاق الخلافة إلی ما وراء العراق وسوريا. ومما يعكس كيف كان المقاتلون الأجانب منذ البداية يلعبون دوراً كبيراً في الولايات الليبية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، أن المفتي الرئيسي لمجلس شورى شباب الإسلام كان أبو البراء الأزدي اليمني، في حين قبل السعودي أبو حبيب الجزراوي بيعة مجلس شورى شباب الإسلام لتنظيم الدولة الإسلامية. وعلاوة على ذلك، فإن قائدي الدولة الإسلامية في ليبيا كانوا من العراقيين الذين أرسلهم البغدادي لهذا الغرض: وسيم الزبيدي (أبو المغيرة القحطاني)، الذي قتل في غارة جوية على درنة في نوفمبر 2015، وعبد القادر النجدي (أبو معاذ التكريتي)، وهو حاليا حر طليق. وقد تم أيضاً شغل العديد من المناصب القيادية الأخرى داخل الدولة الإسلامية في ليبيا من قبل المقاتلين الأجانب.

وبعد وقت قصير من توسيع مشروعها إلى ما وراء العراق وسوريا، بدأت الدولة الإسلامية أيضا في الإعلان عن الشهداء الأجانب في نشراتها الإعلامية. ولتشجیع المزید من الھجرة إلی لیبیا، نشر تنظيم داعش قصة حول کیفیة سفر مقاتل سعودي، عبد الحمید القاسمي، إلی ليبيا للمساعدة في إقامة ولایة طرابلس للتنظيم في شمال غرب لیبیا. وقد أكد هذا المسعى القائد القحطاني، الذي استدعى في سبتمبر 2015 مقاتلين أجانب للانضمام إلى التنظيم، قائلاً: “ندعوكم، إخواننا، للهجرة إلى الله، ودعم دينه. سوف يكون طريقكم محفوفاً بالصعوبات والعقبات الكبيرة. وإنما الأعمال بالنيات وتحقيق الأهداف لا يمكن إدراكه أبداً من خلال الدعة والراحة”.

وبالإضافة إلى ذلك، فكما فعلت في العراق وسوريا، بدأت الدولة الإسلامية في نشر رسائل فيديو لمقاتلين أجانب في ليبيا لتشجيع الآخرين على الهجرة إلى جبهات القتال. فعلى سبيل المثال، ظهر في الفيديو الأول الذي أصدرته داعش في ليبيا في 20 يناير 2015، دعا اثنان من قبيلة الطوارق أفراداً في أزواد (كما يعرف بها بعض السكان المحليين منطقة شمال مالي) إلى إعلان البيعة للبغدادي والهجرة إلى تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا. وقال أحد الرجلين، أبو عمر التوريجي: “أدعو إخواني الطوارق إلى الهجرة إلى الدولة الإسلامية، وأن يعطوا البيعة لأمير المؤمنين أبو بكر البغدادي”. واستمر هذا الاتجاه حتى عام 2016، عندما تدهورت قدرات تنظيم الدولة الإسلامية على يد قوات “البنيان المرصوص”.

المقاتلون التونسيون

وكان التونسيون، وهم أكبر مُكون (من جنسية واحدة) داخل مجموعة المقاتلين الأجانب، يتمتعون بوضع خاص نظرا لقدومهم من دولة مجاورة. وهذا يفسر جزئيا السبب وراء تأسيس الجهاديين التونسيين لقاعدتهم الخاصة في صبراتة، ليبيا، على بعد حوالي 65 ميلا شرق الحدود التونسية. وقد سعى المقاتلون الأجانب، وعلى وجه الخصوص التونسيون، إلى اجتذاب آخرين لتدريبهم على هجمات يقومون بها عند عودتهم إلى أوطانهم – وذلك بالإضافة إلى دعم مشروع الخلافة ومكافحة أعدائه داخل ليبيا. وفي رسالة فيديو بتاريخ 7 أبريل 2015، حث مجموعة من الأشخاص، من بينهم أبو يحيى التونسي، التونسيين على الانضمام إليهم في ليبيا، حتى يمكن تدريب الوافدين الجدد من أجل توسيع نطاق الدولة الإسلامية لتصل إلى تونس في نهاية الأمر. لذلك فمن غير المفاجئ أن نعرف أن 70 في المائة من جميع التونسيين الذين اعتُقلوا في قضايا متصلة بالجهاديين كانوا قد تدربوا في ليبيا، وذلك وفقا للسجلات القضائية التونسية، والمركز التونسي للبحوث والدراسات المتعلقة بالإرهاب.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن جميع حوادث الإرهاب وأعمال التمرد المرتبطة بداعش – التي وقعت في تونس – تم التخطيط لها في صبراتة. ووفقا لشهادة المقاتل الأجنبي التونسي محمد بن محسن الغربي (المعروف أيضا باسم أبو زيد) والذي اعتقلته قوات الردع الخاصة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، فقد كانت التدريبات تجري في حي الدباشي المجاور للمدينة. وشملت هذه الأنشطة أعضاء تنظيم الدولة في تونس: معاذ فزاني، نور الدين شوشان، مفتاح مانيتا، عادل جندري، شكري عبداوي. وقد كان لفزاني وشوشان على وجه الخصوص دور أساسي في التخطيط لهجومين رئيسيين: الأول كان استهداف متحف باردو الوطني بتونس في 15 مارس 2015، حيث قام مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية، ياسين العبيدي وجابر خشناوي، بقتل عشرين سائحاً أجنبياً وتونسيين اثنين وجرح 50 آخرين؛ والثاني كان إطلاق النار الجماعي على سوسة في 26 يونيو 2015، عندما قام مسلح وحيد، سيف الدين رزقي يعقوبي، ثمانية وثلاثين شخصا وجرح تسعة وثلاثين آخرين على الشواطئ قبالة فندق ريو إمبريال مرحبا.

محاولة السيطرة على بنقردان

وأخيرا، حاول تنظيم الدولة الإسلامية في أوائل مارس 2016 غزو بلدة بنقردان الحدودية التونسية، وكذلك بعض القرى الصغيرة في المنطقة المحيطة. وكان الغرض من ذلك هو توسيع نطاقها عبر الحدود حتى يمكن، كما هو الحال في العراق وسوريا، الزعم بأنه قد قام بإزالة مزيد من الحدود الدولية. ووفقا لصحفي تونسي، ناجي الزائري، فإن التخطيط لعملية الاستيلاء على هذه القرية كان قد بدأ في أواخر ديسمبر 2015.، ويعتقد إلى حد كبير أنه تم في منزل جاندري في صبراتة. وكان مقرراً أن يتم اختيار “منيتا” يكون زعيم الولاية، وعبدالقوي القاضي الشرعي، وجاندري مسؤول الخزانة.

وفي يوم الهجوم، بتاريخ 7 مارس، قامت الدولة الإسلامية بتنشيط خلاياها النائمة هناك، بينما عبرت خلايا أخرى الحدود من ليبيا وبدأت هجوم على الدرك والثكنات العسكرية في بنقردان. كما تولت مجموعة التحدث من خلال مكبرات الصوت لشرح الوضع للسكان المحليين. ووفقا لما قاله أحد الشهود، كان المتحدث عبر مكبر الصوت يقول: “لا تقلقوا. نحن الدولة الإسلامية. نحن هنا لحمايتك من هذه الحكومة غير المؤمنة “. وبالإضافة إلى ذلك، أقام مقاتلو داعش حاجزاً، حيث استجوبوا السائقين وفحصوا بطاقات الهوية الخاصة بهم، وقتلوا كان يعمل كموظف جمركي في إحدى هذه المحطات.

