fbpx
دراسات

الوضع القانوني لصنافير وتيران المصريتين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

قبل البدء ..

“يُمكن للأساطير أن تتحول لواقع إذا امتلكت القوة أو تسلحت بالمال .. هذه قصة فلسطين ..بل وأيضا قصة صنافير وتيران”(1).

أولا: موقع تيران وصنافير في التأسيس للأطماع الإسرائيلية في سيناء:

تستند إسرائيل لتدعيم شرعية وجودها على أسطورة لا وجود لها في عالم القانوني وهي أن أرضا بلا شعب يُمكن أن يسكنها أي شعب. ففلسطين المحتلة من الإنجليز اعتُبرت بلا شعب، وبالتالي سمح المحتل البريطاني لنفسه أن يمنحها لمن اعتبرهم شعبا بلا ارض، رغم إن الأرض مسكونة بمئات الآلاف وكل مُهاجر يهودي ينتمي لوطن محدد في النظام القانوني الدولي.

لكن هذه الأسطورة لاتزال تعمل على أرضنا، فسيناء قليلة السكان سمحت للكتابات الغربية التي تدعم توجهات إسرائيل التوسعية للقول بإن السيادة تعتمد على وجود سكان، وإن غيابهم يعني غياب السيادة!!؛ وهو المنطق الذي لو صح لانحسرت سيادة كل دولة عن غالبية أراضيها صحراوية مُقفرة أو غابات غير مسكونة. وانتشرت كتابات عديدة تؤسس لعدم وجود سيادة قانونية للدولة المصرية على سيناء، وتغيّر في التاريخ وتتلاعب في الجغرافيا وتعيد تفسير الاتفاقات الدولية لتصل لهذه النتيجة المضحكة التي لم يستطع أحد ابتلاعها.

1-من سيناء إلى تيران وصنافير معركة التشكيك في الحقوق:

اختار المحامي الكندي بلومفيلد أن يطرح سؤالا مستفزا “هل تمتلك مصر سيناء؟” وجعله عنوانا لأحد فصول كتابه “مصر وإسرائيل وخليج العقبة في القانون الدولي”. بالطبع لم يقصد المحامي المناصر للدولة العبرية إثارة الدهشة بل سعى لحياكة أسطورة في عالم القانون تتماشى مع أسطورة إسرائيل الكُبرى، وهو يدري أن القانون الدولي طيّع بيد من يملك القوة. وقبل أن تُستشاط غضبا وتُطلق جوابا منطقيا تلقائيا، يُعاجلك الكاتب في السطور الأولى لنفس الفصل بأن مصر لا تمتلك دليلا للسيادة على شبه جزيرة سيناء، فهي لم تكتشفها ولا يُذكر لها أنها ضمتها لسيادتها ولا بأي من وسائل الحيازة الأخرى.

ويرى الكاتب أنه حتى اتفاقية 1840 لا تؤكد سيادة مصر على سيناء لأنها ببساطة – وفقا لأسطورته -لم تُعط حقا لمحمد على وأسرته سوى إدارة المنطقة الجنوبية من سورية والتي تشمل سيناء من وجهة نظره القاصرة. بل إن اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والإمبراطورية التركية سنة 1906 لمتعن لنفس المحامي أي مدلول قانوني، فهو يعتقد أنه ينحت القانون بخياله، فينفي أي قيمة قانونية للوثيقة الدولية لأنه يرى أنها “وضعت حدودا إدارية بين جزأين من أراضي نفس الإمبراطورية” وبالتالي لا يكون لها – من وجهة نظره – قيمة في القانون الدولي دون أن يُفسر هذا المحامي الفذ كيف أن كيانا إداريا بلا سيادة يوقع اتفاقية مع الدولة الأم؟!!

هذا الهُراء الذي سنتعرض له بتفصيل أكبر لاحقا، تبناه نواب بريطانيون في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين لنفي تبعية سيناء إلى البلد الأم، مصر؛ وبالتالي يُمكن للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس أن تحتفظ بها كسبيل لضمان سيطرة بريطانيا على قناة السويس.

وخلال مناقشة بمجلس العموم البريطاني حول هذا الموضوع سنة 1951 – قبل الفترة الناصرية حتى لا يعتقد البعض أن النواب تبنوا تلك الحجج الفضيحة نكاية في ناصر -أدلى بعض النواب الإنجليز الداعمين للحجج الإسرائيلية بتصريحات مؤداها أن سيناء لم تكن سوى تحت الإدارة المصرية وليست مملوكة لمصر منذ مايو 1892 وأن اتفاقية 1906 لم تغير من هذا الوضع، الذي استمر حتى إبرام اتفاقية لوزان للسلام بين تركيا والحلفاء سنة 1923؛ وبما إن الإدارة لا تمنح ملكية فإن مصر – وفقا لهم – ليست لها سيادة على سيناء.

بالطبع يصعب أن تصمد مثل هذه الادعاءات طويلا أمام حقائق التاريخ والجغرافيا المدعومة بإرادة شعب مستعد دائما لبذل كل غالٍ ورخيص للدفاع عن سيناء. لكن أصحاب الأساطير لا يكفون عن البحث عن ثغرات يمرون منها لما يرغبون في تسويقه؛ فانتقل هؤلاء من التشكيك في ملكية مصر لسيناء إلى محاولة إضعاف الترابط الجغرافي والتمساك القانوني لهذا الجزء الغالي من ارض مصر؛ فبدأت منذ مطلع الخمسينات معركة تيران وصنافير.

ولأن صنافير وتيران كونتا جزءاً أصيلاً من كتلة يابسة هي سيناء لا يفصلهما عنها سوى ثلاثة أميال، انتقل الحديث عن المياه لا عن اليابسة؛ وتركز حول الدفاع عن دولية مياه خليج العقبة بمجرد أن احتلت إسرائيل موطئ قدم على رأس الخليج مُمثلا في قرية أم الرشراش لتحولها على ميناء إيلات؛ ثمّ امتد إلى النزاع حول حقوق المرور عبر خليج تيران، والذي لم يُنازع أحد أيضا في كون مياهه مياها إقليمية لأنها محصورة بين يابستين مملوكتين لمصر وإنما حول طبيعة الممر هل هو ممر داخلي أم دولي؟!

أدركت مصر باكرا قيمة الجزيرتين، فهما يُمثلان واحدة من أهم العناصر اللازمة لحماية سيناء وبالتالي لحماية المدخل الشمالي الشرقي لمصر؛ فالجزيرتان تتحكمان في مدخل خليج العقبة؛ هذا الخليج الذي كان مصريا خالصا، ثم أضحى عربيا خالصا، ثم فجأة تحول إلى خليج دولي، بفعل رسو قوة أجنبية عند رأسه باحتلال أم الرشراش؛ وبالتالي ازدادت قيمة مضيق تيران، وتعاظمت القيمة الاستراتيجية للجزيرتين، وتحولت ملكيتهما من أمر طبيعي إلى مسألة ضرورية تقتضيها استراتيجية الدفاع عن الوجود أمام قوة استعمارية جديدة مُسلحة حتى أسنانها لا تحترم التزامات قانونية ولا تكبح جماحها اتفاقات دولية.

في البدء حاولت إسرائيل جس نبض المجتمع الدولي بشأن تبعية الجزيرتين لمصر، معتمدة على الأسطورة التاريخية والقاعدة التي روجت لها “أرض بلا شعب” يحتلها “شعب بلا أرض”، محاولة الاستفادة من خلو الجزيرتين من السكان. فأشار بن جورين سنة 1956 في خطاب له أمام الكنيست الإسرائيلي إلى أنه: “منذ سكن العبرانيون جزيرة تيران منذ أربعة آلاف سنة، ولا يوجد دليل واحد على أن أحدا شغلها أو سكنها بعدهم”.

وحاول البعض دعم تلك الأسطورة بالإشارة على وجود قاطنين للجزيرتين من اليهود خلال القرن السادس الميلادي مُطلقين عليهما اسم عبري هو (Yotvat) ومستدلين بإشارة مزعومة وردت على لسان”المؤرخ الإغريقي Procopisus بقوله إن “ثمة عبرانيين سكنوا منذ زمن طويل حتى أيامنا هذه (يقصد منتصف القرن السادس) وأداروا شئون أنفسهم، خلال فترة حكم الإمبراطور جوستنيان، وهم يعتبرون رعايا رومان “دون أن ينتبه هؤلاء الذين يزورون التاريخ للتناقض بين عبارتي “أداروا شئون أنفسهم”، و”يُعتبرون رعايا رومان”.

القضية، في الحقيقة، لا تتعلق بالرد على تلك الترهات التي لا تستحق تعليقا، لأن المرور على أرض لا يمنح مُلكية، بل إن السكنى في أرض لا تُثبت سيادة، إنما يُمكن أن تُثبت الرعوية؛ لكن الأهم هو ملاحظة تلك المحاولات التي لا تفتُر لإضعاف التناغم الجغرافي والأساس القانوني لسيادة مصر على هذا الجزء الغالي. ومع ذلك فإن أحدا لم ينجر أمام هذه الحجج الخيالية ولم يُشكك أي من أطراف المجتمع الدولي في سيادة مصر على الجزيرتين، سوى الشقيقة المملكة العربية السعودية والتي تأسست في مطلع الثلاثينات في القرن العشرين، لتثير بعض المزاعم حول تبعية الجزر لها في سنة 1949، نفس تاريخ إثارة إسرائيل لمسألة السيادة وحقوق المرور عبر مضيق تيران !!

ثانياً: نقد الأساطير الثلاثة:

الأسطورة الأولي: عدم وجود وثيقة دولية تؤكد ملكية مصر للجزيرتين:

أغرب ما أثاره البعض هو الزعم بقرب تيران وصنافير من ساحل المملكة العربية أكثر من ساحل سيناء، وهو مما يغاير الحقيقة، فبينما أن المسافة بين أقرب نقطة بالجزيرتين والساحل السعودي هي حوالي 4.5 أميال، فإن المسافة بين تيران وساحل سيناء لا تزيد عن 3 أميال. وقد أصرت مصر أن تُثبت ذلك في مذكرة التفاهم التي أبرمتها مع العربية السعودية في 1949 وشددت فيها على حقوق السيادة المصرية على الجزيرتين.

وتتمثل الأهمية الاستراتيجية للجزيرتين في المنطقة الأبعد عن الساحل السعودي والأقرب للساحل المصري، وهي المضيق المحصور بين جزيرة تيران وساحل سيناء عند رأس نصراني، والذي رغم ضيقه (حوالي 3 أميال) فإن عمقه يصل إلى 1300 متر، بما يسمح بمرور السفن أيا كان غاطسها.

وبالتالي فمن منظور القيمة الجغرافية، لا تمثل الجزيرتان أي قيمة استراتيجية للمملكة العربية بينما قيمتها الاستراتيجية لمصر تصل لدرجة لا تسمح لها – في أي وقت من التاريخ – أن تتنازل لغيرها عن ملكيتها. وبحسب الأصل أن “المياه الإقليمية هي امتد ضروري لليابسة”، من حيث ضرورتها للدفاع عن اليابسة، أو ارتباطها جغرافياً بها أو قربها الشديد إليها؛ وجميعها عناصر متوفرة في العلاقة بين سيناء وجزرها الثلاث في خليج العقبة (جزيرة فرعون في شمال الخليج، وجزيرتي صنافير وتيران عند مدخله الجنوبي). والقول بعكس ذلك يعني بكل بساطة تعديل تقسيم المنطقة وترسيم الحدود بين دولها كل فترة وفقا لتغيّر أهواء الحكومات أو لتبدل موازين القوى، وهو ما لن يؤدي إلى أي استقرار.

لكن الأدهى من مناقشة النواحي الجغرافية هو ما يثير البعض بصوت عالٍ إلى غياب أية وثائق دولية تثبت ملكية مصر لجزيرتي صنافير وتيران، وهو مجرد دعاية إعلامية بعيدة عن أية حقائق علمية؛ إذ لا يعرف التاريخ الجزيرتين إلا من خلال انتمائهما ليابسة سيناء ولإقليم الدولة المصري، ولا توجد خريطة معروفة قبل سنة 1906، تاريخ اتفاقية ترسيم الحدود المصرية التركية، إلا وبها رسم للجزيرتين كجزء أصيل من سيناء 10

2ـ اتفاقية 1840:

وفقا لاتفاقية لندن 1840 -التي تُعتبر الأساس للاعتراف الدولي بالشخصية القانونية للدولة المصرية بعد حروب دامت حوالي عشرين سنة – فإن كامل خليج العقبة بالأراضي التي تحوطه، بما فيها الساحل الشرقي لخليج العقبة شمال الحجاز كان جزءا لا يتجزأ من إقليم الدولة المصرية واشتمل على أربع مواضع مهمة شكلت جزءا إداريا من سيناء وهي: قلاع ” الوجه “، و”المويلح “، و”ضبا” و”العقبة”، وبالتالي فإن خليج العقبة استمر حتى 1906 خليجا مصريا خالصا، بما يضمه من جُزر.

ولم يُخامر الشك أي باحث في ذلك الوقت حول تبعية الجزر للدولة المصرية، وعلى سبيل المثال أنهى “ريموند ويل” رحلته في سيناء نهاية القرن التاسع عشر بإصدار كتابه “شبه جزيرة سيناء ـ دراسة في الجغرافيا والتاريخ”، متضمنا خارطة لسيناء توضح أهم معالمها وتضم بشكل واضح الجزر الثلاث التابعة لها: جزيرة فرعون في شمال خليج العقبة وجزيرتي صنافير وتيران في مدخله الجنوبي.

وكذلك وصف ضابط المخابرات المصرية المتوفي سنة 1922، نعوم بك شقير، حدود سيناء من ناحية خليج العقبة، حوالي سنة 1906، قبل إنجاز مهمته ضمن لجنة لعمل تقرير عن الحدود الفاصلة بين الدولة المصرية والتركية، فأشار لوجود جزيرتي تيران وصنافير تجاه رأس محمد باعتبارهما ضمن تلك الحدود. ولما كانت ثمة نزاع بين تركيا ومصر بشأن السيادة على نقطة رأس خليج العقبة وكانت جزيرة فرعون هي الأقرب إليها، فقد شدد نعوم بك في التأكيد على سيادة مصر عليها، بينما اكتفى بإشارة سريعة إلى تيران وصنافير دون ذكر أي خلاف على تبعيتها لمصر.

3ـ اتفاقية 1906:

تأتي اتفاقية 1906 بين مصر وتركيا، لتنتقص من إقليم الدولة المصرية وتنتزع أجزاء منه لصالح الدولة التركية في هذا الوقت؛ ومن ثمّ مالت إلى ذكر ما لا يدخل في ملكية الدولة المصرية لتستبعد كامل الساحل الشرقي لخليج العقبة، وتحدد رأس خليج العقبة حتى رفح في خط مستقيم، كحد فاصل بين مصروالممتلكات التركية، دون أن تستبعد من مُلكية مصر أي من الجزر الثلاث المرتبطة بسيناء.

وأثناء الحرب العالمية الأولى (بعد إبرام اتفاقية 1906) شكلت الجزيرتان أساسا للاستراتيجية الدفاعية عن مصر، فجرى إنزال قوات عسكرية بها ونصب بطاريات مدفعية لمنع أي تسلل تركي عبرهما إلى جنوب سيناء، ثم كانتا جزءا من التقسيم الإداري لمنطقة الطور سنة 1937، ثم ساحة لتواجد عسكري مصري-إنجليزي مُشترك أثناء الحرب العالمية الثانية التي استمرت من سنة 1939 إلى 1945.

واستمر الوضع على ذلك دون وجود ما يُعكر صفو تلك السيادة الواقعية والقانونية لمصر على الجزيرتين حتى إنشاء الدولة العبرية في 1949 واحتلالها قرية أم الرشراش لتقيم على أرضها المسلوبة ميناء إيلات كمنفذ وحيد لها على خليج العقبة. ومن البديهي أن تلك الدولة لم تكن ترغب في إنشاء مصيف على خليج العقبة، وإنما عملت على امتلاك منفذ لها على البحر الأحمر الذي كان لحد هذه اللحظة بحرا عربيا خالصا.

وإذ لم تجرؤ أي دولة على المجادلة في ملكية مصر للجزيرتين واعتبار مياه مضيق تيران مياها إقليمية، ثار الجدل حول ما إذا كان يجب اعتبار المضيق ممرا دوليا كحالة قناة السويس. بينما حاولت إسرائيل وحدها الترويج لمزاعم لم يستسغها أحد بشأن عدم ملكية مصر لسيناء كاملة، كما أشرنا سابقا.

في هذه الأجواء أعلنت المملكة العربية السعودية فجأة أنها المالكة للجزيرتين في نفس توقيت إثارة إسرائيل لمسألة المرور عبر المضيق. لكن مصر عالجت الأمر سريعا بأن أبرمت اتفاقا – كما سيأتي تفصيله لاحقا – حولته لمذكرة جرى توزيعها على الدول ذات الصلة، شددت فيه على ملكيتها للجزيرتين، مع احترامها لأي حق محتمل للمملكة السعودية، وبررت الإجراءات المشددة التي فرضتها على الملاحة عبر مضيق تيران بأنها تُمارس حقوقها الثابتة دون أدنى معارضة سعودية. وضمن هذا الاتفاق عدم استغلال إسرائيل للادعاءات السعودية في النزاع حول حق إسرائيل في المرور عبر المضيق دون رقابة. وفي نفس الوقت لم يتضمن – كما سيأتي – أي مساومة بشأن سيادة مصر على الجزيرتين.

4ـ الاتفاق المصري البريطاني في يوليو 1951:

كانت بريطانيا تحتل منطقة قناة السويس، كما كانت طرفا في اتفاقية 1906، ووضعت قوات لها بالمشاركة مع القوات المصرية على جزيرتي تيران وصنافير خلال الحرب العالمية الثانية، وقامت بمناورات متعددة في المنطقة. وهي بذلك على علم تام بحدود مصر البحرية في هذه المنطقة وبأي نزاعات محتملة على أي من إقليمها.

ورغم تعرض سُفن بريطانيا للتوقيف والتفتيش والاقتياد إلى ميناء شرم الشيخ، تطبيقا للقيود المصرية التي أعلنتها على الملاحة في مضيق تيران ابتداء من سنة 1950، فإنها لم تجد أساسا للتشكيك في إقليمية مياه المضيق وتبعيته لمصر كاملا، وهو ما يؤكد استقرار ملكية مصر لليابسة على ضفتيه، وعدم وجود أي ادعاءات جدية بوجود نزاع على ملكية الجزيرتين.

والحاصل أنه في الأول من يوليو 1951 أطلقت القوات المصرية المتمركزة في جزيرة تيران نار مدفعيتها على سفينة الشحن أمبير روتش في الأول من يوليو 1951 لعدم امتثالها للتعليمات، والتي كانت تحمل شحنة أسلحة إلى المملكة الهاشمية الأردنية. وحيث تقدمت بريطانيا بتاريخ 11 يوليو 1951 باحتجاج رسمي إلى السلطات المصرية، ردت مصر بخطاب مفصل في 23 يوليو 1951 سردت فيه الأسباب التي دفعتها لتطبيق تلك الإجراءات، وخصصت جزءا مهما من الخطاب لإعادة التأكيد على حقوقها في الملكية والسيادة على مياه مضيق تيران استنادا لملكيتها لليابستين على ضفتيه.

فجاء في هذا الرد: “إن الاتفاق معقود دون خلاف في يومنا الحاضر على إن البحر الإقليمي يُمثل جزءا من الإقليم ويخضع لسيادة الدولة. ومن ثم فإن حقوق الدولة على مياهها الإقليمية يشمل كل ما تفرضه سيادتها مع احترام الحدود التي يفرضها القانون الدولي) كالمرور البريء (أو ما يجري تقريره باتفاقات خاصة بين الدول”.

وعددت مصر نماذج للحقوق التي تباشرها إعمالا لسيادتها على مضيق تيران، ومن تلك الحقوق بالإضافة لمراقبة الملاحة وتفتيش السفن – حقوقها الضرائبية والجمركية، وهي حقوق لا يُمكن لها مباشرتها إلا بافتراض ملكيتها التامة لجزيرة تيران، واستقرار الحالة القانونية لمياه المضيق باعتبارها مياها إقليمية مصرية خالصة من أي حقوق لأي دولة أخرى.

وإذ لم تُنازع بريطانيا في الحجج القانونية التي عرضتها مصر، ولم تشكك في سيادتها الثابتة على مياه المضيق، وحقها في مباشرة السلطات التي تخولها لها سيادتها وفقا للقانون الدولي، فقد انتقلت إلى التفاوض حول ترتيبات تسهل مرور سفنها عبر المضيق دون مساس بسيادة مصر على مياهه. وقد جرى الاتفاق بين البلدين كما يلي: بتاريخ 29 يوليو 1951، أرسل وزير الخارجية البريطاني إلى الحكومة المصرية خطابا، جاء فيه: “بشأن السفن البريطانية غير الحربية المُبحرة مباشرة من السويس إلى العقبة، أنا مفوض من طرف حكومة جلالة الملكة لأخطر جلالتكم (ملك مصر) أن المملكة المتحدة مستعدة للموافقة على الترتيبات التالية: تقوم سلطة الجمارك المصرية في السويس أو ميناء الأدبية بمجرد زيارة أو تفتيش السفن البريطانية، بإخطار السلطات البحرية المصرية في جزيرة تيران لعدم تكرار الزيارة أو التفتيش لنفس السفن. وبالطبع فإن السفن البريطانية ستلتزم بالسلوك الطبيعي عند مرورها في المياه الإقليمية المصرية. سأكون ممتنا لجلالتكم إذا رأيتم قبول الترتيبات المشار إليها”.

وبتاريخ 30 يوليو 1951، رد السيد محمود صلاح الدين وزير الخارجية المصري بما يلي: أنا مُخول بأن أبلغ جلالتكم موافقة حكومة المملكة المصرية بشأن الترتيبات والإجراءات المشار إليها بما أنها تتوافق مع حقوق مصر على مياهها الإقليمية”.

من المهم الإشارة إلى أنه لو افترضنا بأن الوضع القانوني للجزيرتين يتمثل في وجودهما تحت إدارة الدولة المصرية فإن ذلك لم يكن ليؤدي إلى إقرار دولي بأن مياه مضيق تيران هي مياه إقليمية مصرية، فالعبرة هي بملكية اليابسة على جانبي المضيق، واختلاف الملكية كان سيعني اقتسام المياه المحصورة بينهما، بما لا يسمح بادعاء أي طرف بأنها مياه إقليمية تخصه دون غيره.

ومن نافلة القول الإشارة إلى غياب أي ذكر لوجود اتفاق على إدارة الجزيرتين لحساب أي طرف آخر، أو الاستناد لأي تفاهم مصري سعودي؛ بما يعني بوضوح أن الادعاءات السعودية لم تكن ذات أساس ولم يأخذها أحد على محمل الجد.

5ـ عدم الإشارة لأي نزاع على ملكية الجزيرتين عند بحث النظام القانوني للمرور في مضيق تيران:

يُضاف إلى ما تقدم أنه خلال الجلسة الثامنة للجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي سنة 1956، ثم في مؤتمر قانون البحار في جنيف سنة 1958، كانت مصر تؤكد على الدوام أن سيادتها على الجزيرتين ليست محل تشكيك استنادا إلى أن خليج العقبة كاملا كان تحت سيطرة مصرية دائمة ومستقرة لمصر لأكثر من ألف سنة سابقة، وأن الجزيرتين أقرب لليابسة المصرية من غيرها، وأن السوابق القضائية الدولية تضمن الاعتراف بالسيادة القانونية نتيجة لتلك السيطرة التاريخية والجغرافية؛ بالإضافة إلى إنه لا يُمكن لإسرائيل أن تدعي أي حقوق قانونية على مجمل الخليج لأن وجودها يستند إلى احتلال قرية عربية هي أم الرشراش.

ولم تجد الدول الداعمة لإسرائيل أي سند للتشكيك في ملكية مصر للجزيرتين لنفي الطبيعة القانونية المستقرة لمياه مضيق تيران باعتبارها مياها داخلية، ومن ثمّ حاولت تلك الدول تدعيم حق إسرائيل في المرور عبر المضيق بالاستناد إلى المادة 16 فقرة 4 من اتفاقية المياه الإقليمية والمنطقة المتاخمة والتي يُشار إليها باعتبارها، Convention on the Territorial Sea and the Contiguous Zone “مادة خليج العقبة” بسبب ارتباط النقاش حولها بالجدل الدائر حول حقوق المرور عبر المضيق. وتسمح هذه المادة بالمرور البريء للدول التي لا يُمكنها أن تصل للمياه الدولية إلا عبر المرور في مياه إقليمية لدولة أخرى.

ومن المسلم به أن وجود أي تشكيك في ملكية مصر للجزيرتين، كان سيعني بشكل منطقي أن تلجأ تلك الدول إلى عرض وثائق ملكية دولة أخرى لجزيرة تيران، وصولا لنفي أن تكون المياه مصرية بالكامل، ولم يكن ثمة حاجة لمحاولة الاستناد إلى المادة 16 الفقرة 4 من المعاهدة المشار إليها.

6ـ وضع الجزيرتين في اتفاقية السلام 1979:

أما بشأن معالجة وضع الجزيرتين في اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل بتاريخ 26 مارس 1979، فإنه كاشف على تبعيتهما الثابتة للدولة المصرية، وارتباطهما بمنظومة الأمن والدفاع عن جزيرة سيناء، وغياب أي منازعة جدية من أي طرف بشأن مُلكيتهما؛ وذلك كما يلي:

(أ) وردت الإشارة إلى مضيق تيران في الاتفاقية في ثلاثة مواضع:

الأول: بالمادة الثانية بشأن إقرار الحدود بين مصر وإسرائيل والتي أرفقت بخارطة توضيحية تبين حدود مصر الشمالية الشرقية، وتظهر جزيرتا صنافير وتيران ضمن تلك الحدود.

الثاني: الفقرة 2 من المادة الخامسة، والتي عالجت مسألة حقوق المرور عبر مضيق تيران بنصها على إنه “يعتبر الطرفان بأن مياه خليج العقبة ومياه مضيق تيران طرق بحرية دولي.International Water “متجنبين الحديث عن “المياه الدولية ، International Waterways وهو ما يعني تسليم مصر بمنطق المادة 16 فقرة 4 من اتفاقية المياه الإقليمية والمنطقة المتاخمة، بالإقرار بحق المرور للدولة التي لا يُمكنها الوصول لأعالي البحار إلا عبر المياه الإقليمية لدولة أخرى، وهو أقصى ما تمنت إسرائيل تحقيقه، دون أن يؤدي للتشكيك في ملكية مصر للجزيرتين.

الثالث: في نهاية الفقرة الثانية من نفس المادة الخامسة، والتي تعيد التأكيد على احترام كل طرف لحق الطرف الآخر المرور عبر مضيق تيران من وإلى خليج العقبة، وهو ما يتماشى مع القلق الإسرائيلي من إن الفقرة السابقة التي تعتبر المضيق ممرا دوليا لا يسلب حق مصر في الرقابة على السفن العابرة له على اعتبار أنه مياه إقليمية، وبالتالي يُشترط للمرور فيها وفقا لنص المادة 16 الفقرة 4 من الاتفاقية المُشار إليها أن يكون المرور بريئا.

(ب) كان يُمكن لإسرائيل – لو وجد أي أساس قانوني لوجود شك في ملكية مصر للجزيرتين –أن ترفض الانسحاب من تيران وصنافير، وهو ما سلكته بالنسبة لطابا ودفعت مصر إلى اللجوء للتحكيم كما تبعته بشأن مزارع شبعا التي لم تنسحب منها رغم تنفيذها لقرار الأمم المتحدة بالانسحاب من جنوب لبنان، وذلك استنادا منها على وجود ادعاءات سورية بملكية المزارع.

(ج) دخلت الجزيرتان ضمن المنطقة (ج) كما هو موضح ضمن الخرائط المرفقة بالاتفاقية، وهو ما يعني أنها جزء من الأراضي المصرية التي انسحبت منها إسرائيل بموجب الاتفاقية؛ وأيضا جزء من المنظومة الدفاعية للمصر والتي تحاول الاتفاقية حرمان مصر من استكمال السيطرة العسكرية عليها كبقية المنطقة (ج).

(د) لم تكن هناك لحظة أكثر انسجاما مع مصالح أي دولة تدعي ملكية جزيرتي صنافير وتيران من لحظة مفاوضات السلام بين عامي 1977 و1979، سواء لحمايتهما من مصير نزع السلاح، أو – وهو الأهم – لإثبات وجود المنازعة بشأن الملكية، ولو بالتدوين ضمن أحكام الاتفاقية. وعدم حصوله يرجع لسبب واحد وهو غياب أي أساس قانوني لادعاء المملكة العربية لملكية الجزيرتين.

(هـ) إن الحديث عن غياب أية وثائق بشأن ملكية مصر للجزيرتين لم يكن سوى دعاية روّج لها الانقلاب العسكري في مصر لتمرير صفقته مع الحكومة السعودية بشأن مقايضة المساعدات المالية مقابل التنازل عن الجزيرتين. وهو ما سنعالجه بتفصيل أكثر في الصفحات القليلة القادمة.

الأسطورة الثانية: وجود اتفاق مصري سعودي يُسند لمصر إدارة وحماية الجزيرتين للمملكة:

يمتد خليج العقبة لمسافة حوالي 96 ميل 22، حيث تقبع قرية أم الرشراش عند رأسه بينما تتحكم جزيرتا تيران وصنافير في مدخله. وبمجرد احتلال إسرائيل لأم الرشراش بحثا للكيان الغاصب عن مطل على البحر المتوسط، اندلعت – بدون مقدمات – خلافات وهمية حول الأوضاع القانونية المستقرة منذ اتفاقية 1906 لساحل خليج العقبة عند قمته وفي مدخله.

وبالطبع فإن إثارة تلك المنازعات القانونية لم يكن ليخدم سوى المصالح الإسرائيلية، والتي سعت على الدوام لهدم النظام القانوني الحاكم لحدود المنطقة بما يسمح لإسرائيل بالتمدد أولا، لخليج العقبة، وثانيا إلى سيناء، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك لاحقا وفقا لأحلام التوسع التي لا تبذلك إسرائيل أي جهد لإخفائها. وتركزت الجهود المشككة للوضع القانوني للخليج على أربعة محاور أساسية:

أولا: الزعم بأن اتفاقية 1906 لا تمثل اتفاقية دولية ولا يجب – من ثم – الاعتداد بها على لكونها تمت لتمييز الحدود بين جزأين من أراضي الدولة التركية، حيث إن مصر وجنوب سوريا وفلسطين كانتا وفقا للرأي المشكك خاضعتين لسيادة الدولة التركية

ثانيا: محاولة الترويج إلى أن سيناء لا تتبع السيادة المصرية بل هي تحت إدارتها وفقا لاتفاقية. 1840وعزز ذلك – من وجهة نظرها – خطاب صادر عن الدولة التركية سنة 1892

ثالثا: التمييز بين قرية أم الرشراش وعبارة رأس خليج العقبة، بالقول إن اتفاقية 1906 لم تُشر إلا إلى رأس طابا كعلامة حدود بين مصر وجنوب سوريا وفلسطين؛ بما يضمن لإسرائيل عدم منازعة أحد في احتلالها للقرية.

رابعا: الزعم بإن اتفاقية 1906 لم تشمل جزيرتي صنافير وتيران، بالإضافة لكونهما مهجورتين بما يعني أنهما لا يتبعان أي دولة (تطبيقا لقاعدة أرض بلا شعب)، أو على الأقل أنهما ضمن نزاع حدودي بين العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، والحاصل أنه بمجرد أن احتلت إسرائيل قرية أم الرشراش على رأس الخليج في مارس 1949 كان لزاما على مصر أن تدعم دفاعاتها في مدخل خليج العقبة لحماية لأمنها ولأمن سيناء، بل ولأمن المنطقة العربية حيث كان وصول إسرائيل إلى مضيق باب المندب خطرا داهما لمصالح عربية اعتمدت تاريخيا على أن البحر الأحمر هو بحيرة عربية خالصة.

وعلى خلاف المتوقع أثارت المملكة العربية ادعاءات حول ملكيتها للجزيرتين، مما مثّل عائقا قانونيا غير متوقع أمام سلامة وجود القوات المصرية على الجزيرتين والتي تمثلت في وضع قوات ونصب بطاريات مدافع تسمح بإطلاق النار على أي سفينة لا تمتثل للتعليمات المصرية، على اعتبار أن مياه المضيق كاملة ضمن نطاق المياه الإقليمية المصرية. وعلى أثر ذلك سعت القاهرة بسرعة لاحتواء الأمر مع المملكة العربية باتفاق مشترك أكدت فيه مصر على حقوقها على الجزيرتين، وبين قوسين (أية حقوق محتملة للملكة العربية السعودية).

وجرى توزيع تلك إرسال نسخ من الاتفاق للعواصم المعنية خصوصا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في 30 يناير و28 فبراير من العام 1950، وأشارت الفقرة الأولى من المذكرة إلى انتشار القوات المصرية في الجزيرتين، ثم تحدثت الفقرة الثانية حول مسألة الملكية كما يلي: “ترغب مصر بما قامت به التأكيد على حقوقها (وأيضا أي حق محتمل للمملكة العربية السعودية) بشأن هاتين الجزيرتين والتي لا تبعد سوى 3 أميال عن ساحل سيناء المصري وأربع أميال تقريبا في مواجهة ساحل العربية السعودية؛ وذلك لتحاشي أي شروع أو اعتداء على حقوقهما”.

ويبدو واضحا من نص عبارة الاتفاق: أولا، تمسك مصر بكافة حقوقها على الجزيرتين والإشارة لقربها الجغرافي لساحل سيناء؛ وثانيا، احترام مصر لادعاء المملكة العربية السعودية دون الإقرار به فوُضع تحت عبارة: حق “محتمل”. وعدا ذلك لا يُوجد أي خطاب موجه من المملكة العربية السعودية إلى مصر يُسند إليها إدارة الجزيرتين لصالح المملكة.

ولا يُمكن الاستناد لهذه المذكرة لاستخلاص إقرار مصر بأية مزاعم سعودية، فهي لا تُعبر إلا عن محاولة لاحتواء الادعاءات السعودية وتجنب تأثيرها على سلامة الموقف القانوني لمصر. ولو افتُرض أن تلك المذكرة المُعلنة والموزعة على دول كبرى، كانت تُمثل أي تشكيك في ملكية مصر، أو أنها استندت لأي وثائق تُشير إلى احتمال مُلكية السعودية للجزيرتين، فإن إسرائيل والدول الداعمة لها ستكون شديدة الغباء إذا لم تستند إلى المذكرة أو إلى أية وثائق أخرى تسمح بالمجادلة في السيطرة القانونية لمصر على مضيق تيران واعتبار مياهه مياها إقليمية مصرية.

على العكس، فقد حرصت مصر في صدارة الفقرة الثانية – كما رأينا – على التشديد على التأكيد على حقوقها، مقابل ادعاءات سعودية، وعلى قرب الجزر ليابسة سيناء أكثر من أي يابسة أخرى. ولو وُجد عقد إيجار أو إدارة لأشير إليه صراحة، أو لاستخرجته الدول الداعمة لإسرائيل، أو لصرحت به المملكة العربية السعودية التي أثارت الموضوع لاحقا في سنة 1957 كما سنرى.

 

الأسطورة الثالثة: تخلي السعودية عن الجزيرتين بغرض دعم دفع مصر عن سيناء:

أثار البعض بعاطفة شديدة أن المملكة العربية السعودية وضعت الجزيرتين تحت تصرف الدولة المصرية مساندة لها في مواجهتها ضد إسرائيل؛ ومع إقرارنا بدور كافة الأشقاء العرب في دعم دول الطوق، غير إنه يجب الإشارة إلى الحقائق التالية:

أولا: أن الادعاءات بملكية المملكة العربية للجزيرتين لم تثر إلا بعد احتلال إسرائيل قرية أم الرشراش على رأس خليج العقبة؛ أي بعد أن نشأت الحاجة لتدعيم مصر لدفاعاتها عند مضيق تيران والتعامل معه كمياه إقليمية. وكان يُمكن للملكة السعودية أن تؤجل مزاعمها بشأن الجزيرتين لحين انتهاء تلك الحاجة.

ثانيا: عادت المملكة العربية السعودية لإثارة نفس المزاعم بتاريخ 31 مارس 1957، في قلب المفاوضات التي تبعت العدوان الثلاثي على مصر من جديد، فأرسلت تعميما إلى كل البعثات الأجنبية في جدة لتؤكد على تبعية الجزيرتين للسيادة السعودية.

ثالثا: على عكس المرتين السابقتين، امتنعت المملكة العربية السعودية عن إثارة أي من ادعاءاتها عام 1979؛ رغم إنه كان الوقت أكثر (أثناء مباحثات السلام بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة 1977) مناسبة لها، لعدة اعتبارات: لعدم حاجة مصر للجزيرتين أمنيا، ولاستنقاذ الجزيرتين من مصير نزع التسليح الذي فُرض على المنطقة، ولأن المملكة كانت ضمن مُعسكر الصمود العربي الرافض للطريق الذي سلكه الرئيس السادات.

رابعا: أعلن الجانب السعودي وسلطة الانقلاب العسكري في مصر عن إعادة ترسيم الحدود في 8 إبريل 2016 دون مقدمات، وشمل الترسيم ضم السعودية للجزيرتين، رغم إن الوضع الحالي للمنطقة العربية يُنذر باختلاط الأوراق وإمكانية أن تحتاج مصر إلى الجزيرتين لدعم قواتها في سيناء والتي تواجدت لظروف استثنائية حتى منطقة شاطئ خليج العقبة للمرة الأولى منذ حرب 1967، خصوصا في ظل انسحابات لجزء من القوة المتعددة الجنسيات من أماكن تمركزها في سيناء.

وبالتالي فإن الادعاءات بشأن الجزيرتين تأتي فقط في أوقات غير مناسبة لدواعي الأمن العربي عموما والمصري خصوصا، وهو ما سمح باستغلالها مباشرة لدعم الحجج الإسرائيلية في دولية مياه مضيق تيران، وبالتالي نفي أي حق لمصر في تفتيش السفن أو توقيفها إذا تكشف أنها تحمل مواد تضر بأمنها أو الأمن العربي.

 

رابعاً: ملكية مصر الثابتة للجزيرتين:

1- ترسيم الحدود قبل (1950):

من المسلم به أن خليج العقبة كان تحت سيطرة مصرية دائمة ومستمرة لما لا يقل عن ألف سنة سابقة 28؛ ولا يطعن ذلك في تحول مصر منذ مطلع القرن السادس عشر إلى ولاية عثمانية، فهذه الولاية احتفظت دائما بحدودها التي تُميزها عن الولايات الأخرى، وإن كانت الطبيعة القانونية للحدود تتغير من كونها فواصل سياسية بين الدول إلى تحديد إداري بين الأقاليم.

وقد حاول القانونيون الداعمون للكيان الصهيوني في فلسطين خلال الفترة من نهاية أربعينيات حتى سبعينيات القرن الماضي التشكيك في الحدود المصرية بالإيحاء بأنها حدود موروثة عن الدولة العثمانية، وأن أي تحديد خلال الحكم العثماني كان تحديديا إداريا بين أجزاء من كيان ذات الدولة ولا يحوز قيمة قانونية في الحاضر به، وكأنهم يدعون لاعتبار الحدود المصرية كاملة محل جدل، وهم يقصدون بذلك إضعاف الأساس القانوني لسيادة مصر على سيناء التي هي محط أطماع الدولة العبرية.

ويتعامى هؤلاء عن أن مصر بحدودها هي أقدم من الدولة التركية نفسها؛ ومع ذلك فإننا سنناقش تلك المزاعم فيما يلي:

أ- الدولة المصرية الحديثة وحدودها منذ 1840:

نشأت الدولة المصرية الحديثة واقعا خلال ولاية محمد على، ولا أدلّ على ذلك من إن “باغوص باشا” أول وزير لخارجيتها كان يُعامل من قناصل الدول الأجنبية باعتباره ممثلا لدولة مستقلة، وخلال المفاوضات الدولية مع الدول الأجنبية التي تلت انتصار الجيش المصري في معركة نفارين سنة 1928 كان يأخذ مكانه بين وزراء خارجية الدول وليس ممثلا لولاية تابعة للدولة التركية؛ كما إن ممثلي الدول الأجنبية ابتداء من سنة 1933 أصبحوا وكلاء لدولهم (سفراء) في مصر، بما لا يُمكن إلا أن يكون اعترافاً بالشخصية القانونية للدولة المصرية؛ كما إن الجيش المصري الذي واجه الجيش التُركي على مدار عشرين عاما كان يُمثل جيش دولة أخرى ويُميزه علم مختلف عن العلم التُركي.

ومثلت المفاوضات التي تلت معركة كوتاهية سنة 1833، التي بسطت سيطرة الجيش المصري على كامل سوريا وجزءا من جنوب وشرق تركيا، إقرارا واضحا من الدولة التركية نفسها باستقلال مصر وحيازتها للشخصية القانونية اللازمة للاعتراف بها دولة في النظام الدولي وقتها. ومن ثمّ جاءت اتفاقية لندن 1940 لتتوج كل ذلك بإقرار قانوني من المجتمع الدولي بوجود الدولة المصرية المتميزة عن الدولة التركية، ولا يطعن في ذلك فرض التحالف الدولي (الذي تكون وقتها لمحاصرة الدولة المصرية في حينها) مجموعة من القيود التي تُبقي على قدر من التبعية من مصر للدولة التركية، لكنها تبعية اقتصادية وعسكرية قُصد بها تقليص قدرة مصر على الحركة بعد أن أدرك النظام الدولي أنها يُمكن أن تُغير الأوضاع الدولية أن أُتيحت لها حرية كافية. ومن المعلوم أن تلك القيود، بل والاحتلال نفسه لا يمنع توفر الشخصية القانونية للدولة ولا يلغي سيادتها على إقليمها.

ومن المسلم به أن إقدام مصر على التوقيع على المعاهدات ابتداء من معاهدة كوتاهية ثم لندن، ثم الاتفاقات التالية التي شملت القروض وحفر قناة السويس وغير ذلك، لم يكن ممكنا إذا كنا إزاء ولاية عثمانية، ومما يؤكد ذلك أنه منذ اتفاقية 1840 حتى اتفاقية 1906 كانت المعاهدات تُبرم بين الدولة المصرية والدولة التركية ككيانين سياسيين مختلفين، ولم تسمح تلك المُعاهدات بأي تواجد لأي قوات تركية داخل الأراضي المصرية.

وكذلك أوضحت معاهدة السلام، الموقعة في لوزان 1923 بين تركيا والحلفاء، الفارق بين ممتلكات الدولة التركية والتي تخضع لسيادتها، ووضع مصر الخاص حتى ذلك التاريخ، فقد تنازلت تركيا بموجب المادة 16 من المعاهدة عن ملكيتها وسيادتها على الأقاليم والجزر المحددة بخريطة مرفقة، لم يكن من بينها مصر. ثم في المادة 17 تنازلت عن “كافة الحقوق التي لها على مصر والسودان نفاذا من تاريخ 5 نوفمبر 1914 “. وهو ما يعني بوضوح عدم ملكية الدولة التركية للأراضي المصرية في وقتها، ولا امتداد سيادتها لإقليم الدولة المصرية، وإنما وجود حقوق قانونية لها مُستمدة من اتفاقية 1840، وأهمها التزام مصر بدفع جزية سنوية، والالتزام ببعض أحكام الفرمانات الأساسية خصوصا في مجال التجارة، وهي شروط تعكس قدرا من التبعية ولا تضر بأصل الاستقلال أو السيادة.

وفيما يتعلق بترسيم حدود الدولة المصرية، فقد وضعت اتفاقية 1840 معيارا لإقليم الدولة هو انسحاب الجيش المصري من “كافة أراضي الدولة العثمانية”، إلى حدود مصر، والتي انتهت لتشمل مصر المعروفة اليوم بالإضافة إلى جنوب فلسطين والساحل الشرقي من خليج العقبة شمال الحجاز وكامل السودان. وجرى إصدار فرمان عثماني سنة 1841 مرفق بخارطة تُقر بالحدود الجغرافية لمصر؛ وهو ما تأكد بفرمان آخر في 1865

2ـ سعي تركيا وإنجلترا إلى تقليص سيادة مصر على إقليمها:

ابتداء من الاحتلال الإنجليزي سنة 1882 بمباركة عثمانية، التقت إرادة الدولة العثمانية وإنجلترا على الانتقاص المستمر من حقوق السيادة المصرية على أراضيها بحيث تتآكل حدود مصر بالتدريج؛ فمنذ الاحتلال تواترت المراسلات واللقاءات بين الأتراك والإنجليز لإعادة وضع حدود للدولة المصرية بما يؤدي بالتراجع عن الحدود المقررة باتفاقية 1840، وحيث جاء الاحتلال الإنجليزي لمصر بتوافق مع تُركيا، فإن اتفاقية بينهما عُقدت سنة 1887 بعد الاحتلال بخمس سنوات – حاولت الدولتان بموجبها إعادة تقييم وضع الحالة القانونية لمصر وإعادتها إلى حالة الولاية التابعة للدولة العثمانية التي تتسامح مع احتلال أجنبي لبعض ممتلكاتها.

ومع ذلك فقد أعيد النص على حدود مصر تحت الاحتلال بالقول في ديباجة الاتفاقية أن: “خديوية مصر بأقاليمها المحددة بموجب الفرمانات الصادرة بشأن مصر”، مشيرا لفرماني سنة. 1841و 1865 ؛ بخرائطهما المرفقة” وفي 8 إبريل 1892، بتواطؤ إنجليزي، أرسلت تركيا إلى الخديوي توفيق تلغرافا تُعلن فيه انتزاعها كل الساحل الغربي من خليج العقبة، بما فيه قلاع ” الوجه “، و”المويلح “، و”ضبا” و”العقبة” وكامل الطريق الآمن الذي كان يسلكه المحمل المصري، وضم كل ذلك إلى ما كان يُسمى وقتها ولاية الحجاز. ولم يقم الخديوي بأي ردة فعل إزاء ذلك الانتقاص من إقليم الدولة المصرية، حيث كان واضحا أنه يدفع الثمن الواجب عليه للدولة العثمانية مقابل قبولها بتدخل الإنجليز لحماية عرشه من الثورة العرابية.

الأدهى من ذلك أن إنجلترا حاولت – بالتوافق مع تُركيا -التمهيد لفصل سيناء عن مصر في المستقبل للظفر بالسيطرة على قناة السويس، فحاولت أن تُفسر هذا التلغراف – الذي لا يمثل أية قيمة قانونية في الحقيقة – على إنه يعيد صياغة علاقة مصر بشبه جزيرة سيناء لتصبح مجرد إدارة لا ملكية ولا سيادة؛ فاعتبر اللورد كرومر، في خطاب له إلى وزير خارجية مصر بتاريخ 13 إبريل 1892 ، إن من إيجابيات ذلك التلغراف أنه “وضع سيناء يبقى تحت إدارة الخديوي” !!، طالبا نشر هذا التلغراف في الجريدة الرسمية المصرية 34 ، لتكون هي الحالة الأولى التي يُنشر فيها تلغراف عارٍ من أي قيمة قانونية في جريدة رسمية لأي دولة.

وحيث لم يكن لذلك التلغراف أية قيمة قانونية، رغم محاولة بريطانية إسباغ تلك القيمة عليه بإرغام الخديوي توفيق على نشره في الجريدة الرسمية، فإنه لم يُمثل أبدا اتفاقية دولية، كما لم يحز أي اعتراف من المجتمع الدولي في وقتها، وذهب في غياهب النسيان كغيره من المحاولات الفاشلة لتفتيت مصر.

ورأت إنجلترا وتركيا أنه من الضروري ترجمة انتزاع جنوب فلسطين والساحل الغربي لخليج العقبة في اتفاقية دولية تُعوض غياب القيمة القانونية عن التلغراف المشار إليه. ومن ثمّ وُلدت اتفاقية سنة 1906، والتي فرضت على مصر حدودا أقل من تلك المُقررة لها بموجب اتفاقية 1840. فجعلت حدود مصر في سيناء من رأس خليج العقبة – عند أم الرشراش وهي مدينة إيلات حاليا – إلى مدينة رفح في خط مستقيم؛ وأقرت التخلي عن الساحل الغربي لخليج العقبة، دون التطرق للجزر الثلاث التي تسيطر عليها الدولة المصرية وتتبع بشكل طبيعي يابسة سيناء، وهي: جزيرة فرعون في شمال الخليج وجزيرتي صنافير وتيران في مدخله. وهو ما يعني عدم المساس بملكية مصر للجزر الثلاث.

وقد ورد في الوثائق البريطانية بهذا الشأن أن لجنة مصرية تشكلت بقرار من الخديوي وأخرى بقرار من السلطان العثماني توصلت لاتفاق يوضح الحدود بين جزيرة سيناء وباقي أملاك الدولة العثمانية، وأن هذه الحدود التي جرى رسمها على خارطة توضيحية أعدتها اللجنتان تمتد بخط مستقيم بين رفح شمالا ورأس خليج العقبة جنوبا.

وكان من المنطقي عدم ذكر الجزر الثلاث أو أي من المدن والمناطق الساحلية الأخرى بالاسم في الاتفاقية، باعتبار: أولا، أن جوهر الاتفاقية كان الانتقاص من الأراضي التي كانت تحت السيادة المصرية فمالت إلى ذكر ما هو مُستبعد من السيادة المصرية. وثانيا، أن الهدف المعلن كان وضع فواصل واضحة بين ممتلكات الدولة التركية في فلسطين وجنوب سوريا مع الحدود البرية لمصر في شبه جزيرة سيناء، وبالتالي لم تتطرق الاتفاقية لأي ترسيم للحدود البحرية مع ولاية الحجاز؛ وهو ما يعني بقاء الأمر على ما هو عليه من تبعية الجزر للسيادة المصرية.

والحقيقة التي يتعامى عنها البعض، أن محاولات إضعاف القيمة القانونية لاتفاقية ترسيم الحدود سنة 1906 سيعني الرجوع للاتفاقية الدولية السابقة والوحيدة الملزمة والتي حازت إقرارا دوليا واضحا، وهي اتفاقية 1840. فهي الإجراء القانوني الوحيد الذي وضع حدودا للدولة المصرية قبل اتفاقية 1906 بل وهي أكثر مشروعية من اتفاقية 1906، حيث أمضتها مصر وهي مستقلة دون وجود جندي واحد على أرضها، بينما إن اتفاقية 1906 أُبرمت ومصر بلد محتل، بتوافق بين طرفين لا يُمثلان مصر في حينها.

وعلى ذلك فإن الأكثر تحقيقا لاستقرار المنطقة هو عدم البحث عن بدائل لاتفاقية 1906 بمحاولة خلق وضع قانوني جديد يُزيد من الانتقاص من سيادة الدولة المصرية على أية أراضي أخرى غير تلك التي انتُزعت منها، على أساس من وجود خطابات أو مذكرات أو تصريحات أو غير ذلك مما لا يرقى لمستوى الاتفاقية التي بموجبها يجري ترسيم حدود الدول.

3ـ غياب أي تعديلات على الحدود الشمالية الشرقية لمصر منذ 1950:

خلال عام 1937 قامت مصلحة المساحة المصرية برسم خريطة لجنوب سيناء، بينت تفاصيل المرتفعات بجزيرتي تيران وصنافير ولونتها بلون الأراضي المصرية بينما تركت الأراضي الأجنبية بيضاء. وخلال الحرب العالمية الثانية، التي استمرت من عام 1939 وحتى عام 1945، كانت جزيرتا تيران وصنافير مسرحا لانتشار القوات المصرية والإنجليزية، وجزءا من منطقة مناورات أجرتهاالقوات البريطانية في محافظة سيناء.

وقد أشرنا سابقا إلى ما آلت إليه الادعاءات السعودية بشأن الجزيرتين، فلم يحدث أكثر من الإشارة إلى تلك المزاعم بمذكرة تفاهم بين الطرفين سنة 1949 تحت عبارة “حق محتمل”، في مُقابل “تأكيد مصر على حقوقها على الجزيرتين”، والتأكيد على إن ممارسة مصر الواقعية لمظاهر السيادة بوضع قوات على الجزيرتين ونصب بطاريات مدفعية هو انعكاس لحقوقها القانونية المتمثلة في الملكية.

ثم في 15 فبراير 1954، أخطرت مصر مجلس الأمن، ليس بسيطرتها على الجزيرتين باتفاق مع السعودية، وإنما “بتبعية الجزيرتين للسيادة المصرية بموجب اتفاقية 1906 “، وسيطرتها الفعلية على الجزيرتين خلال الحربين العالميتين واعتبراهما أحد أهم عناصر استراتيجية الدفاع المصرية عن حدودها الشمالية الشرقية.

ويعبر ذلك عن أن الأساس القانوني الذي استندت وتستند إليه الدولة المصرية في ممارسة سيادتها على الجزيرتين يبقى اتفاقية 1906، وأن أي تشكيك في هذا الأساس القانوني من شأنه العودة للوضع السابق عليه – وليس فرض وضع جديد – وهو اتفاقية 1840 والتي تفتح باب مطالبة مصر باسترداد الأراضي التي سُلبت منها باتفاقية 1906.

ولم يحدث أن استندت الدولة المصرية لتبرير سيادتها على الجزيرتين إلى واقعة قبول طرف ثالث أو إقرار منه أو عقد تأجير أو إدارة أو غير ذلك. ففي خلال الجلسة الثامنة للجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي سنة 1956 ثم في مؤتمر قانون البحار في جنيف سنة 1958، كانت مصر تؤكد على الدوام أن سيادتها على الجزيرتين ليست محل تشكيك استنادا إلى إن خليج العقبة كاملا كان تحت سيطرة مصرية دائمة ومستقرة لمصر لأكثر من ألف سنة سابقة، وأن الجزيرتين أقرب لليابسة المصرية من غيرها، وأن السوابق القضائية الدولية تضمن الاعتراف بالسيادة القانونية نتيجة لتلك السيطرة التاريخية والجغرافية 39

ولم يحدث أن أثارت أي جهة دولية غُبارا على سيادة مصر على الجزيرتين، أثناء النزاع على أحقية المرور من مضيق تيران من وإلى خليج العقبة، حيث كانت الحجة السائدة وقتها لتدعيم حق إسرائيلConvention on في المرور الاستناد إلى المادة 16 فقرة 4 من اتفاقية المياه الإقليمية والمنطقة المتاخمة والتي يُشار إليها باعتبارها “مادة خليج العقبة”، the Territorial Sea and the Contiguous Zone بسبب ارتباطها به. وتسمح هذه المادة بالمرور البريء للدول التي لا يُمكنها أن تصل للمياه الدولية إلا عبر المرور في مياه إقليمية لدولة أخرى.

وأخيرا فإن الاحتلال الإسرائيلي لسيناء بما تشمله من جزر تابعة ليابستها، ثم انسحابها من كامل سيناء على إثر اتفاقية السلام سنة 1979، بما في ذلك الجزيرتين، وتضمينهما في الترتيبات الأمنية ضمن المنطقة(ج) لا يسمح سوى باستخلاص نتيجة واحدة، وهي ثبات الوضع القانوني للجزيرتين وبقائهما – دون أي تعديل – ضمن ملكية الدولة المصرية وسيادتها.

ولا يحتاج الأمر لمزيد بيان، إذ إن وجود أي نزاع حقيقي على ملكية جزيرة تيران من الجانب السعودي، كان سيجعل من السهل على إسرائيل ومؤديها – وهم غالبية الدول الغربية – أن تستند إلى دولية مياه المضيق لانحصارها بين يابستين مملوكتين لدولتين مختلفتين؛ غير إن غياب أي سند تاريخي أو قانوني أو واقعي يؤدي أي مزاعم لدى المملكة العربية السعودية، جعل من المستحيل بناء حجة قانونية متماسكة على أساس افتراض وجود مثل هذا النزاع.

خامساً: الوضع الدستوري لأي تنازل عن ملكية الجزيرتين

تنص المادة 151 من دستور 2014 على إنه: “يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور.

ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة. وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة”.

ومفاد ذلك أن الدستور صنف المعاهدات الدولية إلى ثلاثة أنواع: الأول: معاهدات لا تمس حقوق السيادة ولا تخالف أحكام الدستور أو تتضمن تنازلا عن شيء من إقليم الدولة، ويجري إبرامها والتصديق عليها بعد موافقة مجلس النواب. الثاني: معاهدات تتعلق بحقوق السيادة أو الصلح والتحالف، ولا تتضمن تنازلا عن تلك الحقوق وإنما ترتبط بها، فيجري إبرامها والتصديق عليها بعد قبول الشعب لها عن طريق الاستفتاء. الثالث: معاهدات محرمة، وهي تلك التي تخالف أحكام الدستور أو تتضمن تنازلا عن شيء من إقليم الدولة أرضا أو بحرا أو جورا.

ويبدو جليا أن الدستور يُفرق بين حقوق السيادة (والتي لا يجوز أيضا التنازل عنها) وحقوق الملكية التي تتضمن بالضرورة حقوقا للسيادة. وبالتالي فإن حقوق مصر على تدفق مياه النيل باستمرار وتلقائية دون تدخل أي دولة للسيطرة والتحكم فيها، هي من حقوق السيادة المستمدة من الوضع القانوني الموروث تاريخيا. وبالتالي فإن التعديل على هذا الوضع القانوني بما لا يتضمن تنازلا عن الحقوق التاريخية يحتاج على استفتاء الشعب عليه. وفي كل الأحوال لا يجوز إبرام معاهدة تتضمن تنازلا عن أي من تلك الحقوق التاريخية أو الميزات القانونية.

كذلك يُمثل حق إدارة مصر لأي من أقاليم دولٍ أخرى لمدد محددة، حقا من حقوق السيادة التي لا يجوز التنازل عنها، وإنما يجوز إبرام معاهدات لتنظيمها، أما التنازل عن الإقليم أو الأراضي أو الحقوق الخاضعة لحق الإدارة فلا يكون إلا وفقا لعقد الإدارة أو الوثيقة التي تتضمنه. وبالتالي فإن الادعاء بوجود وثيقة تمنح مصر حق إدارة جزيرتي صنافير وتيران لصالح دولة أخرى يقتضي الإفصاح عن تلك الوثيقة للتعرف على شروط الإدارة ومدتها وكيفية انقضائها.

وأخيرا فإن الاتفاقات التي تُخالف أحكام الدستور، كالتفريط في الثروات الطبيعية أو لعقد قروض سرية لا تمر عبر القنوات الشرعية للدولة أو لفتح حسابات سرية أو لشراء عقارات خفية أو لعمل محافظ مالية مستترة باسم مسئولين بالدولة، فإن تلك الاتفاقات باطلة.

كذلك فإن أي اتفاق ينطوي على تنازل عن شيء من إقليم الدولة المصرية لا يجوز إبرامه؛ وهو ما ينطبق على اتفاق التنازل عن صنافير وتيران الأخير، حيث لا يوجد أي شيء ينفي ملكية الدولة لهما، ومن ثمّ فإن التخلي عنها يُمثل انتهاكا للدستور من جهة وتنازلا عن جزء من أراضي الدولة من جهة أخرى، يستتبع فقدانها حقوقها السيادية على المياه الإقليمية لمضيق تيران.

لكن المشكلة تتمثل في أن الدول الأخرى تتعاقد مع السلطة التنفيذية التي تُدير البلاد بغض النظر عن احترام أحكام دستورها.

 

وفي هذا النطاق يجب الانتباه لعدة اعتبارات أساسية:

أولاً: أن المعاهدات التي تُخالف الدستور ستبقى باطلة حتى ولو تمسك بها الطرف الآخر، لأن مبدأ المشروعية في العلاقات الدولية يقتضي أن تتعامل الدول على أساس من حسن النية، وعلى أساس من التزام سًلطاتها بالقانون الأساسي لهذه الدولة.

ثانياً: وعلى الرغم من ذلك، فإن طبيعة القانون الدولي الذي يتصف بالضعف وعدم وجود آلية لتطبيقه عدا الأدوات التي تُسيطر عليها الدول المهيمنة على النظام الدولي؛ تؤدي لتمرير اتفاقات باطلة تُبرمها سُلطات بعض الدول وهي في حالة ضعف أو تحت ضغوط مالية أو دون رقابة حقيقية من شعوبها.

ثالثاً: أن مثل هذا الاتفاق يُمثل جناية انتهاك للدستور وخيانة عُظمى تقتضي محاكمة رئيس الجمهورية أمام المحكمة المُشكلة بالمادة 159 من الدستور.

وأخيرا، فإن ما سيحكم مصير جزيرتي صنافير وتيران في المستقبل هو مدى قدرة الشعب المصري على فرض إرادته على السلطة الحاكمة ومدى احترام دول الجوار لتلك الإرادة.

————————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close