تقاريراوروبا وامريكا

بريطانيا ومصر: سياسات جديدة أم قديمة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

شهدت السنوات الأربع الماضية بعد الانقلاب العسكري في مصر، عدة تحولات وتحركات بريطانية كانت تسير في أغلبها في اتجاه الدعم القوي للنظام العسكري المصري، وإغفال الانتهاكات المتزايدة التي يقوم بها بشكل مستمر وممنهج ضد المواطنين، مع توجيه الاتهامات وإلقاء اللوم على الإسلام السياسي بشكل عام، وجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص. وهنا يأتي السؤال حول دوافع ومآلات السياسة الخارجية البريطانية تجاه مصر بعد انقلاب 2013؟

 

أولاً: بريطانيا وتحولات ما بعد الانقلاب:

تحفظت السياسة الخارجية البريطانية في تعاملها مع النظام المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013، ففي حين لم يصف المسؤولون البريطانيون الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب في مصر بالانقلاب، واكتفوا فقط بالحذر في التعامل مع النظام المصري، حتى لم يتم استقبال السيسي بشكل رسمي في لندن ولقاؤه بديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني السابق إلا في نوفمبر 2015. من ناحية أخرى قامت الحكومة البريطانية منذ بدايات عام 2014 بتشكيل لجنه لعمل “مراجعة” بشأن تواجد جماعة الإخوان المسلمون في بريطانيا وعلاقتها بالتطرف والإرهاب.

والتتابع الزمني للمواقف المتعلقة بالتقرير البريطاني حول جماعة الإخوان، يحمل دلالات واضحة وربما يلقي مزيدا من الضوء على السياسة الخارجية البريطانية وتعاملها مع المشهد المصري في عمومه. ويمكن أن نشير هنا الى أن تحقيق الحكومة البريطانية حول علاقة جماعة الإخوان بالتنظيمات الإرهابية، مر بخمس مراحل رئيسية:

الأولى: أبريل 2014: شكل رئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كاميرون”، لجنة يترأسها السير “جون جنكينز” السفير البريطاني في المملكة العربية السعودية آنذاك لإعداد تقرير عن مناهج وأفكار جماعة الإخوان ومدى ارتباطها بالتنظيمات الإرهابية ومدى تشكيل ذلك لأي تهديد لبريطانيا، وهو التقرير الذي انتهت اللجنة منه وسلمته للحكومة البريطانية في يوليو 2014 دون الإعلان عن نتائجه في وقتها، وتم ارجاء الإعلان عن نتائج التقرير عدة مرات دونما أبداء أسباب وجيهة.

الثانية: سبتمبر 2015: أكدت مصادر دبلوماسية بريطانية1، أن الحكومة البريطانية أعادت فتح ملف “تقرير الإخوان” بناء على مطالبات عدة تقدمت بها سفارات دول عربية.

الثالثة: ديسمبر 2015: أعلنت الحكومة البريطانية2 انتهاء مراجعة أجرتها في أمر جماعة الإخوان المسلمين وقام ديفيد كاميرون، بقراءة ملخص من أحد عشرة صفحة فقط على مجلس العموم البريطاني في اليوم الأخير قبل عطلة أعياد الميلاد ودون ترك أي مجال للمناقشة. وأشارت إفادة كاميرون إلى أن الانتماء لجماعة الإخوان أو الارتباط بها يمكن اعتباره مؤشرا محتملا على التطرف. وقد بقي التقرير الأصلي حتى الآن طي الكتمان ولم يتم نشره كاملاً، وكان لافتاً أن ما تم الإعلان عنه من نتائج غير متعلق بتورط الإخوان في أعمال عنف وإرهاب مباشرة، إنما بالإشارة الى أجزاء من الأدبيات والمراجع الفكرية للجماعة التي قد تكون شكلت الإطار الفكري والشرعي لجماعات متشددة خرجت عن جماعة الإخوان واعتمدت عليها في تبرير أعمال إرهابية تقوم بها.