وعلى الرغم من التخطيط المضني لغزو القرية، فقد فشلت المحاولة بسبب مقاومة السكان المحليين. وأدى ذلك إلى إضفاء الشرعية على اكتساح الجيش التونسي للمنطقة، وقتل جميع عناصر تنظيم الدولة من القرية أو إبعادهم عنها. ويُذكر أن السكان كانوا يُلقون الأحجار على مقاتلي داعش. وقد صدمت هذه التطورات قيادة تنظيم الدولة الإسلامية في تونس، نظرا للسمعة السيئة التي خلفتها بنقردان للتنظيم. وفي هذا السياق قال أبو مصعب الزرقاوي، الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة في العراق، والذي توفي في عام 2006: “لو كانت بنقردان تقع بالقرب من الفلوجة، لكنا حررنا العراق الآن”. في نهاية الأمر، تسبب الفشل في الاستيلاء على القرية الحدودية في إهانة شبكة تنظيم الدولة الإسلامية في تونس، فضلا عن قيادتها في ليبيا. وبدلا من السعي إلى ضم “ولاية” جديدة للتنظيم، تقول التقارير إن مانيتا وشوشان قد قُتلا أثناء الهجوم، وتم القبض على عبد القوي وفزاني، ومازال جاندري هارباً.

المقاتلون الأفارقة – والتهديد القادم من السودان

وبالإضافة إلى التونسيين، انضم مقاتلون من جنسيات مختلفة إلى التمرد “الجهادي” في ليبيا بعد أن سعى تنظيم داعش إلى الحصول على مثل هذا الدعم في عام 2014. وبينما كان الجهاديون يأتون إلى ليبيا في السابق من الدول المجاورة، فقد أصبحوا الآن يأتون من شرق وغرب أفريقيا، ومناطق ليس لها تاريخ كبير في القتال خارج الحدود، اللهم إلا في أماكن قريبة لها مثل الصومال، ومالي، ونيجيريا. ومع ذلك، فإن تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا استطاع أن يجند بين صفوفه مقاتلين من بوروندي وتشاد وإريتريا وإثيوبيا وجامبيا وغانا وكينيا والنيجر والسنغال والسودان، وكذلك الصومال ومالي ونيجيريا. وأما بالنسبة للبلدان التي يأتون منها – ليس فقط بالنسبة لليبيا – فإن العواقب المحتملة واضحة:

*فقد تُسهم عودة المقاتلين الأجانب إلى بلادهم الأصلية في تعزيزعمليات التمرد التي تجتاح بعض هذه البلدان بالفعل، مع السعي إلى تجنيد أعضاء جدد وبناء شبكات محلية في بلدان ليس لها تاريخ طويل من النشاط الجهادي. ويمكننا مقارنة هذا الوضع مع أوضاع المسلمين الأوروبيين الذين انتقلوا إلى البوسنة في منتصف 1990؛ وهو ما ساعد على وضع اللبنة الأولى لجيل جديد من الجهاديين في بلدانهم الأصلية. واليوم، فإن التحدي المتمثل في كيفية التعامل مع هؤلاء العائدين من القتال في الخارج سواء في أفريقيا أو في أماكن أخرى قد لا يحظى بأولوية كبيرة في الوقت الحاضر. ولكن إذا استمر المسؤولون في تجاهل هذا الوضع بحيث يتيح ذلك مساحة كافية للنشاط الجهادي في بلادهم، فإن هناك تهديدات أكثر خطورة يمكن أن تظهر على المدى المتوسط ​​والبعيد.

وقد يكون هذا التهديد أكثر إلحاحا في السودان، الذي له تجربته الخاصة مع التيارات الجهادية القوية، في ظل الوجود الكبير للسودانيين داخل تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا؛ حيث كان بعض من التحق بتنظيم الدولة الإسلامية ينتمي في السابق إلى جماعة أنصار السنة السودانية “الراديكالية”. ويُذكر أن اثنين من أبناء زعيم جماعة أنصار السنة في السودان، أبو زيد محمد حمزة، كانا قد قٌتلا أثناء قتالهما مع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا. وكان نجل أبو زيد الثالث، عبد الرؤوف، قد حُكم عليه بالإعدام بالفعل بعد مشاركته في قتل جون جرانفيل، الذي كان يعمل لدى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وسائقه عبد الرحمن عباس، في طريق عودتهما من احتفال رأس السنة الميلادية في الخرطوم عام 2008. وقد انضم فيما بعد اثنان من مقاتلي عبد الرؤوف مع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بعد إنهاء محكوميتهما في السجن في أبريل 2016 وإطلاق سراحهما. وبالإضافة إلى ذلك، بايع زعيمان جهاديان سودانيان هما مَسعد السديرة وسليمان عثمان أبو نارو بايا، أبو بكر البغدادي بعد إعلان الخلافة، وعملا على تشجيع وتجنيد الأفراد للانضمام إلى تنظيم الدولة. وتظهر هذه الصورة العامة كيف يمكن أن يكون أنصار الدولة الإسلامية في السودان، وربما أنصار السنة، أدوات فاعلة لتجنيد أعضاء جدد لداعش.

وسعت الدولة الإسلامية أيضاً إلى استخدام نجاحاتها في التوظيف من أجل إبراز قوتها في أفريقيا، ولاسيما في نيجيريا والصومال. ففي نيجيريا، قام أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية التونسيون في ليبيا – حيث كانوا مسئولين عن حساب إعلامي تابع لإفريقيا ميديا – قاموا ​​بتسهيل بيعة زعيم جماعة بوكو حرام، أبو بكر الشيكاو، لأبوبكر البغدادي، ولو جزئيا، من خلال إنشاء منفذ إعلامي جهادي نيجيري تحت اسم “العروة الوثقى”. وقد ساعد هذا التطور على إضفاء الطابع الاحترافي على عمليات بوكو حرام. وبعد أن أصبحت بوكو حرام تُسمى “ولاية غرب إفريقيا”، أتاح ذلك إدرجها ضمن مكونات النظام الإعلامي للدولة الإسلامية. أما بالنسبة للصومال، فإن المقاتلين الصوماليين في ليبيا كانوا يسعون إلى اكتساب المهارات لاستخدامها في بونتلاند، وهي المنطقة التي يتمتع فيها تنظيم الدولة الإسلامية بقوة نسبية. ولكن هذه الجهود لم تكن كافية، حيث أن أعضاء حركة الشباب المجاهدين (معروفة كذلك باسم: حركة الشباب)، وهي الفرع الصومالي للقاعدة، قتل العديد ممن انشقوا للانضمام إلى داعش وكذلك العائدين من ليبيا. وربما يكون هذا الأمر هو السبب في أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يعتبر الصومال حتى الآن ولاية رسمية له.

