fbpx
دراساتسياسةالحركات الإسلامية

انتقام الدولة

كرداسة: إدارة مدينة في ظل ثورة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في الثاني من فبراير 2014م سرت حالة من الفزع والمفاجأة في الأوساط المصرية حين أصدر القاضي ناجي شحاتة حكما بإعدام 185 متهما في قضية اقتحام قسم شرطة مدينة كرداسة، من بينهم سيدة، حتى إن هاني رسلان ممثل وجهة نظر الحكومة المصرية إعلاميا قال بأن هذا الحكم “مسيئ للقضاء المصري”[1]، وذلك أن هذا الحكم هو الأول من نوعه في تاريخ القضاء المصري الذي يقضي بإعدام كل هذا العدد، وهو الأول الذي يقضي بإعدام سيدة هي “سامية شنن” التي جاوزت الخمسين من عمرها.لم يكن هذا الحكم واحدا من تهورات القاضي ناجي شحاتة الملقب بـ “قاضي الإعدامات”، إذ بلغت مجموع أحكامه للإعدام (203 حالة، حتي 2015)، أي أنه بخلاف قضية كرداسة لم يحكم بالإعدام إلا على أقل من عشرين شخصا آخر. ومع أن عامة أحكام القاضي ناجي شحاتة قد أسقطتها محكمة النقض فيما بعد إلا أن قضية كرداسة نفسها حظيت بأكبر “انتقام” قضائي، إذ أيدت حكم الإعدام على (20) متهما، وبالسجن المؤبد على (80) متهما من بينهم السيدة سامية شنن، وبالسجن لخمس عشرة سنة على (34) متهما، وبالسجن عشر سنوات لقاصر (أقل من 18 عاما).

وفيما ينحصر الحديث الإعلامي حول موضوع كرداسة في قضية اقتحام قسم الشرطة، إلا أن الموضوع يبدو أعمق من ذلك، فبالبحث في سيرة مدينة كرداسة في فترة الثورة سنجد أنها المدينة المصرية التي استطاع أهلها إنشاء إدارة ذاتية مستقلة وتنظيم شؤونها بمعزل عن جهاز السلطة المصرية، مما حقق كثيرا من النتائج المدهشة بداية من الأمان العام الذي حظيت به في فترة الثورة والاضطراب الأمني، مرورا بالنجاة من الأزمات المعيشية التي افتعلتها أجهزة الأمن ورجال الأعمال وأذرع الدولة في فترة الرئيس مرسي بغرض إفشاله، وانتهاء بالتصدي الجماعي لأهل كرداسة لمحاولة القمع الأمني بُعَيْد فترة الانقلاب العسكري وقدرتهم على شلّ الأذرع الأمنية في كرداسة، وهو الأمر الذي انتهى باقتحام قسم شرطة كرداسة الذي أسفر عن مصرع 12 شرطيا بعد أن مارسوا القتل والإصابات المتعددة في جموع المدنيين بكرداسة.

تسعى هذه الدراسة إلى بيان حقيقة تجربة إدارة مدينة كرداسة والتي تُعد نموذجا لإدارة مدينة في ظل ثورة، وكيف انبثقت التجربة في المدينة منذ اللحظة الأولى للانفلات الأمني شتاء 2011 وحتى لحظة الانقلاب العسكري صيف 2013، وتتابع الدراسة لحظة نشوء اللجنة الشعبية، وكيف تطورت الحالة من حفظ الأمن إلى إدارة المدينة، وكيف استطاعت كرداسة استثمار إمكانياتها وخريطتها الاجتماعية في إنتاج هذا النموذج الذي أثار تخوف السلطات المصرية من أن يتطور إلى نموذج شبيه بالحرس الثوري، وهو ما يفسر هذا الانتقام العنيف من أهل كرداسة والاستعداد له بمجرد الانتهاء من فض اعتصامات ميداني رابعة العدوية والنهضة.

جاءت المادة الأساسية لهذه الدراسة من روايات شهود العيان الذين تمكنت من أخذ رواياتهم، مباشرة من خلال اللقاءات المتعددة التي جرت في اسطنبول، أو بالمراسلة والهاتف لآخرين في مصر والسودان وغيرها، لكن تعذرت الإشارة إليهم بناء على طلبهم، وذلك خشية أن يتسبب هذا بالضرر عليهم إذ بعضهم لا يزال مطلوبا للسلطات المصرية.

خلفية تاريخية واجتماعية

يبلغ عدد سكان كرداسة نحو نصف مليون شخص[2]، ويغلب عليها الطابع القبلي، إذ لا تزال العائلات فيها هي العصبية التي تحدد شكل الخريطة الاجتماعية، ورغم أن كثيرا من غير سكان كرداسة قد سكنوها إلا أنهم لم يغلبوا عليها، وظلت نسبة عائلات كرداسة أعلى بكثير من عدد الوافدين إليها، ولهذا بقيت خريطة العائلات قوية ولم تنحل مثلما يحصل عادة في الأماكن التي يغلب الوافدون إليها على عائلاتها الأصلية كما في قرية ناهيا (الملاصقة لبولاق) وفي قرية صفط اللبن.

وقد مَثَّل هذا الواقع تمهيدا قويا لتجربة كرداسة في اللجان الشعبية، إذ تتوفر المعرفة بالناس وعائلاتهم وانتظامهم في علاقات تراتبية تقليدية يشكل فيها رؤوس العائلات زعامات حقيقية على شبابهم وعائلاتهم، وقد أتاح هذا قدرةً على توفير انضباط نظامي في وقت سريع، ورفع عن كاهل الإدارة الشعبية المحلية عبء إدارة كتلة بشرية كبيرة سائلة لا ناظم لها.

تتنازع عائلتا عُمار[3] وعائلة الشيخ على مسألة: أي منهما العائلة الكبرى في كرداسة، عائلة عمار لها بطون كثيرة منها “الغزلاني” و”صالح” و”الجمل” و”الصيفي” و”عُمار”. وأما عائلة الشيخ فقد انحدرت منها عائلة مكاوي التي كان مستقرا فيها منصب “العمودية” تاريخيا، ولكنها فقدت هذا المنصب في العهد الناصري، وذلك أنه أُلْقِيَ القبض على عمدة كرداسة، وكان من هذه العائلة، في واقعة مأساوية بشعة في العصر الناصري، ومات بعدها[4]، ثم ألغيت العمودية!

وبإلغاء العمودية تحول التنافس العائلي في كرداسة على مقعد نيابة البرلمان، وهو ما هوَّن كثيرا من التنافس بين عائلة عمار وعائلة الشيخ، وذلك أن مقعد نيابة البرلمان قد أنشأ تنافسا أوسع، فقد دخل على خط التنافس عليه عائلة الزمر في ناهيا، فمقعد البرلمان يمثل ناهيا وكرداسة معا، فأما في كرداسة نفسها فقد كان التنافس على مقعد البرلمان بين عائلة الشيخ وعائلة مكاوي التي هي فرع من عائلة الشيخ فهو تنافس داخلي، ولم يمنع هذا من أن تشارك عائلة عمار أحيانا بترشيح واحد من أبنائها كما حدث حين ترشح الدكتور محمد السيد الغزلاني على قائمة الإخوان المسلمين، وهو واحد من أشهر أطباء كرداسة ولديه مستشفى خاصة فيها. هذا التنافس هو ما يُمكن أن يُعبر عنه أحيانا بحزازات أو يفرض أحيانا بعض الاعتبارات ضمن سياق الحياة الاجتماعية في كرداسة. بينما بقية العائلات في معزل عن هذا التنافس إلى حد كبير. ولئن وقع التنازع حول أي العائلتْين أكبر: عائلة الشيخ أم عائلة عمار، فإن المُسَلَّمَ به أن عائلة الشيخ كانت الأكثر نفوذا وأموالا، وكانت لها صلات أقوى مع رجال النظام السياسي.

تحتوي كرداسة أيضا على قبائل وعائلات وبطون يمتد نسبهم إلى عرب المشارقة، الذين جاءوا من الجزيرة العربية، وثمة عائلات أخرى من عرب المغاربة الذين جاؤوا من ليبيا والمغرب العربي، ولم يكن بين هؤلاء نزاع إلا ما يكون يوميا أو ما يتعلق أحيانا بمسائل الزواج.

وتشتهر كرداسة بصناعة النسيج، وكانت تضم ثلاثة من مصانع النسيج خلاف العديد من الورش الصغيرة، وهو النشاط الذي جعلها مقصدا للسياحة الأجنبية والداخلية أيضا[5]، وهذا بخلاف النشاط الزراعي الذي كان سائدا فيما سبق وكانت المحاصيل الحقلية والخضر تمثل نسبة 78.33% من مجمل النشاط الزراعي، فضلا عن إنتاج التمور لاحتواء كرداسة على خمسين ألف نخلة بحسب إحصائية حكومية صادرة في 1982م[6]. لكن الأربعين الماضية شهدت رواجا لنشاط أبناء كرداسة في مجال المقاولات والبناء، لا سيما مع وقوعها على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي وهي المنطقة التي شهدت انتعاشا عقاريا مع إنشاء مدينة السادس من أكتوبر التي تحولت إلى محافظة فيما بعد، فساهم هذا كله في ازدهار نشاط البناء والمقاولات. ثم يبقى النشاط الزراعي وهو النشاط التاريخي والأقدم في المحافظة. وفيما يذكر المؤرخون لكرداسة أن نسبة التعليم كانت قليلة في منتصف القرن العشرين يذكر المعاصرون أن نسبة التعليم قد صارت مرتفعة للغاية، إلا أن هذا لم ينعكس على نوعية المناصب التي يتولاها أبناء كرداسة بل ظلت الدولة المصرية تناصبهم العداء وتتخوف منهم منذ الواقعة الشهيرة التي حدثت في العهد الناصري[7].

وتعد كرداسة من المحاضن الشعبية الأهم للتيار الإسلامي، إذ تتعدد فيها الاتجاهات الإسلامية مع ما يسودها من الأخلاق المحافظة والقيم القبلية، لا سيما قرى قرية ناهيا وأبو رواش وكفر غطاطي، وقد تحدث جابر رزق عن بدء دخول دعوة الإخوان المسلمين فيها في الأربعينات[8]، ثم ظهرت فيها الاتجاهات الإسلامية الأخرى السلفية والجهادية والدعوية، ومن أبرز رموزهم: عبود وطارق الزمر القياديان في الجماعة الإسلامية المصرية من قرية ناهيا، وعادل السوداني وأحمد النجار ويوسف الجندي من تنظيم الجهاد[9]. وقد عملت الاتجاهات الإسلامية على تقليل الاحتكاكات والحزازات العائلية، حيث كانت تنشأ العلاقات الأخوية بين الشباب الذي ينضم إلى جماعة إسلامية وإن تعددت عائلاتهم أو كانت تسود العلاقات بينها عداوة سابقة موروثة، ومثلما يروي جابر رزق أن دخول الإخوان في الأربعينات ألَّف بين القبليتين الكبيرتين “مكاوي” و”عمار”، يروي المعاصرون أيضا أن وجود أبناء القبلتين في معتقل واحد ضمن قضية تنظيم الجهاد قد ألَّف بين كثير منهم.

تتحدث بعض التقارير الصحافية الحكومية أن غياب الدولة وفر للإسلاميين فرصة للانتشار، كما وفَّر لهم حاضنة شعبية قوية، “فعدم وجود مستشفى بالمركز، والاكتفاء بمركز طب الأسرة أتاح لهم إنشاء مستشفى بديل، وأصبحوا هم اليد الحانية على آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا، فالكشف بأسعار رمزية، والعلاج مجاني لكثير من الأسر”[10].

بداية اللجنة الشعبية

تجمع أهالي كرداسة يوم جمعة الغضب (28 يناير 2011م)، أمام قسم الشرطة، فأطلقت عليهم القوات قنابل الغاز المسيلة للدموع وطلقات الخرطوش ثم استعملت الرصاص الحي، فسقط شهيدان من أبناء كرداسة: حسام الجندي ويوسف مكاوي. مما أهاج الجماهير واستثار غضبهم واحتشدوا بأعداد هائلة حول مركز الشرطة الذي لم يجد أفراده بدا من الهرب والانسحاب، فاقتحمه الأهالي وأحرقوه، ولم يصب أحد من الشرطة بأذى.

مثَّل انهيار الشرطة هذا، كما هي العادة، فراغا أمنيا سرعان ما استغله اللصوص والبلطجية الذين نشطوا لانتهاز الفرصة من خلال السرقات والغصب والتعدي، ويتذكر أهل كرداسة أن واحدا من عائلة الشيخ كان يقود سيارته فحاول كمين للبلطجية إيقافه فلما هرب منهم أطلقوا عليه النار وأصيب في ساقه، وكانت هذه الحادثة، وغيرها من السرقات، من الإنذارات التي نبهت الحاسة الشعبية لتكوين اللجنة الشعبية في كرداسة، وهو أمر انتشر في سائر القطر المصري عفويا، حيث ينزل شباب الحي أو المنطقة لحماية أنفسهم وبيوتهم، فيقفون على رأس الطرقات ويمارسون تفتيش العابرين ممن لا يعرفونهم، حتى لو كان هؤلاء العابرين هم من أفراد الشرطة ويقودون سيارات الشرطة.

بدأت اللجان الشعبية في كرداسة على هذا النحو من العفوية التي تمثل العشوائية والتفرق والتنوع، كوَّن شباب كل عائلة لجنة شعبية خاصة بهم تحمي منطقتهم أو المدخل المتاخم لهم من البلدة، وشهدت هذه اللجان نوعا من الاضطراب والفوضى والمنازعات البسيطة التي تؤدي إلى انفضاضها وعدم استقرارها كأن تُضْبط –مثلا- قطعة من المخدرات ثم يستولي عليها أحدهم خلسة، أو منازعات حول من يتحمل المسؤولية ومدى التزام الشباب بتأدية أدوارهم، وهكذا.

وفي هذه الأجواء برزت لجنة شعبية تحظى بقدر من النظام والانضباط نسبيا، تلك هي اللجنة التي كونتها عائلة عمار، والتي انضوت تحت قيادة الشيخ محمد مهدي الغزلاني.

شخصية الشيخ مهدي الغزلاني

ولد الشيخ محمد مهدي الغزلاني في أوائل الخمسينات، في نفس الجيل الذي أسس الصحوة الثانية للتيار الإسلامي في مصر إبان السبعينات، وفي السبعينات عرف طريقه إلى الالتزام الديني مع ما كان معروفا عنه من نهم القراءة والاطلاع الواسع، إلا أن أول ما اجتذبه من الأطياف الإسلامية الرائجة في تلك الفترة كانت “جماعة المسلمين” التي أسسها شكري مصطفى والمعروفة بـ “جماعة التكفير والهجرة”، غير أنه سرعان ما انفصل عنهم ونبذ اتجاههم التكفيري وعمل على تأسيس جبهة لتصحيح مفاهيم الشباب المنضوين تحت هذه الجماعة، واستطاع بالفعل أن يعيد عددا منهم من اتجاه التكفير.

درس في معهد الخدمة الاجتماعية، ثم حصل على الماجستير في الدراسات الإسلامية، وخرج من مصر إلى الكويت فعمل بها مدرسا لفترة طويلة، ولما عاد إلى مصر مارس الدعوة فكان يلقي الدروس الدينية بالمساجد، وعمل بتجارة الفواكه ثم بالمقاولات، وهو ما وفَّر له بالإضافة إلى مواهبه الشخصية الاجتماعية تعاملات واسعة مع كافة الشرائح الاجتماعية، إذ عمل المقاولات يستلزم التعامل مع الأغنياء والطبقة الوسطى ومع الفقراء ومع شرائح الصنَّاع من نجارين وحدادين وسباكين وبنائين. وهو ما جعله من الشخصيات المعروفة المُقَدَّرة عند الأوساط جميعا، ومن هذه الأوساط والشرائح: شريحة العرب المنتشرين في المساحة الجغرافية المحيطة بكرداسة حتى الإسكندرية ومطروح، وكانت ظروف عديدة –سنأتي عليها في سياق هذه الدراسة إن شاء الله- قد عملت على إنعاش وضعهم الاقتصادي حيث توسعوا في البناء والمعمار مما جعله معروفا بينهم كمقاول.

عملت شخصيته الاجتماعية الدعوية، مع كونه من المحسوبين على الأثرياء من الطبقة الوسطى، على اتساع علاقاته كذلك بالأطياف الإسلامية من الإخوان المسلمين والسلفيين والجهاديين، ولم يكن له نشاط تنظيمي يُدخله في عداد “خصوم الدولة” إلا أن هذا لم يمنع من أن يُعْتَقَل أحيانا بين الفينة والأخرى دون أن تثبت عليه تهمة، فقد كان يرى أن الصدام مع الدولة ليس مفيدا في تلك المرحلة وهو ما يتفق مع اتجاه الإخوان المسلمين أيضا.

بشخصيته الزعامية كان الشيخ مهدي الغزلاني قد بادر إلى التعامل مع ظاهرة البلطجة والسرقة عند حصول الفراغ الأمني في أيام الثورة، فكوَّن تحت قيادته مجموعة من شباب عائلة عمار ليكونوا لجنة شعبية تقوم على حماية الناس والتصدي لهذه الظواهر، ثم ما لبثت تلك النواة أن جذبت إليها عددا من الشباب من كافة الأوساط التي يعرفها الشيخ محمد الغزلاني وتقدره كالصنايعية والمتعلمين وغيرهم.

اتخذوا من أحد المناطق المهجورة، وفيها بناء خاص لأحد أفراد العائلة، مكانا لاحتجاز المقبوض عليهم من البلطجية بعد ضربهم، وهناك يحملونه على الاعتراف بمن وراءه من البلطجية الآخرين، فيقصدونهم في بؤرهم التي يجتمعون فيها ويضربونهم أيضا، فأدى هذا إلى انحسار مبكر لظاهرة البلطجية وحصول أمان نسبي عام في كرداسة جراء القضاء على البلطجية فيها والقريبين منها.

مشكلة الشباب والنظام

كانت المشكلة الأهم في تلك اللجنة هو أنها لا زالت تعمل بعشوائية وبدائية، تسمع الصيحة فتهرع إليها، تتحرك وفقا لما يرد إليها من خبرٍ بوجود بلطجي هنا أو بائع مخدرات هناك.. وهكذا، وقد يؤدي هذا إلى بعض الأخطاء والإخفاقات مثل أن يستولي بعض أفراد اللجنة خلسة على ما يصادرونه من مخدرات أو نحوه، فهي في النهاية تجمع شبابي على خلفية قبلية لا على خلفية دينية أو أخلاقية. بينما كانت أهم مزاياها أن شخصية الشيخ مهدي الغزلاني بما هي عليه من حب وتقدير لدى الكافة تزيل حساسية المشاعر القبلية لدى العائلات الأخرى.

مثَّل خروج المعتقلين من السجون في زمن ما بعد الثورة تغيرا في وضع اللجنة الشعبية في كرداسة، لقد أُفْرِج في شهر مارس 2011 عن عدد من المحكوم عليهم بالسجن في قضايا جهادية وقعت في عصر مبارك، وبعضهم كان في السجن منذ خمسة عشر عاما مثل الدكتور محمد نصر الدين الغزلاني، وكان مسجونا في قضية “إعادة إحياء تنظيم الجهاد” المعروفة إعلاميا باسم “قضية خان الخليلي” وهو أحد كوادر تنظيم الجهاد، وقد حصل في السجن على دبلومة الدراسات الشرعية وعلى درجة الدكتوراه في القانون من جامعة القاهرة (2009م)، وكانت رسالته بعنوان “الدور السياسي للأمة في الشريعة الإسلامية”.

سرعان ما سيكون د. محمد نصر الغزلاني نائبا للشيخ مهدي الغزلاني –وهو ابن عمه- في رئاسة اللجنة الشعبية، وسرعان ما سيكون المفرج عنهم من السجون هم الحل للمشكلة الأهم التي تقابل الشيخ مهدي الغزلاني في إدارة اللجنة الشعبية.

بعد ثورة يناير كان الشباب في حالة عارمة من الحماسة والثورية، وهذه الحالة تثمر أيضا صعوبة في إلزامهم النظام أو القدرة على إدارتهم، فكان مما يعانيه الشيخ مهدي الغزلاني أن كثيرا من الشباب لا يلتزمون بتوجيهاته بل ربما عارضوها وأحيانا تكون هذه المعارضة علنية مما يفاقم من أثرها في انضباط اللجان الشعبية أو يفت في قدرتها على تنفيذ المهمات المطلوبة منها، بل وقع أحيانا أن يتنازع ويتعارك بعض شباب اللجنة أمام الشيخ مهدي الغزلاني ولا يملك أن يسيطر على الأمر. فلما صار د. محمد نصر الغزلاني نائبا لمهدي الغزلاني في إدارة اللجنة الشعبية انضوى تحتها عدد كبير ممن أفرج عنهم من الجهاديين فقد كان محمد الغزلاني أميرهم في السجن.

كان أولئك الجهاديون من التنظيميين الذين عركهم شأن تنظيم الجهاد قبل السجن وفي السجن، مما جعل اللجنة تتحول وبسرعة إلى كيان منظم منضبط، يتجاوز السلبيات التي وقعت بسبب عفوية اللجنة وبدايتها بصورة عشوائية، ثم أخذ يهيمن عليها الوازع الديني الأخلاقي الذي يصبغ أشخاصها الفعالين. ومن هنا اكتسب بقية الشباب المنضوي تحت هذه اللجنة الشعبية هذا الطابع النظامي الأخلاقي، وبقيت بقية لم تستطع أن تنسجم مع الوضع الجديد فاضطرت إلى الانفلات إما لأنهم بطبيعتهم لم يتعودوا الوضع النظامي والالتزام الانضباطي أو لأنهم لم ينسجموا مع هيمنة الوازع الأخلاقي الديني على سلوك أعضاء اللجنة الشعبية. وهذا فضلا عما يتمتع به أولئك المفرج عنهم من مهارة في استعمال السلاح وقد كان لبعضهم خبرة قتالية قديمة في أفغانستان.

بهذا طرأ تحول واضح وواسع الآثار على اللجنة الشعبية، وأُلْزِم أفرادها –بمن فيهم بقية شباب عائلة عمار وغيرهم- على مراعاة الاحترام الكامل لشخصية الشيخ مهدي الغزلاني وطاعة أوامره علنا فيما يكون النقاش والاعتراض في المجالس المغلقة لكي لا تهتز هيبته أمام الناس ولكي تنضبط أمور التوجيه والتنفيذ تحت قيادة واحدة. وضرب محمد الغزلاني مثلا بنفسه علانية إذ نزل على أمر الشيخ مهدي في أمر يعارضه فيه باعتباره القائد المسموع الكلمة.

بدأ أفراد اللجنة الشعبية يدخلون في مرحلة النظام، فجعلوا لأنفسهم ثيابا موحدة مكتوبا عليها “اللجنة الشعبية بكرداسة” ومنعوا في عموم كرداسة أن يُباع هذا الزي أو يُكتب عليه كلمة “اللجنة الشعبية” إلا بإذنهم، وكان الوضع قد تطور إلى أن صارت اللجنة الشعبية تضع كمائن عند المداخل والمخارج المحيطة بكرداسة لا كما كان الحال أولا أن تهرع إلى حيث ترد المعلومة بحادث ما، ثم ألزموا أعضاء اللجنة ألا يقف في تلك الكمائن إلا من يرتدي هذا الزي الموحد، وصنعوا لكل كمين مسؤولا عنه، ولكل كمين مسؤولا عن المضبوطات والأحراز التي تصادر من البلطجية أو المنحرفين كالمخدرات والسلاح ونحوها.

الأمن: كلمة البداية

بالوصول إلى مرحلة الكمائن على مداخل ومخارج كرداسة لتوفير حماية أمنية أفضل بدأت اللجنة الشعبية تضع يدها على الوضع الأمني لكرداسة، ليس على سبيل رد الفعل بل على سبيل الفعل وأخذ زمام المبادرة، لقطع أسباب ما يمكن أن يسبب الفوضى أو التهديد من البداية. لكن هذه المرحلة لن تكفيها طاقة اللجنة الشعبية -المكونة بالأساس من عائلة عمار- وحدها، إذ المداخل متعددة وبعض تلك المداخل قريب من عائلات أخرى وبعضا قريب من مناطق يغلب عليها طابع فكري معين كالإخوان أو السلفيين، كما أن وجود كمائن ثابتة يعني الحاجة إلى رجال يتناوبون الحراسة والحماية، وهو ما لا يمكن أن تقوم به عائلة واحدة.

من هنا دعت اللجنة الشعبية إلى مؤتمر عام لجميع العائلات في كرداسة، للقيام بشأن الحماية العامة للبلدة وطلب أن تقدم العائلات بعضا من شبابها لهذه المهمة العامة، وقد تزامن هذا مع حادثة وقعت قبل قليل من الدعوة إلى المؤتمر؛ وهو أن أحد أبناء عائلة الشيخ أصيب بالرصاص في ساقه أثناء محاولة سرقة سيارته، وقد عمل الحافز التنافسي القبلي على مسارعة الجميع لتقديم شبابهم وتولي أمر الحماية ضمن إطار اللجنة الشعبية.

استطاعت اللجنة الشعبية تنظيم أمر الشباب بما رسخته من نظام داخلي من حيث الزي الموحد وتقسيم المسؤوليات والتزام الأفراد بالخضوع لتوجيهات مسؤول الكمين وطريقة ضبط وتسليم الأحراز والمضبوطات، ثم بدأ التوسع في الكمائن الثابتة فمن بعد ما كان كمينا واحدا عند المدخل الرئيسي صارت تُنصب الكمائن عند المداخل الأخرى ليتولى أمرها شباب الناحية ضمن النظام العام المتبع في اللجنة الشعبية، وبعض الكمائن تولى أمرها جماعات لا عائلات فكان ثمة كمين للسلفين وآخر للإخوان، وتولت اللجنة الشعبية توزيع الملابس الخاصة بها على أعضاء الكمين وتوزيع السلاح أيضا عليهم. ففي ظل الفراغ الأمني كانت مقدرات الشرطة من السلاح عمليا تحت سيطرة اللجنة الشعبية.

لم يكن سهلا أن تتسلم اللجنة الشعبية زعامة الوضع، وأغلبها من شباب عائلة عمار، ووقعت احتكاكات ومنازعات بين شباب العائلات اللذين يأنفون بطبيعة الحال من الخضوع لمن لم يكن من عائلتهم. كذلك وقعت بعض احتكاكات ومنازعات بين اللجنة الشعبية –التي برز فيها السَّمْت الجهادي- وبين الأطياف الإسلامية الأخرى كالإخوان والسلفيين، إلا أن ما أبدته هذه اللجنة الشعبية من قوة وانضباط وأمانة مع الجميع –مما سيأتي الكلام فيه بعد قليل إن شاء الله- كان يمهد لها الوضع والنفوس شيئا فشيئا حتى استتب لها الأمر، لا سيما وأنها لم تكن تسعى إلى احتكار شيء أو الهيمنة عليه، بل إلى توظيف الطاقات جميعها باعتبار أن المهمة كبيرة فوق طاقة أي عائلة أو توجه منفردا.

تضاربت الروايات في العلاقة بين هذه اللجنة الشعبية العامة التي غلب عليها الآن السمت الجهادي، وبين لجنة السلفيين ولجنة الإخوان، ثمة رواية تُقَدِّر وتُثْني على المجهود الذي قامت به اللجنتان: السلفية والإخوانية، وتروي أن لجنة السلفيين كانت قوية وتسد ثغرها وأن لجنة الإخوان كانت أبرز اللجان جميعا انضباطا وانتظاما. لكن رواية أخرى تقول بأن التكوين النفسي للإخوان والسلفيين ألقى بظلاله أيضا على هاتين اللجنتيْن، فقد كانتا أقل قوة وكفاءة، وبالرغم من توفر السلاح إلا أنهم كانوا يخشون استعماله، كما كانوا يتخوفون من مطاردة سيارة إذا لم تستجب للإيقاف.. ونحو هذا، فمن هنا ربما قامت اللجنة الشعبية الرئيسية بإمدادهم بسلاح أو برجال أحيانا.

عملت هذه العلاقة التي تفاعل فيها الإخوانُ مع الجهاديين ضمن مهمات اللجان الشعبية إلى تسرب العديد من شباب الإخوان إلى الجهاديين يطلبون منهم التدرب على حمل السلاح، وهو الأمر الذي لم تعلم به قياداتهم التي كانت ترفض تماما مثل هذا التوجه. ولا يمكن فصل هذا التسرب من شباب الإخوان عن عموم حالة الترابط والاتصال الاجتماعي والتداخل العائلي في كرداسة، فأولئك الشباب من جميع الاتجاهات هم في النهاية أقارب وأصهار وأصدقاء بحكم الواقع.

كان السلاح في البداية هو ما اشتراه أفراد العائلة للقيام بحماية أنفسهم، ولكن مع الوقت زاد السلاح بما يتبرع به الناس أو بما يُصادَر من البلطجية أو بما يُشترى لضرورات هذا التوسع في القيام بالمهمة الأمنية. ومن القصص المشهورة التي تُتَناقَل في كرداسة ما تبرع به تاجر كبير من تجار الحديد –وكان من خارج كرداسة- استطاعت اللجنة الشعبية أن تعيد إليه مسروقات بمئات الآلاف من الجنيهات سُرقت من مخازنه، فأراد أن يتبرع بنصفها لصالح اللجنة الشعبية، ثم تبرع بالفعل بعدد كبير من الذخيرة.

وإذا أردنا رسم خريطة اللجان الشعبية في كرداسة كما استقر الحال عليها، فستكون كالآتي:

ثلاث لجان يتولاها التنظيميون من جماعة الجهاد الإسلامي في الجانب القبلي (الجنوبي) من المدينة، واللجنة الشمالية يتولاها شباب عائلة عمار بزعامة الشيخ مهدي الغزلاني وهي ذات سمت جهادي أيضا، واللجنة الغربية التي يتولاها السلفيون بزعامة الشيخ محمد حسنين وتلاميذه، واللجنة الشرقية “لجنة جامع الشاعر” يتولاها الإخوان المسلمون.

ما إن كادت الأمور تستقر حتى وقعت حادثة في كرداسة سيكون لها شأن بعيد في تطور اللجنة الشعبية التي يقتصر عملها على الأمن لتكون صورة من صور الحكم الذاتي وإدارة شؤون المدينة.

ملامح الحكم الذاتي

تكهرب الجو في كرداسة عندما خرج من السجن قاتلٌ بعد خمس عشر سنة سجنا كانت هي العقوبة التي قضاها، إلا أن عائلة القتيل لا تأبه لمثل هذا الكلام فالموضوع ثأرٌ لا تسامح فيه، فتأهبت عائلة القتيل أولياء الدم لقتل القاتل إن خرج، كما تأهبت عائلة القاتل للدفاع عن ابنها بعد قضائه ذلك العمر في السجن، وصارت أجواء كرداسة ملبدة بالسلاح!

وبطبيعة الحال تكهرب الوضع في اللجنة الشعبية التي فوجئت بأنها أمام استحقاق ضخم: عائلتين في كرداسة تتأهبان لخوض معركة دموية ثأرية، فسارعت اللجنة الشعبية إلى ولي الدم الذي أقرَّ بأنه مضطر إلى الأخذ بالثأر حتى ولو كان في ذلك خراب بيته وسجنه، ذلك أنه لن يعيش بين الناس مهدور الكرامة يرى قاتل أخيه ويُعَيَّر به بين الناس. فكان على اللجنة الشعبية أن تجد مخرجا لهذا المأزق، وبعد مجهود محموم بين العائلتين ساعد فيه أن اللجنة الشعبية التي يتكون جسمها الرئيسي من عائلة عمار تحتفظ بعلاقات مصاهرة مع كلا العائلتين، ثم استقر الأمر على حل مُرْضٍ للطرفين:

سينعقد اجتماع كبير يضم كافة عائلات كرداسة في مؤتمر حاشد، وبحضور مأمور المركز ورئيس مجلس المدينة ووجوه عائلات كرداسة، ثم يأتي القاتل مسلما نفسه إلى لجنة تشكلت سريعا ضمت ستة: ثلاثة منهم من حملة الدكتوراه وثلاثة من مشايخ كرداسة ممن يشتهرون بالعدل والحكمة، ويعلن أنه يسلم نفسه لحكم القصاص طبقا للشريعة الإسلامية، وعندئذ يعفو أهل القتيل عنه بعدما قدروا عليه وصارت يدهم هي العليا، وحضر كل أولئك الناس مشهد القاتل الذي سلَّم نفسه بما يرفع عن ولي الدم أي شعور بالحرج أو بالعار. ثم ستتحمل عائلة القاتل سائر نفقات هذا المؤتمر والولائم التي تعد له ويعتبرون هذا فداءً لحياة ابنهم.

رتبت اللجنة الشعبية أمر هذا المؤتمر، وأمر تأمينه وحراسته وضربت طوقا أمنيا حوله فمنعت دخول أي شخص بالسلاح إلا أعضاء اللجنة، مع المراقبة الدائمة من فوق المساكن، وعقد المؤتمر في بيت عائلة عمار مع التحذير والتشديد على عائلة القتيل بأن أي اعتداء على القاتل فهو اعتداء على اللجنة الشعبية والعائلة التي تستضيف المؤتمر والعائلات التي حضرت على هذا الشرط. بدأ المؤتمر بكلمات من وجوه العائلات ومن رئيس مجلس المدينة ومأمور المركز وكانت تدور في إطار الصلح ونجاح اللجنة الشعبية بكرداسة في مهمة الصلح المجتمعي، مرت اللحظات ثقيلة ومتوترة حتى المشهد الأخير، وما إن ظهر القاتل يمشي إلى لجنة الحكم حتى طارت عيون أهل القتيل بالشرر، ثم أعلن أنه يسلم نفسه للقصاص وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، ثم أعلن ولي الدم أنه قد عفا عنه، وفي تلك اللحظة فحسب: بدأ الجو يهدأ! وتبادلوا الصلح ووُضِعَتْ الولائم للناس.

تطور اللجنة الشعبية

على الرغم من أن هذا الموقف مثَّل لحظة فارقة في كرداسة، إلا أن هذا لم يكن أهم إنجازاته. لقد كان الإنجاز الأهم هو ولادة “لجنة فض المنازعات”، حيث صار أولئك الستة الذين تصدروا لفض المنازعة لجنة دائمة تعمل عمل المحكمة الشرعية، وتتولى فض المنازعات، وتحولت اللجنة الشعبية نفسها لتصير “اللجنة الأمنية” وتعمل كقوة تنفيذية لأحكامها في حال استدعى الأمر.

اتسع حضور هذه اللجنة في حياة كرداسة، لقد استطاعت بما أثبتته من عدالة وأمانة أن تَحُلّ العديد من المنازعات بين العائلات، ثم استطاعت فيما بعد أن تدخل إلى العائلات لتحل المشكلات الداخلية بين أبناء العمومة إذا لم تستطع العائلة أن تحلها داخليا، ثم دخلت إلى البيوت حيث حكمت بين نزاعات الإخوة والأزواج أيضا، ثم استطاعت أن تكون حكما في النزاعات التي تقع بين الأعراب المحيطين بكرداسة، ثم بين أهل كرداسة وما حولها، وفي آخر مراحلها استقبلت طلبات للفصل في نزاعات أطرافها خارج كرداسة جميعا.

في وسط هذا كله تطور تفكير اللجنة لتكون أكثر كفاءة واستمرارا، وانبثقت اقتراحات أن يتشكل في اللجنة مجموعة من العلماء والشرعيين لتدريب وتخريج القضاة الشرعيين، كما اقْتُرِح تشكيل لجنة تربوية مهمتها نشر فكرة تحكيم الشريعة بين الناس وشرحها وتقريبها وتيسيرها. لم تضطر اللجنة في أي من مراحلها إلى تطبيق الحدود –وهو أمرٌ لا شك أنه داعب خيال الجهاديين- وذلك لأنها نجحت في إقناع الناس بقبول الديات.

وهكذا أسست تلك اللحظة العصيبة التي لم يسع إليها أحد، لحظة الثأر من القاتل، لنتائج قوية كانت هي بداية ظهور ملامح الحكم الذاتي في كرداسة. وكان من أهم هذه النتائج:

  1. ظهور قوة نظامية منضبطة فوق الولاءات العائلية، فقد عمل محمد نصر الغزلاني –نائب رئيس اللجنة الشعبية- طويلا على التأكيد والتشديد الدائم المستمر على أعضاء اللجنة ليتشربوا فكرة أن الحق فوق القبيلة والعائلة، وأنهم يعملون في سبيل الله لمنع تهديد الناس سواء من البلطجية أو حتى من جور العائلات الكبيرة التي تشعر بالنفوذ أو القوة في نفسها، وهو المعنى الذي ستصدقه عددٌ من الوقائع كما سيأتي معنا بعد قليل، فظهرت في صفوف اللجنة الشعبية عناصر تقدم ولاءها للجنة الشعبية على ولائها للقبيلة والعائلة، وكان أهم ما في مشهد المؤتمر الآنف ذكره أن بعض أفراد من عائلتي القتيل والقاتل كانا ضمن اللجنة الشعبية ويحملون السلاح ويُأَمِّنون المؤتمر. وبهذا ظهرت قوة نظامية شبه احترافية تمثل ثقلا جديدا في كرداسة ولا يمكن احتسابها على طرف ضد الآخر.
  2. انضواء القوة الرسمية للشرطة ومجلس المدينة في كرداسة عمليا تحت هيمنة اللجنة الشعبية، والاعتراف بها عمليا كجهة تدير الوضع في كرداسة وتحظى بالقبول الشعبي العام، وفي تلك الفترة كانت سلطة الدولة ضعيفة وكانت أجهزتها –لا سيما: جهاز الشرطة- يعود رويدا وتدريجيا إلى عمله ويتلمس أن يوجد من جديد في الحياة العامة[11]، فلم تكن الدولة تعمل ككيان وحيد يحتكر ممارسة السلطة واستعمال العنف بل كانت في حالة رخوة، وقد أدى هذا كله إلى أن عملت الجهات الممثلة للدولة، وأهمها: الشرطة والجهاز الإداري في مجلس المدينة تحت التوجيه العملي للجنة الشعبية في كرداسة.

ومن جهة أخرى فقد وفَّر هذا مزيدا من الغطاء السياسي والشرعية السياسية للجنة الشعبية لأنها كانت تتحرك من خلال أدوات السلطة الرسمية، فتستطيع أن تستصدر قرارات من الشرطة أو من مجلس المدينة، ويحضر المأمور مع ضباطه ورئيس المجلس مع نوابه الفعاليات التي يُراد أن تُسبغ عليها الصفة الرسمية، ويودع المقبوض عليهم من البلطجية أو المهربين في قسم الشرطة وتحرر لهم محاضر شرطية ومحاضر مخالفات إدارية من الشرطة ومن مجلس المدينة، وإن كان ثمة إصلاحات تريد اللجنة الشعبية تنفيذها فإنها تقوم بهذا من خلال أوامر رسمية محررة ومن خلال الموظفين الرسميين أيضا.

  1. تطور اللجنة الشعبية وتعدد وظائفها، إذ تحولت إلى خمس لجان هي: اللجنة الأمنية وتتولى تأمين كرداسة والتدخل في حال وقوع منازعات كما تعمل كقوة تنفيذية للجنة فض المنازعات. ولجنة فض المنازعات التي تعمل كمحكمة شرعية تُحال إليها القضايا المتنازع فيها فتفصل بينها بما تحوزه من ثقة مجتمعية أولا وبوجود قوة تنفيذية لها ثانيا. ولجنة التموين التي تتولى متابعة ما يدخل إلى كرداسة من الدقيق (الطحين) والبنزين لتكافح تهريبه أو بيعه في السوق السوداء أو شحه من الأسواق. ولجنة إدارة مجلس المدينة التي كانت تتابع عمل مجلس المدينة وتحاول مكافحة الفساد فيه، وأخيرا اللجنة الصحية التي تتابع عمل المستشفى الحكومي الوحيد في كرداسة وبعض ما يتعلق بالأمور الصحية.

كانت كل مرحلة من تلك المراحل تتطور حسب الحاجة، دون ترتيب وتخطيط مسبق، ولكن البداية كانت من القيام بدور الأمن، وهو الدور الذي يتيح عمليا السيطرة على بقية الأدوار والتمكن من الدخول فيها بحسب الحاجة.

1. اللجنة الأمنية

استمرت اللجنة الأمنية في متابعة العمل الأمني في كرداسة، وكانت تتطور بما يُضاف إليها من الخبرة والنظام، وبما يُهدى إليها من الأموال والأسلحة والذخائر سواء من أهل كرداسة –كنوع من التطوع والإعانة على ما يقومون به- أو من ضحايا سرقات أو نزاعات استطاعت اللجنة الأمنية أن تستعيد مسروقاتهم أو توقف النزاع بينهم. كذلك كان من وجوه تطورها أن المنافسة القبلية حملت بقية العائلات على المشاركة في هذا “الشرف” وهذه “المهمة النبيلة” لحماية البلد، لئلا ينفرد بيت فلان وفلان بالأمر وحدهم.

ومع وجود لجنة فض المنازعات أضيفت إلى مهمات اللجنة الأمنية حراسة أعضاء اللجنة والمكان المنعقدة فيه وتنفيذ قراراتها إن وُجِد من قد يمتنع عن التنفيذ.

2. لجنة فض المنازعات

ضمت لجنة فض المنازعة ثلاثة من حملة الدكتوراه وثلاثة من المشايخ المعروفين ذوي السمعة في كرداسة يشتهرون بالعدل والحكمة، وجميعهم ممن كانوا معتقلين سابقا، وأبرز هذه الأسماء: مهدي الغزلاني ومحمد نصر الغزلاني والشيخ سمير الحسيكي.

تميزت اللجنة بوجود قوة تنفيذية، فيما كانت المجالس العرفية من قبل تعتمد على التزام الطرفين.. وقبل البداية يوقع الطرفان شيكات على بياض وتبقى في يد اللجنة ليكون لديها ما يلزمه بالتنفيذ، وهذا ما ميز اللجنة عن التجارب السابقة. وفي مرحلة لاحقة وبالتدريج، كان انضواء جهاز الشرطة[12] تحت اللجنة الشعبية أيضا عامل قوة لها على مستوى التنفيذ، كما أضفى على وجودها وقراراتها مزيدا من الشرعية.

دخول اللجنة إلى كل البيوت جعل لها فضلا ومنة في حل منازعات البلد، وهو ما زاد من قوة اللجنة وسمعتها ونفوذها واطمئنان الناس إليها، وكان خطباء المنابر يرفعون الدعاء لها! وكان من أشكال هذا الامتنان تطوع شباب العائلات للمشاركة في الحراسة والحماية التي تقوم بها اللجنة الأمنية.

وهكذا، بقدر ما أن اللجنة الأمنية هي التي ولدت لجنة فض المنازعات وحرستها حتى تقوى وتنضج، بقدر ما كانت لجنة فض المنازعات قد أضفت صبغة عدل ورحمة وشرعية على اللجنة الأمنية، وبقدر ما وفَّرت عليها كثيرا من الأعباء والمهمات من خلال أداة الفصل في المنازعات قبل أن تتطور إلى مشكلات أمنية، وبقدر ما أذابت الكثير من الاحتكاكات وساهمت في تماسك المجتمع وأطيافه.

3. لجنة التموين (الدقيق والبنزين)

حيث صارت كرداسة تحت الرعاية الأمنية والقضائية للجنة الشعبية، فقد تعددت المطالبات بأن تتدخل اللجنة لحل المشكلات المزمنة التي يعاني منها الأهالي، وقد كانت البداية أيضا بمشكلة دفعت إلى هذا التطور، وهي أزمة الخبر واسطوانات الغاز التي وقعت في عموم مصر.

كانت علاقة طبيعية قد نشأت وتطورت بين اللجنة الشعبية وبين رئيس مجلس المدينة فمن دونه وكذلك بين اللجنة الشعبية وبين مأمور مركز الشرطة ومن تحته من الضباط والجنود، وذلك ضمن النشاط الطبيعي اليومي، والذي يبدأ بكمين الحراسة الموجود في مدخل البلد الرئيسي حيث كان يمر عليه أولئك يوميا! وكانت الأمور في الأيام الأولى تحمل اللجان الشعبية في عموم مصر على تفتيش حتى سيارات الشرطة.

كذلك فقد كانت اللجنة الشعبية إذا قبضت على مسروقات مهربة صادرتها وقبضت على صاحب الجريمة، فكانت تودع هذه المسروقات وأصحابها لدى قسم الشرطة، وتسجل ذلك في محاضر الشرطة ومحاضر مجلس المدينة –إن كان المسروق مما يتعلق بما يشرف عليه مجلس المدينة- وكان أول ذلك أزمة تعرض لها أهل كرداسة أيضا، وذلك أن سيارات النقل الكبيرة كانت تستغل أجواء الانفلات الأمني فلا تلقي بالمخلفات التي تحملها في مناطق المحاجر المخصصة لها بل كانت تلقيها على الطريق، وكان هذا يسبب حوادث وأزمات خطيرة للمارين بسياراتهم لا سيما إن كان ذلك في الليل، فلذلك نظمت اللجنة الشعبية كمائن لحراسة الطريق تلافيا لمثل هذه المشكلات، كانت غير مسلحة في البداية ثم اضطرت إلى التسلح حين هاجمها السائقون، فكانوا إذا قبضوا على سيارة نقل أودعوها في مجلس المدينة، ثم يحرَّر لها رئيس مجلس المدينة محضرا بالمخالفة ويتخذ إزاءها الإجراءات الرسمية.

بمثل هذه الأحداث انعقدت وتطورت العلاقة بين اللجنة الشعبية وجهاز مجلس المدينة، فلما جاءت أزمة اسطوانات الغاز وضجَّ الناس بشحها عقدت اللجنة الشعبية اجتماعا مع رئيس مجلس المدينة، لمحاولة ضبط ومكافحة التهريب المتسبب في الأزمة، وشكلوا لجنة ثلاثية مشتركة بين رئيس مجلس المدينة وجهاز التموين ورئيس اللجنة الشعبية، ثم اجتمعت هذه اللجنة بمديري مستودعات الغاز في كرداسة، وبدأت اللجنة الشعبية في متابعة ورصد المخالفات التي قد تحدث في عملية النقل والتوزيع ثم ترسلها إلى رئيس مجلس المدينة الذي يحولها إلى محاضر مخالفات رسمية يترتب عليها إجراءات ضد المخالفين. وفي أحيان أخرى تولت اللجنة الشعبية توزيع أسطوانات الغاز بنفسها على الأهالي في كرداسة فتوغلت أكثر في الجوانب الخدمية.

وفي ظل الرقابة والمتابعة والمشاركة من قبل اللجنة الشعبية –والتي تتطور وتزداد بالخبرة المتراكمة- استطاعت اللجنة الشعبية أن توفر أسطوانة الغاز بخمس جنيهات وأن توصلها إلى بيوت الأهالي في الوقت الذي كانت تباع فيه بخمسين جنيها خارج كرداسة من جراء الأزمة. وأن تحل أزمة حادة تسبب في معاناة عامة في كرداسة.

تسبب هذا الوضع الجديد في أن مديري مستودعات أسطوانات الغاز استسلموا وخضعوا لإشراف اللجنة الشعبية، فهم من ناحية يريدون تجنب المخالفات التي تحرر لهم، ومن ناحية أخرى يريدون ألا يظهروا أمام الناس كلصوص وفاسدين يتسببون في أزمة الغاز، وقبل ذلك وبعده لا يريدون فقد مورد رزقهم، فأقبل بعضهم إلى اللجنة الشعبية وسَلَّم مستودعه إليهم تحت إشرافها وإدارتها.

وتكرر نفس الموضوع في أزمة الخبز، وبادرت اللجنة الشعبية إلى متابعة المخبز الحكومي الوحيد في كرداسة والإشراف على عمله منذ اليوم الأول للأزمة، واكتشفوا مبكرا أن حقيقة الأزمة هي في سرقة الدقيق (الطحين)، فأعلنوا في مكبرات الصوت والمساجد لأهالي كرداسة أن من يرصد تهريب أي أجولة من الدقيق فعليه إبلاغ اللجنة مباشرة، فتفاعل الأهالي وكانوا يرصدون حوادث تهريب للدقيق فيسارعون بالاتصال باللجنة الشعبية التي تحرك بعض أفرادها على الفور لضبط السارق والمسروق.

ومع هذه التحرك السريع الذي ضبطت به سوق الدقيق ارتفعت الشكاوى من أصحاب المخابز، وحضروا إلى اللجنة الثلاثية المشكلة من اللجنة الشعبية ومجلس المدينة وجهاز التموين، ووضعوا بين أيديهم حقيقة الأسعار التي يشترون بها الدقيق والتي يتكفلونها لإنتاج رغيف الخبز، واتضح أن منظومة الجهاز الإداري في مصر تُجبر أصحاب المخابز على الفساد، فهو إذا نفذ التعليمات الرسمية فإنه سيخسر، ولذا يضطر إلى تخزين حصة من الدقيق ليبيعها بسعر السوق مع أنه اشتراها من الدولة بالسعر المدعم، وهو ما تعرفه الدولة وتغض الطرف عنه نظير الرشاوى التي سيدفعها صاحب المخبز لمنظومة الرقابة، ونفس الأمر يحدث بالنسبة للسولار الذي يُشغل ماكينة المخبز، فتكون النتيجة النهائية أن يتحول الدعم إلى جيوب أصحاب المخابز والعاملين في الرقابة نظير غضهم الطرف عنه، وهو ما يحفز أصحاب المخابز إلى بيع كمية ضئيلة من الخبز للأهالي وبيع بقية الدقيق بسعر السوق لتعظيم مكاسبهم!

ظهر هذا المأزق أمام قيادات اللجنة الشعبية، بعد شكوى أصحاب المخابز الذين صاروا يتعرضون للخسارة لأنهم لا يستطيعون تهريب الدقيق بفعل يقظة اللجنة الشعبية، فكان الحل الذي توصلوا إليه هو أن يُسمح له ببيع جزء من الدقيق والسولار بسعر السوق وبعلم اللجنة الشعبية ليتحقق له المكسب الذي يُمَكِّنه من تسيير المخبز ودفع التكاليف ورواتب العمال.

كذلك اكتشفت اللجنة الشعبية فسادا في منظومة التوزيع، وكانت تتولاها في كرداسة شركة قطاع خاص تابعة –من الباطن- للواء عسكري، فتدخلت اللجنة ومنعت هذه الشركة من القيام بتوزيع الخبز، وأخذت على عاتقها القيام بهذا العبء لمكافحة الفساد الواقع فيه. ثم توصلت إلى صيغة مع هذه الشركة بعد نزاع مع أصحابها تقضي بتعيين أفراد اللجنة الشعبية ضمن هذه الشركة ليقوموا هم بالتوزيع تحت اسمها منعا لوقوع فساد في التوزيع!

كانت اللجنة الشعبية بفعل نجاحها في هذه الملفات تكتسب مكانة هائلة بين الجماهير الذين تحقق لهم الأمن ووجدوا جهة عادلة وقادرة تستطيع فض المنازعات ثم تتدخل لحل أزمات الخبز وأسطوانات الغاز، مع ما في هذا كله من الجهد والمخاطرة وما قد يترتب عليه من خسائر. فتكونت حول اللجنة الشعبية حاضنة شعبية قوية في عموم كرداسة.

4. لجنة إدارة مجلس المدينة

باستمرار التعامل مع مشكلات الأهالي كَوَّنَتْ اللجنة الشعبية لجنة أخرى مختصة بمتابعة وإدارة مجلس المدينة في كرداسة، وهو الجهاز الإداري الذي يتدخل في سائر التفاصيل الإدارية كترخيص إنشاء المباني وهدمها، وهي من المحاضن الكبرى للفساد الإداري في جهاز الدولة المصرية، حتى أصبحت كل المنظومة تدور بالرشاوى، وقد تمكنت اللجنة الشعبية من رصد مخالفات الهيئة الهندسية، وأحيل المهندس المشرف عليها للتحقيق أكثر من مرة، ثم طلبت اللجنة إقالته فأقيل، وجاء غيره فكان على نفس مثاله من الفساد والرشاوى، فتكرر أمر التحقيق ثم الإقالة، ثم جاءت مهندسة ثالثة فلم تكن أحسن من سابقيها.

وبدا واضحا مع التجربة أن منظومة الجهاز الإداري كلها تعيش على شبكة من الفساد المتوزع على الجميع، بل لقد حاولت اللجنة البحث عن مهندس نزيه لتسع في أن يتولى الهيئة الهندسة بمجلس المدينة في كرداسة، فكان مما أجيبوا به: لن تجدوا في كل المحافظة إلا مهندس واحد غير فاسد لا يتقاضى الرشوة، وهو موجود في مدينة كذا ولكن الناس لن يفرطوا فيه.

هذه اللجنة نجحت جزئيا لأن إصلاح المنظومة فوق طاقة المدينة، فهي تحتاج إلى قرارات سياسية وإدارية عليا، لكن وجود رقابة اللجنة الشعبية حدَّ إلى حد ما من آثار الفساد في المحليات، إذ عمل أفراد اللجنة الشعبية كعيون تراقب المخالفات وتبلغ عنها، كما عملت زعامات اللجنة الشعبية على تحريك المخالفات عبر إبلاغها لرئيس مجلس المدينة مباشرة، فعمل هذا على تقليل مسارات الفساد والرشاوى والمخالفات.

كذلك استثمرت اللجنة الشعبية إمكانيات مجلس المدينة في القيام بحاجات المدينة، وأبرزها حملات التنظيف وإزالة الركام من الشوارع والمناطق الخربة بما لدى مجلس المدينة من سيارات نظافة وروافع وناقلات كبيرة، وتطور الأمر فتأسست أكبر شركة خاصة للنظافة في المحافظة على يد اللجنة الشعبية، والتي أسهمت في تغيير وجه المدينة.

بدأت قصة شركة النظافة لوجود مشكلة القمامة التي كانت تُجمع عند ثلاث مناطق: هي سور المدرسة الثانوية، وفي مدخل مدينة كرداسة، وإلى جوار المستشفى. كانت أكوام القمامة الكثيرة تثير من الروائح العفنة والحشرات ما يتكاثر في الليل ثم ينتشر في النهار حين تأتي رافعة كبيرة فتنقلها إلى سيارة نقل تحمله إلى خارج المدينة، وكانت الرافعة الكبيرة تثير أزمة مرورية في كرداسة التي لا تتمتع بشوارع واسعة، وهكذا كانت مسألة القمامة موضوعا مثيرا لأنواع عديدة من الضرر. فقررت اللجنة الشعبية بالاتفاق مع رئيس مجلس المدينة شراء قطعة أرض من التابعة للمجلس على أطراف المدينة لتكون مكانا وحيدا تُجمع فيه القمامة، ويجري تعيين شباب في جمع القمامة من البيوت وتوصيلها إلى قطعة الأرض هذه، ومن ثم تأتي الرافعة وسيارة النقل إلى الأرض المخصصة دون أن تدخل إلى المدينة.

كانت الأرض تتبع رسميا مجلس المدينة لكنها عمليا تحت يد مزارعين يفلحونها ويستفيدون منها، فجرى شراء قطعة الأرض منهم –ترضية لهم، مع وجود القدرة السلطوية على انتزاعها- وبُني حولها سور كبير، كما بني فيها مبنى إداري تابع لها، كل ذلك بأموال المتبرعين وأهل الخير من وجوه كرداسة، وكذلك الأدوات اللازمة من “تروسيكلات” صغيرة وسيارات نقل صغيرة لتتولى جمع القمامة من البيوت. وغُطِّيَتْ رواتب العاملين في الشركة من رسم رمزي (خمسة جنيهات شهريا) على كل بيت.

ثم وقع تطور غير محسوب، لقد تلقت شركة النظافة عروضا من تجار يعملون في جمع القمامة، إذ تُباع كثير من المخلفات كالكرتون والأسلاك والبلاستيك وغيرها إلى مصانع تدوير القمامة، فاتفق التجار مع شركة النظافة على تقاسم الربح مقابل توليهم فرز هذه المخلفات، وهو ما مثَّل مصدر ربح إضافي للشركة.

كانت هذه هي أبرز إنجازات اللجنة الشعبية التي أدارت وتابعت مجلس المدينة، حيث حُلَّت مشكلة الأكوام الكبيرة للقمامة في مدخل البلد وعند المدرسة الثانوية وعند المستشفى، كذلك حُلَّت مشكلة جمعها، وحُلَّت مشكلة الأزمة المرورية التي تتسبب فيها الرافعة الكبيرة وسيارة النقل، وساهمت شركة النظافة الجديدة في توظيف كثير من الشباب في جمع القمامة وفي تحصيل الرسوم.

وبالسيطرة العملية على جهاز المدينة، يمكن القول بأن اللجنة الشعبية تحولت إلى مرحلة الحكم الذاتي في كرداسة.

ثمة إنجاز آخر يُضاف إلى سجل اللجنة الشعبية، وذلك أنه ضاقت المقابر على أهل كرداسة، وعبر زمن طويل كان المزارعون الذين تتاخم أراضيهم مقابر كرداسة يقتطعون منها شيئا فشيئا، فواجه أهالي كرداسة وضعا مثيرا للأزمة، إذ ضاقت المقابر من جهة وصار من يموت له ميت يُضْطَّر إلى شراء مقبرة خارج البلد في منطقة أكتوبر، وهو أمر مكلف وباهظ الثمن، ومن جهة أخرى فإن أصحاب الأراضي المتاخمة للمقابر ورثوها عن آبائهم وأجدادهم وقد تقسمت بينهم فانتزاع شيء منها يساوي انتزاع مورد الرزق الوحيد للفلاح الذي قد يكون فقيرا ومعدما أصلا.

بادرت اللجنة الشعبية إلى توسيع المقابر عبر شراء الأراضي المتاخمة للمقابر من أصحابها بأسعار فيها ترضية لهم، على أن تجمع هذه الأسعار من عموم أهل البلد، إذ سيستفيد الجميع من توسعة المقابر، واستعملت اللجنة الشعبية إمكانيات وأدوات مجلس المدينة من الروافع والسيارات الكبيرة في إزالة النخيل والزراعات، وتسوية الأرض الزراعية المنخفضة بأرض المقابر المرتفعة، حتى تم المطلوب واتسعت المقابر. ومع كل إنجاز جديد كانت الحاضنة الشعبية تزداد وتقوى في التفافها حول اللجنة الشعبية.

5. اللجنة الصحية

في كرداسة مستشفى حكومي وحيد، يقدم الخدمة الصحية لأهالي كرداسة، وضمن المشكلات اليومية التي تتابعها اللجنة الشعبية دخل ما يجري في المستشفى على الخط. كانت الشكاوى المعتادة في المستشفى الحكومي من فساد وإساءة تعامل وقلة الرعاية للمرضى تصل إلى اللجنة الشعبية، فضلا عن المعتاد في المؤسسات الحكومية من الفساد والرشاوى وغيرها.

بادر قيادات اللجنة بإجراء انتخابات لمجلس إدارة المستشفى، ودخل في المرشحين أعضاء من قيادة اللجنة الشعبية، فصار لها عين في مجلس إدارة المستشفى تتابع وتراقب أداء الأطباء، وتقلص أو تزيد من الصلاحيات الممنوحة للأفراد والعاملين بحسب ما يبدو منهم من كفاءة والتزام. كذلك سعت اللجنة الشعبية لدى وزارة الصحة لتحويل المستشفى من طب الأسرة إلى مستشفى مركزي، واستعملت في سعيها علاقاتها بمدير الأمن ورئيس مجلس المدينة والمحافظ مما سهَّل إنجاز الأمر. وهذا التحويل يزيد من سعة المستشفى ومخصصاتها وعدد أفرادها من كوادر الطب والتمريض، مما يعود في النهاية على جودة الخدمة الصحية الموجودة في كرداسة.

من خلال هذه اللجان وهذه المهمات، كانت اللجنة الشعبية بمثابة سلطة الحكم الذاتي وإن لم يكن مستقلا ولا منفصلا عن جهاز الدولة، ومن ثم فلا يمكن الحديث عن اللجنة الشعبية كأي لجنة شعبية قامت في لحظة مرتبكة ثم انتهى أمرها، بل هي على الحقيقة كانت بذرة قوية للحكم الشعبي الذاتي.

العلاقة مع النظام السياسي

في سياق ما سبق تبدو بعضُ ملامح العلاقة بين اللجنة الشعبية في كرداسة وبين النظام السياسي، لكن خيطا واضحا وصراعا مكتوما آخر كان يجري في الخفاء بينهما. فحين انهار النظام الأمني في كرداسة وبدأت لجنة فض المنازعات تحتل موقع المرجعية القضائية، شهدت مجالس اللجنة اقتراحا يقضي بتعميم الفكرة وإنشاء لجان عرفية لإدارة سائر مرافق البلد، لكن الفكرة لم تنجح على هذا النحو إلا في إنشاء شركة النظافة التي سلف الكلام عنها، والتي كانت تعبيرا عن تلاحم شعبي وإسلامي (فقد قام عليها: الإخوان والسلفيون والجهاديون معا)، وفي الواقع فقد كان توسع عمل اللجنة وتدخلها في الأمور الإدارية مما ارتاح له بل وحرَّضَت عليه أطراف النظام السياسي لأن التعامل مع المشكلات اليومية أمرٌ لا ينتهي وهو يُؤْذِن بتورط اللجنة الشعبية ودخولها في الاحتكاك المباشر مع الناس كما يُنذر بضعف اهتمامها بالجانب السياسي والأمني. على الجهة الأخرى كانت اللجنة تعي ذلك وتحاول ألا تتورط بنفسها في إدارة هذه التفاصيل، وتركز جهدها على إدارتها من خلال الأجهزة المعنية، وتبقى هي بمثابة الرقيب والناصح واليد العليا في نهاية الأمر من خلال السيطرة الأمنية.

كان هذا الموضوع هو الموضوع المطروق عادة في اللقاءات المتكررة بين قيادات اللجنة الشعبية وبين قيادات الأجهزة الأمنية، وهو يُطرق بأساليب متعددة وناعمة التي تستهدف إنهاء عمل اللجنة كيد عليا لها السيطرة الأمنية والمرجعية القضائية والقدرة على تحريك الجهاز الإداري. وفي بعض الأحيان أفلتت عبارة من قيادة أمنية تصرح بالتخوف من تحول اللجان الشعبية إلى لجان ثورية مسلحة تحمي الثورة كما حدث في إيران.

ومن ها هنا فقد كان المطلب الحاضر المتكرر لدى القيادات الأمنية هو عودة الشرطة للعمل في كرداسة، وكان قيادات اللجنة الشعبية تماطل وتحاول عرقلة هذا الطلب في كل مرة، ولكنهم لم يستطيعوا المماطلة أكثر حين حصلت الانتخابات وجاء محمد مرسي إلى الرئاسة.

حمل الإخوان فكرهم في الحفاظ على مؤسسات الدولة وسرعة تهدئة الوضع وإعادة كل شيء إلى ما كان عليه، بما في ذلك عودة الشرطة والأجهزة الأمنية في كل مكان، ومن هاهنا بدأ اشتباك آخر مكتوم بين اللجنة الشعبية في كرداسة وبين الإخوان الذين كانوا بنفس الحرص على حل اللجنة الشعبية وإعادة الأمر ليُدار من خلال أجهزة الدولة.

حاولت اللجنة الشعبية الصمود أمام هذه المطالبات، لكن كان يتنازعهم أمران؛ الأول: إن مبرر وشرعية وجودهم في ظل سلطة إسلامية (إخوانية) قد انتهى، خصوصا وهذه السلطة نفسها تطلب منهم حل أنفسهم، وتسليم البلد مرة أخرى لجهاز الدولة. والثاني: أنهم يعلمون بيقين أن النظام القديم وأجهزته الأمنية ضد الثورة وضد حكم هذا الرئيس وأن عودتهم لممارسة صلاحياتهم هو نذير خطر ضد الثورة وضد حكم نفس هذا الرئيس.

الإخوان، من جانبهم، يتخوفون من الجهاديين، ومن منطقة يحكمها الجهاديون بما قد يسبب لهم المتاعب الداخلية والخارجية. وهم يحملون خيالا سياسيا يريد تحقيق نموذج الدولة المحترفة ذات الأجهزة المحترفة التي تحتكر العمل في المجال العام وإدارة الشأن اليومي للمواطنين، وهو الخيال الذي ينفر تماما من صور الحكم العرفي واللجان الشعبية ونمط الميليشيا. ومن جهة أخرى فهم يتخوفون من أن يوصم نظام حكمهم بالتطرف أو بأنه يرعى المتطرفين والإرهابيين ويُمَكِّنهم من حكم البلد، فهذا مما قد يثير جهات داخلية وإقليمية ودولية. لكل هذا كان الإخوان عازمين على إنهاء اللجنة الشعبية وبكل إصرار.

لم يكن هذا بعيدا عن فهم اللجنة الشعبية، فاقترحوا على قيادات الإخوان التي تولت التواصل معهم أن يُشَكِّل الإخوان بأنفسهم اللجان الشعبية المسلحة التي تدير البلد، فهذه هي الضمانة لبقاء نظام حكمهم ولمواجهة أي مشكلات قد يثيرها جهاز الشرطة والأمن ضد الرئيس، وهذا الحل يخلصهم من التخوف من الجهاديين ويُخلصهم أيضا من التخوف من أجهزة الدولة المعادية للثورة. كما أن هذه اللجان هي قوة شعبية ستحتاجها الثورة والرئيس يوما ما.

لكن الإخوان كانوا عازمين على رفض أي مقترح لا يتضمن عودة جهاز الدولة، وعادت الشرطة في نهاية الأمر إلى كرداسة، وكانت كرداسة آخر المناطق التي عادت إليها الشرطة في عموم القطر المصري، ولم تحل اللجنة الشعبية نفسها وإن كانت قد غابت كثيرا عن الصورة الأمنية والسياسية وظلت تعمل في الملفات الإدارية والصحية وما إلى ذلك.

العلاقات مع الشرائح الشعبية

1. العائلات الأخرى

كان وضع الضرورة وأجواء الانفلات الأمني قد جعل من مبادرة رجال من آل عمار لحفظ الأمن نوعا من المبادرة بالواجب الذي يستحث ويحفز على التسابق في مهمات المروءة والنجدة، وليس نوعا من التسلط والرئاسة. كذلك فإن اللقاء العام الذي دعا إليه رجال آل عمار في بيتهم لوجوه العائلات قد جعل من العائلات الأخرى شريكا في أداء المهمة الأمنية، ومن ثم لم تكن صورة الأمر باعثا للتنافس القبلي أو التنازع العائلي بقدر ما كانت اشتراكا وتعاونا في سبيل المصلحة العامة.

بهذا الشكل كانت صورة اللجنة الشعبية أبعد عن صورة لجنة من آل عمار تسيطر على البلد، وأقرب إلى صورة الشركاء الذين اجتمعوا بعد مبادرة رجال آل عمار، وهي العلاقة التي ستعززها وترسخها الأحداث القادمة بما يجعل بقية العائلات ظهيرا وعمقا شعبيا وليس مجال منازعة.

2. الإسلاميون والثوريون

تشهد كرداسة حضورا قويا للاتجاهات الإسلامية المختلفة، لكن الطبيعة القبلية والعائلية لكرداسة عملت على تخفيف وتقليل حدة الخلافات الفكرية، ذلك أن المصاهرات وعلاقات النسب جعلت البيت الواحد والعائلة الواحدة متعددة الاتجاهات الإسلامية، وعلى سبيل المثال فإن محمد الغزلاني –نائب رئيس اللجنة الشعبية- وهو من أمراء تنظيم الجهاد كان أبناء أخته من الإخوان المسلمين، ويتكرر هذا المشهد في بيوت كرداسة.

وحيث كانت لحظة الثورة من اللحظات الجامعة للأطياف الإسلامية فلم يكن ثمة ما يمكن أن يثير النزاع والاشتباك بين الاتجاهات الإسلامية، وكذلك لحظة الانقلاب العسكري ولحظة مذبحتي رابعة والنهضة، ولهذا فقد كانت العلاقات البينية في اللحظات الكبرى أقرب إلى التلاحم والتحالف في المعركة الواحدة.

لما بدأت اللجنة الشعبية في حفظ الأمن بادروا بإسناد أحد الجهات إلى الإخوان، في موقع يكثر فيه الوجود الإخواني، كذلك أسندوا جهة أخرى إلى السلفيين في موقع يكثر فيه الوجود السلفي، وهكذا فاستفادوا من العامل الجغرافي والفكري معا، لتكون منافسة محمودة بين الاتجاهات الفكرية، كما هو مشهور في التاريخ الإسلامي من قسمة كتائب الجيش إلى قبائل بحيث يُستفاد من النزعة القبلية في التنافس المحمود في الحرب، وأدارت اللجنة الشعبية الأمر على صيغة المشاركة والدعم لا على صيغة الترؤس والتسلط والتزعم. فكان إذا وقع طارئ ما في أحمد هذه الكمائن هرع رجال اللجنة الشعبية لدعم وإسناد هذا الكمين.

وقريب من هذه الحالة ما قامت به اللجنة الشعبية أيضا مع الشباب الثوري، مثل حركة 6 إبريل أو غيرها من الحركات الثورية التي كانت تتمتع بحضور قوي في تلك الفترة السائلة التي تشجع على المبادرة والتنظيم وتكوين الحركات والائتلافات الشبابية. عملت اللجنة الشعبية على استيعاب كل هذه الطاقات جريا على قاعدة أن المهمة كبيرة وتحتاج سائر الجهود، ثم كانت الأيام تثبت صدق وصبر هذه العناصر وما إن كانوا يتحملون حقا ما أسند إليهم من مسؤوليات أم سرعان ما يضجرون ويملُّون، وهو ما ينعكس على بقائهم في تحمل هذه المهام كما ينعكس على سُمْعَتِهم أيضا. وبالعموم فقد كان الشباب الثوري أكثر نشاطا وحركة وانضباطا تحت قيادة اللجنة الشعبية من الإخوان والسلفيين، شريطة أن يشعروا بحضورهم ووجودهم القوي والمحترم والمُقَدَّر من بقية الشركاء. وقد أنشأوا جمعية في كرداسة وكانوا يتولون الأنشطة الإعلامية ومنها كتابة اللافتات وغيرها. وكونهم كانوا من شباب العائلات فقد كان ثمة نوع من العلاقة المعنوية بينهم وبين قيادات اللجنة الشعبية. وفي فورة الحماسة عنَّ لهم أن يُكَوِّنوا لجنة شعبية خاصة بهم، فلم يجدوا معارضة بل حضر إليهم محمد الغزلاني وقدَّم لهم الدعم والإمكانات اللازمة لإنجاح هذه اللجنة الشبابية الخاصة بهم، وأُقِرُّوا على الجهة التي اختاروها لحراستها والقيام عليها. ثم ما لبث أن توقفوا عن حراسة هذا المكان، كأنهم ما أرادوا إلا الاطمئنان إلى أن مجهودهم سيُحتَرَم ويُقَدَّر، ثم انضوت مجهوداتهم تحت قيادة اللجنة الشعبية.

لم يمنع هذا من وقوع بعض المشكلات أحيانا، إلا أنها سرعان ما عولجت، فمن ذلك أن الإخوان بقيادة عبد السلام بشندي[13] ود. سيد الزناري وآخرين تواصلوا مع مدير الأمن لترتيب إرجاع الشرطة إلى كرداسة، وكان ذلك بغير استشارة قيادة اللجنة الشعبية، وشَكَّلوا وفدًا زار مديرية الأمن لهذا الغرض، كان الإخوان في هذا الوقت ضمن سياستهم العامة حريصين على عودة الأمور إلى ما كانت عليه بأسرع وقت ممكن، وكانوا حريصين على أن يرسلوا رسائل عملية إلى الشرطة والجيش وكافة مؤسسات الدولة أنهم ليسوا في حالة عداء معهم –بل الأحرى: أنهم الفصيل المعتدل والفصيل الشعبي الذي ينبغي أن يطمئنوا إليه ويتعاونوا معه ويعتمدوا عليه- ومن ثم فلم يكن من المناسب لديهم أن يكون ضمن الوفد من كانت له خلفية جهادية أو من ربما يعرقل قيادتهم للوفد كما هو الحال بالنسبة لقيادات اللجنة الشعبية.

لما وصل هذا الخبر إلى اللجنة الشعبية كان ردُّهم حاضرا وسريعا، أوقفوا الوفد العائد من مديرية الأمن ومنعوا دخوله إلى البلد واستفسروا منهم عن حقيقة ما فعلوا، وهنا فوجئ كثير من أعضاء الوفد أن زيارتهم هذه لم تكن بعلم ولا ترتيب مع قيادة اللجنة الشعبية مما وضع الإخوان في حرج من هذا الموقف. كذلك أرسلت قيادات اللجنة الشعبية رسائل إلى مديرية الأمن بأنه لا يلزمهم ما وقع من اتفاق إذ لم يكونوا فيه ولم يعلموا به، وقد كان حضورهم عمليا على أرض الواقع يجعل مثل هذه الرسالة في حكم الأمر الواقع. انتهى الموقف بزيادة قوة وحضور لقيادات اللجنة الشعبية ولحالة من اللوم والتأنيب لمن شكَّلوا الوفد متجاهلين وجود القيادة الطبيعية التي تتكلف مسؤولية تأمين البلد بالفعل.

3. شرائح منفلتة: السائقون

تبعا لظروف كثيرة نفسية واجتماعية واقتصادية صارت فئة سائقي سيارات الأجرة في مصر من الفئات التي يُنظر إليها بامتهان، ويكثر فيهم التعدي والمخادعة وترك الصلاة وسب الدين وعادات التدخين وشرب المخدرات والانحلال الأخلاقي، وهم مع هذا يتعصبون لأنفسهم ويثيرون المشكلات والمعارك كعصبة، ولتلك الطبيعة فهم ينفرون عموما من الإسلاميين ومن واجبات الصلاة والصوم ونحوه، عملوا على فتح الحوار معهم ووعظهم، وتحملوا كثيرا مرارات وزبالات كثيرا منهم.. وفي جلسة في بيت أحد السائقين دخل أصحابه فسبوا اللجنة الشعبية والقائمين عليها واتهموهم بالنفاق والمحاباة … إلخ! فكان ينظر إليهم الغزلاني ولا يرد عليهم.. ثم بدأ سائقون آخرون يردون عليهم ويذكرون محاسن اللجنة الشعبية.. إلخ! ثم كان بعض أولئك السائقين المثيرين للمشكلات يلجئون للجنة إن وقع نزاع بين أحدهم وابن عمه أو أخيه فتفصل فيه اللجنة الشعبية، فمن ها هنا بدأ اختراق اللجنة الشعبية لهذه الفئة.

وفي محاولة لترتيب أمورهم ليسهل إدارة هذا الشأن، دبرت اللجنة الشعبية انتخابات للسائقين ليخرج منهم “شيخ السائقين”، وكان أصل الفكرة من الإخوان المسلمين، ليكون شيخ السائقين هو الأعرف بهم وبلغتهم والأقدر على التصرف فيها ويكون هو نقطة الصلة بين اللجنة الشعبية وبين فئة السائقين. إلا أنه لم ينجح في هذه المهمة كما كان التوقع، إذ كانت فئة السائقين عصية عليه ولم يكونوا قادرين على اعتياد النظام.

وقعت حادثة أخرى مثلت فارقا في العلاقة بين السائقين وبين اللجنة الشعبية، وذلك أن سائقا اشتبك مع شاب من عائلة عمار فضربه وقد كان يظنه غريبا عن البلدة، فتعصب له شباب العائلة الذين أوقعوا بالسائق فضربوه ضربا مبرحا، وبينما يحاول الهرب منهم إذ دخل إلى بيت الدكتور محمد السيد الغزلاني –وهو كبير عائلة عمار، ولكن انشغاله بالطب والمستشفى جعل الزعامة الفعلية لمهدي الغزلاني- لكن الدكتور محمد أخذته الحمية فسبَّه وحرضهم على ضربه أكثر، فزاد الضرب على السائق حتى أصيب إصابات بالغة. فعزم السائقون على الأخذ بثأر صديقهم، وتوعدوا إما بقتل واحد من عائلة الغزلاني أو على الأقل بإحراق متجر لأحدهم، وزاد هذا في العصبية التي اجتاحت عائلة عمار –وهي أكثر عائلات كرداسة- إذ كيف يجرؤ السائقون، وهم شريحة يُنظر إليها بالامتهان والازدراء، على مثل هذا التحدي؟!

وكانت هذه الحادثة من أحرج اللحظات على اللجنة الشعبية التي جسمها الأساسي من عائلة عمار، فزعيم اللجنة الشعبية هو مهدي الغزلاني ونائبه محمد نصر الغزلاني، وكثير من شبابها من عائلة الغزلاني، وقد تعصبت عائلة الغزلاني لنفسها واستنكفت أن يتجرأ عليها السائقون! وتوعدوا أنه إن مسَّ أحد منهم سوءٌ ألا يدعوا للسائقين سيارة إلا وأحرقوها! ولا ريب أن مما زاد في شعور العائلة بقوتها أنها صارت الأفضل تسليحا بل هي بوجه ما تسيطر على كرداسة من خلال اللجنة الشعبية!

هنا تصرفت اللجنة الشعبية باحترافية وبمسؤولية عالية، ووقف زعماء اللجنة الشعبية ضد التصور السائد أن اللجنة الشعبية هي ذراع عائلة عمار في البلدة، بل هي اللجنة الشعبية التي تقوم بالعدل وتتبرأ من العصبية، وأن هذه الحادثة ككل حادثة تقع في كرداسة ستفصل فيها بالشريعة العادلة بغض النظر عن أطراف النزاع، وكان أول دلائل هذا أن ذهب محمد نصر الغزلاني ومع أحمد بن د. محمد السيد إلى السائق المصاب في بيته، وقد اجتمع عنده السائقون العازمون على الثأر، والذين دُهِشوا لهذه الزيارة وإن كانت عيونهم ترمي بالشرر، وقام أحمد –وهو أيضا طبيب- بالكشف على السائق، ووعده محمد نصر الغزلاني بأن هذه المسألة ككل مسألة تنظر فيها اللجنة الشعبية، ولو كان له حق فسيؤخذ له من خصمه كائنا من كان!

انعقدت لجنة فض المنازعات، في بيت عائلة عمار، وحضر السائقون والشهود وأطراف النزاع، ثم قضت اللجنة بأن ما نزل بالسائق كان فوق ما اعتدى به على ابن عائلة الغزلاني، فقضت بتعويضه خمسة آلاف جنيه لما نزل به من إيذاء، ثم قضت بتغريم محمد السيد الغزلاني –كبير العائلة- بخمسة آلاف أخرى لكونه أخطأ بالسب والتحريض على من لجأ إلى بيته ولما له من مكانة لا يليق بها ما وقع منه، وخضعت العائلة وأعطي السائق مبالغ التعويض.

أسَّس هذا الموقف لنتائج بالغة الأهمية في وقتها، منها: نزع فتيل أزمة كادت تنشب بين السائقين وبين عائلة عمار أكبر عائلات كرداسة. وما حازته اللجنة الشعبية من سمعة قوية بأنها تعدل في الحكم ولو كان على كبير عائلة عمار أكبر عائلات كرداسة، والذين قضوا عليه هي لجنة فض المنازعات التي فيها من أبناء عائلته، مما مهد الطريق لخضوع من سواهم. وثبوت وضع اللجنة الشعبية كجهة مستقلة حتى لدى المنضوين تحتها بما يجعل ولاءهم للجنة فوق ولائهم للعائلة وهو ما يؤثر على انضباطهم وقيامهم بأدوارهم. وأخيرا: تحقق خضوع فئة السائقين للجنة الشعبية من بعد ما كان هذا متعذرا ومثيرا للمشكلات، وبدأ السائقون يتوافدون إلى لجنة فض المنازعات لحل المشكلات التي تقع بينهم، وظهر فيهم من يخلص الولاء للجنة الشعبية، ويعمل في مساعدتها بين السائقين.

وقعت بعدئذ أزمة بين سائقي كرداسة وسائقي منطقة المنشية، وتبادل الطرفان قطع الطريق على الآخر، ووصلت الأمور حد احتجاز السيارات التابعة للطرف الآخر، وتوتر الموقف كما توقف خط المواصلات الواصل بين المنطقتين. ولم يجد السائقون أحدا لمحاولة حل هذا الوضع سوى اللجنة الشعبية، فتواصلت اللجنة مع أفراد من عائلة الدالي –وهي من كبرى عائلات المنشية- واستطاعوا عقد جلسة وصلت فيها اللجنة الشعبية إلى الصلح وتغريم السائق المتسبب في المشكلة، وإعادة السيارات المحتجزة من الطرفين. وكانت تلك الواقعة أيضا من الأحداث المفصلية التي جعلت فئة السائقين تخضع للجنة الشعبية وتذعن لقراراتها وتُسَلِّم لها بالسلطة العملية عليهم، بل ويرون فيها صمام الأمان ووسيلة الإنقاذ إن وقعت مشكلة تعطل سير حياتهم.

4. الأقباط

نسبة الأقباط في كرداسة قليلة، إذ لا يتعدون أن يكونوا خمسين بيتا أي نحو: ثلاثة آلاف شخص، فهم قلة نادرة بين نصف مليون إنسان في كرداسة، ومع هذا فإن ثمة خصوصية لهم، ذلك أن كنيسة كرداسة الكبيرة من أقدم الكنائس في مصر، كما أن نسبتهم ترتفع في الفئات الممتازة والمتعلمة كالأطباء والصيادلة والقانونيين مما يجعلهم نسبة مؤثرة رغم كونها أقلية صغيرة. ولم يكن لهم في كرداسة منطقة خاصة بهم، وإنما تنتشر وتتناثر بيوتهم بين المسلمين.

كانت الشخصية الأهم التي تتولى عمليا زعامة الأقباط في كرداسة: المستشار رؤوف منير، رئيس محكمة جنايات الإسكندرية، وقد كانت بينه وبين الشيخ مهدي الغزلاني علاقة طيبة، ضمن دائرة العلاقات الواسعة للشيخ مهدي الغزلاني والتي سبق الحديث عنها، وقد عملت تلك العلاقة بينهما على انضواء الأقباط في ظل اللجنة الشعبية، إذ وقف المستشار رؤوف منير بنفسه في مناطق الحراسة التي تتولاها اللجنة الشعبية ومعه سلاحه الرسمي، وكان إذا انصرف مؤقتا أو اضطرارا ترك سلاحه الرسمي مع الشيخ مهدي الغزلاني علانية، وهي من علامات الثقة التامة، وكذلك كان يستضيف قيادة اللجنة الشعبية في بيته ويخدمهم بنفسه وهو أمر غير معهود ممن كان في مثل منصبه ووجاهته. كما كان مصاحبا دائما لوفد اللجنة الشعبية إن توجه إلى قسم الشرطة أو مديرية الأمن أو غيرها من المؤسسات والمصالح الحكومية، وكان مركزه كقانوني ورئيس محكمة مما ييسر كثيرا من الأمور والإجراءات المطلوبة.

لم يشارك الأقباط كشباب في كمائن الحراسة للجنة الشعبية، وهذا عائد لضعف نسبتهم العددية بالأصل، كذلك لم يحتكم النصارى في نزاعاتهم الداخلية إلى اللجنة الشعبية بل كانوا يحلونها إما من خلال الكنيسة أو عبر شخصيات قبطية، لكن الشاهد المقصود أن مشاركة المستشار رؤوف منير بهذه الصورة الفعالة منعت حدوث مشكلات من أي نوع، بل والتزم الأقباط بشكل طوعي أن يتبرعوا بطعام يوم أو يومين أسبوعيا لمجموعات اللجنة الشعبية الواقفة في حراسة الكمائن، هذا مع أن المشهد يبدو مخيفا بالنسبة للأقباط الذين يرون كرداسة وقد صارت عمليا في يد رجال التنظيمات الإسلامية الجهادية التي لطالما تَكَوَّن في العقل الجمعي المصري عموما والقبطي خصوصا أن هؤلاء إن حكموا منطقة ما فإنها ستتحول إلى حمام دم، وستكون دماء الأقباط في المرتبة الأولى!

وأما الاحتكاكات العادية التي تقع بين طرفين أحدهما من الأقباط فقد كانت تُحل عبر اللجنة الشعبية كما تحل أي مشكلة أخرى، دون أن يُستدعى الجانب الطائفي.

5. البلطجية

تفاعلت الظروف السياسية والاقتصادية لتلد ظاهرة البلطجة في مصر، وكان من أهم هذه الظروف هو انتشار الفقر والبطالة مع الرخاوة الأمنية في دولة حسني مبارك، فنشأت ظاهرة الشباب المتعطل الذي لا يجد عملا والذي يستطيع أن يخوض معارك الشوارع حيث لا فعالية لجهاز الشرطة. وبالتدريج توسعت ظاهرة البلطجية وتحولت إلى مجموعة من العصابات، ونشأت بينها وبين الشرطة علاقة عدائية تحولت بفعل نمو ظاهرة البلطجة وتكاسل جهاز الشرطة إلى علاقة توظيف متبادل.

أرادت الشرطة أن تستعمل هذه المجموعات في خوض المعارك والاشتباكات المباشرة مقابل غض الطرف عما يرتكبونه من جرائم فردية بسيطة كالسرقات وفرض الإتاوات والتجارة بالمخدرات والسلاح أيضا، وربما جرى تقاسم بعض المكاسب والغنائم في عمليات أخرى، كما جرى تقاسم مناطق نفوذ أيضا. ومع نشأة الشركات الأمنية الخاصة في مصر وجد كثير من البلطجية غطاء رسميا لممارسة العمل، فجرى استيعاب كثير منهم في مهمات الحراسات الخاصة للأفراد والمنشآت المختلفة.

ومع تصاعد الحراك السياسي في مصر بداية من 2004 استعملت أجهزة الأمن هؤلاء البلطجية في التصدي للمظاهرات بحيث تبدو كاشتباكات مدنية بين المتظاهرين وبين الأهالي الساخطين عليهم والمؤيدين للنظام السياسي، فترفع عن نفسها عبء الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان والتصدي العنيف للمظاهرات السلمية، وكذلك عبء سقوط أو إصابة أفرادها في مثل هذه الاشتباكات، إذ أن البلطجي لا قيمة له.

من هنا أخذت ظاهرة البلطجة موقعها في شبكة معقدة من تضارب المصالح بين أجهزة الأمن ورجال الأعمال وأصحاب المنشآت، مع امتداد جذورهم في بيئات اجتماعية مغايرة من حيث المستوى الاقتصادي والتركيبة العائلية أيضا.

فيما يخص كرداسة، يظهر اسم عماد الصعيدي، ينحدر من عائلة فقيرة بسيطة، كان أبوه يعدّ المشاتل وهو عمل بسيط، وكان عماد خفيرا بسيطا في بداية نشأته، يُستأجَر لحماية مبنى أو بعض المعدات، ثم اندرج في هذه الظاهرة فلم تمر عشر سنوات إلا وتحول إلى اسم كبير يملك ثراء واسعا ولديه مجموعة من السيارات الفارهة وتحت يده أتباع كثيرون، وهو صاحب شركة مقاولات.

كانت بدايته حين استعان به أصحاب الملاهي الليلية في شارع الهرم لحراستها، وهو العمل الذي يدر أموالا كثيرة، ومع ظهور كفاءته في إسباغ هذه الحماية –والكفاءة هنا بمعنى القدرة على الحراسة وخوض معارك شوارع ضد الآخرين- توسع ليتولى حراسة ملاهٍ أخرى، وهو ما يزيد من ثرائه ويزيد من قدرته على شراء الأتباع والمساعدين، فيتحول هذا النمو المالي إلى شركات تمثل غطاء لهذا النشاط كشركات أمن خاصة أو تستثمر الأموال كشركات المقاولات، وسائر مراحل الصعود هذه يحميها ويدعمها من الباطن رجال في أجهزة الأمن والجيش مقابل حصولهم على نسبة أو قدر ثابت من الأموال والأرباح، وبهذا تتكون منظومة يبدو فيها من كان بلطجيا في أول أمره ويعمل في الحراسة واجهة مالية لرجال متنفذين في أجهزة الدولة.

ولأولئك المتنفذين فوائد أخرى أيضا، ذلك أن البلطجية يُستخدمون في المعارك البينية بينهم وفي تثبيت مساحات النفوذ لكل منهم، فالأراضي التابعة للدولة هي في حقيقة الأمر قسمة بين أولئك المتنفذين، ولا يستطيع أحد من المستثمرين أو من متوسطي رجال الأعمال أن يشتري فيها قطعة أرض أو يبني فوقها بمجرد الحصول على التصريح الرسمي من الدولة، بل لا بد له من دفع أموال للمتنفذ الذي تقع قطعة الأرض في مساحة نفوذه، فإن دفع الرشا كان بها، وإلا كان هؤلاء البلطجية هم ذراع المتنفذ في عدم تمكينه من الأرض وهدم ما قد يكون بناه عليها. وهذه الأموال هي من وسائل ثراء الطرفين. وهكذا صار عماد الصعيدي من رجال المال والأعمال.

في وضع الثورة وتكون اللجنة الشعبية في كرداسة وقع الاحتكاك مبكرا بين اللجنة الشعبية ومجموعات البلطجية، كان التيار العام السائد لصالح اللجنة الشعبية مع حالة الضعف والارتباك التي تعاني منها أجهزة الجيش والشرطة في ذلك الوقت، وهو ما جعل الاختيار أمام عماد الصعيدي –باعتباره زعيم هذه الفئة في كرداسة وما حولها- يميل إلى الخضوع للجنة الشعبية إما من قبيل الانحناء للعاصفة أو من قبيل وجود الفرصة المواتية للتخلص من كونه ذراعا لأجهزة وأشخاص لم يعودوا يمتلكون النفوذ السابق، ومن ثَمَّ كان لهؤلاء دور أمني في ظل اللجنة الشعبية وساهموا بأسلحتهم وسياراتهم في كمائن اللجنة الشعبية ومهماتها.

وكان ترجمة هذا الوضع عمليا يساوي ألا يدافع عماد الصعيدي عن صغار البلطجية الذين قبضت عليهم اللجنة الشعبية في حوادث سرقة بالإكراه أو نحوه، وأنه يخضع لحكم لجنة فض المنازعات التي شهد بعض أحكامها فيما يخص بعض رجاله أو أقاربه.

ثم وقع أول احتكاك مباشر بطريقة غير مقصودة لكلا الطرفين، فقد كانت اللجنة الشعبية تنظر في نزاع وقع بين أسرتين في كرداسة إحداهما من أهل كرداسة وعائلاتها العريقة والأخرى من الأسر الوافدة التي استوطنتها، وكان التحكيم سائرا ناحية إنصاف الأسرة الوافدة والحكم لصالحها، إلا أن تلك الأسرة استعانت بقريب لها كان من زعماء “بلطجية شارع الهرم”[14] فاصطحب معه عددا من أتباعه وحاولوا اقتحام الموقع الذي يجري فيه نظر الموضوع، إلا أن عناصر اللجنة الأمنية استطاعوا التصدي لهم وأجبروهم على الاستسلام واستطاعوا تقييدهم ووضعهم في غرفة كالأسرى. فكان هذا الموقف ضربة قاتلة لسمعة “قبضايات شارع الهرم” إذ هو عارٌ تام في أعرافهم وبين أهل هذه المهنة، وعلى الجانب الآخر فهو ارتفاع قوي في سمعة اللجنة الشعبية وقدرة عناصرها على المواجهة والحسم ضد عناصر ومجموعات قوية ومسلحة.

وكمحاولة للتخلص من هذه الفضيحة عرض بعض الوسطاء دفع أي مبالغ لإخراج هؤلاء سريعا وإنهاء الأمر مع تقديم أي ترضية تقبلها اللجنة، إلا أن اللجنة الشعبية أصرت على تسليمهم للشرطة وتحرير المحاضر وضبط الأحراز التي كانت معهم من أسلحة ومخدرات وأموال، وكان تسليمهم للشرطة هو الخيار الأمثل من وجهة نظر اللجنة إذ لا ينبغي أن تبدو بمظهر المرتزق الذي يأخذ أموالا من المتنفذين، كما أنها لا تمتلك السجون ولا أماكن الاحتجاز المُؤَمَّنَة التي يمكن احتجاز مثل هذه العناصر القوية ذات الامتداد مع شرائح البلطجية ومتنفذين آخرين.

أما الموقف الكبير الذي ظهر فيه عماد الصعيدي أمام قيادات اللجنة الشعبية في موقف توسعة المقابر: لقد كانت المشكلة التي ظهرت بعد شراء الأرض من المزارعين وإزالة ما فيها من النخيل والشجر والزراعات أن الأرض الزراعية منخفضة عن أرض المقابر، ولا بد من تسوية الأراضي. فكانت اللجنة الشعبية تطلب من أصحاب سيارات النقل في كرداسة أن يجلبوا معهم في نهاية يومهم حمولة تراب لوضعها في هذه الأرض لتسويتها، فكان بعضهم يستجيب وبعضهم يتكاسل أو ينسى.

رأى عماد الصعيدي يوما محمد نصر الغزلاني –نائب رئيس اللجنة الشعبية- وهو غاضب ويلوم واحدا من أصحاب سيارات النقل، فاستفسر منه عن الأمر، ثم تعهد له بأن يتولى هو مسؤولية هذا الموضوع، وباتصالات سريعة جاءت سيارات ضخمة تابعة لعماد الصعيدي ظلت تنقل حمولات التراب حتى تمت تسوية الأرض التي كانت زراعية بأرض المقابر. فكان هذا الجزء من إنجاز توسعة المقابر محسوبا لعماد الصعيدي.

كان الشيخ مهدي الغزلاني حريصا على توثيق علاقته بسائر الشرائح، وكان يحرص على الالتقاء بهم بين الفينة والأخرى، واصطحب بعض كبارهم في مهمات كبيرة لتوثيق علاقتهم باللجنة وبأمور كرداسة، وكان يعظهم في مسألة مثل حماية الملاهي الليلية فتركها بعضهم ووعد آخرون بتركها، ومَنَعَ أن يُطلق أحد عليهم لفظ “البلطجية” لأنه مرتبط بالأعمال المحرمة أما حيث تركوها فهم “الفتوات” أو “الأبطال”.

وقد أثمر هذا كله في العلاقة التي أعيد تكوينها بين عماد الصعيدي وهذه الفئة من جهة وبين اللجنة الشعبية وعموم أهل كرداسة من الجهة الأخرى، إذ امتنع عماد الصعيدي في لحظة الانقلاب العسكري ولحظة فض رابعة أن يكون ذراعا للشرطة ضد أهل كرداسة، وهي اللحظة المجيدة في تاريخه الطويل الذي كان على خلاف هذا، وقد دفع ثمن هذه اللحظة من حياته، إذ صدرت ضده أحكام بالإعدام والمؤبد وظل مطاردا حتى قتلته قوات الشرطة بتاريخ (9 مارس 2016) داخل فيلته بمنطقة حدائق الأهرام، في حادث تشير أصابع الاتهام إلى جهاز الشرطة الذي تعامل معه باعتباره صنيعتهم الذي خانهم. وقدَّمه الإعلام الرسمي باعتباره ضلعا مشاركا بالتمويل والتسليح في حادث مقتل ضباط قسم شرطة كرداسة[15].

6. الأعراب

تحت ضغط العديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية تكونت على أطراف الوادي المصري مجموعات مهمشة من المكونات الاجتماعية المصرية، منهم أولئك الأعراب الذين ينتشرون في محيط كرداسة الغربي على وجه التحديد. هم مجموعات من قبائل عربية خرجت لظروف مختلفة من مضاربهم القبلية، وحيث أنهم على أطراف الوادي فلم تشملهم مؤسسات الدولة بالرعاية وأحيانا ولا بالاعتراف، فهم أشبه بظاهرة “البدون” في بعض الدول الخليجية.

تجمَّعَ هؤلاء في بعض المناطق الفقيرة على أطراف المناطق السكنية وعملوا في المهن الشديدة البساطة والتواضع، وكانوا أشبه بالمطرود المنبوذ من قبل أجهزة الدولة وإلى حد ما من المجتمعات المحيطة التي تنظر إليهم من علٍ، ومن تلك المناطق منطقة أبو رواش إلى الشمال الغربي من كرداسة، ففيها وُجِدت عزبة “الصفيح”، والتي سميت بهذا الاسم لأن بيوت الساكنين فيها كانت من الصفيح والأخشاب ومخلفات البناء.. فمن هناك بدأت قصة الأعراب المحيطين بكرداسة.

من واقع اجتماعي شديد الفقر والبساطة والامتهان، وبعلاقة تتسم بالعداء مع أجهزة الدولة، لم يجد أولئك إلا العمل خارج نطاق القانون، يتحركون بلا هويات، وبسيارات بلا أرقام، وينتهزون فرص العمل المتاحة والتي لم تكن بطبيعتها كافية فكان لا بد من خروجهم إلى انتزاع بعض ما يستطيعون بأيديهم.

تطورت أحوالهم تطورا مشابها لظاهرة البلطجية، إلا أن البلطجية كانوا في قلب الوادي وداخل المدن والأنحاء، بينما كان نشاط الأعراب على أطراف الوادي، وكان منصبا على مسألة المباني والعقارات ومساحات النفوذ التي تمتد من غرب الجيزة وحتى الإسكندرية ومرسى مطروح. حيث توفر لهم العمق القبلي العربي الممتد في الصحراء الغربية.

بدأ الأمر من مهمات الحراسة للمباني والمنشآت التي تبني في تلك المناطق، والتي كانت أيضا مساحات نفوذ بين المتنفذين من رجال الدولة، خصوصا رجال الجيش الذي يتقاسم عمليا عموم الأراضي المصرية، ومن خلال قيامهم بالحراسات واحتكارها كانوا هم الأذرع الظاهرة لأولئك المتنفذين والتي تحمي مساحاتهم وتخوض صراعاتهم مقابل ما يربحونه من أموال من المستثمرين ومتوسطي رجال الأعمال. ولا يمنع هذا من وجود صراعات داخلية بينهم على مساحات النفوذ والسيطرة، وهي بطبيعتها صراعات دموية ترتسم فيها حدود النفوذ بالدماء وبمنطق القوة الغالبة.

حيث احتكر أولئك الأعراب حراسة مساحات الأراضي، وقسموا مناطقها فيما بينهم، فقد تدرج الأمر نحو احتكار وسائل البناء وأدواته، فبدلا من أن يبني المستثمر عقارا أو فيلا عبر شركة مقاولات، فقد أنشأ هؤلاء بالتدريج شركاتهم الخاصة للمقاولات والتي تحتكر البناء في هذه المساحات، ولما كانت تلك المناطق هي ظهير القاهرة الكبرى من جهة الغرب فقد توسع فيها البناء تدريجيا وصارت منطقة جاذبة للاستثمار ونشأت بها المدن الجديدة مثل 6 أكتوبر والشيخ زايد والقاهرة الجديدة مع امتداداتها العمرانية.

وهكذا قفزت الأحوال المادية لهؤلاء الأعراب قفزة سريعة وهائلة، وتحولوا من فئة منبوذة مهمشة تسكن الخشب والصفيح إلى أصحاب شركات مقاولات نشطة لديها العديد من المشروعات، ويسكنون الفيلات والقصور ويمتلكون الأتباع والسيارات الفارهة.

ما يهمنا من أولئك هو شخصية عطية العريبي، وهو من بطن العريبي المنحدرة من أولاد سلمان، وقد بدأ حياته بسيطا يمتلك جرارا زراعيا وبئرا للماء في الصحراء، يبيع منه الماء للمسافرين المارين على الطريق، ودخل في سياق “قانون الخفرة” التي يتقاسم فيها الأعراب على الطريق مساحات نفوذهم حسب قوتهم، ومساحات النفوذ على الأرض إنما تخط بالمعارك الدموية في أغلب الأحيان حتى يستقر لكل شخص مساحته التي يُعترف له بها، في تلك المساحة لا يمكن لأحد أن يبني فيلا أو مزرعة أو غيرها أو يحرس إلا عبر الذي يسيطر عليها عمليا حتى ولو استوفى المحررات الرسمية. ويدير الأعراب أنفسهم خارج نطاق الدولة، ويفضون نزاعاتهم عبر المجالس العرفية، وإن وقع احتكاك ما مع أجهزة الشرطة تدخل المتنفذون الكبار فرفعوا يد الشرطة عنهم. هكذا، وفي غضون سنوات كان عطية العريبي يمتلك واحدة من أكبر شركات المقاولات “شركة الجواد”، والتي تسير أسطولا من مئات السيارات والروافع والجرارات وغيرها.

نشأت العلاقة بين اللجنة الشعبية وبين الأعراب من خلال عمل الشيخ مهدي الغزلاني في المقاولات في فترة ما قبل الثورة، فلما تكونت اللجنة الشعبية وحازت شهرة واسعة بفصلها في القضايا بين الناس، لجأ إليهم بعض الأعراب لحل بعض المشكلات، في منطقة تقع عمليا تحت نفوذ عطية العريبي وتقع رسميا في داخل مركز ومدينة كرداسة التي ترى اللجنة الشعبية أنها تتولى إدارتها والفصل فيما يقع فيها من منازعات.

بدأ الأمر من نزاع مالي وقع بين أحد الأعراب مع رجل من خارج كرداسة، فجاء هذا إلى اللجنة الشعبية وأصرَّ أن يكونوا من الحاضرين في جلسة فض النزاع التي ستعقد في بيت ملاصق لبيت عطية العريبي نفسه، أي في قلب منطقة نفوذه، فذهبت اللجنة الشعبية بسلاحها وحراستها، ووجدوا الشيخ عطية العريبي حاضرا بنفسه، فقال له الشيخ مهدي الغزلاني بنوع من القوة والحزم: “نحن قد أتينا هنا لتحكيم شرع الله، وتلك العادات والأعراف التي تحكمونها فيما بينكم ليست من الشرع بل هي كفر بالله العظيم ولا نقبله”. وكاد الجو أن يتكهرب لولا أن الشيخ عطية العريبي قال بهدوء وحكمة: “ونحن قد أتينا هنا خصوصا لنتعلم منكم شرع الله”.

لم يكن هذا الجواب نوعا من الضعف، فهذا الرجل قد صنع نفسه بقوته وسواعده، واكتسب هذا النفوذ بالصراعات التي خاضها ضد غيره حتى استقر له نفوذه الواسع في منطقته، ويملك من الأموال والأتباع والوجاهة ما يستطيع به أن يشعل مواجهة لو أراد، إلا أنه كان حكيما وحصيفا، وكان عربيا ذا مروءة وفهم وفراسة، كما كان متدينا كذلك.

كان عطية العريبي جسيما طويلا مهابا ذا لحية بيضاء كثة وطويلة، أبيض اللون مشربا بحمرة ويَعْتَمُّ بعمامة كبيرة، فله من المهابة الجسدية فضلا عن الزعامة الشخصية ما يمتنع معها سكوته عن إهانة لو أنه رآها كذلك، واتخاذه هذا الموقف كان يعني خضوع جميع الأعراب في منطقة نفوذه أولا وكثير ممن ليسوا في منطقة نفوذه، وانضوائهم تحت حكم اللجنة الشعبية. وهو ما وفَّر على اللجنة الشعبية مجهودات هائلة وعملا مضنيا طويلا لو كان موقف عطية العريبي مناقضا ومضادا لهم.

لم يكن عطية العريبي هو الوحيد بطبيعة الحال، وقد يَسَّرت علاقات الشيخ مهدي الغزلاني بالأعراب اتصالات مع البطون الأخرى، إلا أنه كان الوجه الأبرز في قصة كرداسة التي نتناولها في هذه الدراسة.

انعقدت صلة طيبة بين زعماء اللجنة الشعبية وبين الشيخ عطية العريبي وزعماء العرب معه، وكان يستقبلهم في بيته الفخم استقبالا حافلا، واختصمه يوما رجل أمام لجنة فض المنازعات فنزل على رأي اللجنة كأي مُختَصَم في أي نزاع، وكانت عادة النزاعات التي تقع بين أهالي كرداسة وبين عرب أبو رواش تتعلق بأصحاب سيارات النقل، فمن أهالي كرداسة من يسترزقون بنقل المواد من وإلى مناطق العرب، والعرب من ناحيتهم يريدون احتكار العمل في مناطقهم وقصره على شركات المقاولات التابعة لهم، فيقع من النزاع والاحتكاك ما قيد يمنع أهالي كرداسة من الذهاب إلى مناطقهم، وما قد يمنع العرب أيضا من وجوه النشاط والاسترزاق من كرداسة. تلك المنازعات صارت توضع أمام لجنة فض المنازعات التابعة للجنة الشعبية.

ومع اكتساب لجنة فض المنازعات هذه الثقة، صار يُعرض عليها ما يقع بين الأعراب أنفسهم من منازعات، وقد حدثت مشكلة خطيرة بين شباب من عائلة الشيخ عطية العريبي وشباب من بطن أخرى، كادت تصل للاشتباك المسلح الدموي الذي يُتوقع أن يطول ويُنْتِج ثارات، فتدخلت لجنة فض المنازعات وتوصلوا إلى مؤتمر قريب الشبه من مؤتمر القاتل وصاحب الثأر في كرداسة، واعتذر المخطئ علنا بما يكفل كرامة الذي أهين واعتدي عليه، فانتزعت بهذا فتيل أزمة كبرى، وعُرِف لها بين الأعراب فضلها وضرورة وجودها.

أثمر هذا الوضع الجديد ثمرة أخرى مهمة ظهرت في لحظة الانقلاب العسكري، حيث استدعت الشرطة الشيخ عطية العريبي إلى مقرها، وطلبت منه أن يكون مع رجاله وأسلحتهم إلى جوار الشرطة، إلا أنه امتنع عن هذا ورفض الدخول في المعركة التي تشعلها الشرطة ضد الناس، وهو ما أدى إلى إدراجه كمتهم في قضية كرداسة، ولكن جرت تبرئته من التهمة[16]، إلى أن أطلق عليه النار وهو في طريقه لصلاة الفجر (28 نوفمبر 2015م) في اغتيال تشير أصابع الاتهام فيه إلى جهاز الشرطة كعقاب له على امتناعه عن التدخل إلى جوارهم في كرداسة، وسوَّق الإعلام الرسمي لاغتياله على يد أقاربه وألقى بالتهمة على حلفائه الإسلاميين[17].

خاتمة

طرأت التحولات على العلاقة بين اللجنة الشعبية والشرطة منذ يناير 2013، وكان ذلك ضمن المخطط العام لتنفيذ الانقلاب على الرئيس مرسي والذي بدأ باصطناع الأزمات الاقتصادية والمعيشية ودعم الاضطرابات والتحريض على الرئيس وعلى سائر التوجهات الثورية، مع الضغط الإعلامي المستمر.

بدأت اللجنة الشعبية تلحظ انتقال الشرطة في كرداسة من التعاون في مواجهة الجريمة إلى التواطؤ مع المجرمين، فتكرر أن ألقت اللجنة الشعبية القبض على سيارات بنزين مسروقة –وكانت أزمة البنزين واحدة من الأزمات المفتعلة لتقويض سلطة الرئيس وحكومته وتهييج الجماهير- وأودعتها في قسم الشرطة وحررت بها محاضر رسمية، إلا أن الشرطة كانت تتواطأ لإتلاف هذه المحاضر والإفراج عن السيارات وأصحابها، وهو التوجه العام الذي تكرر في أنحاء الجمهورية من أجهزة الدولة العميقة كالشرطة والجيش والقضاء والإعلام والجهاز الإداري.

وكان مأمور مركز كرداسة عامر عبد المقصود قد تحدث صراحة عن أن الشرطة كانت قد فقدت عقلها بانهيار جهاز أمن الدولة، إلا أن الجهاز قد عاد مرة أخرى فعاد إلى الشرطة العقل المدبر، وذلك في واحدة من الحوارات التي بدأت تشهد نبرة احتكاك وندية مع قيادة اللجنة الشعبية.

تصاعدت نبرة العداء الصريحة من قبل جهاز الشرطة، ووصلت في شهر مارس 2013 –أي قبل الانقلاب بثلاثة أشهر- إلى السب الصريح، فقد سبَّ عامر عبد المقصود الدين لجماعة الإخوان المسلمين، وصار يتوعد ويهدد بأن ما حدث في يناير لن يتكرر وأن الشرطة لن تتخلى أبدا عن مواقعها مرة أخرى، وبهذا بدأت مرحلة الشقاق والمواجهة، وصلت إلى أنه أعلن في لحظة الانقلاب العسكري أنه سيهتك عرض نساء كرداسة.

مع وقوع الانقلاب العسكري صار العداء معلنا بين الشرطة وبين أهل كرداسة جميعا الذين صاروا كتلة واحدة خلف قيادة اللجنة الشعبية، ومع أنه عداء معلن إلا أنه لم يتطور إلى مواجهة طوال الأربعين يوما، فلما نفذت قوات الشرطة والجيش مذبحتي رابعة والنهضة في القاهرة والجيزة، تحركت جموع أهل كرداسة إلى قسم الشرطة في محاولة لطرد قوات الشرطة من المدينة، وهو ما تصدت له الشرطة -التي كانت قد حشدت قوات ضخمة بينها فرقة من القوات الخاصة- بوابل كثيف من الغاز المسيل للدموع والطلقات النارية والمطاطية ومدافع المدرعات التي استطاعت تفريق الجموع وأصابت كثيرا من الشباب والأهالي.

وبهذا دخلت المواجهة في مرحلة ساخنة، فظهر شباب ملثمون من كرداسة على دراجتين ناريتين وهم يحملون مدفعي آر بي جي، فأطلقوها تجاه قسم الشرطة، وهو الأمر الذي فوجئت به الشرطة فانسحبت القوات وفرَّت هاربة وبقي من انسحب إلى داخل المقر وكانوا 13 فردا، هذا الهروب والانسحاب دفع أهالي كرداسة إلى اقتحام قسم الشرطة بأنفسهم، ووقعت معركة شوارع بين الأهالي المدنيون العزل أو بالأسلحة البيضاء مع قوة الشرطة، لكن جمع الأهالي كان كبيرا بما لا يمكن معه أن تكون المواجهة متكافئة، وكان الغضب يسيطر عليهم في يوم المذبحتين الكبيرتين، فأسفرت المعركة عن مقتل قوة الشرطة (13 فردا) التي تحصنت داخل القسم ومنهم العميد عامر عبد المقصود.

بهذه الحادثة خَلَتْ كرداسة من أي تواجد أمني، وعادت السيطرة التامة على كافة شؤونها للجنة الشعبية التي عادت من جديد لمرحلة اللجنة الأمنية والتوتر الكبير، فقد بدأت السلطات المصرية شنَّ حملة إعلامية قوية ضد أهالي كرداسة تمهيدا لاقتحامها بقوات ضخمة باعتبارها مدينة متمردة، وظلَّ الوضع على هذا النحو خمسة وأربعين يوما أخرى ثم جهزت السلطات المصرية فرقا كبيرة من الجيش والشرطة والقوات الخاصة بدعم من الطيران لاقتحام كرداسة صباح يوم 19 سبتمبر 2013، وهو الأمر الذي قدَّرت قيادة اللجنة الشعبية أنه لا يمكن التصدي له بما هو متاح وبالظروف العامة في مدينة كرداسة، فكان قرارهم بالانسحاب والاختفاء. ومن جهتها نفذت قوات الاقتحام عمليات واسعة من الاقتحام وإطلاق النار والنهب وتدمير المحتويات، وأحرقت منزل د. محمد نصر الغزلاني رئيس اللجنة الشعبية[18]، وتوسعت في القبض عشوائيا على كل من يشتبه فيه فضلا عن قائمة المطلوبين لديها والتي شملت الشيخ مهدي الغزلاني نفسه الذي حاصروا منزله كأنه لم يكن قد توفي قبل أربعة أشهر، ولم ينصرفوا إلا بعد الاطلاع على شهادات وفاته[19]، وقد صدرت العديد من التقارير الحقوقية التي توثق انتهاكات قوات الشرطة في هذا الاقتحام[20].

وبهذا يسدل الستار على تجربة فريدة من الإدارة الذاتية لمدينة مصرية منذ بداية الثورة المصرية وحتى اقتحامها بعد خمسة وأربعين يوما من الانقلاب العسكري (3 يوليو 2013م)[21].


الهامش

[1] قناة الجزيرة، حصاد اليوم، بتاريخ 2 فبراير 2012م.

[2] موقع محافظة الجيزة، مدينة كرداسة

[3] هكذا تُنطق في كرداسة، ولعل أصلها “عمَّار” أو “عُمَر”.

[4] في عصر عبد الناصر، دهم ثمانية من قوات الشرطة العسكرية بملابسهم المدنية بيت عضو الإخوان المسلمين السيد نزيلي وكان قد تزوج من تسعة أيام فقط، ولما لم يجدوه أخذوا عروسه وأخاه وجروهما في الشارع، ورأى أهل كرداسة مجموعة يختطفون امرأة شابة بملابس البيت المتكشفة، فدافعوا عن المرأة وحرمتها وهاجموا الرجال الثمانية، أصيب واحد وهرب سبعة آخرون. وما هي إلا ساعات حتى جاءت حملة عسكرية كبرى مصحوبة بالمدرعات والطائرات، اقتحمت كل بيوت كرداسة، واعتقلت الرجال والنساء جميعا، وساقتهم إلى السجن الحربي، وذاق الناس هناك صنوفا من التعذيب والإذلال، كان من أشدها وأقساها أن أُمرت النساء باعتلاء وامتطاء ظهور أزواجهن وآبائهن أمام الجميع وأن يتحرك الرجال –ونساؤهم فوق ظهورهم- كما تسير الدواب. وكان هذا في بيئة متدينة محافظة تكاد المرأة فيه أن تقدس زوجها وأباها هو أعتى تَجَبُّر. بعد هذا المشهد أصيب البعض بالجنون من الرجال والنساء، ومن أثره مات عمدة كرداسة وزوجه كمدا بعدها. أنظر في مأساة كرداسة: د. أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي: ثورة 23 يوليو من يوم إلى يوم، ط4 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1989م)، 9/679 وما بعدها؛ أحمد رائف، البوابة السوداء: صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين، ط2 (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1985م)، ص189 وما بعدها؛ جابر رزق، مذابح الإخوان في سجون ناصر، ط2 (القاهرة: دار الاعتصام، 1978م)، ص60 وما بعدها؛ أحمد عبد المجيد، الإخوان وعبد الناصر: القصة الكاملة لتنظيم 1965، نسخة إلكترونية، ص73 وما بعدها؛ شهادة السيد نزيلي، موسوعة “إخوان ويكي”؛ وسُجِّلت هذه الأحداث في رواية أدبية كتبها محمد أنور رياض بعنوان “ليالي كرداسة“.

[5] انظر: قرية كرداسة تنافس التكنولوجيا بمنتجاتها من السجاد اليدوي، موقع الإدارة العامة للسياحة بالجيزة، بتاريخ 9 مارس 2016م؛ لكرداسة ذكر متكرر في: عز الدين نجيب، موسوعة الحرف التقليدية بمدينة القاهرة التاريخية، (القاهرة: صندوق التنمية الثقافية – أصالة، 2005م) 2/124، 140 وما بعدها، 174، 187.

[6] جهاز تنظيم الأسرة والسكان (مكتب البحوث)، دراسات سكانية، (القاهرة: 1983م)، 66، 67/110.

[7] جابر رزق، مذابح الإخوان، ص53، 54.

[8] جابر رزق، مذابح الإخوان، ص55، 56.

[9] أعدم عادل السوداني في مصر بعد سقوط مجموعته في قضية “إعادة تشكيل تنظيم الجهاد” المعروفة إعلاميا بـ “خان الخليلي”، إذ حاول التنظيم استهداف فوج سياحي إسرائيلي بمنطقة خان الخليلي، وكان عادل السوداني هو مسؤول مجموعة ناهيا وكرداسة بالتنظيم. وكذلك أعدم أحمد النجار بعد أن ألقي القبض عليه في ألبانيا. والشاهد المقصود أن هذه القضية شملت بين المتهمين أفرادا من عائلات كرداسة المتنافسة ضمن نفس التنظيم.

انظر: محمد صلاح، العائدون إلى مصر يتذكرون سنوات السفر والترحال والجهاد، 27 مارس 1999م.

[10] محمد القزاز، كرداسة نصف قرن من العنف، الأهرام القاهرية، 2 فبراير 2015م.

[11] لم تسمح اللجنة الشعبية لقوة الشرطة بمجرد التواجد في كرداسة إلا بعد عشرة أشهر من بداية الثورة، واتخذ قسم الشرطة موقعا بعيدا في الطريق الصحراوي، ثم عادت قوات الشرطة منضوية عمليا تحت اللجنة الشعبية، بعد الاتفاق الذي جرى بين قيادات أمنية عليا وقيادات اللجنة الشعبية، انظر: علام عبد الغفار، محافظ الجيزة: نقل قسم شرطة كرداسة من “الصحراوى” إلى داخل المدينة، اليوم السابع، بتاريخ 21 سبتمبر 2011م؛ عادل عبد اللطيف، افتتاح قسم شرطة كرداسة بعد احتراقه فى جمعة الغضب، الأهرام القاهرية، بتاريخ 1 أكتوبر 2011م؛

[12] عاد جهاز الشرطة إلى العمل ضعيفا وبالتدريج، وكانت هذه العودة ضمن صيغة مفادها أن الشرطة تغيرت كجهاز، وأنها صارت في خدمة الشعب، وكانت الأوضاع السياسية والأمنية تزيد من بقاء جهاز الشرطة ضعيفا ولا يتمتع بالوحشية والتغول التي كانت في عهد مبارك أو التي عادت إليها بعد انقلاب يوليو 2013، فمن جهة كانت الإدارة السياسية الضعيفة للمجلس العسكري ثم الرئيس مرسي تشجع ضباط الشرطة على التراخي والإهمال، ومن جهة أخرى كان ضباط الشرطة يمارسون بهذا التراخي نوعا من الانتقام من الشعب الذي هاجمهم أثناء الثورة، ومن الرئيس الإسلامي الذي يبغضونه. وفي حالة كرداسة جاءت الشرطة على وضع مدني قوي فكانت العلاقة الطبيعية أن تنضوي الشرطة تحت هذه السلطة المدنية الواقعية في كرداسة، وتصير في مصالحة معها، مداهنة أحيانا واضطرارا في أغلب الأحيان، حتى جاءت بشائر الانقلاب العسكري فأظهر ضباط الشرطة في كرداسة عن وجههم القبيح والذي انتهى بمعركة عنيفة مع الأهالي أسفرت عن مقتلهم.

[13] جدير بالذكر أن عبد السلام بشندي، وهو من مسؤولي الإخوان بكرداسة، متزوج من ابنة خال محمد نصر الغزلاني –نائب رئيس اللجنة الشعبية ومن زعماء تنظيم الجهاد- وولدي هذا الخال متزوجان من أختي محمد نصر الغزلاني. وهذا كمثال على طبيعة التشابك العائلي الذي لم يَحُلْ دونه الاختلاف الفكري.

[14] ينبغي الانتباه إلى أن هؤلاء “البلطجية” كانوا يقومون بالمهمات الأمنية في حراسة الملاهي الليلية ضمن شركات حراسة خاصة، وحراسة هذه الملاهي هي واحدة من الأعمال التي تتطلب قدرا عاليا من الكفاءة وبناء السُمعة كذلك، لأن الملاهي الليلية يجتمع فيها أثرياء وراقصات ونحو ذلك من الأمور المحفزة على الجريمة، ومن ثَمَّ يجب أن يكون “البلطجي” (أو: فرد الأمن الخاص) متمتعا بالقدرة على المواجهة العنيفة، ويتمتع أيضا بهيبة تجعل التفكير في الهجوم عليه نوعا من المخاطرة.

[15] سقوط أخطبوط كرداسة “الصعيدي” داخل فيلته بحدائق الهرم، اليوم السابع، 9 مارس 2016.

[16] حَكَمَ القاضي ناجي شحاتة، وهو من وجوه قضاء النظام المصري المعروفة بفسادها، على جميع المتهمين في هذه القضية بالإعدام ما عدا شخصين فقط، من بينهما الحاج عطية العريبي، إذ وهو ما دفع بالعديد إلى تفسير هذا بأن العلاقات التي تمتع بها العريبي وما قد يكون دفعه من أموال لشخصيات متنفذة هي الوسيلة التي حصل بها على البراءة من منظومة القضاء المصري الفاسدة. ويذهب آخرون إلى القول بأن المقصود كان قتله والتخلص منه باعتباره قد خان الدولة كما تنظر هذه الأجهزة إلى الأمر، وهو ما أدى إلى اغتياله بعد حصوله على حكم البراءة.

[17] اغتيال المتهم الثاني في مذبحة كرداسة في عز الفجر، مجلة روزاليوسف، 5 ديسمبر 2015.

[18] وذلك بعد وفاة الشيخ مهدي الغزلاني قبل هذه اللحظة بأربعة أشهر (مارس 2013م).

[19] إسماعيل الإسكندراني، كرداسة بعد سنة من الاقتحام، صحيفة البديل، بتاريخ 15 أكتوبر 2014م.

[20] تقرير الرابطة العالمية للحقوق والحريات، في ذكرى اقتحام كرداسة.

[21] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close