ويثير عدم نشر التقرير العديد من الشكوك حول مدى مصداقية الملخص الذي قرأه “كاميرون”، خاصة في ضوء تسرب معلومات حول إنصاف التقرير للإخوان، بل وتثمين جهودهم في محاربة التطرف في بريطانيا. وفي نهاية الأمر لم تتخذ الحكومة البريطانية أية إجراءات نحو جماعة الإخوان أو أي من أعضائها في بريطانيا بناء على ما عرضته من نتائج على مجلس العموم.

الرابعة: أغسطس 2016، قررت سلطات الهجرة البريطانية3 إمكانية التقدم بطلب اللجوء4 لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر في إشارة واضحة لتعرضهم لظلم سياسي من قبل النظام المصري ومن ناحية أخرى عدم تشكيلهم خطراً على بريطانيا، مما أكد توجه الحكومة البريطانية لعدم أخذ أية إجراءات ضد جماعة الإخوان من واقع نتائج المراجعة.

الخامسة: نوفمبر 2016: انتقدت لجنة الشؤون الخارجية 5 في مجلس العموم البريطاني برئاسة السير “كريسبن بلانت”، وزارة الخارجية البريطانية ومنهجيتها في المراجعة التي قادها السير “جينكيز” عن جماعة الإخوان، ولم تستبعد اللجنة أن تكون دولة أجنبية قد مارست نفوذا غير مقبول أثناء إعداد التقرير في إشارة غير مباشرة للضغوط التي مارستها الإمارات ومصر لإخراج تقرير جينكنز بشكل يدين جماعة الإخوان المسلمين.

ويمكن هنا أن نشير الى أهم النقاط6 التي تناولها التحقيق الذي قدمته لجنة الشؤون الخارجية برئاسة “بلانت”، حيث أوصى التحقيق بأن “الإسلاميين المعتدلين” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينبغي أن يجري التواصل معهم وأن يكونوا جزءا من الحوار وألا يستبعدوا من المشاركة في العملية الديمقراطية. كما انتقد بشدة التحقيق الذي أجرته الحكومة البريطانية بشأن الإخوان المسلمين والذي ترأسه “جينكنز” حيث وجه تساؤلات حول مدى مصداقية منهجيته التي تعاني من انعدام في الشفافية.

وندد التحقيق البرلماني بوضوح بالحكومات العسكرية وأكد على أن تصرفات تلك الحكومات تتناقض مع القيم البريطانية في إشارة واضحة الى ممارسات الحكومة المصرية. وانتهى التحقيق البرلماني باتفاق الخارجية البريطانية مع خلاصات تقرير اللجنة بما فيها أن جماعة الإخوان المسلمين لا ينبغي أن تصنف على أنها منظمة إرهابية أو توصم بأنها تدعو إلى العنف أو بأنها تتبنى منهجا متطرفا.

 

ثانياً: مؤشرات التحول في السياسة الخارجية البريطانية تجاه مصر

يمكن رصد عدد من الملامح أو المؤشرات الأساسية على تحولات السياسة البريطانية، تجاه مصر:

1ـ مقال السير جينكنز:

في مطلع شهر يونيو الماضي دشن السير جينكنز الاتجاه الجديد للسياسة البريطانية تجاه الإسلاميين بشكل عام والإخوان بشكل خاص حيث نشر مقال على موقع (Policy Exchange)  7اليميني المحافظ، تخلى فيه جنكنز عن حديثه المتوازن والموضوعي عن جماعة الإخوان أثناء ترأسه لفريق التحقيق المكلف من الحكومة البريطانية. واتجه جينكنز في مقاله الى توجيه الاتهامات الى الإسلام السياسي بكل أشكاله ومدى التهديد الذي يمكن أن يمثله للدولة القومية الحديثة بل وحاول الربط بين أفكار جماعة الإخوان ومبادئهم وبين التنظيمات الإرهابية.