النساء المقاتلات

وتمثل مشاركة المرأة في القتال مع داعش ظاهرة أخرى ملحوظة في التنظيم الجهادي، بما في ذلك القتال في ليبيا. ومع تحليل الأرقام الإجمالية لمشاركة المرأة في القتال مع داعش ، يمكننا أن نتساءل عما إذا كانت هذه السيدات قد انضمت إلى صفوف المقاتلين بإرادتها الخاصة أو ذهبن بصحبة أزواجهن. كما أن أعداد الأطفال المولودين لزوجات المقاتلين الأجانب يمكن أن تكمل المعلومات الناقصة بهذا الخصوص. ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد دليل على انضمام نساء أجانب للجهاد في ليبيا قبل ربيع 2014، في الوقت الذي تصاعدت فيه هذه الظاهرة فيما بعد مع تزايد قوة الدولة الإسلامية في درنة وفي وقت لاحق في سرت. وفي الوقت نفسه، انضم عدد أكبر من الأجنبيات إلى الجماعات الجهادية في سوريا منذ إعلان داعش الخلافة في منتصف 2014. لذلك، يبدو أن التعبئة في ليبيا كانت تشكل جزءا من اتجاه أوسع، قد تكون رسائل اعلان الخلافة قد ساهمت في تعزيزه، حيث تجاوز الأمر مجرد تجنيد الأفراد للقتال إلى السعي إلى إقامة مجتمع، ودولة لها مقومات البقاء.

أما بالنسبة للأرقام، فتُقدر الباحثة التونسية بدرة جلول أن هناك 1000 امرأة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، بما في ذلك الليبيات. ومن بين النساء التي أتت من الخارج، كان العدد الأكبر منهن، 300، يأتي من تونس. وفي الوقت نفسه، هناك نساء أخريات من أستراليا وتشاد وبلجيكا ومصر وإريتريا وفرنسا وكينيا والمغرب والنيجر والسنغال والصومال والسودان، سوريا، وبريطانيا.

ويسمح العدد الهائل من التونسيات اللاتي تم تجنيدهن في صفوف تنظيم الدولة بتحديد المناطق التي جاؤوا منها، استنادا إلى الاعتقالات التي تمت لإحباط وصولهن للتنظيم، أو الاعتقالات في سِرت خلال الحملة العسكرية على تنظيم الدولة الإسلامية هناك. ومما لا يدعو للدهشة أن المرأة التونسية، التي تعكس اتجاهاً أوسع لتعبئة المقاتلين التونسيين في الخارج، تأتي من مناطق تونسية متعددة، بما في ذلك المناطق الساحلية مثل أحياء بنزرت وسوسة وصفاقس وتونس، فضلا عن المناطق الداخلية بما فيها الكاف والقفصة ورمادا. وكان آخر هذه المناطق بؤرة للتجنيد الشامل لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، كما سيُناقش لاحقا بمزيد من التفصيل.

ومن أشهر هؤلاء المقاتلات الأجنبيات الشقيقتان غفران ورحمة الشيخاوي، وكلاهما كانتا في أواخر سن المراهقة عند انضمامهما إلى القتال مع داعش. وقد تم تجنيدهما أصلا من حي التضامن الفقير في تونس، إلى الوسط السلفي الجهادي من خلال الخيام الدعوية والمساجد التي تديرها أنصار الشريعة في سوسة، تونس. وبعد سنوات قليلة، في سبتمبر 2014، قررت الشقيقتان الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا. وتقوم غفران حاليا على رعاية طفل صغير لها، في حين تزوجت رحمة من زعيم تنظيم الدولة الإسلامية السابق نور الدين شوشان، والذي قُتل فيما بعد في غارة جوية أمريكية في فبراير عام 2016.

لعبت النساء على الجبهتين الليبية والسورية أدواراً متشابهة: بما في ذلك الزواج والقيام بالواجبات الزوجية، ودعم أزواجهن “المجاهدين”، وحمل وإنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال، وتربية الجيل القادم من “المجاهدين”. ويبدو أن هذه المهام وحدها لم تكن مقنعة كثيراً للبعض، وخصوصاً السيدات اللاتي قابلتهم امرأة كينية تدعى “فاطمة” وهي في طريقها إلى الشمال للانضمام إلى داعش في ليبيا. فعلى طول الطريق من نيروبي عبر كمبالا بأوغندا إلى جنوب السودان والسودان، قابلت “فاطمة” كينيات وإريتريات وصوماليات فُتنت بعضهن بوعود براقة بتحسن أوضاعهن الاقتصادية، وكان عند آخريات رغبة شديدة في في (الجهاد) من منطلق أنه فريضة دينية واجبة. وهناك تقارير أن بعض السيدات اللاتي جئن من الغرب، وتحديداً من بريطانيا – مثل أم آسيا، وأم مصعب، وغيرها – كانت تشارك في عمل دعاية غير رسمية لداعش لتجنيد عضوات جدد للذهاب إلى الأراضي التي تقع تحت سيطرة الدولة الإسلامية في ليبيا. وكانت أم مصعب قد وصلت إلى هناك في وقت مبكر منذ مايو 2015.

وقد حظيت النساء هناك بفرص مشاركة محدودة، مثل العمل في لواء “الخنساء”، الذي كان قد أُنشئ من قبل في سوريا وانتقل بعد ذلك إلى ليبيا عندما سافرت “أم ريان”، وهي امرأة تونسية في أواخر الأربعينات، من الرقة إلى سرت. وبعد أن ساعدت على إنشاء لواء “الخنساء” في الرقة في فبرایر 2014، وصلت أم ریان إلی لیبیا لتیسیر تدریب السيدات التي التحقت بداعش، لیس فقط من أجل المشاركة في دوريات الحسبة (الشرطة الدينية)، بل أيضاً من أجل الانضمام إلى صفوف المقاتلين، حسب زعم بعض التقارير. وتقول رحمة الشيخاوي، المقاتلة الأجنبية (القادمة من تونس) والمذكورة آنفا: عند إعداد المقاتلات للمشاركة في العمليات، يتم إخضاعهن لتدريبات على الأسلحة لمدة ثلاثة أسابيع، كما تخضع كثيرات منهن لتدريبات على تنفيذ عمليات انتحارية. ومع ذلك، لا يوجد دليل واحد حتى الآن على أن أي امرأة قد نفذت هجوما انتحاريا تحت مظلة تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا. بينما تبدو احتمالية تدريب السيدات في داعش على الأسلحة أكثر معقولية من التدريب على العمليات الانتحارية. ووفقا لمعلومات أدلت بها “أم عمر التونسي” (زينب)، وهي سيدة جاءت من صفاقس، فإنها قد تلقت تدريبات في منطقة شاطئية بعد وصولها مباشرة إلى ليبيا من خلال شبكة تعمل لحساب الدولة الإسلامية. وكجزء من التدريبات التي تلقتها، تعلمت زينب كيف تستخدم الكلاشينكوف، وأشارت إلى أن النساء المشتركات يمكنهن اختيار الأسلحة التي يتم تدريبهن عليها، بما في ذلك الـ “آر بي جي”، والبنادق الآلية والرشاشات. وبالإضافة إلى ذلك، أوضحت أم عمر أن داعش أعطت كل امرأة حزاماً ناسفاً. وبعد المصادقة على إمكانية مشاركة المرأة في القتال حسب عدد 5 أكتوبر 2017، من نشرة “النبأ” التي تصدرها داعش، فقد أصبح للمرأة الحق في الترقي كمقاتلات وسط محاولات داعش لإعادة إثبات وجودها عسكريا في البلاد.

