fbpx
دراسات

الهجمات على الأمة وأنماط المقاومة الحضارية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

مقدمة:

تعرضت الأمة الإسلامية على مدي تاريخها لهجمات خارجية، سواء في مراحل القوة والفتوح والوحدة أو مراحل الضعف والتراجع والتجزئة. وفي حين نجحت الأمة في استيعاب الهجمات العسكرية الخارجية والتصدي لها في مراحل متقدمة، فلقد واجهت الفشل في التصدي في مراحل أخري لاحقة حتي اكتمل الهجوم والاستقطاع والاحتلال.

ولم يكن البعد الداخلي في أوطان الأمة وكياناتها وكذلك البينيّ – أي فيما بين هذه الأوطان – بعيداً عن هذا الخارجيّ، سواء في انكساره أولاً أو تغلبه عسكرياً لاحقاً. كذلك، وهو الأهم، لم يكن تصدي الأمة للهجوم العسكري أو الهزيمة أمامه بمعزل عن باقي عناصر القوة والفعل أو عناصر الضعف والتخاذل، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية-القيمية. والأكثر أهمية هو أن مقاومة الأمة للتهديد من الخارج ومن الداخل أيضا ظلت سمة مستمرة وإن تنوعت درجاتها وطبيعتها ومستوياتها داخليا وخارجيا.

ومن ثم فإن إعادة قراءة تاريخ الأمة، في مراحله المتعاقبة وفي تفاعله مع تواريخ الأمم الأخري، يجب ألا تكون قراءة اختزالية جزئية، عسكرية أو سياسية، داخلية أو خارجية، ولكن يجب أن تكون قراءة حضارية كلية شاملة. فالهجمات والتحديات والتهديدات كانت حضارية شاملة وليست عسكرية فقط أو خارجية فقط، والاستجابات والمقاومات كانت أيضا حضارية سواء الداخلية منها أو الخارجية، كما لم تنقطع علي مدار هذا التاريخ وبأشكال وأنماط متنوعة، وفقا للسياقات الوطنية والإقليمية والعالمية المتغيرة.

إن الذاكرة الباقية والممتدة عن تاريخ الأمة تنضح باستمرار الرسالة والدعوة والجهاد والإصلاح والمقاومة في إطار الأمة والحضارة وفقا للقيم والمقاصد والسنن وانطلاقا من العقيدة والشريعة، ويقدم فقه هذه الذاكرة دلالات مهمة للراهن سواء عن حالة الهجمات (تحديا أو تهديدا) أو عن حالة المقاومة الحضارية سواء في ظل القوة أو الاستضعاف.

وبناء عليه، فإن فهم الواقع الراهن للأمة لا يستقيم بدون استدعاء الذاكرة الحضارية للأمة، هكذا تعلمنا من أعلام المنظور الحضاري، ولذا فإن الثورات المعاصرة العربية والثورات المضادة لها، حالة تختبر هذه الذاكرة وتكشف عن سننها، سواء فيما يتصل بالجديد في الهجمات الحضارية أو الجديد فيي جانب المقاومة الحضارية أيضا لهذه الهجمة.

وإذا كان تراث فكرنا الحضاري الحديث والمعاصر ممتلئ بنماذج تحليل هذه الثنائية (الهجمات – المقاومة)، فإن حسن التصدي للهجمة الراهنة يقتضي تحديد ما الجديد فيها، على ضوء ثراء دلالات الذاكرة التاريخية وما تقدمه من العبر.

ونجد هنا مقولة أساسية مفادها الأتي:  أن الثورات المسلحة المضادة للثورات الشعبية السلمية منذ 2011 ليست مجرد هجمة عسكرية من النظم المتكلسة المتهاوية والقوي الخارجية المساندة لها، بل هي موجة من الهجمة الحضارية المعاصرة التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية منذ 1991 (نهاية الحرب الباردة والقطبية الثنائية والصراع الأيديولوجي التقليدي)، والتي ينضفر فيها الداخلي والخارجي بقوة وكذلك السياسي – العسكري والديني الثقافي بدرجة أقوي، ويتعرض خلالها المشروع الحضاري الاسلامي، وكذلك كل مشروعات الاستقلال والتحرر الوطني والقومي لتحد جديد، وتمثل هذه الموجة في مجموعها مفصلاً من مفاصل تطور وضع الأمة العالمي ومن تطور المشروع الحضاري الإسلامي عبر تاريخ الأمة.

ولقد واجهت الثورات الشعبية السلمية منذ 2011 هجمة لاحتوائها وإجهاضها؛ وهي حلقة من مسلسل معاصر من الهجمات، دشنته في نهايات القرن الـ 20م (14 هـ) وبدايات القرن الـ 21 (15 هـ)، في إطار عملية إعادة تشكيل توازنات القوي العالمية والإقليمية في ظل العولمة والهيمنة الأمريكية. وحلقات المسلسل المتوالية منذ 1991 أفرزت وطأة التدخل الخارجي في الأمة بالتعاون مع حلفائه من الداخل العربي والاسلامي. كما أبرزت صعودا متكرراً للعلاقات بين الديني – الثقافي وبين السياسي، سواء في الهجمة أو المقاومة وصولاً إلى تحدي “المشهد الراهن” أي مشهد الصدام بين قوي الثورات وقوي الثورات المضادة وفي قلبه التحدي – بل التهديد – الذي يواجه المشروع الحضاري الإسلامي للأمة بصفة خاصة.

ولذا فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة على أصحاب “المشروع الحضاري الإسلامي”، باعتبارهم رافداً من روافد الثورة الشعبية السلمية، فكراً وحركة، التي تتصدي للاستبداد والظلم الذي يواجهها أكثر من غيرها من روافد الثورة، مأزقاً معاصراً، وهو سؤال مزدوج عن جديد الهجمة والمقاومة ما الجديد في هذه الهجمة منذ اندلاع الثورات وخاصة مع  صعود الثورات المضادة؟ وما الجديد في أنماط المقاومة؟ وما درجة فعاليتها؟

أي بعبارة أخري، ما الجديد في هذه المرحلة من مراحل “الأزمة الحديثة” التي تواجهها الأمة منذ أكثر من قرن منذ أن وصل تداعيها وانحدارها الحضاري ذروته وإن لم تنقطع خلالها أنماط المقاومة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتحقق بفقه الواقع الراهن فقط ولكن تتطلب استدعاء ركائز وحلقات الذاكرة الحضارية التاريخية وما تقدمه من دروس وخبرات. لما لهذه الذاكرة من أهمية في تقدير وتقييم طبيعة الراهن من حيث طبيعة ودرجة كل من التهديد والاستجابة المطلوبة فالعلاقة بين التاريخي والراهن علاقة عضوية بقدر العلاقة بين الداخلى والخارجي، والمادي والقيمي.

فأهمية الذاكرة الحضارية التاريخية تأتي من خلال تقديم رؤية كلية شاملة (من واقع الذاكرة التاريخية) لتحديد ما الجديد في الخطر، وفي المقاومة خلال هذه الأعوام الخمسة (2011 – 2016) سعياً نحو رؤية استراتيجية عن كيفية استمرار المقاومة خدمة لأهداف الثورات وتصدياً للثورات المضادة التي تتدثر بها الهجمات الخارجية في طورها الراهن، وهو ما سيتم تفصيله كما يلي:

أولاً: في أهمية الذاكرة التاريخية الحضارية للأمة:

تجديد الوعي الجماعي الحضاري ونحو الجديد في فقه الواقع يستدعي مفهوم الذاكرة التاريخية الحضرية وتوظيفها في التحليل السياسي منظومة من المفاهيم المتشابكة الزمان والمكان في تطورهما المتفاعل وأهمية النظر والتدبير في التاريخ، نهايات القرون وبدايات القرون ومفاصل الانتقال والتغيير في التواريخ الحضارية للأمم، تغير مسائل القضايا بتغير المساحات الزمانية والمكانية وتغير الأسباب، الرؤية الكلية المنظومية متجاوزة التفاصيل نحو الخصائص والأنماط الكبري، مفهوم الأنماط، ومفهوم النماذج التاريخية الدالة على التغيير في التفاعلات، أزواج مفاهيم التحديات / الاستجابات، الهجمات / المقاومات، التهديدات / التصدي، مفهوم الحضاري الجامع المنظومي بين ثنائيات وثلاثيات متكاملة: الداخل / الخارج (الوطن – الأمة – العالم) العسكري / السياسي والاقتصادي، السياسي / الديني والثقافي؛ وأخيراً التحليل الحضاري الدولي وأنماط التفاعلات الحضارية: التفوق الحضاري، القوة الحضارية، الاستيعاب الحضاري، الخلل الحضاري، الانحدار الحضاري، الانهيار الحضاري.

ويغلف مجموعات من المفاهيم وغيرها ويختبرها إشكالية العلاقة بين الفكر والممارسة، علي صعيد فقه التاريخ وصولا إلي فقه الواقع الراهن. وينبثق عن هذه المجموعات من المفاهيم المتراكمة، إطار نظري مركب عن “الذاكرة الحضارية للأمة”، يمكن أن تستند إليه دراسة العديد من التحولات المعاصرة وقضاياها وعلى رأسها “الثورات والثورات المضادة في المنطقة العربية”.

إن الذاكرة التاريخية الحضارية عن الهجمات على الأمة من الخارج ومن الداخل تقدم الكثير من الخبرات والنماذج والمفاصل التي تستدعي ضرورة الانتباه إلى ما يلي:

1- التشابك بين ثلاث منظومات من المفاهيم المتحاضنة والمتكاملة وهي:

الأولي: منظومة حالات الفعل الحضاري للأمة، تدافعا أم صراعا أم تعاونا بأدوات الحرب أو السلم.

الثانية: منظومة وسائط وسبل الفعل الحضاري: الجهاد، التجديد، الإصلاح، التغيير، الثورة، الحوار.

الثالثة: منظومة مخرجات الفعل الحضاري: القوة الحضارية، التشوه الحضاري، الخلل الحضاري والانحدار الحضاري ثم السقوط الحضاري، التداول الحضاري، النهوض الحضاري.

والعلاقات داخل كل منظومة وفيما بين المنظومات الثلاث علاقة وشيجة وشرطية وليست حتمية خطية صاعدة أو هابطة. وتجسدت هذه العلاقات عبر تاريخ الأمة باختلاف الزمان والمكان في مصفوفات مركبة (يحتاج اكتشافها إلى دراسات مقارنة عديدة) تختبر مقولة أو سنة أن المقاومة الحضارية عملية مستمرة في تاريخ الأمة، ليس في مواجهة الخارج فقط ولكن داخليا أيضا، فالاصلاح والتجديد او الثورة ليست داخلية بالأساس ولكن تتجه للخارج.

2-الهجمات قد تكون مجرد تحد للأمة يتطلب استجابة تقدر عليها الأمة أو قد تصل لدرجة التهديد حين يشتد التحدي ولا تصبح الأمة قادرة على التصدي له؛ وهو الأمر الذي يتطلب حينئذ شحذ المقاومة باختلاف انماطها حتي لا ينقلب الخلل في الموازين الحضارية إلي استيعاب وإستلاب كامل وليس مجرد هزيمة عسكرية.

ذلك أن الهجوم العسكري، انتصار أو هزيمة ليس هو المحك الأساس في الهزيمة الحضارية أو السقوط الحضاري أو الاستبدال الحضاري؛ ومن ثم فإن مفاصل المسار التاريخي للعلاقات الخارجية للأمة تكشف عن تواريخ هزائم عسكرية تم استيعابها وتجاوزها والتغلب عليها، والعكس صحيح. والمحك كان القدرة على الحضارية الذاتية في الاستجابة والمقاومة أو الخلل والعجز الحضاري؛ والمحك الثاني الأكثر أهمية هو ما هية التدخل الخارجي وطبيعته وقدرته علي تقسيم صف الأمة واختراقها من الداخل بأدوات أخري غير الأداة العسكرية، وخاصة الأداتين الاقتصادية والثقافية.

وتتغير أساليب وأدوات وأنماط هذا التدخل عبر المسار التاريخي وفق محددات عدة؛ من أهمها طبيعة النظام الدولي – العالمي القائم. فلا يمكن فهم الذاكرة التاريخية للأمة دونما القيام بأمرين: من ناحية أولي: فهم الأرتباط بين ماهية طبيعة النظام  العالمي القائم في كل مرحلة وبين الابعاد الداخلية وبين الابعاد البينية لمكونات الأمة؛ أي ضرورة الربط بين ثلاثية: حالة القوة أو الضعف، حالة الوحدة أو التجزئة وحالة الشهود أو التراجع أمام الهجمات الخارجية. ومن ناحية أخري: الرؤية من خلال منظور حضاري للظواهر يجمع – كل ما سبق القول – بين أبعاد الداخل والخارج وبين القيمي والمادي، وبين الرسمي وغير الرسمي، وبين الفكري والحركي. فالهجمات الحضارية ليست عسكرية فقط وليست من الخارج فقط، وليست تستهدف عناصر القوة المادية فقط.

3- تتعدد رؤي أعلام فكر الأمة الحضاري حول أهمية وضرورة استدعاء الذاكرة التاريخية وفهم دلالاتها المعاصرة شحذا للوعي الجماعي للامة نحو فقه المقاومة الحضارية انطلاقا من أصول الفقه الحضاري. فإذا كان حامد ربيع اعتبر التاريخ معمل الباحث السياسي، فإن التاريخ الإسلامي لديه هو تاريخ التراث الإسلامي، فكرا ومؤسسات وخبرات متميزة تمثل مصدرا أصيلا للتنظير السياسي من منظور إسلامي؛ أي لبناء قواعد وأسس جديدة للتنظير السياسي من مصادر إسلامية وليس من مصادر غربية فقط.

والتاريخ لدي طارق البشري هو تاريخ الأمة الذي بين لماذا نحن أمة؛ أي يُثبت وجود الأمة وانتماءنا إليها، وهو الذي يكشف أنماط العلاقة مع الآخر مستعمراً ومحتلاً وفارضاً للتبعية ومستهدفاً الاستبدال الحضاري، وهو الذي يعرض خبرات وتجارب الإصلاح والتجدد المستمرة في الأمة في مواجهة العدوان الحضاري عليها من الخارج، إنه التاريخ الذي ينعش الإدراك بالوجود الإسلامي الجمعي وبالذات الحضارية ولإدراك المميز الثقافي إثرائه له بالتنوع، إنه تاريخنا وليس تاريخهم والذي يجب أن ننطلق منه؛ مدركين أنه بقدر ما لا يوجد تاريخ عالمي واحد (هو تاريخ الغرب من مركزية غربية) بقدر أن تعدد التواريخ القطرية والجزئية في عالمنا الإسلامي أشد خطورة على الرؤية الكلية عن تاريخ الأمة من فكرة التاريخ العالمي، إنه التاريخ الذي يُبرز كيف أن التجدد في التيارات الفكرية الإسلامية ومدارسها هو قرين التغير في الأحداث الكبري التي تطغي على الامة وخاصة في مراحل الخلل والانحدار الحضاري واشتداد الهجمة الخارجية.

وينبه د. المهدي المنجرة (المفكر المغربي) إلى أنه ليس هناك أمة بدون ذاكرة حضارية جماعية. فمن الضروري فهم دور وفعالية التاريخ الحضاري لأن التقدم كله مبني على الذاكرة، والذاكرة أمر أساس وأصل كلمتها القرأن وكذلك المقابل لها أي النسيان.

ويري د. المنجرة أن من أهم ذاكرات الأمة التي لا يجوز نسيانها، ذاكرة الهجمات الخارجية والاستعمارية. ويتخذ مثالا لذلك مرحلة التسعينيات من القرن العشرين، وهو يكتب العدوان على العراق 1991 بعد عدوانها علي الكويت فيذكر بمغزي ضرب بغداد 1991. والذاكرة التي يستدعيها المنجرة ليست ذاكرة الهجوم على الأمة بالقوة العسكرية ولأهداف سياسية واقتصادية فقط، ولكن يذكر بالاساليب الثقافية العلمية المستخدمة لمحاربة الإسلام وقيمة في إطار مخطط ما بين قوي الاستعمار الجديد وعملائه في المنطقة؛ مخطط من أجل هيمنة حضارية ومحاربة القيم المحلية العربية الإسلامية، وإنشاء ذاكرة ممسوخة، والشعوب أساسا هي القادرة على المواجهة وبالذاكرة الشعبية يكتب التاريخ ويتمهد المستقبل. بعبارة أخري المهم، لدي المنجرة، عند رصد الذاكرة الحضارية هو الانتباه لتطور نمط الهجوم وادواته وتطور أنماط المقاومة المطلوبة.

4-أن الاقتراب من الذاكرة الحضارية متعدد الطرائق والمداخل؛ ومن بينها مدخل الجمع في التحليل النظمي للعلاقات الدولية بين تاريخ الأمة والتاريخ الدولي وبين أبعاد الفكر والممارسة، في نطاق بناء منظور إسلامي للعلاقات الدولية وتفعيله وتشغيله ضمن نطاق البحث والتفكير في أوضاع الأمة المعاصرة والتاريخ المستهدف هو الحضاري الشامل، ليس العسكري أو السياسي فقط ولكن الفكري أيضاً بأبعاده الخارجية والداخلية، ناهيك عن أنماط التفاعلات الإسلامية الدولية الممتدة.

ويقع التاريخ الإسلامي في قلب هذا الاهتمام لأكثر من هدف ولأكثر من غاية؛ من أهمها: استخلاص أنماط ونماذج تاريخية عن ثلاثة مجالات محورية: حالة القوة أو الضعف في الداخل الحضاري، حالة الوحدة أو التجزئة بين مكوناته، إدارة العلاقة حربا أو سلما مع بقية العالم؛ ومن ناحية ثانية استكشاف قواعد صعود وانحدار الأمة دولياً، وتطور حالة إدراك علماء الأمة لحالها وحال علاقاتها الخارجية ومواضع الهجوم عليها، تطور حالة التفكير في كيفية الإصلاح والنهوض من جديد.

ولم تكن غايات هذه الجهود العلمية نظرية أو فكرية فقط، ولكن غاياتها النهائية خدمة الحركة والممارسة بإعادة الاعتبار للذاكرة الحضارية عن تاريخ أمتنا؛ بحثاً في حالة المقاومة الحضارية بصفة عامة كعملية مستمرة تقوم بها الأمة بأشكال عدة.

فمع توالي وتراكم مشاركاتي العلمية الجماعية أو المنفردة في مجال القضايا الدولية المعاصرة وفي قلبها قضايا العالم الإسلامي، تأكد لي أن الذاكرة التاريخية الواهية أو المشوهة هي آفة خطيرة لا تقل خطورة عن آفات أخري تعاني منها شعوبنا العربية الإسلامية ويتم توظيف هذه الذاكرة الواهية أو المشوهة لإحكام الاستبداد السياسي والتبعية الاقتصادية والاستلاب الحضاري.

ولا يصدق هذا الوضع على المساحات الوطنية فقط، ولكن يصدق أيضا علي مساحات العلاقات بين مكونات الأمة من الشعوب والحكومات، وكذلك مساحات العلاقات مع باقي العالم.

ولهذا لم يكن الكفاح النظري باستدعاء التاريخ الاسلامي إلي جانب التواريخ الحضارية للآخرين في عملية التنظير الدولي الحضاري المقارن، هو الكفاح الوحيد المطلوب، فلقد كان مطلوبا أيضا الاستدعاء المنظم للذاكرة التاريخية للحركات الوطنية، أو الصراعات أو تجارب التعاون أو ……، فالسياسة ليست إلا التاريخ الراهن الذي لا ينفصل عن التاريخ السابق. ومن ثم، فإن تعميق فهم الأوضاع الراهنة للعالم الإسلامي، في مجملها وفي تفاصيلها، يتطلب استدعاء خبرة التاريخ للتدبر في ماهية التحديات والمخاطر والتهديدات الراهنة وسبل الخروج منها.

إن تراثنا هو تاريخ الفكر والمؤسسات والرموز والتفاعلات؛ أي تاريخ تطبيق الشريعة؛ ومن ثم تاريخ تطور العلاقة بين الأصل الثابت وبين المتغير فقها وممارسة. ومن ثم فإن العبرة من استدعاء التاريخ الإسلامي (للتنظير أو للتدبر) تتجاوز العبرة من استدعاء تواريخ حضارية أخري لا تنطلق أو لا تقوم علي مثل ثابتنا وأصلنا؛ أي: القرأن والسنة أو علي مثل أصول المنهاجية الإسلامية.

فالتغيير المستمر بلا ميزان هو سمت أو صبغة دراستهم لتاريخهم، أما صبغة تاريخنا فهي التغير وفق ميزان قسط قربا أو بعدا عنه، رشادة أو ضلالا، والميزان هو الأصل والثابت. ومن هنا أهمية الرؤية المقارنة بين مدارس تفسير التاريخ الاسلامية وغيرها من ناحية، وكذلك أهمية الرؤية المقارنة عن وضع وأهمية ومنهاجية توظيف التاريخ في الدراسات الدولية المقارنة (النظرية منها أو التطبيقية) من ناحية أخري.

إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ حضارتنا، وتاريخ تطور نظم الحكم الاسلامية وتطور العلاقات الدولية وتطور التاريخ الاجتماعي والاقتصادي. إن التاريخ الاسلامي ليس تاريخ الأسر والملوك والخلفاء فقط ولكنه تاريخ الأمة، إنه ليس التواريخ الجزئية القطرية فقط (التي سادت وانتشرت في ظل تشرذم الخلافة وبعد سقوطها)، ولكنه التاريخ الشامل للآمة الذي هو جزء حي من التاريخ العالمي. فالأخير ليس تاريخ المركزية الأوروبية المدعية للعالمية، كما أنه ليس تاريخا واحدا للعالم ولكنه تاريخ كافة الدوائر الحضارية في تفاعلاتها الكبري وخلال صعود أو هبوط كل منها.

إن التاريخ الاسلامي ليس تاريخ الحروب والمعاهدات فقط، ولكنه أيضا تاريخ التفاعلات السلمية بين الشعوب والدول الاسلامية وغيرها من شعوب ودول العالم سواء في دورات القوة أو الصعود أو دورات الضعف والخبؤ.

إن التاريخ الاسلامي ليس تاريخ تطور هياكل توزيع القوة العالمية بين المسلمين وغيرهم فقط، ولكنه تاريخ التفاعلات الحضارية في منظومة متكاملة من الهياكل والمؤسسات ومنظومات القيم والأفكار.

إن للتاريخ الاسلامي قراءات تختلف باختلاف المنظورات: الماركسية، القومية، الليبرالية، الإسلامية. ومن ثم تفسير التاريخ الإسلامي سواء في مفاصل تطوره الكبري، أو أحداثه الجزئية، ليس تفسيرا واحدا، ولكنه متعدد الجوانب. ويتم توظيف كل تفسير توظيفا سياسيا في الصراعات السياسية الوطنية أو الإقليمية. ورغم ذلك يظل لدور التاريخ، في النظرية أو الحركة الدولية ضرورته وأهميته؛ وهو الأمر الذي يتطلب منهاجية حضارية في استدعاء التاريخ بحثا في ركائز الذاكرة التاريخية وخاصة الحضارية الكلية.

5- وإذا كانت مداخل علماء الأمة – السابق الإشارة إليها – إلي التاريخ قد تنوعت، إلا أنها أجمعت على أهمية التاريخ؛ ومن ثم أهمية دور الذاكرة الحضارية. فنحن لا نتذكر الماضي لذاته فقط ولكن دائما لسبب أو لاستراتيجية معينة، وتتعدد النماذج الفكرية التي تعكس الرؤية الإسلامية للزمن والتاريخ وللذاكرة المقرونة بالشريعة والأمة والحضارة. فهذه العناصر هي ميزان استدعاء التاريخ لعرض الحاضر عليه أو للتدبر فيه خدمة لحاضر الشريعة والأمة والحضارة، مستفيدين بذلك من سنن الله التي انطبقت علي مسار التاريخ وتشرح لنا كيف نفهم تطوره، خدمة للحاضر والواقع والمستقبل.

وفي هذا تتقابل أو تتضاد أو تتقاطع أحيانا هذه الرؤية مع رؤي ذات جذور حضارية غربية منبثقة عن تقاليد يهودية مسيحية أو علمانية، عن الذاكرة الحضارية. وهي في مجموعها رؤي من واقع تقاليد حضارات عدة؛ ما عدا الحضارة الاسلامية. ومن ثم فيغلب عليها المدخل الأسطوري، الماضوي، الشعبوي، الطقوسي، الفردي – الجماعي، المتغير والمتأرجح (الدوراني أو الخطي) بلا ميزان ثابت مثل الشريعة ومصدريها القرأن والسنة. فمعني الزمان ومعني التاريخ وفق هذه المصادر الغربية وما يتفرع عنها لا بد أن يقود إلى معني مغاير للرؤية الاسلامية عن الذاكرة الحضارية ووظائفها وأدوارها: مفاده استرجاع الماضي المتأصل والمتعمق في الذات الحضارية لتكون بمثابة انطلاقة التطور في الحضارة أو تكون مجرد الأساس والقاعدة للاستمرارية الحضارية، أو مجرد ذكري مؤصلة تضع الزمن الحاضر على انه امتداد طبيعي للماضي، أو مجرد ذاكرة مضادة للحاضر تساعد على إدراك أوجه النقص في الزمن الحاضر مقارنة بزمن ماضي كان يحمل سمات عصر بطولي وعلي نحو يبرز القطيعة بين ما كان موجودا وما هو موجود الأن، وصولا إلى تأصيل الزمن الحاضر كما هو وقبوله أو التساؤل حوله والمناداة بالتغيير والانقلاب عليه وجذوره التاريخية أيضا.

ومن ناحية أخري، قد تتقاطع الرؤية الإسلامية عن الذاكرة الحضارية مع رؤي حضارية غربية في أن استدعاء الذاكرة هو أحيانا نوع من المقاومة. فالمقاومة وفق الذاكرة الحضارية الاسلامية قائمة دائما في تاريخ الأمة، وتتعدد أدوارها بتعدد التهديد ويظل ميزانها واحدا: الحفاظ على الشريعة والأمة والحضارة، فهي الأمة الدائمة – في أشكال متعددة – بدوام مصدرها؛ وهو “القرأن”، والرسالة للعالمين في كل زمان ومكان.

ولهذا، فبقدر ما تعددت أشكال وطبائع الهجوم عليها علي مر تاريخها وأحوالها قوة ووحدة وفتحا وشهودا أو ضعفا وتفككا وتراجعا ومشهودية، بقدر ما لم تنقطع أشكال المقاومة الحضارية قوة أو ضعفا.

فما الذي تقدمة الذاكرة التاريخية من خبرات المراحل المتتالية؟ وأين موقع الحاضر القائم من هذه المراحل؟ وما الجديد في التهديد والمقاومة في مرحلة ما بعد الثورات؟

ثانياً: نقاط التحول الكبري في الهجمات الحضارية على العالم الاسلامي

إن التقديم الموجز السابق عن مفهوم الذاكرة التاريخية ومقتضيات دراستها وأهميتها يستدعي لنا مفهوم مفاصل ونقاط التحول الكبري في الهجمات الحضارية على العالم الاسلامي، سواء من حيث حالة الأمة والنظام العالمي برمته من ناحية، أو ماهية هذه الهجمات ودرجة ما تمثله من تحد أو تهديد من ناحية أخري، وأنماط المقاومة المتتالية المتغيرة ولكن الدائمة والمستمرة من ناحية ثالثة.

وهذا المفهوم يرتبط بمفهوم نهايات وبدايات القرون ودلالاتها استنادا في جانب منه إلى الحديث الشريف: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”. حيث يتضح من التحليل النظمي الدولي للتاريخ الإسلامي؛ أنه يمكن التمييز بين مفاصل تاريخية مهمة امتدت من نهايات قرن إلى بداية القرن التالي وشهدت تحولات مهمة سواء علي صعيد الداخل الإسلامي (تعاقب سقوط وصعود الخلافات أو الدول الإسلامية الكبري مثلا) أو مستوي البيني من مكونات الأمة (الوحدة أو التفكك أو التقسيم أو التجزئة) أو علي مستوي علاقات الأمة بالخارج (الحملات العسكرية، النفوذ والسيطرة، الاحتلال، التبعية الاقتصادية والثقافية ……).

وجميعها كانت مفاصل في التحديات الهيكلية للأعمدة الفقرية وأعصاب الأمة المادية منها وغير المادية: الأرض، النظم، الثروة، العقول والقلوب، والأهم: “العقيدة”.

وبالنظر إلي القرون الخمسة الأخيرة، منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، القرن التاسع هجريً على سبيل المثال، وهي المعروفة بقرون الأزمة (بداية وتناميا وذروة …)، يمكن التمييز بين عدد من المفاصل في تطور التوازنات العالمية بين مراكز القوة الإسلامية ومراكز القوة الغربية وجميعها اقترنت بنهايات قرن وبدايات قرن؟ وجميعها اقترنت بأحداث ووقائع شديدة الدلالة بالنسبة لهذه التوازنات وفي التحولات، وفي الهجمات مع صعود منحني القوة الحضارية الغربية، وبداية منحني انحدار القوة الحضارية الإسلامية بعد وصولها إلي الذروة وصولا لذروة الأزمة مع نهاية القرن الثالث عشر هجريا والتاسع عشر ميلاديا وبداية القرن الرابع عشر هجريا والقرن العشرين ميلاديا.

وهذه المفاصل التاريخية هي:

1- (1492 – 1517): بداية بالكشوف الجغرافية وسقوط غرناطة (استكمالاً لسقوط الأندلس التدريجي) واستنزاف التحرك العثماني غرباً في أوروبا وتحوله نحو الجنوب وضم مصر والشام والصدام مع الصفويين.

2- (1570 – 1606): اشتداد الصدام العسكري العثماني – الأوروبي وبدايات جمود الفتوح العثمانية بل وتراجعها من معركة ليبانت 1570 إلى معاهدة زيتفاتوروك 1606.

3- (1699 – 1715): الهزائم العسكرية العثمانية وأول استقطاع للأراضي في معاهدة كوكينارجا إلي بداية إدخال الإصلاحات في المركز العثماني نقلا عن الغرب.

4- (1789 – 1815): اندلاع الثورة الفرنسية وتغير التوازنات الأوروبية وامتداد التنافسات الأوروبية إلى قلب العالم الإسلامي واقتطاع جديد من الإمبراطورية العثمانية وتوازن أوروبي جديد وفق مؤتمر فيينا.

5- (1884 – 1914): التنافسات الاستعمارية وعواقب الثورة الصناعية على موجة الاستعمار الثانية، وانهيار توازن القوي المتعددة واندلاع الحرب العالمية الأولي بعد فشل تسويات مؤتمر برلين 1884.

6- (1991 – …..): موجات ثلاث من الحروب الحضارية (1991 – 2001)، (2001 – 2011)، (2011 – ……) عبر أرجاء الأمة في ظل تداعيات نهاية الحرب الباردة، وعواقب هجمات 2001 واندلاع ما يسمي الحرب العالمية على الارهاب الاسلامي.

ويتضح من توالي هذه المفاصل الخمسة الأولي التحول التدريجي في مراكز القوة العالمية والحضارية من المراكز الاسلامية، وخاصة العثمانية، إلي المراكز الأووروبية الغربية. فبعد الصعود العثماني في المرحلتين الأوليين تغلب الهجوم الأوروبي في المرحلتين التاليتين، وكانت الخامسة إيذانا بميلاد نظام دولي مختلف الهيكل والحالة والقيم. وخلال هذه المراحل وتعاقبها انضفرت الأبعاد العسكرية بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فلم تكن الهزائم العسكرية العثمانية إلا بداية للاتجاه للغرب للنقل عنه حضاري وليس عسكريا فقط، ولم يكن الاحتلال العسكري المتوالي لأرجاء العالم الإسلامي إلا تجسيدا للضعف الحضاري الذاتي ومن ثم بداية للخلل الحضاري في الداخل والناجم عن الفرض القسري “للغربي” من أعلي في ظل الاحتلال.

ولم يكن الاحتلال والتغريب إلا وجهين في عملية ثلاثية الابعاد حيث كان الوجه الثالث هو التقسيم والتجزئة. ولكن لم تكف المقاومة بأشكال مختلفة في مواجهة هذا الانحدار الحضاري الثلاثي الأبعاد في محاولة للإصلاح والتجديد والنهوض والشهودمن جديد؛ ولم يكن ما بعد المفصل الخامس (القرن الخامس عشر هجري والقرن الحادي والعشرين ميلاديا) الأشد قسوة ولكن الأكثر تعرضا للمقاومة.  فلقد اتخذ الانحدار، بعد سقوط الخلافة العثمانية واستكمال احتلال العالم  الإسلامي وتقسيمه في تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولي وبداية عصر الدول القومية المستعمرة ثم المستقلة، ملمحين أساسيين لتلك المرحلة هما: المقاومة للاستعمار والتجزئة والتغريب من ناحية، وظهور الحركات والتنظيمات والتيارات الاسلامية وقيامها بأدوار أساسية في هذه المقاومة عسكريا واجتماعيا وفكريا في تنافس بل وتصارع مع الحركات الوطنية الأخري التي ارتدت أردية أيديولوجية تعكس الصراع العالمي الجديد بين الشرق والغرب؛ أي الصراع الأيدولجي الماركسي – الرأسمالي بعد أن خرجت الإسلامية – مؤقتا – من دائرة ضوء هذا الصراع بعد سقوط الخلافة العثمانية، وحتي اكتسب دورها أبعاداً جديدة أي وضع  القوي المعارضة أو المحظورة في إطار القومية بعد الاستقلال خلال القرن العشرين من ناحية أخري.

ومن ثم كان المفصل السادس (1991 – 2016) شديد الدلالة من حيث تنامي الانحدر الحضاري؛ حيث شهد ثلاث جولات من الحروب الحضارية علي الأمة مع استمرار أنماط المقاومة المشوهة أو الرشيدة علي حد سواء والتي توجتها الثورات العربية 2011 التي استفزت – بدورها – حرباً حضارية راهنة علي “الاسلام والمسلمين” تستهف بدرجة أساسية المشروع الحضاري الاسلامي والحركات الاسلامية بصفة خصة.

إن كل مفصل من هذه المفاصل دشن جديداً سواء في طبيعة الهجمة أو طبيعة المقاومة ضدها. فما الجديد في الهجمة علي الثورات العربية وفي أنماط المقاومة من جانبها؛ وذلك علي ضوء القواعد والأسس العامة التي يمكن استخلاصها من هذه الخبرة الممتدة من الفعل الحضاري الاسلامي؟

ثالثاً: الهجمة علي الثورات العربية وأنماط المقاومة

إن الحديث عن أزمة الثورات العربية بعد ست سنوات من اندلاعها كجزء من الهجمة الحضارية المعاصرة على الأمة لا ينفصل عن الحديث عن أزمة المشروع الحضاري الاسلامي، طوال القرن العشرين، وبقدر ما لم ينفصل عن الحديث عن أزمة المشروع الحضاري الاسلامي، طوال القرن العشرين، وبقدر ما لم ينفصل الحديث عن اندلاع الثورات 2011 عن الحديث عما سمي “الصعود الاسلامي” أو “الحقيقة الاسلامية”، وكلا الأمرين حلقة من حلقات تطور وضع الأمة في النظام الدولي، ولم يشغلني حينئذ مستقبل الصعود الاسلامي الذي ركز عليه العلمانيون والغرب بقدر ما شغلني منذ بداية اندلاع الثورات مستقبلها في ظل الصعود الاسلامي، وفي ظل طبيعة النظام الدولي القائم وموقفه من الثورات (علي ضوء خبرة التاريخ الحديث والمعاصر)، لأن القضية الوطنية الأساسية هي الحرية والاستقلال والعدالة للشعوب أياً كانت المرجعة التي تحكم طالما ستخدم التعددية والتداول وفق إرادة الشعب الحرة.

ومن أهم الاسئلة التي طرحتها علي نفسي حينئذ؛ أي في 2011: من ناحية: هل طبيعة الثورة المصرية كنموذج حضاري للثورات (تعاوني، تسامحي، تكاملي، توافقي، عمراني، إيماني، سلمي) ستقود إلي تغيير حضاري يشارك فيه الاسلاميون إلي جانب الروافد الوطنية الأخري للثورة؟ وما موقف السياقات الإقليمية والعالمية من هذه الثورات ترصدا وترقبا ومتي وكيف سيحدث التدخل الخارجي السافر لإجهاض الثورات؟ وهل ستستسلم النظم العميقة المتكلسة الفاسدة التابعة للنظام الدولي المهيمن؟ وكيف سيحل الخارج معضلة التناقض بين المبادئ والقيم التي يتخذها شعاراً له وبين الصعود الاسلامي ومسار التغيير في المنطقة العربية الذي قد يصبح مدخلاً لتغيير عالمي إذا تحققت أهداف الثورات الشعبية؟ وأخيراً: كيف يمكن أن تحمي هذه الثورات نفسها؟ وكيف يمكن أن تقاوم الشعوب الثورات المضادة داخلياً وخارجياً؟

وبعد ست سنوات من المتابعة الحية لما يواجه الأمة – في قلبها العربي – من تحديات وتهديدات حضارية،

 فإنه يمكن تخليصها في العناوين التالية:

  • العدو الملتبس علي الجميع
  • الصبغة الطائفية الفجة والمعلنة بدون حياء
  • الصعود الإسلامي في الثورات: من المشاركة إلي الاستهداف
  • أزمة المشروع الإسلامي
  • انكشاف تحالف العلمانيين والنظم العسكرية من جديد
  • تحول النظام العربي إلي نظام شرق أوسطي
  • النظام الغربي العالمي وأزمات الهيمنة وبداية الانحدار.

كما يمكن من ناحية أخري القول أن أنماط المقاومة الحضارية لم تنقطع، قوية كانت أو واهية، ظاهرة أم باطنة، فكرية أو حركية، سلمية أو عنيفة …. وجميعها أنماط تستدعي النظر والتدبر والبحث في المآلات وفق قواعد أصول الفقه الحضاري.

إن الفقه الواقع لا ينفصل عن فقه التاريخ، وفقه المنظور الحضاري. إن تحديد طبيعة اللقطة الراهنة (عبر ستط أعوام منصرمة) من مشهد ما زال يتشكل، أي فقه وحاله ما يسمي الثورات والثورات المضادة وحالة المشروع الاسلامي، لا ينفصل عن فقه الذاكرة التاريخية، فلا بد من تسكين مشاهد هذه اللقطة في سياق تاريخي ممتد تعاقبت عليه مراحل من تطور وضع الأمة في النظام الدولي في تفاعلها مع تواريخ الأمم الأخري في إطار سياقات عالمية متغيرة وحالات متغيرة من القوة وأنماط التفاعل المتبادلة.

إن أصول الفقه الحضاري، وفق د.سيف عبد الفتاح، تعني كيفية مواجهة النوازل على الأمة من خلال الربط بين فقه النص، وفقه التاريخ، وفقه الواقع وصولاً إلي فقه التنزيل اجتهادا حول سبل وأدوات مقاومة هذه النوازل حماية لوجود الأمة المادي والمعنوي. وهو الأمر الذي يعني استمرار التجديد في “مشروع حضاري إسلامي” يترجم هذا الفقه الحضاري من مجرد رؤية إلى حركة وفعل بين مشروعات أخري تداعت على الأمة منذ بداية انحدارها.

خلاصة:

متي يحتاج التجديد والاصلاح إلى ثورة لإحداث تغيير إذا ما تداعت العوائق لإجهاض مشروعات الإصلاح؟ سؤال قدمت السنوات الست الماضية إجابات متعددة عليه؛ ولكن والأهم أنه في وسط اشتداد أعراض الهجمة وعواقبها، من بين ظهرانينا وبأيدينا، تبرز أيضاً أشكال من المقاومة الحضارية، وهي قد تبدو خافته ومنتشرة بحيث لا تجذب الانظار بدرجة كافية تجدد الامال في القلوب بأن الشعوب يمكن أن تحقق انتصارها بعد أن دفعت من دماءها وأرواحها الكثير.

ومن هنا فإن الحديث عن “تعاضد أنماط المقاومة الحضارية”، يقدم نموذجاً علي ما يجب أن تعتاده عقولنا وقلوبنا من استخلاص للحالات التي تحقق مقاومة فريدة في مواجهة أقصي التحديات، قد لاتتضح آثارها المباشرة بسرعة ولكنها تحمل بصمات “حقيقة هذه الأمة” وهي: أنها لا تتوقف عن وبكافة الأدوات وعبر مختلف أرجائها. والفحص المستمر والعميق والمدقق بين ثنايا مشاهد الاقتتال والتحالفات والتحالفات المضادة وتدخلات الخارج السافرة وغير الظاهرة، يكشف حالات باهرة من “المقاومة” ذات الدلالات الممتدة والمتراكمة، لأنها مقاومة تنطلق من ثوابت هذه الأمة وتسهي لحمايتها، إنها انماط من المقاومة الحضارية بكل ما تعنيه تلك الصفة من دلالات، لأنها تتصدي وبواسطة “الناس” لكل السلبيات التي تعكسها مشاهد التهديد، تتصدي للطائفية والمذهبية والقومية المتعصبة، لتجديد التعددية والقوة التوحيدية الكامنة في هذه المة، القوة المتجاوزة للثنائيات المتصارعة البغيضة(1).

———————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”، والدراسة تنشر بالتنسيق مع مركز الحضارة للدراسات السياسية (القاهرة).

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close