وكان لافتا للنظر في مقال “جينكنز” عن جماعة الإخوان في مصر، إغفاله للمذابح والجرائم التي جرت بعد الانقلاب العسكري بحق المتعاطفين والمؤيدين لجماعة الإخوان واستمرار تلك الانتهاكات بشكل متزايد ومتنامي وعدم وضع تلك الأحداث في سياق قراءة وفهم جماعة الإخوان في مصر وما مرت به بعد الانقلاب العسكري (وهو ما كان محل انتقاد تقرير لجنة العلاقات الخارجيه بمجلس العموم من قبل).

 

2ـ إبعاد كرسبن بلانت:

لم تمر أشهر قليلة على توجيه لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني برئاسة “كريسبن بلانت” نقداً الى الحكومة البريطانية فيما يخص تقرير الإخوان واتفاق اللجنة 8 على عدم تصنيف الإخوان باعتبارها منظمة إرهابية، ولا حتى اتهامها بالتطرف، حتى قام حزب المحافظين الحاكم بإبعاد كرسبن بلانت العضو في نفس الحزب والوزير السابق، في انتخابات رئاسة اللجنة في يونيو 2017، في خطوة اعتبرت مفاجئة للعديد من الأوساط نظرا للإشادة الكبيرة التي تلقتها اللجنة خلال فترة رئاسته بسبب أدائها المتميز والحرفي وغير المتحزب والذي كان له الدور الأكبر في ضبط توازن الأداء الحكومي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية البريطانية. وكان لافتا للنظر ان حزب المحافظين لم يكتف باستبعاد بلانت، بل دعم وبقوة منافسه “توم توجندات” غير المعروف لدى أكثر المراقبين والذي فاز بأغلبية كبيرة 10 أنهت الإنتخابات من الجولة الأولى لصالحه.

ويرجح أن مواقف بلانت هي التي تسببت في الاطاحة به من رئاسة اللجنة، والتي لم تقتصر فقط على اعتراضه على تصنيف الاخوان كمنظمة إرهابية أو حتى كونها جماعة متطرفة في مجملها، وما تضمنه تقرير لجنته من انتقادات شديدة لسياسات الحكومة البريطانية فيما يتعلق بمراجعة الإخوان، ولكن أيضا لانتقاداته للسياسة الإسرائيلية بشكل عام وهو ما تسبب فيما يبدو في وقوف اللوبي الصهيوني، فضلا عن اللوبيات الخليجية، خلف الإطاحة به من رئاسة لجنة الشؤون الخارجية.

بدا ذلك بوضوح بعد كشف فيلم “اللوبي“11 الوثائقي لقناة الجزيرة عن حجم تأثير اللوبي الصهيوني داخل مؤسسات الحكم البريطانية، حيث كشف الفيلم أن كريسبين بلانت يعد أحد السياسيين البريطانيين غير المرغوب فيهم من قبل إسرائيل، والتي سعت إلى الإطاحة به من منصبه بسبب آرائه التي اعتبرها الدبلوماسي الإسرائيلي في حديثه المسرب12 بالفيلم “منحازة بشدة لصالح العرب بدلا من أن تكون منحازة لصالح إسرائيل”.

 

3ـ زيارة “الستر بيرت” لمصر:

قام “الستر بيرت” وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بزيارة إلى مصر في أغسطس13 2017، وكان لافتا أن زيارته سبقها إفراد جريدة الاهرام مساحة واسعة على صفحاتها لمقال كتبه ونشر باللغة العربية14 دعا فيه “بيرت” بشكل واضح للتعاون مع النظام المصري. وقام في ذلك السياق بتوجيه الاتهامات لجماعة الإخوان بشكل فج يحمل الكثير من التهديدات، حيث ذكر أنه “من خلال رصدنا لأنشطة جماعة الإخوان المسلمين حول العالم، أصبح من الواضح فعلاً أن هذا التنظيم يلجأ إلى استخدام الغموض لإخفاء أجندته المتطرفة في مصر”.