الدولة الإسلامية بعد طردها من سرت

ومنذ أن تم طرد الدولة الإسلامية من سرت في ديسمبر 2016، لم تصدر الجماعة سوى القليل من المعلومات عن المقاتلين الأجانب في صفوفها؛ ويرجع ذلك جزئيا إلى مقتل الكثيرين منهم في تلك المعارك. ووفقا لمكتب النائب العام الليبي والبنيان المرصوص، فقد توفي مئات من أفراد تنظيم الدولة الإسلامية الأجانب أثناء عملية تحرير سرت، حيث دُفن المئات منهم تحت الأنقاض، وتم استعادة جثث البعض ووضعهم في ثلاجات في مصراتة في انتظار إتمام بعض الإجراءات لإعادتهم إلى أوطانهم. وقد تم نقل العديد من النساء من مقاتلي داعش وأبنائهن إلى بلدانهم الأصلية، وخاصة في حالة السودان، كما تجري التحضيرات لإتمام إجراءات مماثلة لمصر وتونس.

وعلى الرغم من الخسائر التي مُني بها تنظيم الدولة الإسلامية، فمما لا شك فيه أن المقاتلين الأجانب ما زالوا يشكلون عاملاً مهماً داخل التنظيم في إطار سعيهم إلى استئناف نشاطهم العسكري. وعلی سبیل المثال، ففي 4 أکتوبر 2017، قام اثنان من المقاتلین الأجانب ضمن صفوف داعش بشن هجمات في مدينة مصراتة، وهما  أبو البراء المھاجر وأبو جعفر التونسي. وكذلك قامت السلطات التونسية للمرة الأولی منذ منتصف أبریل 2017، باعتقال أحد أعضاء خلية مكونة من أربعة أشخاص كانوا يحاولون الذهاب القتال في ليبيا. وأيا كان مستوى التآكل الذي حدث في شبكة المقاتلين الأجانب التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، فإن استعراض الطرق التي مكنت الكثيرين من الوصول إلى ليبيا والانضمام إلى صفوف داعش للقتال له أهمية كبيرة، حيث أنه من الممكن أن يسلك الجهاديون في المستقبل نفس الطرق للوصول إلى أهدافهم.

الطرق التي يسلكها المقاتلون الأجانب للوصول إلى ليبيا

في إطار جمع المعلومات الخاصة بالمسارات التي يسلكها المقاتلون الأجانب من الجهاديين وصولاً إلى ليبيا، يعتمد الكاتب في هذا القسم على بيانات حصل عليها من مصادر إخبارية من البلاد التي جاء منها المقاتلون، فضلا عن المعلومات التي صدرت مؤخراً عن مكتب النائب العام الليبي. وتسمح هذه البيانات بإجراء تقييم شامل إلى حد ما لحركة المقاتلين الأجانب الذين وصلوا إلى ليبيا، بما في ذلك نقاط البداية، والتفاصيل المحلية وليس الصور الوطنية فقط، بالإضافة إلى نقاط الالتقاء ومراكز الاتصال.

وتشبه هذه الطرق المتجهة شمالاً من أقصى جنوب القارة الأفريقية، في جوانب عديدة منها،  تلك المسارات التي يتخذها المهاجرون المسافرون إلى أوروبا بحثا عن فرص اقتصادية أفضل. ومن جانبهم يستطيع الجهاديون – الذين سبق لهم استغلال هذه الطرق في الاتجار بالأسلحة والمخدرات – يستطيعون الآن استخدام معلوماتهم المتراكمة، في هذا الخصوص، من أجل تجنيد أفراد جدد إلى تنظيماتهم، سواء أكان ذلك من أجل الهجمات المحلية أو العمليات الخارجية التي قد يخططون للقيام بها في أوروبا، أو في جمع الأموال عن طريق الابتزاز أو الاختطاف من أجل الحصول على فدية. وطبقاً للتحقیقات القضائیة التي ركزت علی کینیا، فإن شبکات داعش التي التي تقوم بتجنيد أنصار لها في شرق أفریقیا قد اعتمدت علی عصابة تقوم بالاتجار بالبشر تسمى “شبکة ماجاف”. وبالإضافة إلى ذلك، یعتقد وزیر الداخلیة الإیطالي ماركو منیتي أن استخدام المقاتلين الأجانب لقوارب المهاجرين للتسلل إلی إیطالیا وأوروبا يشكل تهديدا كبيراً. ونتيجة لذلك، فإن حركة الأفراد من شرق وغرب أفريقيا يمكن أن تستدعي مزيدا من الاهتمام الأمني خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا ما وقع نتيجة لذلك هجوم في دولة مثل إيطاليا.

وكانت الدولة الإسلامية قد استغلت شبكات كانت تستخدمها أنصار الشريعة في كل من ليبيا وتونس. وبينما كان لدى أنصار الشريعة بتونس صلات عميقة بالاتجار بالأسلحة بين ليبيا وتونس، كانت لأنصار الشريعة في ليبيا علاقات بتهريب البشر من السودان إلى ليبيا . وقد قامت الجماعتان بهذه الأنشطة تحت غطاء الحملات الدعوية والأنشطة الاجتماعية التي كانت تقوم بها، حيث ساعدت أنصار الشريعة في تونس على إدارة تدفقات اللاجئين الليبيين بالقرب من معبر راس جدير الحدودي عام 2011. وقامت أنصار الشريعة بليبيا تقدم خدماتها بعد ذلك في فيضانات السودان عام 2013. ومع ذلك، فوفقا للمنظمة الدولية للشفافية ، فبعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية، كان المصريون المجندون لصالح داعش يقومون برشوة عسكريين مصريين من ذوي الرتب المنخفضة على الحدود المصرية-الليبية لتهريب الأفراد والأسلحة. وتدل هذه النتائج على الدور المحتمل للفساد في مثل هذا التحركات، ليس في مصر وحدها بل في بلدان أخرى كذلك.

ويُلقي التحقيق الأخير الذي أجراه مكتب النائب العام الليبي الضوء رسمياً على بعض التحركات التي يقوم بها المقاتلون الأجانب الذين انضموا إلى داعش. وهي تكشف على وجه الخصوص عن مسارات سلكها أفراد من الجزائر ومصر وإريتريا ومالي والنيجر والسنغال السودان وتونس للوصول إلى هناك.

وعلى الرغم من أن التحقيق قدم لنا صورة شاملة إلى حد كبير، إلا أن هذه الصورة لا تزال مجرد رؤية محدودة عن هذه التحركات، سواء من خلال حذف بعض الطرق أو تقييد نطاقها لتقتصر على المقاتلين الأجانب الذين سعوا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وبالتالي فإنه يغطي أيضا فترة زمنية محدودة، من 2014 إلى 2016، ولا يشمل المقاتلين الأجانب الذين يتطلعون للانضمام إلى مجموعات أخرى.

وتشمل بعض نقاط الارتكاز الرئيسية التي يسافر إليها الأفراد للوصول إلى ليبيا أجاديس (في النيجر) والجزائر العاصمة وباماكو وبنقردان والقاهرة والدار البيضاء والخرطوم ونواكشوط وتامنراست (في الجزائر) وتطاوين (في تونس) وتونس العاصمة. وفي ليبيا، شملت المحاور الرئيسية لنقل المقاتلين الأجانب من المناطق الحدودية إلى المناطق الثلاث الرئيسية الساخنة “للجهاديين” – بنغازي، ودرنة، وسرت – شملت أجدابيا والنوفلية وأوباري وبني وليد وغدامس وغات والكُفرة وسبها وصبراتة وتازيربو، وتيجي. وهذا الأمر لا يقتصر على العمل الذي تقوم به خارج ليبيا شبكة كبيرة لتقديم التسهيلات والدعم اللوجيستي لحساب الجماعات الجهادية، ولا سيما تنظيم الدولة الإسلامية، وإنما يشمل ذلك أيضا البنية التحتية الداخلية القوية من منازل وطرق آمنة تسهل انتقال الأفراد إلى المنظمات التي يرغبون في الانضمام إليها.

وبإلقاء نظرة أعمق على البيانات المتاحة، فإننا نحصل على المزيد من الرؤى حول الأوساط التي يتم فيها التجنيد لصالح هذه الجماعات. ففي بعض الحالات، على سبيل المثال، كان الجهاديون من ذوي الطموح يعيشون بشكل رئيسي في العواصم أو المدن الكبرى: حيث كانت الغالبية العظمى من السودانيين الذين انضموا إلى داعش يقيمون في الخرطوم، وجاء معظم السنغاليين من داكار، وانتقل الجهاديون الكينيون من نيروبي ومومباسا للالتحاق بالقتال في ليبيا. في هذه السياقات، فيمكننا القول أن ظاهرة المقاتلين الأجانب من الجهاديين هي في الأساس ظاهرة حضرية لم تنتشر بشكل كبير في المناطق الريفية. غير أنه مع عودة المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية قد تتغير تلك الفرضية من خلال الاتجاه إلى تجنيد أعضاء جدد في المناطق النائية.

وفي تونس، على النقيض من ذلك، تعد ظاهرة المقاتلين الأجانب ظاهرة وطنية إلى حد كبير، حيث هناك حوالي ثلاث وثلاثون مدينة وقرية على الأقل سافر منها أفراد للانضمام إلى جماعات جهادية في ليبيا أو حاولوا ذلك. وتتوافق هذه النتيجة مع النتائج التي توصل إليها الباحث حول مدى انتشار الجهادية التونسية محلياً، فضلا عن مجموعة من المواقع التي تمثل الجهاديين التونسيين في سوريا.

وبالنسبة لتعبئة المقاتلین الأجانب إلی لیبیا، فقد جاءت أکبر الأعداد من نقاط التوظیف التقلیدیة الأصلیة في بنقردان وبنزرت وتونس العاصمة. وفي هذه التعبئة على وجه الخصوص، خرج من قرية رمادة الصغيرة في الصحراء الجنوبية الشرقية لتونس أيضا عدد كبير من المقاتلين الأجانب الذين ذهبوا إلى ليبيا، حيث وصل عددهم إلى 90 فرداً من إجمالي عدد السكان البالغ 11000 نسمة.

وهناك عوامل معينة يمكن أن تساعد على تفسير هذا التضارب الظاهري، تشمل:

(1) التخلف الضخم ونقص العمالة؛

(2) محاولات قام بها الجيش التونسي في فبراير 2016 لإغلاق معبر ديهيبا – وازين الحدودي، مما أوقف حتى الرواتب الضعيفة من خلال تجارة السوق السوداء، ويعتقد أنه أدى إلى تفاقم الفساد؛

(3) “التدين الشديد” بين أولئك الذين انضموا إلى داعش، وفقا لمصادر محلية؛ مما يشير إلى الدور الذي تلعبه الأيديولوجية.

وتستحق كل من ريمادا وبنقردان – نظرا لتاريخ الأخيرة في التشدد – تستحق المتابعة، خصوصاً إذا حاول تنظيم داعش مرة أخرى السيطرة على أراضي تمتد على حدود ليبيا، والذي يمكن أن يؤدي إلى تعزيز سيطرة التنظيم في وقت قصير على منطقة حدودية كبيرة، كما حدث في العراق وسوريا في عام 2014.

وقد يُضاف إلى ذلك في المستقبل الطريق الذي كان المواطن الأمريكي آرون دانيلز يعتزم استخدامه من خلال الانتقال من كولومبوس، أوهايو، إلى ليبيا للانضمام إلى داعش – وليس بالضرورة من أجل حشد المقاتلين إلى ليبيا. وجدير بالذكر أنه تم القبض على دانيلز من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي قبل أن يتمكن من تنفيذ خططه، ولكن طريقه كان من الممكن أن ينقله من كولومبوس إلى هيوستن إلى ترينيداد وتوباجو (جمهورية ترينيداد وتوباجو دولة تقع في جنوب البحر الكاريبي، على بعد 11 كيلومتراً من فينزويلا) وبعد ذلك إلى تونس، ثم أخيرا إلى ليبيا. ومما يجدر ملاحظته هنا هو إضافة مواطني ترينيداد وتوباجو إلى قائمة الدول المصدرة للمقاتلين مع داعش في العراق وسوريا، رغم أنه لم يسبق تجنيد عناصر من بين سكان هذه الدولة الكاريبية للقتال مع داعش. ولذلك، سيزداد الأمر أهمية كبيرة إذا أسس العائدون إلى بلدانهم مركزا لتقديم التسهيلات والدعم اللوجيستي للمقاتلين الأجانب الذين يُحتمل تجنيدهم من أمريكا الشمالية والجنوبية لأي مسرح عمليات للجهاديين في الخارج . فعلى سبيل المثال، ومن منطلق استخدام تكتيك ذكي، يمكن أن يتم استخدام إجازة على الشاطئ كطريق لتسهيل سفر المقاتلين الذين يتم تجنيدهم إلى أي ساحة حرب مستقبلية مع تنظيم داعش أو تنظيم القاعدة.

العمليات الخارجية، العائدون، والمستقبل

وهناك خطر أخير على أفريقيا وأوروبا يتعلق بالمقاتلين الأجانب التابعين للدولة الإسلامية في ليبيا، وهو إمكانية تنفيذ العائدين أو الناشطين لعمليات خارجية من خلال “التحكم عن بعد”.

وبعد أن استعرضنا بالفعل نماذج للعمليات الخارجية التي خطط لها كل من أنصار الشريعة في تونس وأنصار الشريعة في ليبيا والدولة الإسلامية في تونس، بالإضافة إلى التحديات المستقبلية المرتبطة بالعدد الكبير من المقاتلين التونسيين في ليبيا، فسوف يبحث هذا التقرير المؤامرات والهجمات، والسيناريوهات المستقبلية المحتملة استناداً إلى أحداث مماثلة سابقة في أفريقيا وأوروبا.

في تقريره الاستراتيجي “ليبيا: البوابة الاستراتيجية للدولة الإسلامية”، الذي كتبه في يناير 2015 أحد الأعضاء غير المشهورين لتنظيم داعش في ليبيا، أبو إرحيم الليبي؛ والذي يشير فيه المؤلف إلى أن:

“ليبيا تطل على بحر وصحراء وجبال وعلى 6 دول هي مصر، السودان، تشاد، النيجر، الجزائر وتونس،”  مشيراً إلى أن ليبيا هي نقطة الارتكاز التي يمكن من خلالها التمدد إلى أفريقيا والمغرب الإسلامي. وبالإضافة إلى ذلك، فالمؤلف يلعب على المخاوف الأوروبية من الحركات الجهادية، حيث كتب يقول: “ليبيا ذات ساحل طويل ومطل على دول الجنوب الصليبي، والتي يمكن الوصول لها بسهولة عن طريق الزوارق البسيطة، … وإذا تم استغلال هذه الجزئية (الهجرة غير الشرعية) وتطويرها استراتيجياً بالشكل المطلوب، فسيقلب حال دويلات الجنوب الأوروبي للجحيم وإذا توفرت الإمكانيات، يمكن إقفال الخط الملاحي و استهداف سفن الصليبيين وناقلاتهم.” ورغم أن هذا التهديد الأخير لم يتم تنفيذه بعد، ولكن، كما أشرنا من قبل، فإن المسؤولين الإيطاليين يشعرون بالقلق الشديد إزاء تهريب تنظيم الدولة الإسلامية لمجموعات كبيرة من المهاجرين إلى إيطاليا وأوروبا بشكل عام، وهو هدف نجحت الدولة الإسلامية في تحقيقه بالفعل من خلال التسلل وسط اللاجئين السوريين المسافرين من تركيا إلى اليونان وما بعد ذلك.

وعلى الرغم من أن استغلال الدولة الإسلامية لتدفقات اللاجئين من أجل تنفيذ عمليات خارجية قد حظي باهتمام أكبر في السياق السوري عنه في السياق الليبي، إلا أنه يجب ألا ننسى أن العديد من الشخصيات الرئيسية التي شاركت في الهجمات الكبيرة التي وقعت في بلجيكا وفرنسا كانت قد تم تدريبها من قبل عن طريق كتيبة البتار الليبية التي كانت تعمل في سوريا. وقد عاد عدد كبير من أفراد هذه الكتيبة إلى ليبيا، مما يشير إلى احتمالية استغلال الخبرة المتطورة لهؤلاء المقاتلين في عمليات على أرض الواقع. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن أية حالات قام فيها تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بشن هجوم أو القيام بعملية تولى فيها التخطيط والتنفيذ بشكل كامل.

إلا أنه كانت هناك ادعاءات بأن معاذ فزاني، وهو أحد قادة تنظيم الدولة في تونس، والذي سبق ذكره في سياق الحديث عن صبراتة، كان على اتصال مع خلية تابعة للتنظيم في ميلانو. ولم يرد أي شيء آخر من قبيل هذه التلميحات بعد ذلك؛ وربما يرجع ذلك جزئيا إلى أن الأمن التونسي اعتقل فزاني في محاولة داعش الفاشلة للاستيلاء على بنقردن في مارس 2016.

وكان الأكثر وضوحاً في هذا السياق هو ارتباطات تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا مع الهجوم على سوق برلين أثناء أعياد الميلاد في ديسمبر 2016، وكذلك في تفجير ساحة مانشستر في مايو 2016. فبالنسبة للأول، استنادا إلى المعلومات المتاحة، كان أنيس عامري، مرتكب الجريمة الذي يحمل الجنسية التونسية، بلإضافة إلى ارتباطاته مع المتطرفين في ألمانيا ، متورطا في ما يمكن وصفه بأنه هجوم عن بعد، بمعنى أنه كان يتلقى التوجيهات عبر رسائل مشفرة من أعضاء في داعش متواجدين في ليبيا. ووفقا لمكتب التحقيقات الجنائية في وستفاليا، شمال الراين، كان عامري على اتصال مع اثنين من التونسيين المنتمين إلى تنظيم الدولة في ليبيا من خلال تطبيق رسائل مشفرة على تيلجرام منذ فبراير 2016. وبعد شهر من الهجوم، شن الجيش الأمريكي غارة جوية على قاعدة ومعسكر تدريب لداعش على بعد ثمانية وعشرين ميلا جنوب غرب سرت، مدعيا أنها كانت ردا على التهديدات الأمنية الصادرة عن التنظيم ضد الحلفاء الأوروبيين. ومع ذلك، فإن المسؤولين الأميركيين والمخابرات الليبية يشيرون أيضا إلى أن أفراد تنظيم الدولة الإسلامية الذين كانوا على اتصال مع عامري، كانوا في هذا الموقع؛ وهذا ما قد يُفسر سبب اختيار القوات الأمريكية للهدف الانتقامي.

وشملت قضية ساحة مانشستر فترة حمل ومخاض طويلة. وكان السياق الأوسع هنا هو عودة المغتربين الليبيين وأعضاء الجماعة الليبية المقاتلة السابقين من بريطانيا للمشاركة في المعركة ضد نظام القذافي. وكان أحد هؤلاء العائدين هو إمام مسجد ديدسبري، الذي كان يرتاده سلمان عابدي، مرتكب هجوم ساحة مانشستر. وعاد والد عابدي أيضاً، رمضان، وهو عضو سابق في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى ليبيا للاشتراك في الثورة. وبينما كان يزور والده، شارك سلمان، البالغ من العمر ستة عشر عاما، في القتال وتعرف على الوسط الجهادي. وعلى غرار العديد من زملائه، فعلى الرغم من ذلك، كان سلمان يرفض الجهادية على غرار جيل والده مفضلاً عليها الجهادية بمفهوم تنظيم داعش.

وبحسب هاشم، شقيق سلمان، الذي اعتقلته قوات الردع الخاصة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها بعد الهجوم على أساس تورطه في التخطيط له، فقد أصبح الشقيقان متعاطفين مع تنظيم الدولة الإسلامية من خلال شبكة أصدقائهم الذين انضم عدد منهم إلى التنظيم في سوريا، وكذلك من خلال الدعاية الجهادية عبر الإنترنت. وكان سلمان قد التقى بينما كان في ليبيا في السنة التي سبقت الهجوم مع عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية كانوا سابقا جزءا من كتيبة البتار الليبية في طرابلس وصبراتة، وذلك حسب تقديرات مسؤولين في المخابرات. وعلى الرغم من عدم وجود تأكيدات مباشرة على أنه خضع لتدريبات أثناء وجوده في ليبيا، يشير رافايللو بانتوتشي إلى أن تصميمه على ترتيب هذا التفجير فور عودته إلى مانشستر يرجح أنه تلقي بعض التدريبات أثناء رحلته الأخيرة إلى ليبيا. وبناء على ذلك، واستنادا إلى المعلومات المتاحة حاليا، يمكننا وصف هذا الهجوم على أفضل تقدير بأنه كان نتيجة لتلقي تدريبات من طاقم تدريب متوسط المستوى.

وكما كان الأوروبيون أول من شاركوا على نطاق واسع مع الحركة الجهادية العابرة للحدود خلال التسعينات في البوسنة، فإن تعبئة المقاتلين إلى ليبيا تمثل أول حالة من هذا القبيل بالنسبة للأفارقة جنوب الصحراء الكبرى. ومن الجدير بالذكر هنا، أنه بينما يشكل المسلمون أقلية في الدول الأوروبية، إلا أنهم يشكلون أغلبية في العديد من الدول التي تدفق منها الجهاديون إلى ليبيا، مما يقلل احتمالية إرجاع سبب تنامي الحركات المتطرفة إلى المظالم التي يمكن أن تتعرض لها الأقليات. ومع ذلك، فإنه في البلدان التي توجد فيها أقلية مسلمة، مثل غانا وكينيا، وبدرجة أقل، إريتريا، يمكن أن تكون مثل هذه الحركات الجهادية  أكثر انتعاشاً وبالتالي تستحق منا مزيدا من الاهتمام. وفي إريتريا، على وجه الخصوص، قد يؤدي الحكم السلطوي هناك إلى تضييق المساحة العامة للدعوة وتجنيد جدد إلى صفوف الجهاديين، في حين أن الطابع الديمقراطي لغانا وكينيا يمكن أن يجعل هذه الجهود (للحهاديين) أكبر أثراً. وعلاوة على ذلك، فليس لدى غانا تاريخ مع النشاط الجهادي، في حين واجهت كينيا مشاكل في تجنيد الكينيين والهجمات التي شنتها حركة الشباب المتواجدة في الصومال.

وفي حالات محدودة، تم القبض على المشتبه بهم من الجهاديين أو قتلوا في أماكن ليس لها تقريبا أي تاريخ مع الميليشيات المسلحة. فعلى سبيل المثال، في منتصف يناير 2016، ألقي القبض على اثنين من الأفراد، كانت لهم ارتباطات بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، من غينيا – بيساو، بلإضافة إلى رجل دين رفيع المستوى من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من موريتانيا، في بوكيه، وهي مدينة تقع في الجزء الغربي من غينيا. وعلى الجانب الآخر من القارة ، في رواندا، في أواخر يناير 2016، أطلقت الشرطة النار على محمد موجيمانجانجو، نائب الإمام في مسجد كيميرونكو في كيجالي، الذي كان يعمل في تجنيد أنصار جدد لداعش وضمهم للحرب في العراق وسوريا، في حين ألقى القبض أيضا على بعض الأفراد الذين جندهم موجيمانجانجو الذين كانوا يخططون للانضمام إلى داعش في ليبيا. ولا ينبغي أن نقلل من شأن هذه الأحداث، بل يجب أن نستفيد منها في توضيح المخاطر المستقبلية التي يمكن أن تتعرض لها البلدان التي ليس لها تاريخ من النشاط الجهادي. حيث أنها تمثل أيضاً مواقع محتملة وأهداف جديدة من أجل توسيع منطقة العمليات الجهادية، كما فعل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في السنوات القليلة الماضية. وكذلك يستطيع التنظيم الذي يقوده عدنان أبو وليد الصحراوي في مالي والنيجر، ويتبع الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى بشكل غير معلن، أن يستفيد من تلك الأوضاع.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدولة الإسلامية دائماً ما تبدع في البحث عن سبل لاستغلال أوجه الضعف المختلفة. فعلى سبيل المثال، فإن التحذيرات التي صدرت مؤخراً من مسؤولين في كل من المغرب ونيجيريا تعكس القلق من أن داعش يمكن أن يستغل المهاجرين العالقين في ليبيا قبل إنهاء إجراءات عودتهم إلى أوطانهم. وقد أرجأ ذلك عودة بعض المغاربة، نظرا لأن الأجهزة الأمنية في المغرب، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، تحاول تصنيف هؤلاء الأفراد وتحديد ما إذا كان ينبغي اعتبارهم تهديدا على البلاد. وكذلك أبلغ الدكتور أونا إخومو، رئيس رابطة الأمن الصناعي وإجراءات السلامة في نيجيريا، الحكومة النيجيرية بأن “بعض هؤلاء الناس قد يكونوا قد أعطوا البيعة [الولاء] لداعش؛ ولذلك يتعين التفريق بينهم وبين أولئك الذين هاجروا لأسباب اقتصادية”.

نموذج السنغال

تُعتبر السنغال من بلدان غرب أفريقيا التي يمكن أن تتأثر بشدة بعودة المقاتلين الأجانب أو بالطموحات الإقليمية لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. فمنذ أواخر عام 2015، شهدت السنغال مزيدا من حالات الاعتقال بسبب الارتباط إما بـ “بوكو حرام” أو بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أو بتنظيم الدولة الإسلامية. وعلى سبيل المثال، ففي نوفمبر 2015، أُلقي القبض على عدد من الأفراد بتهمة المساعدة في تمويل بوكو حرام. وفي وقت لاحق، في فبراير 2016، اعتقلت السنغال أربعة زعماء دينيين يعتقد أنهم على صلة بـ “بوكو حرام”. وفي الآونة الأخيرة، أُلقي القبض على نيجيري ينتمي إلى بوكو حرام كان قد سافر من موريتانيا، وذلك أثناء محاولته تجنيد أفراد للانضمام إلى الجماعة الجهادية في أحد ضواحي داكار. وفي رد فعل لهذه التطورات في الداخل، فضلا عن البلدان المجاورة، اتخذت السنغال عدداً من الإجراءات الوقائية. فعلی سبیل المثال، بعد أن قصفت القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي فندق سبلنديد في بورکینا فاسو في 15 ینایر 2016، اعتقلت الحکومة السنغالیة حوالي 500 شخص، واستجوبت حوالي 900 آخرين في سعيھا لوقف أي ھجوم من ھذا القبيل في داكار. وبالإضافة إلى ذلك، ففي أواخر فبراير 2017 اعتقلت السنغال اثنين من الأشخاص يحملان جنسية “مالي” للاشتباه في تورطهم في هجوم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على فندق جراند بسام في كوت ديفوار في 13 مارس 2016.

وفيما يتعلق بالدولة الإسلامية، اعتقلت السنغال اثنين من المغاربة، واثنين من الجزائريين، وأحد الطوارق للاشتباه بارتباطهم بالتنظيم وذلك في منتصف أبريل 2017 وأوائل أكتوبر 2017 وأواخر أكتوبر 2017 على التوالي. وكان المغاربة قد وصلوا مؤخرا من اسطنبول والداعشي الذي ينتمي إلى الطوارق قد عاد لتوه من سوريا، مما يشير إلى المشقة التي تكبدوها في طريق العودة أملاً في بناء شبكات محلية ومراكز لتقديم الدعم اللوجيستي. وكرد فعل على ذلك، اتخذت السنغال عدة خطوات لتحسين أمنها الداخلي وأمن الحدود، بما في ذلك تعزيز الدوريات على طول حدودها مع مالي وموريتانيا، وإنشاء مراكز حدودية جديدة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وحتى الآن، تساعد هذه التدابير الاستباقية في إحباط تكوين شبكات جديدة للتنظيمات الجهادية، ومن ثم الهجمات المترتبة عليها، إلا أن الوقت سيكون في نهاية المطاف هو الحَكم  على مدى استمراريتها. وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ضوء التقارير الصحفية السنغالية التي تفيد بأن جماعة أنصار الدين التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي كانت قد خططت لشن هجمات في السنغال – فضلا عن جامبيا – في عيد استقلالها، في 4 أبريل 2017، إلا أن جميع هذه الخطط فشلت. وقد يكون هناك أيضاً احتمال في أن تكون السنغال مستهدفة في المستقبل من قبل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، خصوصاً بعد أن أعلنت البلاد الأسبوع الماضي أنها ستقوم بإمداد مالي بـ 200 جندي لمساعدتها في مواجهة المسلحين من مدينة موبتي في وسط مالي.

وختاماً

في مناقشة التعبئة التي قامت به التنظيمات الجهادية لحشد المقاتلين الأجانب إلى ليبيا، غطت هذه الدراسة مجموعة من الموضوعات، شملت إحصاءات عن الذين انضموا أو حاولوا الانضمام إلى الجماعات الجهادية منذ بدء الثورة في البلاد في عام 2011، وتتبع موسع لتاريخ نشاط المقاتلين الأجانب في ليبيا منذ عام 2011، والشبكات والطرق التي تركزت حول الحركة الجهادية في ليبيا، وأخيرا، العمليات الخارجية والمسارات المستقبلية المحتملة للمقاتلين الأجانب العائدين إلى بلادهم. كما بحثت الدراسة أيضاً عن كثب الأحداث الجهادية منذ أن أعلنت الدولة الإسلامية عن تواجدها في ليبيا في ربيع 2014. وتظهر كل هذه المادة التعقيدات الكبيرة والتداخلات الدينامية التي تطورت منذ بداية الثورة الليبية. وفي الواقع، فإن النقطة الأهم هي تحليل إمكانية النمو المستقبلي للنشاط الجهادي داخل أفريقيا، سواء استغلها تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات التي يقف وراءها أو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات التي يدعمها، أو جماعة بوكو حرام على أقل تقدير.

وتدل هذه التهديدات على أهمية التعاون بشكل أكبر بين دول أوروبا وأفريقيا. كما أن تبادل المعلومات الاستخباراتية فيما بين الدول الأفريقية سيساعد بشكل أفضل في تتبع حركة الأفراد في جميع أنحاء المناطق الشمالية والغربية والشرقية من القارة. وتُعتبر مجموعة الساحل الـ 5 لمكافحة الإرهاب هي إحدى هذه الوسائل للتعاون بين بلدان أفريقيا، التي تأسست في ديسمبر 2014 وتشمل بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، على الرغم من أنها لم تركز حتى الآن إلا على منطقة محدودة. وفي أكتوبر 2017، تعهدت واشنطن بتقديم 60 مليون دولار كمساعدات أمنية لدعم مجموعة الساحل الـ 5 التي تدعمها بشكل أساسي الآن فرنسا والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في المنطقة. وقد ضاعفت هذه المشاركة من الولايات المتحدة في مضاعفة القوة للمجموعة، وكذلك في مضاعفة الإجراءات التي تحدث بالفعل على أرض الواقع. ومن ناحية أخرى، سيكون من الحكمة أن تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بتيسير تطوير هيئة تنسيقية شاملة تهدف إلى المساعدة على ربط المناطق الرئيسية الثلاث في أفريقيا (الشمالية والغربية والشرقية)، التي تتعامل مع مشاكل مماثلة، بشكل أفضل.

وبشكل منفصل، وكما تم توضيحه في وقت سابق، فلا تزال هناك تساؤلات حول مدى قوة قدرة الدولة الإسلامية في ليبيا على تنفيذ عمليات خارجية، والتي لم تصل حتى الآن إلى تلك القدرة التي تتمتع بها نظيرتها في سوريا.

ومع ذلك، فإن إمكانية “التوجيه عن بعد” واستغلال تدفقات المهاجرين إلى أوروبا تجعل من العمليات الخارجية الموجهة من ليبيا تهديدا لا ينبغي تجاهله. وبالإضافة إلى ذلك، يشعر المسؤولون الأوروبيون بالقلق من إمكانية تعزيز صفوف داعش في ليبيا من خلال المقاتلين الأجانب القادمين من العراق وسوريا. وطبقا لوزير الداخلية الاستوني اندريه انفلت الذي تتولى بلاده رئاسة الاتحاد الاوروبي لمدة ستة اشهر من يوليو الى ديسمبر 2017، فإن “المقاتلين الاجانب يخشون العودة الى ديارهم لانهم قد يكونوا ارتكبوا جرائم حرب او جرائم ارهابية”. إنهم معروفون … وهكذا بدأوا يبحثون عن أماكن أخرى للقتال وقد وجدوا ضالتهم في شمال أفريقيا … وحتى الآن، فإن ليبيا، باعتبارها أكثر البلدان من حيث عدم الاستقرار في تلك المنطقة، هي التي تشكل أكبر مصدر للقلق بالنسبة لأوروبا “. ولذلك، فإنه طبقاً لأنفيلت يحاول خبراء الأمن الأوروبيون إقامة علاقات أكثر عمقاً مع ليبيا والنيجر وتونس والجزائر والمغرب للتخفيف من التدفق المحتمل للمقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا إلى وجهات جديدة بعد سقوط عاصمتي الدولة الإسلامية التوأمين في الموصل والرقة.

ويشعر القادة الإقليميون بالقلق أيضا إزاء تداعيات فقدان الدولة الإسلامية للأراضي في العراق وسوريا. فعلى سبيل المثال، حذر وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل من أن “المنطقة مهددة … بعودة المقاتلين الأجانب”. وكذلك أعرب عبد الفتاح السيسي في مصر عن قلقه من أن المقاتلين الأجانب الخارجين من مصرقد يتمكنون من العودة بسهولة إلى مصر عن طريق استغلال الحدود التي يسهل اختراقها مع ليبيا. ويمكن لهذه التطورات أن تعزز بدورها عمليات داعش في وادي النيل أو الصحراء الغربية، وهي مخاوف مستمدة جزئيا من اعتقاد الحكومة المصرية بأن هجمات أبريل 2017 على الطائفة المسيحية القبطية في المنيا، في صعيد مصر، جرى التخطيط لها في ليبيا. ومن شأن هؤلاء العائدين أيضا أن يدعموا عمليات لواء “المرابطون” الجهادي المتمركز في مدينة درنة بليبيا والذي يدين بالولاء لتنظيم القاعدة، كما حدث مؤخرا في الواحات البحرية.

ومهما كان وضع الحدود الليبية المصرية، فلا يمكن مقارنته أبدا مع الوضع في تركيا قبل ربيع عام 2015، عندما كانت الحدود التركية مفتوحة إلى حد ما لتعبئة المقاتلين الأجانب في سوريا. وفي هذا السياق، تقول كاثرين باور، “إن التحديات الجغرافية والديموغرافية تجعل من غير المرجح أن يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا على أراضي ويحتفظ بها دون دعم مالي من المركز. ومع ذلك، تبدو ليبيا ملاءمة يشكل أكبر لأن تكون مركزاً إقليمياً للتنظيم”. وبالتالي، فإن تقليص الموارد الأساسية لداعش المرتبط بخسارة التنظيم للأراضي في العراق وسوريا، يزيد من تقييد أعماله في ليبيا حيث لم يعد يسيطر على كثير من الأراضي التي كانت تحت يده وبالتالي خسارة مصادر إيرادات الضرائب التي كان يحصل عليها.

وعلى الرغم من أن تعبئة المقاتلين الأجانب إلى ليبيا هي الآن في أدنى مستوى لها منذ بدء الثورة الليبية في عام 2011، إلا إن العواقب الناتجة عن السنوات القليلة الماضية سيظل أثرها بلا شك لفترات طويلة. وبالتالي، فإن توصلنا إلى فهم أفضل لظاهرة المقاتلين الأجانب، وكيفية تطورها، ومساراتها المحتملة يمكن أن يساعد في تخفيف المشاكل المرتبطة بذلك في أفريقيا وأوروبا خلال السنوات المقبلة.

المصدر
معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق