fbpx
دراسات

المُخيّلة الجيوبوليتيكية الروسية والفضاء الأوراسي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

مقدمة:

في مقال نشر بمجلةالشؤون الخارجية تحت عنوان “عودة الجيوبوليتيك: انتقام القوى التعديلية” (2014)1 طرح الباحث والتر ميد Walter R. Mead فكرتين رئيسيتين تتمثل الأولى، في تفنيد أطروحة فوكوياما بنهاية جميع الصراعات الأيديولوجية والجيوبوليتيكية الكبرى، وإقرار الإنسانية جمعاء بالديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق بإعادة تأكيده للمتلازمة الواقعية، حيث كلما كانت نوايا القطب الأحادي عدوانية كلما ازدادت كثافة موازنة الدول المصنّفة في المركز الثاني؛ أما الثانية، فتتمثل في توصيفه لكلا من روسيا والصين بالدول التعديلية بناءً على المراجعات النقدية التي أحدثتها الدولتان للتسويات السياسية للحرب الباردة، بما دشّن مرحلة جديدة من العودة إلى حتمية الصراع التقليدي للسيطرة على ثلاثية الأرض والممرات البحرية والكتل القارية، أي العودة القوية للتعريف التقليدي للجيوبوليتيك كعلم الحتمية المكانية لجميع العمليات السياسية، والمستند على الأساسات الواسعة للجغرافيا حسب كارل هوشوفرK. Haushofer ((1869-1946.2 وبالتالي أصبح الجيوبوليتيك أحد أهم العلوم المساهمة في رسم معالم السياسات والممارسات الدولاتية الداخلية والخارجية.

 

أولاً: الفضاء الأوراسي ومصادر الصراعات الجديدة:

بالحديث عن روسيا، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يعن فقط صدمة للهوية الثقافية، السياسية والاقتصادية الروسية والنجاح الإيديولوجي-السياسي الغربي (الأوروبي-الأمريكي) في ردع واحتواء النفوذ السوفييتي، ولكن التحولات الإقليمية السياسية والأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ظهرت في منطقة الجوار الروسي بما أصبح يعرف “بأوراسيا” المنطقة الممتدة من شرق الصين إلى حدود أوروبا والشرق الأوسط3، أحدثت فجوة أمنية كبيرة ساهمت في رسم معالمها مجموعة من الصراعات الجديدة والتي يمكن رصدها كالتالي:

1ـ النزاعات العسكرية الدولية والمحلية ذات الطابع الاثني خاصة في القوقاز ومولدوفا وطاجكيستان والشيشان.

2ـ الصراعات الاقتصادية على بحر قزوين والتنافس على موارد الطاقة خاصة في كل من: جورجيا وقيرغيزستان، وطاجيكستان.

3ـ فشل الترتيبات والأنظمة السياسية في الدول السوفييتية السابقة وعدم قدرتها على ضمان حماية حقوق مواطنيها؛ حيث القمع ضد المعارضة الليبرالية والدينية في بلدان مثل أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان، وتزايد تهديدات عدم الاستقرار والإرهاب في آسيا الوسطى والقوقاز.

4ـ عدم استقرار الحدود مع الدول المجاورة للحدود السوفييتية السابقة بسبب قضايا مثل الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات خصوصا على الحدود الصينية-الروسية، والطاجيكية-الأفغانية.4

5ـ الطبيعة غير الدفاعية للجغرافية الروسية والحاجة الروسية الدائمة لتأمين حدودها، والنزعة الإمبراطورية كعقيدة جيوبوليتيكية روسية ونهاية الحرب الباردة التي لم تفرز نظاما أمنيا أوروبيا جديدا لملء الفراغ كل هذا أدى إلى ظهور التناقض بين حق الشعوب في اختيار المنظمات التي تضمن أمنها وحق الشعوب في مقاومة توسّع الأحلاف العسكرية خاصة إذا ما تم النظر إليها كتهديد للأمن القومي، فالنتيجة الحتمية لذلك هي تأصيل الخلاف والتوتر الدائم بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.

هذه الصراعات الجديدة طرحت وبصورة جوهرية مجموعة من الإشكالات الحرجة لروسيا: إذا كانت روسيا غير قادرة على أداء دورها التقليدي كموازن إقليمي أي كفارض للاستقرار الإقليمي فمن سيلعب ذلك الدور الرئيسي؟ كيف استجاب السياسيون والأكاديميون الروس للظهور المفاجئ لهذه التحديات في الوقت الذي تعاني فيه روسيا من موارد محدودة؟ كيف يمكن ترسيم الحدود الفعلية لروسيا؟ هل بإمكان روسيا أن تعيد بناء هويتها الجيوسياسية التقليدية؟

 

ثانياً: الجيوبولتيك والأوراسيانية:

إن الوجود الدائم والحرج لهذه الإشكالات والتي عكست مسألة كيفية إدارة الفضاء الأوراسي على مدى الفترة اللاحقة لانهيار الاتحاد السوفييتي حفّز صعود الفكر والمخيّلة الجيوبوليتيكية في روسيا والمتفقة في مجملها على أن الصراعات المذكورة أعلاه المنتجة لفضاء غير منظّم تنبع من مصدر واحد وهو عدم وجود موازن إقليمي.

لكن الصور المكانية المقدّمة للكيان ما بعد السوفييتي وللنظام الأوراسي من طرف مختلف المدارس الجيوبوليتيكية الروسية دفع بالطرح الفرضي لهذه الورقة البحثية وهي أن “الجغرافيا هي مجرد منتج لمخيلتنا وأن الفضاء الأوراسي مبني اجتماعيا”. فمن خلال إعادة تعريف الجيوبوليتيك بتقديمه “كخطاب ذو طموحات تأسيسية مميزة للعالم حيث تستخدم الاستعارات والصور المرئية في عملية صنع قصص وبناء صور للسياسة الدولية”.5

وقد أكّد الجيوبوليتيك النقدي كإطار نظري لهذه الورقة البحثية على الأهمية الرئيسة للإبداع السياسي والفكري في تشكيل بناءات مكانية معينة، فمفاهيم مثل: الهوية، الأمن والقرب الجغرافي والمسؤولية هي ليست محايدة لكنها غالبا ما تعكس تحيز المستخدمين لها في تعبيراتهم الذاتية. وبالتالي، ضرورة تجاوز دراسة ممارسات الدولة والتحرك نحو كيفية ترسيم الأساطير الثقافية الكامنة من وراء هاته الممارسات كأسطورة التفرد الوطني؛ فالتفكير الجيوبوليتيكي الجديد في روسيا ارتبط بالأوراسيانية Eurasianism المؤكدة على التفرّد والتميّز الثقافي عن العالمين الأوروبي والأسيوي، فهي كحركة فكرية وسياسية ظهرت خلال عام 1930 وعكست الحاجة المتوخاة لروسيا للتركيز على استقلالها النسبي الثقافي، الجغرافي والسياسي؛ وهو اهتمام باستقرار الحدود وإقامة محيط أوراسي متنوع عرقيا. كما يعكس الموقف غير المتعاون مع الغرب الحاضر دائما في قلب الفلسفة السياسية الأوراسية.

 

ثالثاً: الاتجاهات الفكرية وفلسفة الأوراسية:

الاتجاه الأول: المدرسة الوطنية ـ الديمقراطية: التكيّف مع الهيمنة الغربية

يمكن رصد تيارين رئيسين للمدرسة الوطنية-الديمقراطية:

التيار الأول:يبرز في كتاب”نهاية أوراسيا ـ روسيا على الحدود بين الجيوبوليتيك والعولمة” لكاتبه ديمتري ترينين D. Trinin 6، ذو التوجه الليبرالي، فهذا الكتاب يمثّل محاولة ليبرالية للرد على المشاريع الروسية الجيوبوليتيكية المحافظة؛ الحجة الرئيسية لديمتري هي أنه وبالنظر للقوة المتنامية للصين في الجناح الشرقي لروسيا وعدم الاستقرار السياسي الذي أدى إلى هيمنة الإسلام السياسي في الجنوب، فإن مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي يكمن مع الغرب بل ومن الضروري أن تتكامل مع الاتحاد الأوروبي وأن تبني تحالفا مع الولايات المتحدة.

وانطلق الباحث للدفاع عن فكرته من إعادة مراجعة مفهومي روسيا وأوراسيا ليجادل بأن روسيا هي مفهوم جغرافي شكّلت حدودها الخارجية هويتها الثقافية والدولية، وتنظيمها الإقليمي المحلي، وارتبط ارتباطاً وثيقًا بطبيعة النظام السياسي. أما أوراسيا فلا يقصد بها كامل القارة المتعارف عليها، ولكن الدولة الروسية التقليدية (روسيا القيصرية، الإمبراطورية، الاتحاد السوفييتي)، فهذه التوصيفات لم تعد مرتبطة بروسيا الاتحادية اليوم، والتي على الرغم من تضمينها للعناصر الرئيسة للدولة الروسية التقليدية، روسيا الكبرى (سيبيريا والشرق الأقصى وشمال القوقاز)، إلا أنها لم تعد مركز الثقل في المنطقة.7

وأكّد ديميتري أنه وبسبب التأثيرات واسعة الانتشار للعولمة ذات البداية الغربية وجدت روسيا نفسها على الحدود بين عالمين –التفكير الجيوبوليتيكيالمركّز على مسألة الحدود والتفكير العولمي الملغي للحدود-فمعظم الدول الصناعية، حسب رأيه، لم تركز على مسألة التوسّع الإقليمي ولكن على تحقيق المكانة الاقتصادية والتطور التكنولوجي والقدرة على الابتكار والتواصل الثقافي الواسع، وهذا ما نجحت الدول الأوروبية في تحقيقه من خلال تأسيسها للاتحاد الأوروبي ذي المضامين الاقتصادية وفي أمريكا الشمالية أيضا تم إنشاء منطقة تجارة حرة 19938.

فمستقبل روسيا إذا مرهون بأدائها الاقتصادي وبتقديمها للسياسة الخارجية كمورد للتطور الداخلي بدلا من الادعاء التاريخي-البلشفي باستخدام روسيا كقاعدة للموارد.9 إنّ روسيا، حسب ديميتري، بالأساس أوروبية وليست أوراسية بل ويجب عليها أن تصبح نموذجاً يحتذي به للأمة الأوروبية في العالم الأسيوي والسوفييتي السابق، بدلا من محاولة دمج أوراسيا ضمن الحدود الروسية، فالغرب قد حصل مسبقا على وجود قوي في أوراسيا ويبقى البديل لروسيا هو التراجع التدريجي من المنطقة السوفييتية السابقة.10

لكن يستحيل على القادة الروس، حسب الباحث، التوصل إلى تفاهمات إقليمية مع الفارق الكبير والمتزايد بين الحجم الجغرافي للدولة وثقلها الاقتصادي والتجاري الحالي الضئيل وانخفاض وضعها الاجتماعي بين دول العالم11، والمشاكل والحروب الإقليمية التي في مجملها حول مسألة ترسيم الحدود للكيانات ما بعد السوفييتية؛ وبالتالي يبقى الخيار العقلاني هو التركيز الكلي على الهوية الأوروبية لروسيا وبهندسة تكاملها التدريجي مع أوروبا الكبرى لتسهيل عملية تحديث البلاد وتكيّفها وعالم القرن الواحد والعشرين. بل وعلى العكس من ذلك فإن الفشل في الاندماج من شأنه أن يطرح التهميش للدور الروسي وربما التفكك.12

هذا الطرح يعتبر في مجمله امتداد للدفاع عن النداءات المتكررة لميخائيل غورباتشوف “بيت أوروبي مشترك”، والمحاولات المبكرة لموسكو للانضمام إلى الهوية الأوروبية (العضوية في حلف شمال الأطلسي وإلى الاتحاد الأوروبي).

التيار الثاني13: ويعد يفجيني بريماكوف Y. Primakov، السياسي والدبلوماسي الروسي الذي شغل منصب رئيس وزراء روسيا في الفترة من 1998 إلى 1999، أبرز المنتمين إليه والذين يدافعون عن فكرة وجود دولة قوية تقوم على الديمقراطية الغربية، مع القومية الجديدة الروسية وهويتها المتفرّدة. فهم يجادلون بتقديم روسيا كحضارة متميّزة تمتلك مقاربة جيوبوليتيكية خاصة بها لتوحيد أوروبا وآسيا ولتحقيق استقرار القارة بما يخدم زيادة نفوذها الجيوبوليتيكي، فهم غالبا ما يتحدثون عن الأمة ولكنهم يركزون على “الدولنة” (Gosudarstvennost) والمكانة الدولية لروسيا كقوة عظمى (Derzhavnost) بما يعكس اهتمامهم الكبير بالبراغماتية الوطنية أكثر من الأمة كبناء إيديولوجي.14

وقد قدَّم فلاديمير اوستانكوف V. Ostankov رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية العسكرية بهيئة الأركان العامة مقاربة جيوبوليتيكية تصب في هذا الاتجاه بجداله بأن وقوع روسيا في وسط أوراسيا يخولها امتلاك الفرصة لربط الفضاء الجيوبوليتيكي المكوّن من المحيط الأطلسي والهادئ والهندي، فروسيا الاتحادية ليست قادرة فقط على الاستغلال الفعّال لمزايا قلب العالم لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولكن أيضا على خلق ساحة متميزّة للتفاعل غير التصادمي بين الثقافات والحضارات المختلفة باستخدام وبتطوير فرص النقل وعبور البضائع على طول طريق بحر الشمال، الممر الجنوبي والاعتماد على شبكة النقل الخاصة بها ولفرص مدّ خطوط أنابيب النفط والغاز.15

 

الكاتب أيضا يدعو إلى:

1ـ تكامل وثيق للفضاء السوفييتي السابق وفي نفس الوقت إلى تطوير التقارب مع الاتحاد الأوروبي بتشكيل فضاء سياسي-اقتصادي مشترك، فيدعو إلى إقامة علاقات مميزة مع ألمانيا وفرنسا تسمح لروسيا بتشكيل تحالف قوي تكون سياساته ليست أمريكية التوجه.

2ـ إقامة تعاون مع الولايات المتحدة، ولكنه في نفس الوقت يحذر من تحالف طويل الأمد مع الولايات المتحدة بل ويعتبره أمرا مستحيلا بسبب التناقضات التي ستظهر لاحقا طالما أنه لكلا الدولتين مصالح متنافسة في أوراسيا.

3ـ بناءً على الحاجة الأمريكية لروسيا كثقل موازن للصين في أوراسيا فمن مصلحة الدولتين توجيه الصين نحو عملية مراقبة الأسلحة الاستراتيجية. فالباحث مهتم بصورة رئيسية بإمكانية التوسّع الصيني في كازاخستان والشرق الأقصى الروسي فخطر المواجهة النووية الروسية-الصينية لا يزال قائما، أما شرق أوسطيا فهو يفضل تطوير علاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع دول المنطقة. 16

 

الاتجاه الثاني: المدرسة الجيو-اقتصادية

ركّز أنصار هذه المدرسة على دور العوامل الجيو-اقتصادية في عالم ما بعد الحرب الباردة والأوراسي بصفة خاصة، فهي تدافع عن صورة الهوية الأوراسية لروسيا إلى جانب التقاطع بين التأثيرات الاقتصادية والثقافية في المنطقة. وبالتالي، الهدف الأمني لروسيا معرّف بالرفاه الاقتصادي والتطوّر الاجتماعي. في هذا الإطار يمكن رصد كتابين رئيسيين:

الكتاب الأول:وضعه “سيرغي روغوف” S. Rogov بعنوان “الاستراتيجية الأوراسية لروسيا” ركّز فيه المؤلّف على ضرورة بناء “جسر التواصل” يربط الجنوب، الغرب والشرق الأوراسي من خلال تطوير طرق النقل البرية والجوية العابرة للأراضي الروسية وللأراضي السوفييتية السابقة؛ العقلانية الاقتصادية لهذا المخطط حسبه تكمن في تقصير شبكات الاتصال التي تربط حاليا أوروبا وآسيا ولذلك سيستفيد جميع المشاركين في المشروع وفي نفس الوقت ستبقى أرواسيا منطقة منفتحة ومستقرة اقتصاديا وسياسيا. وفي السياق السياسي الروسي، مثل هذا التفكير يعدّ مدافعا عن النظرة الليبرالية الجديدة والتي تعتبر مهمة للفلسفة المدافعة عن الغرب وعن تكامل الدولة مع الغرب.17

الكتاب الثاني: وضعه كلُ من فلاديمير كولوسوف V. Kolosov ونيكولاي ميرونينكو N. Mironenko بعنوان “الجيوبوليتيك والجغرافيا السياسية”، وانطلق فيه الباحثان من فكرة رئيسية وهي ضرورة أن تستفيد روسيا من موقعها الجغرافي المتميّز كدولة وسيطة بين أوروبا وآسيا، فهي لا تزال أكبر قوة قارية مع مجموعة من الدول المجاورة لها والمقدّمة كحزام واقي، كما أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يغيّر موقع وهوية روسيا، لكنه يعتبر فرصة استراتيجية ستمكّن روسيا من إعادة تشكيل ظروف عمل دولية جديدة؛ وللقيام بذلك لا يمكن لروسيا أن تلزم نفسها بالتوجه نحو الغرب، ولكن بدلا من ذلك أن تطوّر ما اصطلح عليه الكاتبان “جيوبوليتيك التعاون”(Vzaimodeistviye).

وبدلاً ممن المواجهة مع الكتل الجيو-اقتصادية الأساسية (الصين، الغرب ومنطقة أسيا الوسطى والمحيط الهادئ) والتي لكل منها مصالحها الأوراسية الأساسية، اقترح الباحثان نظاما للدوائر الجيو-اقتصادية المركزية والمتداخلة: تتمثل الأولى في الاتحاد الأوروبي، والثانية في الصين كونهما تقعان على الحدود الغربية والجنوبية-الشرقية، والثالثة تضم اليابان والولايات المتحدة بوصفهما الدول ذات الاقتصاديات المؤثرة على روسيا والبعيدة جغرافيا ولكن تؤثران من خلال الدائرتين الأولى والثانية. لذلك، وحتى لا يتم استيعابها من طرف الاقتصاديات الخارجية، فإن روسيا بحاجة ماسة إلى استراتيجية متماسكة من الاندماج في الاقتصاد السياسي العالمي على المدى الطويل.18

وحسب الباحثان، فإنّ الحلول المثلى لمشاكل السلام والاستقرار في المنطقة الأوراسية، سواء في القوقاز وآسيا الوسطى، والشرق الأقصى، تتجسّد في تحويل روسيا إلى مركز للأنشطة الاقتصادية في المنطقة، انطلاقا من أن كل هذه المشاكل لها مصدر مماثل، يتمثل في حالة الضعف السياسي والاقتصادي الروسي والتي سوف تستمر طالما أن البلد غير قادر على القيام بشكل فعال بالدور التنظيمي اللازم في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، ومن دون هذا النهج الاستباقي خارجياً، ستواجه روسيا آفاق التفكك الداخلي على الرغم من عدم وجود دولة أخرى تشكل تهديدا عسكريا حاليا لها، ومكمن هذا التفكك الداخلي قد يكون نتيجة للضغوط الجيو-اقتصادية الممارسة من طرف الاقتصاديات الكبرى خارج روسيا19. ولتخفيف هذه الضغوطات الجيو-اقتصادية لا يمكن لروسيا حسب الباحثين أن تعتمد على قوى السوق فقط ولكن يجب أن تطوّر “كود جيوبوليتيكي” أو استراتيجية لتعزيز التكامل الاقتصادي والثقافي والاتصالاتي الطوعي ضمن المنطقة السوفييتية السابقة؛ ومثل هذه الاستراتيجية من شأنها أن تعكس مبادئ “جيوبوليتيك التعاون” كما ينبغي أن ترضي توقعات شعوب المنطقة ذات الإرث الجغرافي المشترك.

ففي الجنوب مثلا يجب أن تعمل روسيا على تطوير خطوط أنابيب النفط فتكون عبر وليس حول حدودها مثل “خط باكو ـ نوفوروسيسك” الذي يعتبر أفضل المشاريع. وفي أسيا الوسطى يعارض الباحثان تطوير خط أنابيب يمتد من تركمانستان عبر أفغانستان ونحو المحيط الهادي وذلك نظرا للأنشطة المدمّرة للحكومة في المنطقة كدعمها للمعارضة في طاجيكستان، ورعايتها للاتجار بالمخدرات، ومن المرجح أن يقوّض مشروع أنبوب النفط الذي سيقام على الأراضي الأفغانية النفوذ الروسي في المنطقة، بل وسيشجع على التجزئة بدلا من التعاون في أوراسيا وفي الشرق الأقصى. وفي الأخير، حذّر الكاتبان من مخاطر خسارة روسيا للمبادرة لصالح الصين ولكي تتجنب الخسائر الجيو-اقتصادية في المستقبل ينبغي عليها أن تستثمر في الشرق الأقصى الآن في الوقت الذي مازالت فيه الصين متوجهة نحو آسيا والمحيط الهادي.20

 

الاتجاه الثالث: مدرسة حفظ التوازن الأوراسي:

الكلمة المفتاحية لفهم المهمة الأمنية لروسيا في أوراسيا، بالنسبة لهذه المدرسة، هي “الاستقرار”، فبدلاً من تقديمها كإمبراطورية إقليمية تقليدية أو كحضارة مكتفية ذاتياً، يجب أن تحتفظ روسيا بالدور التنظيمي والسيطرة غير الرسمية على أوراسيا ما بعد السوفيتية، أي تقوم بدور الفارض للاستقرار أو الموازن الإقليمي، من خلال البقاء ضمن قائمة الدول العظمى، ليس فقط بصورة رمزية ولكن بإتباعها لسياسات الموازنة العسكرية ـ السياسية، ومشاريع الدولة الجيو ـ اقتصادية المختلفة في المنطقة.21

وأهم كتاب يمثّل هذا الاتجاه هو “مقدمة للجيوبوليتيك” للباحث كمال الدين قادزييف K. Gadzhiyev نادى فيه بضرورة توظيف مفاهيم جديدة للفضاءات ليس فقط الجغرافية ذات الحدود الثابتة والخواص الطبيعية ولكن الاقتصادية والثقافية والحضارية والإعلامية. وقد انطلق الباحث من الاعتراض على الربط بين الهوية الثقافية الروسية والأوروبية الغربية، ودعا إلى توسيع مفهوم أوراسيا ليشمل المجالات الثقافية والسياسية، كما دافع عن فكرة عالم متعدد الأقطاب وعن روسيا كقوة عظمى ضمنه، وأن الاستراتيجية الروسية في أوراسيا يجب أن تسعى لتحقيق الاستقرار في المنطقة سياسياً واقتصادياً باستخدام مجموعة واسعة من أدوات السياسة المتاحة.

وحسب الباحث، فإنّ الدور الروسي لا يكمن فقط في بناء جسر للنقل والتجارة بين أوروبا وآسيا ولكن في تجسير وتهدئة الحضارات الأوروبية والأسيوية وفي الحفاظ على موازنة دقيقة بين طائفة واسعة من المجموعات العرقية. فحقيقة أن أوراسيا جد متنوعة ثقافياً وحالياً غير مستقرة سياسياً لا يعني بأنها ستصبح ساحة للصراع بين الأعراق والحضارات المختلفة، وفق سيناريو صامويل هنتنجتون، ولكن قد تصبح ساحة لممارسة حوار متبادل خصب وللترتيبات الاقتصادية والأمنية التعاونية، فأوراسيا حسب رؤية الكاتب هي منطقة مفتوحة، ويجب أن تكون بمثابة كيان ثقافي اقتصادي وسياسي مستقل.22

هذه الرؤية التي قدمها الكاتب لأوراسيا ولروسيا ضمنها مدعمّة بتصوره للبيئة الخارجية الكبيرة لروسيا بوصفها مزيجا بين التأثيرات الجديدة والتقليدية والتي يمكن تلخيصها كالتالي:

1ـ أن نهاية الحرب الباردة تعني نهاية التناقضات الأساسية، أو غير القابلة للحل بين روسيا والغرب وظهور تهديدات مشتركة مثل الانتشار النووي، وعدم الاستقرار الإقليمي والعرقي والإرهاب الدولي.

2ـ الصين لديها الإمكانية لتصبح شريكاً وليس عدواً، وذلك من خلال حقيقة وجود اقتصاديات تكميلية وليس تنافسية بين الصين وروسيا، حيث تتشارك الدولتان حدودا جغرافية طويلة (2500كلم) وتشتركان أيضا في الاهتمام بالوجود الداخلي للأقليات المسلمة.

3ـ بالإضافة إلى الغرب والصين اقترح الباحث تقديم اليابان والكوريتين كدول رئيسية من المحتمل أن تسهم في بناء نظام مناسب للأمن الجماعي داخل وخارج أوراسيا. مع استفادة كل من تركيا وإيران من التفكك السوفييتي كونهما مارستا تأثيرا كبيرا على الدول الناشئة حديثا في آسيا الوسطى والقوقاز.23

 

ويمكن رصد مكونين رئيسيين للتوفير الروسي للأمن الأوراسي حسب الباحث: القيادة الروسية في المنطقة السوفييتية السابقة، ونظام الأمن الجماعي لمعالجة

بعض التحديات الخارجية للمنطقة. ولتحقيق الاستقرار الأوراسي داخليا يقترح الباحث إجراءات اقتصادية وعسكرية الطابع، وتحقيق التكامل السياسي والعسكري والاقتصادي للمنطقة.

ولكن وعلى خلاف كل من “كوسولوف” و”ميرونينكو” فإنّ اهتمامه الرئيس منصب على ممر النقل تراسيكا TRASECA بدلا من مشروع “تركمانستان ـ أفغانستان” والمحيط الهادي، كون المشروع الأول من الممكن أن يقوّض الموقف الروسي-الوسيط بين أوربا وآسيا ليزيد بالمقابل من قوة الدول الأخرى المشاركة في المشروع مثل تركيا وجورجيا وأذربيجان. وللتخفيف من هذا الخطر اقترح الكاتب التركيز الروسي على مشاريع نقل أخرى والتدخل الكبير للدولة فيها.24

وبالنظر إلى عدم الاستقرار وتصاعد ما أسماه “التطرف الإسلامي” في القوقاز وآسيا الوسطى اقترح الباحث مواصلة روسيا ممارسة علاقاتها الخاصة مع الهند المشتري الرئيس للأسلحة الروسية في الوقت الراهن، فالهند ليس لها مصلحة في أن تكون ضمن القوى الصاعدة بين الدول الإسلامية كما يمكن للمحور السياسي الروسي-الهندي أن يكون مهما لتفادي التأثيرات المحتملة لكل من تركيا وإيران في أذربيجان ذات الأغلبية المسلمة وفي آسيا الوسطى.

 

الاتجاه الرابع: المدرسة الحضارية:

لطالما اعتبر أصحاب المنظور الحضاري القيم الروسية مختلفة تماما عن الغربية، وحاولوا دائما نشر القيم الروسيةخارجا؛ فاستجابتهم للمعضلة الأمنية الروسية وعلى نقيض المنظورات السابقة عدوانية أكثر، وكفلسفة للسياسة الخارجيةيعود تاريخها إلى كتابات الفيلسوف “إيفان الرابع” Ivan IV (والمفكر السياسي “إيفان سولونيفيتش” IV Solonevich) وفكرته حول “تجميع الأراضي الروسية” بعد الغزو المغولي لروسيا وقوله المأثور بأنّ روسيا هي روما الثالثة. وعلى خلاف المدارس السابقة، حاول الحضاريون تحدّي النظام القيمي الغربي بالتركيز على التميّز الثقافي لروسيا وللحضارة روسية-التمركز. وادعى بعض ممثلي هذه المدرسة تبنيهم الالتزام بالقيم المسيحية الأرثوذوكسية، بينما قدم آخرون روسيا كتركيب من مختلف الديانات.25

في هذا السياق يمكن تقديم كتابين يمثلان المنظور الحضاري، الأول كتبه “جينادي زيوغانوف”26 Zyuganov بعنوان “جغرافية النصر: أساسيات الجيوبوليتيك الروسي”(1997)، والثاني كتبه “نيكولاي نارتوف” N. Nartov بعنوان “الجيوبوليتيك” (1999). هذان الكتابان طوّرا صورة لروسيا كوحدة ثقافية، سياسية واقتصادية مكتفية-ذاتيا وسط أوراسيا. ودافع الباحثان عن فكرة كون روسيا إمبراطورية روسية ضمن حدود الاتحاد السوفييتي السابق، كما قدّما رؤية لروسيا كحضارة أوراسية مستقلة لا يمكن أن تعيش إلا من خلال حراسة نفسها، ضد من ينظر إليها كتأثير ضار للغرب، وعلى أنها الضامن للاستقرار الجيوسياسي والتوازن العالمي والتي بدونها من المرجح أن يقع العالم ضحية لطموحات الغرب المفترسة. ومن ناحية أخرى، رفض الباحثان تفكك الاتحاد السوفييتي بل ويصرون على أن الاتحاد السوفييتي كان الشكل الجيوبوليتيكي الطبيعي لروسيا التاريخية وأن الحدود السياسية الحالية في البلاد هي “مصطنعة” فرضت من خلال العمليات السرية للغرب. 27

 

ومن خلال تأثرهما بالنظريات الجيوبوليتيكية الروسية لكل من: نيكولاي دانيليفسكي N. Danilevskiy وقسطنطين ليونتييف K. Leontiyev وبيتر ساسافيتسكي P. Savitskiy ونيكولاي قوميلاف N. Gumilev ركّز الباحثان على الدور الحضاري الخاص لروسيا في العالم. وبناءً على أعمال دانيليفسكي جادل الباحثان بأن الاختلافات الحضارية كانت السبب في العزلة الرئيسية لأوروبا عن روسيا، وباعتمادهم على كتابات ليونتييف جادلا بأنّ روسيا هي مزيج من الجماعات العرقية المختلفة وصاحبة مهمة جيوسياسية فريدة من نوعها تتمثل في تهدئة الأوضاع في المنطقة الأوراسية. وبإتباعهم كتابات ساسافيتسكي وقوميلاف أوضح الباحثان أنه بسبب تفرّد الحضارة والموقع الروسي فإنه يجب على روسيا أن تكون معزولة عن الغرب للبقاء وللحفاظ على تفرّدها، كما أن روسيا الأوراسية مختلفة أيضا عن الشرق ولكن يجب على روسيا أن تخشى الحضارة الغربية ومن طموحاتها الإمبريالية العالمية. وبتبنيهم لوجهة نظر تاريخية بعيدة المدى جادل الباحثان لصالح الاستمرارية في تطوير روسيا الأوراسية من الإمبراطورية الروسية إلى ستالينية الاتحاد السوفييتي والإمبراطورية الأوراسية ما بعد السوفييتية. 28

وكشف “زيوغانوف” في كتابه عن المشروع الجيوبوليتيكي للحزب الشيوعي29 الذي عارض وبشدة “النظام العالمي الجديد” و”العولمة الإمبريالية” والتداخل الخارجي في الشؤون المحلية والسياسة الخارجية الروسية، هذا التركيب الجيوبوليتيكي-الحضاري تمّ استخدامه للجدال بأنّ الحضارة الغربية من بداياتها أثبتت الميل لتبني توجهات توسّعية، عسكرية وعدائية خاصة اتجاه روسيا عبر فترات زمنية مختلفة (عصر النهضة في القرنين الرابع والخامس عشر، عصر الإصلاح في القرنين السادس والسابع عشر، عصر الاكتشافات الجغرافية الكبرى وعصر التنوير في القرن الثامن عشر، المرحلة الصناعية والحضارة الغربية في القرن العشرين والتي كانت كارثية).30

 

ومن خلال تحديه لأطروحة صامويل هنتنجتون وضع “زيوغانوف” نسخته الخاصة بصراع الحضارات، فقد جادل بأنّ الصراع سيكون جيوبوليتيكيا بين الأطلنطية-الأوراسية، اقتصاديا-اجتماعيا بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وحول التصدعات العرقية، الإثنية والطائفية والتي كلها تمارس تأثيرا كبيرا على السياسة العالمية. فحسب زيوغانوف العالم الحديث يمكن أن يتطور أساسا وفق ثلاث سيناريوهات: “النظام العالمي الجديد” وهو مشروع عولمي برعاية الولايات المتحدة القوية، و”عصر المشاكل” حيث انهيار الغرب وبداية الفوضى (العصور الوسطى الحديثة)، وأخيرا سيناريو “توازن المصالح” حيث ستضطلع روسيا المتجددة بدور الضامن لعالم متوازن. وانطلاقا من السيناريو الأخير فإن التنظيمات الوطنية اليسارية في روسيا ستولي أهمية كبيرة لتعزيز العلاقات مع الهند والصين كمراكز بديلة للقوة.31

 

وبالنسبة لأنصار هذه المدرسة، فإن الاختلافات الجغرافية والعرقية الروسية عن الغربية تعني وجود تهديد دائم للثقافة وللرفاه الروسي، فمثل هذه الطبيعة للجيوبوليتيك التقليدي تثير القليل من التمييز بين الاختلاف والتهديد، فالثقافات الروسية والغربية ينظر إليها من حيث المحصلة الصفرية، وخيار البقاء الروسي يطرح بين فكرتين إمّا أن تكون روسيا قوة أوراسية مستقلة أو مستعمرة افتراضية للغرب. ولكي تتمكنّ من البقاء في هذا العالم الموالي بصورة متزايدة للغرب والعدائي بصورة جوهرية فإنه يجب على روسيا أن تحقق هدفين رئيسيين هما: السيادة السياسية والاقتصادية المطلقة (Samodostatochnost)، وتأسيس فضاء واسع مستقل أو حزام أمني واقي حول حدودها.32

 

الاتجاه الخامس: المدرسة الأوراسيانية التوسعية

بداية، ولجت الأوراسيانية العالم ما بعد السوفييتي من خلال صفحات الجريدة المعارضة “اليوم” “Den” التي صدرت سنة 1990، وتتغير اسمها فيما بعد إلى “الغد” “Zavtra” بعدما تمّ غلقها من قبل السلطات سنة 1993، وفي السنوات الأولي لعمل المجلة حوّل كلاّ من الكسندر بروكانوف33 A. Prokhanov والكسندر دوغينA.G. Duginالأوراسيانية إلى نقطة التقاء الناقمين على الجناحين اليساري واليميني الروسيين، ومنذ مغادرته لمجلة “الغد” أصبح دوغين محرّرا في مجلة تسمى “العناصر: المسح الأوراسي”؛ وفي كتاب له بعنوان “أسس الجيوبوليتيكا المستقبل الجيوبوليتيكي لروسيا” (1997)، والذي يمثل جوهر المدرسة الأوراسيانية التوسعية، واستخدم دوغين افتراض “ماكيندر” حول المعارضة الجيوبوليتيكية بين قوى البر وقوى البحر، فقد جادل بأنّ العالمين ليسا محكومين فقط باستراتيجيات أساسية متنافسة ولكنهما متعارضان ضد بعضهما البعض ثقافيا بصورة جوهرية. فالمجتمعات البريةتنجذب إلى أنظمة قيم وتقاليد مطلقة بينما البحرية منها هي ليبرالية بطبيعتها، أمّا على الجبهة الاستراتيجية يقترح دوغين بأنّ التحالف المناهض للغرب بين روسيا، اليابان وألمانيا وإيران المرتكز على رفضهم المشترك للغرب سيكون قادرا على طرد التأثير الأمريكي من القارة.35

وعلى الرغم من اتفاقه مع زيوغانوف حول الاتجاه المعادي للغرب إلاّ أن دوغين لا يتفق معه حول فكرة الحضارة كوحدة مكانية مستقرة جغرافيا وسياسيا واقتصاديا. فحسب دوغين، فإن وقوع روسيا بين الغرب والشرق يوحي بالحاجة للذهاب إلى ما هو أبعد ممّا يعتبره الحضاراتيون الحدود التقليدية أو التاريخية لروسيا، الإمبراطورية الجديدة يعلنها دوغين وبجرأة يجب أن تكون أوراسية وأن تصل إلى القارة بأكملها، من منظور العالم بأكمله، وعلى خلاف الحضاريين الملتزمين برؤية هنتنجتون لصراع الحضارات بين عالم متعدد الأقطاب، يرى دوغين بأن عالم المستقبل هو ثنائي القطبية بصورة أساسية؛ وهذه الثنائية هي نتيجة للصراع من أجل القوة بين الأطلنطيين والأوراسيانيين كمتنافسين جيوبوليتيكيين.36

 

ومن خلال كتابه “أسس الجيوبوليتيكا” وظّف دوغين الفكرة الجيوبوليتيكة التقليدية لكل من هالفورد ماكيندر Makinder H. وكارل هوشوفر K. Haushofer المتمثلة في توصيف القارة الأوراسية بقلب العالم وروسيا كقلب لقلب العالم ليفسر جوهر رؤيته الجيوبوليتيكية المتمثلة في ضرورة التكامل الأوراسي والذي لن يتحقق إلا باستعادة الإمبراطورية كمهمة روسية بالأساس نظرا لموقعها الاستراتيجي ولإمكانية سيطرتها على المحور الجغرافي للتاريخ الأوراسي. وعدم النجاح الروسي في تحقيق ذلك يعني ظهور بدائل جديدة مثل: التغلغل الصيني في الشمال نحو كازاخستان وسيبيريا الشرقية، أو الانتشار الأوروبي في الدول الروسية الغربية، مثل أوكرانيا وروسيا البيضاء، أو محاولة العالم الإسلامي دمج آسيا الوسطى والمنطقة المحيطة بنهر الفولجا والأورال، فضلا عن بعض المناطق في جنوب روسيا.

خلافا للأوراسيايين التقليديين37 الذين ركّزوا على الوحدة الجغرافية الطبيعية للفضاء الأوراسي، والمؤسسة لعقيدة انعزالية على أساس الاكتفاء الذاتي للدولة وللأمة الروسية، الأوراسية قدّم دوغين نموذجا أوراسياً حديثا يعتبر أكثر تطورا وتعقيدا لمستقبل ما أسماه “بالنظام العالمي الأوراسي الجديد”.

فعلى الصعيد الداخلي، وضع دوغين تصورا خاصا للإمبراطورية الأوراسية الجديدة، التي تُشكل الصيغة الوحيدة للوجود اللائق والطبيعي للشعب الروسي والإمكانية الوحيدة للوصول برسالته التاريخية والحضارية إلى أبعد مداها والتي ترتكز على:

1ـ لا ينبغي للإمبراطورية القادمة أن تكون “دولة-جهوية” ولا “دولة-أمة” لتجنب التناقضات الجيوبوليتيكية والاجتماعية التي لا حلّ لها.

2ـ ضرورة أن تقام الإمبراطورية الجديدة دفعة واحدة كإمبراطورية ويجب أن ترسي المبادئ الإمبراطورية الكاملة الأهلية والمتطورة في أساس مشروعها منذ الآن.

3ـ الملامح الجيوبوليتيكية والإيديولوجية لإمبراطورية الروس الجديدة يجب أن تتحدد على أساس التخلص من تلك اللحظات التي أدت من الناحية التاريخية إلى إفلاس الصيغ الإمبراطورية السابقة لذلك يجب أن تكون حسب الباحث متميزة ببنية إثنية – دينية تعددية مرنة، وأن يتم إضفاء المرونة على مشاركة الدولة في توجيه الاقتصاد، وشحن المعادلة الدينية-القيصرية بالمضمون المقدس الصافي وتحقيق ثورة أرثوذوكسية محافظة، وتحويل مصطلح “الشعبية” من الشعار الاوفارومي إلى أفق مركزي للبناء الاجتماعي-السياسي .38

أمّا على المستوى الخارجي، قدّم دوغين نظاما جيوبوليتيكيا عالميا يرتكز على ارتباطه بمناطق-كلية دعاها دوغين بالأحزمة الجيو-اقتصادية، وهي: الأورو-أفريقية، وآسيا والمحيط الهادي، أمريكا وأوراسيا. هذه الأحزمة بدورها ستتكوّن من خلال دمج ما اسماه الفضاءات الكبرى؛ داخل هذه الأحزمة الجيوبوليتيكية يكون هناك سيطرة للأقوى وللطرف الأكثر تطورا (على سبيل المثال أمريكا وأوروبا الغربية) على الطرف الأضعف (أمريكا الجنوبية أو إفريقيا). وخارجياً، ارتباط المناطق الأربع سيكون متوازنا ومرتكزا على مبادئ المساواة والاعتراف المتبادل، من خلال هذا الترتيب الرباعي يعتزم دوغين تأسيس تعددية المراكز Polycentricity باعتباره النمط السائد للقوة الجيوبوليتيكية على المستوى العالمي، فالهدف الأسمى للأوراسيانية بقضائها على تهديد الهيمنة الأمريكية على العالم لن يتحقق إلاّ من خلال تحالف ثلاث مناطق: محور برلين-موسكو –باريس (وهو أهم المحاور)، وفي آسيا الوسطى محور طهران-موسكو وإلى شرق آسيا محور طوكيو –موسكو. كل هذا لتحقيق هدف نهائي المتمثل في الوصول إلى البحار والمحيطات في الشمال والجنوب والشرق لتصبح الإمبراطورية الجيوبوليتيكية مكتفية ذاتيا.39

 

خلاصة

بتعبير “ميشال فوكو” فإن الخطابات هي أكثر من مجرد أداء لغوي ولكنها تدخل ضمن ألعاب القوة التي تعبئ القوانين، فالقواعد والإجراءات للتأكيد على فهم معين من خلال بناء معرفة ضمنها. ومن هنا يمكن القول إن المدارس الجيوبوليتيكية الروسية التي استجابت على طريقتها للأسئلة الحرجة التي أثارها الانهيار السياسي للاتحاد السوفييتي حاولت من خلال ممارساتها الخطابية أن ترسم حدود الهوية أو الذات الروسية ثقافيا ومكانيا، هذا التركيز على البعد المكاني للغيرية ساهم أيضا في رسم حدود الآخر الجيوبوليتيكي سواء العدو أو الحليف.

إن فكرة أوراسيانية روسيا تاريخيا ومنذ فلاديمير لامانسكي V.I. Lamanskii (1833-1914) أول من تناول فكرة أنّ روسيا أوروبية-آسيوية في كتابه “العوالم الثلاثة للقارة الأورو-آسيوية” (1892) وصولاً إلى شقها الحديث كانت أساسا كرد فعل للأثر الداخلي للعوامل الخارجية وهو نفس ما ذهب إليه “ألكسندر سولجينتسين” الذي جادل بأن فكرة الأوراسيانية تمثل الرد الروسي على الإهانة الغربية أي الرفض الروسي للترتيبات ما بعد السوفييتية التي فرضت من طرف الغرب.

إن الهوية الروسية، والدور الروسي العالمي وعلاقة الدولة بالغرب كلها مثّلت الأسئلة التي حاولت المدارس الخمس المقدمة أعلاه مقاربتها؛ على المستوى الممارساتي في المنطقة الأوراسية، وما يمكن ملاحظته هو التوظيف الروسي إما التام أو الجزئي لمفاهيم ونظريات كل مدرسة، سواء فكرة التقارب مع الغرب، وضرورة الإصلاحات الديمقراطية، وتوظيف العوامل الاقتصادية وحتى لعب دور الموازن الأمني الإقليمي لكن النقطة الفاصلة هي الأثر الكبير للمدرسة الأوراسيانية التوسعية في توجيه وإدارة السياسة المحلية والخارجية الروسية في الفترة الحالية خاصة بعد تولي الرئيس فلاديمير بوتين الحكم سنة 2000.

 

وعلى غرار انخراطه النشط سياسيا سواء كمستشار في مجلس الدوما أو تأسيسه للاتحاد الأوراسي كتجسيد رسمي لنظرياته تمكّن “دوغين” أحد أهم ممثلي المدرسة التوسّعية من إنشاء جهاز عقائدي، فكري واستراتيجي ضخم للخط الجيوبوليتيكي الأوراسي أو بعبارة أندريه تولستوي A.Tolstoy و”إدموند ماككافري”  E. McCaffray” إن توظيف الكسندر دوغين في الحرب الروسية الفكرية أدى إلى منحه لقب “عقل بوتين” في مقالة نشرت على مجلة الشؤون الخارجية بعنوان: “عقل بوتين: الكسندر دوغين والفلسفة الكامنة من وراء غزو بوتين لشبه جزيرة القرم” (2014) لكل من أنطون باربباشين A. Barbashin وحنة توبورن H. Thoburn، لكن الإشكال الرئيسي يبقى في مسألة التوقيت الاستراتيجي أي الوقت الذي منحت فيه الأوراسيانية التوسعية مساحة سياسية وفكرية كبيرة خاصة في الفترة الحالية أي في الوقت الذي تعاني فيه روسيا من تهالك للديمقراطية، وانهيار للعملة والاقتصاد نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على موسكو على خلفية الأزمة الأوكرانية، ونتيجة الهبوط الحاد لأسعار النفط في الأسواق العالمية. فكيف يمكن لروسيا أن تتبنى المنظور الأوراسي التوسعي في الوقت الذي تعاني فيه من مختلف الضغوطات الداخلية وزيادة حزام الأزمات حول حدودها الجغرافية غير المؤمنة مسبقا؟

الإجابة عن هذه الإشكالية ستمثل حجر الأساس في فهم مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي (40).

———————————

الهامش

(1) Walter Mead, “The Return of Geopolitics. The Revenge of the Revisionist Powers” in Foreign Affairs, May/June 2014, on 24 October 2014  issue accessed at: link

(2) Saul Bernard Cohen, “Geopolitics of the World System” (Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 2003), p. 11.

(3) من الناحية الجغرافية، يعود اسم الكتلة لتركيب من كلمتي أوروبا واسيا يحدها من أقصى الغرب جزر إيرلندا والمحيط الأطلسي الذي يمتد بذراعه الجنوبي وهو متمثل في البحر المتوسط بأحواضه المختلفة ومن الشرق مضيق بيرنج وبعض الجزر مثل كامشتكا وسخالين والمحيط الهادي ومن الشمال يحده جزر فرانس جوزيف والمحيط المتجمد الشمالي ومن الجنوب جزر تيمور والمحيط الهندي بذراعيه المتمثلين في البحر الأحمر والخليج العربي. كما يوجد أيضاً تقسيم آخر هو أوراسيا الشرقية والغربية. تمثل “أوراسيا” الغربية أوروبا والشرق الأوسط، كما يضيف إليهما البعض شمال أفريقيا لكون المنطقة منفصلة عن بقية أفريقيا بواسطة الصحراء الكبرى. وتمثل أوراسيا الشرقية بقية آسيا.

(4) A.P. Tsygankov,”Mastering space in Eurasia: Russia’s geopolitical thinking after the Soviet break-up”, Communist and Post-Communist Studies, Vol. 36 (2003), p. 104.

(5) Gearóid Ó Tuathail, Simon Dalby and Paul Routledge , “The Geopolitics Reader”, (New York/London: Routledge, 1998), pp. 5-7.

(6) ديمتري ترينين هو مدير مركز كارنيجي في موسكو ترأس فيه مجلس البحوث وبرنامج السياسة الخارجية والأمنية.خدم في القوات المسلحة السوفيتية والروسية إلى غاية تقاعده سنة 1993. حيث تحصل على خبرة عسكرية لعمله كضابط اتصال في فرع العلاقات الخارجية للمجموعة القوات السوفيتية (المتمركزة في بوتسدام) وبصفته عضوا في طاقم الوفد في المحادثات الأمريكية السوفييتية المتعلقة بالأسلحة النووية في جنيف(1985-1991). كما درّس أيضا في قسم دراسات الحرب في المعهد العسكري (1986-1993).

(7)Dmitri V. Trenin, the End of Eurasia: Russia on the Border between Geopolitics and Globalization (Moscow: Carnegie Moscow Center, 2001), pp. 12-13.

(8) ibid. p. 14.

(9) ibid. p. 319.

(10) ibid. pp. 226-283.

(11)ibid. pp. 20-21.

(12)ibid., pp. 319-320.

(13) في هذا الإطار يمكن تقديم عمل ياكوفينكو ضمن المدرسة الوطنية-الديمقراطية:

I. G. Yakovenko, Rossiyskoie gosudarstvo: Natsional’niye interesi, granitsi, perspektivi. (Sibirskiy:khronograph, Novosibirs, 1999).

(14) Andrei P. Tsygankov, Russia’s Foreign Policy: Change and Continuity in National Identity ((New York: Rowman and Littlefield Publishers, 4 edition, 2016), pp. 90-103.

(15)V I Ostankov, “Geopolitical problems and the opportunity of their resolution in the context of ensuing the Russia’s Security”, Voyenna Mysl, January 2005.

(16)Mark A. Smith, “Russian Nationalist Movements and Geopolitical Thinking,” Defence Academy of the United Kingdom: Conflict Studies Research Center, Russian Series, September 2005, p. 13.

(17)Anita Sengupta, Heartlands of Eurasia: The Geopolitics of Political Space (USA: Lexington books, 2009) p. 34.

(18)A.P. Tsygankov, “Mastering space in Eurasia: Russia’s geopolitical thinking after the Soviet break-up”, op. cit., pp. 115-116.

(19). loc. cit.

(20)A.P. Tsygankov, “Mastering space in Eurasia: Russia’s geopolitical thinking after the Soviet break-up”, op. cit., p. 117.

(21) Anita Sengupta, op. cit., p. 35.

(22)A.P. Tsygankov, Mastering space in Eurasia: Russia’s geopolitical thinking after the Soviet break-up, op. cit., p. 118.

(23) ibid., pp. 118-119.

(24) ibid., pp. 119-120.

(25) Andrei P. Tsygankov, Russia’s Foreign Policy: Change and Continuity in National Identity, , op. cit., p. 8.

(26)جينادي زيوغانوف(1944) هو سياسي روسي، والسكرتير الأول للحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية (منذ عام 1993)، ورئيس لاتحاد الأحزاب الشيوعية (منذ عام 2001)، ونائب رئيس مجلس الدوما ( منذ عام 1993)، وعضو في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (منذ عام 1996).

(27)Andrei P. Tsygankov,“Mastering space in Eurasia: Russia’s geopolitical thinking after the Soviet break-up”. Op. cit., pp. 120-121.

(28) Loc. cit.

(29) الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية تأسس في 14 فيفري 1993   والذي قدّم نفسه كخليفة للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي الاشتراكي السابق. حيث يجمع في برنامجه بين اليسارية الاقتصادية-الاجتماعية والقومية، كما استطاع الربط بين الجماعية الروسية التقليدية بالاشتراكية الماركسية-اللينينية. كما فضّل قائد الحزب زيوغانوف توليفة من المفاهيم الروسية التقليدية للجماعة (Obshchina) والفكرة الأرثوذكسية الروسية الاشتراكية (Sobornost). فهو يرى بأن صراع الحضارات هو القوة الدافعة الرئيسية للتاريخ (على النقيض من مفهوم الصراع الطبقي عند الماركسية-اللينينية التقليدية) ويقول بأن الحضارة السلافية موحّدة لمواجهة الهيمنة الغربية التي يرى يسيطر عليها اليهود.

(30)Nikolay Rabotyazhev and Eduard Solovyov, “Metamorphoses of the Geopolitical Views of the Communist Party of the Russian Federation”, Polis. Political Studies, No 2 (2007), p. 101.

(31)Nikolay Rabotyazhev and Eduard Solovyov, , op. cit., p. 103

(32)Andrei P. Tsygankov,“Mastering space in Eurasia: Russia’s geopolitical thinking after the Soviet break-up” , op. cit.,  p. 121.

(33) الكسندر بروكانوف(1938) هو كاتب روسي-سوفييتي وهو عضو في أمانة اتحاد الكتّاب في روسيا، ومؤلف لأكثر من 30 رواية ومجموعة قصصية قصيرة وهو محرر في المجلة الروسية اليمينية المتطرفة Zavtra.

(34) الكسندر دوغين (1962) عالم سياسي روسي، عمل مستشارا للبرلمان الروسي خلال سنوات 1998-2003، وهو رئيس خبراء الجيوبوليتيكا التابع للمجلس الاستشاري المتخصص بشؤون الأمن القومي التابع لرئاسة مجلس النواب الروسي وعضوا رئيسيا في حزب روسيا المتحدة الذي كان يقوده سيرغي ناريشكي. يعتبر دوغين منظما رئيسيا في كل من الحزب الوطني البلشفي، الجبهة الوطنية البلشفية وحزب أوراسيا. كما أسس دوغين حركة أوراسيا العالمية 2003.

(35)Anita Sengupta, , op. cit., p. 31.

(36)Andrei P. Tsygankov,“Mastering space in Eurasia: Russia’s geopolitical thinking after the Soviet break-up” , op. cit., pp. 123-124.

(37) للتفصيل أكثر حول أهم الفروق بينالأوراسيانية التقليدية والحديثة أنظر:

Mark Bassin, “Eurasianism,Classical’ andNeo: The Lines of Continuity”. In: Tetsuo Mochizuki (ed.) Beyond the Empire: Images of Russia in the Eurasian Cultural Context.) Sapporo, Japan: Slavic Research Centre, 2008), pp.279-294.

(38) الكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا، مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، ترجمة، عماد حاتم (بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة، الطبعة الأولى 2004 )، ص ص 256-257.

(39) ألكسندر دوغين، مرجع سبق ذكره، ص. ص. 445-494.

(40) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close