ولم يكتف بيرت في مقاله بدعم النظام المصري بل أطلق تهديدات لأعضاء جماعة الإخوان في بريطانيا فقال: “سيتم فرض رقابة مشددة على سلوك جماعة الإخوان المسلمين وأنشطتهم بما في ذلك طلبات استخراج التأشيرات لهم ورصد مصادر تمويل الجمعيات الخيرية وشبكة العلاقات الدولية للتنظيم”. وقد احتفى السفير البريطاني في مصر “جون كاسن” بمقال بيرت وتصريحاته حول الاخوان المسلمين في تغريدة15 له بتاريخ 24 أغسطس 2017.

يبدو أن نشر مقال لمسؤول بريطاني باللغة العربية دون نشر النص الأصلي باللغة الإنجليزية في تصرف غريب يشير بوضوح الى تعمد اخفاء الوزير لمحتوى مقاله عن القارئ البريطاني لما يحتويه المقال من لغة ترضي النظام المصري وتتعارض في نفس الوقت مع السياسة العامة للحكومة البريطانية حتى وقت قريب، وتتناقض أيضا مع القيم البريطانية التي تدعو الى ترسيخ مبادئ الديمقراطية في الدول والمجتمعات (نص مقال الستر بيرت باللغة الإنجليزية16 الذي ترجمه أحد المواقع الصحفية البريطانية).

 

4ـ تزامن زيارة بيرت مع زيارة جونسون لخليفة حفتر

تزامنت زيارة بيرت الى القاهرة في نفس التوقيت مع زيارة أخرى هي الأولى من نوعها، حيث قام وزير خارجية بريطانيا “بوريس جونسون” بزيارة الى بنغازي 17 التقى فيها بالجنرال المتقاعد خليفة حفتر قائد ما يسمى الجيش الوطني الليبي والحليف القوي للنظام المصري الحالي والمتهم من قبل العديد من المـؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية بارتكابه جرائم حرب بحق ليبيين وقد طلب جونسون من حفتر في لقاءهما ذاك أن يكون له دور في العملية السياسية الليبية.

وتعد الزيارة مظهراً جديدا من مظاهر اعتراف الغرب سياسياً بحفتر والتعامل معه، وهو الذي تدعمه مصر والإمارات عسكرياً وسياسياً، ما يعني مزيدا من ترسيخ الاعتراف الدولي به كشريك في المعادلة السياسية للأزمة الليبية، رغم خروجه عن الإجماع الوطني المتمثل في الحكومة الوطنية الناتجة عن اتفاق الصخيرات برعاية الأمم المتحدة، وهو امتداد لما قامت به باريس في وقت سابق بعد أن دشنت مبادرة سياسية جمعت الطرفين المتنازعين فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني والجنرال خليفة حفتر فيما عرف بالمبادرة الفرنسية.

 

5ـ زيارة لجنة الاستخبارات المشتركة مصر:

بعد يومين فقط من زيارة “بيرت” لمصر، قام “تشارلز فار” رئيس لجنة الاستخبارات المشتركة بمجلس الوزراء البريطانى بزيارة مصر18 في 26 أغسطس 2017، بدا واضحاً ان الزيارة تأتي في سياق الاتجاه الجديد الذي دشنه الوزير “بيرت” ، حيث تم الحديث عن تفاهمات أمنية بين الجانبين المصري والبريطاني فيما يتعلق بنشاط جماعة الإخوان المسلمون وتواجدها في بريطانيا. تجدر الإشارة هنا إلى أن”تشارلز فار” هو أحد أفراد فريق السير “جون جينكيز” الذي قام بمراجعة أنشطة جماعة الإخوان ومدى خطورتها على بريطانيا والذي أوضحت المصادر أن الجزء الذي كان مسؤولا عنه في التقرير قد امتدح الدور الإيجابي الذي يقوم به الإخوان في بريطانيا بالتعاون لمواجهة التطرف، وذلك في وقائع محددة وموثقة.

 

6ـ وفد تجاري بريطاني يزور القاهرة:

حيث أعلن السفير البريطاني في القاهرة “جون كاسن” أن وفدا تجاريا19 من بريطانيا سيقوم بزيارة القاهرة لفتح افاق جديدة للاستثمار في مصر وأضاف “كاسن”، انه سيتم الإعلان خلال تلك الزيارة عن ضخ حزمة جديدة من الاستثمارات البريطانية في مجال البنية التحتيه في الفترة المقبلة20، وتبدو هنا المحطة الأخيرة التي طالما انتهى إليها أي تقارب أو دعم من الغرب للنظام المصري مع غض الطرف عن الجرائم والانتهاكات التي دأب النظام على ممارستها، وتتمثل في فتح المجال أمام تلك الدول لعقد صفقات وإبرام عقود داخل مصر من خلال تسهيلات تأتي في إطار المقابل المادي المكتسب من دعم النظام.

 

ثالثاً: دوافع التغير في السياسة الخارجية البريطانية تجاه النظام المصري

في ظل التصريحات والزيارات التي قام بها مسؤولون بريطانيون الى مصر في الفترة السابقة وفي ظل تسارع الأحداث واستمرار تغير خارطة التحالفات في منطقة الشرق الأوسط، يمكن رصد عدة دوافع رئيسية محتملة قد تـأتي في سياق تفسير الاتجاه الجديد للسياسة الخارجية البريطانية نحو النظام المصري ومن ثم نحو منطقة الشرق الاوسط بشكل عام.

1ـ الهجمات الإرهابية التي شهدتها لندن ومانشستر في شهر يونيو الماضي تسببت في موجة انتقادات داخلية بشأن تعامل الحكومة البريطانية مع الإسلاميين بشكل عام وهو ما يمكن أن يفسر التصريحات التي عبر عنها مسؤولون بريطانيون في الفترة السابقة حول ارتباط الإسلام السياسي وجماعة الإخوان بالأعمال الإرهابية التي تشهدها اوروبا والعالم، ومحاولة التسويق من خلال ذلك الطرح لإقامة تعاون مشترك في المجال الأمني مع حكومات سلطوية في منطقة الشرق الأوسط.

2ـ شكل الضغط الإماراتي على بريطانيا وما يمثله من مصالح مشتركة بين الطرفين وصفقات سلاح باهظة التكلفة، عاملاً رئيسياً في إعلان الحكومة البريطانية في فترة سابقة عن نتائج تقرير الإخوان ومحاولة ربطهم بالتطرف والإرهاب (فضلا عن أن مثل هذا الضغط كان هو المحفز لعملية المراجعة من حكومة كاميرون في المقام الأول21).

ويبدو أننا أمام موجة جديدة من الضغط الإماراتي في ظل عدة مستجدات طرأت على المشهد، منها ضعف الحكومة البريطانية الحالية بعد الأداء الهزيل لحزب المحافظين في الانتخابات البريطانية الأخيرة وتزامناً مع الأزمة القطرية واتجاه قطر لإقامة تحالف وتعاون قوي مع ألمانيا، وهو ما يعد خروجا عن نسق العلاقات التاريخية بين بريطانيا ودول الخليج، وهو مثل فيما يبدو فرصة سانحة للإمارات للعودة لممارسة مزيد من الضغوط على بريطانيا من أجل دعم النظام المصري الحليف الاستراتيجي للإمارات وتقويض الوجود الإخواني في بريطانيا.

3ـ يمكن أن يشكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منحى جديد في سياستها الخارجية بشكل عام وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، حيث تسعى بريطانيا ضمن أولوياتها في الفترة المقبلة للبحث عن مصالح وصفقات جديدة تعوضها عن الخسائر المحتملة للخروج من الاتحاد الأوروبي وهو ما يمكن أن يفسر تخليها عن حذرها في التعامل مع النظام المصري واعترافها سياسياً بالجنرال المتقاعد خليفة حفتر من أجل الحصول على تفاهمات وتسهيلات لمزيد من الصفقات والاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط.

4ـ لا يمكن بطبيعة الحال إغفال الضغط الذي يمارسه اللوبي الصهيوني في بريطانيا والذي ظهرت نتائجه بشكل واضح مع إتمام أكبر صفقة تجارية بين بريطانيا وإسرائيل في تاريخ الصفقات بين البلدين والتي صاحبها أيضاً الإطاحة بعدة مسؤولين بريطانيين تبدو مواقفهم غير متوافقة مع السياسة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في أعقاب الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

ويأتي ضغط اللوبي الصهيوني في إطار محاولة دفع السياسة الخارجية البريطانية نحو مواقف أكثر توافقاً مع السياسة الإسرائيلية والتي يأتي على رأسها بطبيعة الحال دعم النظام المصري الحالي الذي يمثل أحد أهم حلفاء إسرائيل في المنطقة.

ويمكن الإشارة هنا إلى أن السير “الستر بيرت” وقبل زيارته الى القاهرة مباشرة، قام بزيارة الى اسرائيل حيث شارك في حفل استلام شركة العال الإسرائيلية 2 2 لأول طائرة بوينج 787 (Boeing 787 “Dreamliner ”) في صفقة بلغت قيمتها مليار جنيه إسترليني. وبيرت هو عضو في جمعية أصدقاء اسرائيل المحافظين في بريطانيا، يلقى تقديرا كبير من الجالية اليهودية في بريطانيا لعمله الوثيق مع إسرائيل ومواقفه إزاء قضايا الشرق الأوسط 2 3.

5ـ العلاقات الاستراتيجية بين بريطانيا ودول الخليج، والتي تمثل امتدادا للدور الاستعماري التقليدي لبريطانيا وما يحمله من أبعاد تاريخية وأيديولوجية وجيو-استراتيجية تجعل من عودة بريطانيا ودعمها بشكل صريح لأنظمة سلطوية أبعد ما تكون عن مباديء الديمقراطية وقيمها التي تدعي بريطانيا التمسك بها وتنادي بتطبيقها في كل مكان، تجعل ذلك أمراً مفهوما في ظل الحفاظ على مصالحها ومكتسباتها ونفوذها في المنطقة والتي لم تتخلى عنها منذ استعمارها لمنطقة الشرق الأوسط.

 

خاتمة

يبدو واضحاً أن ثمة تغير في السياسة الخارجية البريطانية تجاه مصر والشرق الأوسط وأن هذا التغير يأتي في إطار استراتيجية جديدة نحو المنطقة بأكملها تعني بالأساس بمصالح بريطانيا وتغفل عن طبيعة الأنظمة التي تدعمها وتتحالف معها.

إلا أن هذا التغير في السياسة البريطانية قد أغفل أن دعم بريطانيا المباشر والواضح للنظام المصري السلطوي الذي يمارس قدرا من الإنتهاكات لم يسبق لأي نظام مصري اقترافه، بما يتعارض مع القيم البريطانية التي أشار لها تقرير السير جنكنز عن مراجعة الاخوان، وتقرير لجنة العلاقات الخارجية بمجلس العموم البريطاني، ربما سيترتب عليه في المستقبل ملاحقات قضائية لكل من يدعم هذا النظام المستبد، حيث أنه وفي ظل التقارير الدولية التي تؤكد الممارسات الإجرامية للنظام المصري، والتي كان آخرها تقرير هيومان رايتس ووتش24، وتقرير25 لجنة مناهضة التعذيب التابعة لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وهذه التقارير تؤكد أن التعذيب في مصر يمارس بشكل منهجي، مما يستدعي ملاحقات قضائية دولية في إطار الولاية القضائية العالمية لكل من هو ضالع أو محرض أو مدافع عن تلك الجرائم، وتلك الملاحقات التي لن تكون بعيدة أيضا عن المسؤولين السياسيين الدوليين الذين قدموا لهم تأييدا ودعماً بما يعتبر مشاركة ضمنية وتواطئا لارتكاب تلك الجرائم من خلال توفير غطاء دولي لممارسات النظام والانتهاكات والجرائم التي تسببت في معاناة شديدة للمصريين واعتبرتها المنظمات الحقوقية الدولية جرائم ضد الإنسانية. (1)

 

المصادر:

  1.  بريطانيا تعيد فتح “تقرير الإخوان”… وتمنح اللجوء لقيادِيَّيْن بالتنظيم، العربي الجديد، 29 سبتمبر 2015
  2. مراجعة بريطانية: الانتماء للإخوان المسلمين مؤشر على التطرف، رويترز، 17 ديسمبر 2015
  3. United Kingdom: Home Office, Country Information and Guidance – Egypt: Muslim Brotherhood, 1 August 2016
  4. UK: Muslim Brotherhood members can claim asylum from Egypt, Middle East Eye, 5 August 2016
  5. نواب بريطانيون ينتقدون تقرير الخارجية عن الإخوان، الجزيرة نت، 6 نوفمبر 2016
  6. Amr Darrag, Between two ‘reviews’: A reading of the UK parliamentary report into political Islam, Middle East Eye, 7 November 2016
  7. Sir John Jenkins, A State of Extremes, Policy Exchange, 12 June 2017
  8. ‘Political Islam’ and the Muslim Brotherhood Review, Parliament home page, 3 November 2016
  9. Crispin Blunt elected as Chair, Parliament home page, 18 June 2015
  10. Tom Tugendhat elected as Chair, Parliament home page, 10 July 2017
  11. تحقيق للجزيرة يكشف عن “لوبي” إسرائيلي بلندن، الجزيرة نت، 8 يناير 2017
  12. ما كشفته تسريبات الجزيرة حول توغل النفوذ الصهيوني داخل مؤسسة الحكم في بريطانيا، نون بوست، 9 يناير 2017
  13. Alistair Burt, twitter, 24 August 2017
  14. أليستر بيرت، مصر وبريطانيا معا فى مواجهة الإرهاب والتطرف، الأهرام، 24 اغسطس 2017
  15. British Amb in Egypt ‏ , twitter, 24 August 2017
  16. Translation: What the UK Middle East minister wrote in Egypt’s Al-Ahram, Middle East Eye, 1 September 2017
  17. وزير خارجية بريطانيا يلتقي حفتر ويحض الاطراف الليبيين على الحوار، فرانس 24، 25 اغسطس 2017
  18. رئيس الاستخبارات المشتركة بمجلس وزراء بريطانيا يزور مصر للقاء عدد من المسئولين، اليوم السابع، 26 اغسطس 2017
  19. وفد تجاري بريطاني يزور القاهرة لبحث ضخ استثمارات جديدة، المصري اليوم، 3 سبتمبر 2017
  20. بريطانيا تضخ حزمة جديدة من استثمارات البنية التحتية، بوابة جــريدة المال، 7 سبتمبر 2017
  21. UAE told UK: crack down on Muslim Brotherhood or lose arms deals, The guardian, 6 November 2015
  22. Happy landing for El Al Dreamliner, powered by biggest trade deal in UK-Israel history, The Jewish Chronicle, 23 August 2017
  23. Alistair Burt named as Middle East minister, The Jewish Chronicle, 15 June 2017
  24. Egypt: Torture Epidemic May Be Crime Against Humanity, Human Rights Watch, 6 September, 2017
  25. Report of the Committee against Torture: Fifty-eighth session (25 July-12 August 2016), Fifty-ninth session (7 November-7 December 2016), Sixtieth session (18-April-12 May 2017)

————————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *