المعهد المصري للدراسات

بلومبرج: فاتورة الحرب الإسرائيلية البالغة $48 مليار تضعها تحت رحمة أسواق السندات

نشرت وكالة بلومبرج الأمريكية في 23 نوفمبر 2023 مقالاً للصحفية جاليت ألتستين، التي عملت كمديرة لقسم الأخبار في العديد من المؤسسات الإعلامية، بعنوان: “ فاتورة الحرب الإسرائيلية البالغة 48 مليار دولار تضعها تحت رحمة أسواق السندات”، حيث تقول إن إسرائيل قد استطاعت حتى الآن تجنب أي تخفيض لتصنيفها الائتماني، حتى وإن كانت أكبر ثلاث شركات تصنيف قد خفّضت توقعاتها إلى “سلبية” خلال الأسابيع التي تلت بدء الحرب الإسرائيلية على غزة.

وقد جاء المقال على النحو التالي:

عندما قام فريق من التكنوقراط الإسرائيليين يطلقون على أنفسهم “المديرون الماليون للحكومة”، بعمل مسح لساحة المعركة، بعد انقضاء سبعة أسابيع تقريباً منذ بدء الحرب على غزة ، وجدوا دفتر حسابات تتراكم فيه مليارات الدولارات من الديون؛ وأصبحت مهمتهم عندئذٍ هي العثور على الأموال اللازمة للمساعدة في دفع كُلفة كل ذلك.

ومع توغل الجيش الإسرائيلي في عمق غزة في محاولة القضاء على حماس في أعقاب الهجوم الذي قامت به على المستوطنات الواقعة في غلاف غزة في السابع من أكتوبر، كانت إدارة المحاسبة العامة بوزارة المالية تقوم بضبط التوقّعات وتحديث جدول أعمال الحكومة أولاً بأول من خلال تسجيل تكاليف كل صاروخ اعتراضي، وكل طلعة طيران، وكل يوم انتشار من قبل جنود الاحتياط. وتتزايد هذه النفقات بسرعة، حتى مع اتفاق تبادل الأسرى مع حركة حماس والذي يقضي أيضاً باحتمال توقف القتال لمدة أربعة أيام.

وتبلغ الكُلفة الاقتصادية للحرب على غزة، حسب تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية، حوالي 270 مليون دولار يومياً، أي أنها تصل إلى تكلفة مالية تقدر بـ 180 مليار شيكل (48 مليار دولار) في العام المالي 2023-2024، وذلك وفقاً لشركة ليدر كابيتال ماركتس، وهي شركة استشارية مالية في إسرائيل.

وقالت شركة ليدر كابيتال ماركتس إنه من المرجح أن تتحمل إسرائيل ثلثي التكاليف الإجمالية، بينما تدفع الولايات المتحدة الباقي. وتعني الحسابات المالية الإسرائيلية أن الحكومة ستضطر إلى الاقتراض إلى حد كبير للمضي قُدماً في طريقها خلال الحرب التي تُعد بالفعل أسوأ صراع مسلح تدخل فيه إسرائيل منذ نصف قرن (منذ حرب السادس من أكتوبر 1973). وبالتأكيد، فإن يالي روتنبرج، المحاسب العام بوزارة المالية والرجل المسؤول عن إدارة ديون إسرائيل البالغة 300 مليار دولار، يدرك هذه المخاطر.

حيث قال روتنبرج، في مقابلة أُجريت معه: “إننا نمضي قدماً في السيناريو الأساسي الذي يشير إلى استمرار القتال لعدة أشهر وعملنا على مخزونات إضافية”. “نحن قادرون جيداً على تمويل دولة إسرائيل حتى في سيناريوهات أكثر تطرفاً من القتال الحالي”.

وتتوالى الصدمات المالية على الاقتصاد الإسرائيلي الذي اضطر إلى التحول إلى حالة الحرب في غضون أيام بعد أن صدمت حماس الكيان الصهيوني ودفعت قوات الاحتلال إلى شن ضربات انتقامية على غزة أعقبها هجوم بري على القطاع.

وعلى الرغم من أن الحكومة أصدرت أيضاً سندات ديون دولية بالين واليورو والدولار من خلال الاكتتابات الخاصة عبر بنوك وول ستريت مثل مجموعة جولدمان ساكس، إلا أنها تعتمد على السوق المحلية لاستيعاب الجزء الأكبر من احتياجاتها التمويلية. وباعت وزارة المالية بالفعل 18.7 مليار شيكل من السندات المحلية منذ السابع من أكتوبر، مقارنة بمتوسط شهري يزيد قليلا عن 5 مليارات شيكل حتى سبتمبر.

وظل الطلب على الأوراق المالية الإسرائيلية مرناً بدرجة كافية ليصل إلى أكثر من ستة أضعاف المبلغ المعروض في بعض مزادات الديون الإسرائيلية مؤخراً. وتقدّر وكالة موديز لخدمات المستثمرين إجمالي احتياجات الاقتراض الحكومية بنحو 10% من الناتج الاقتصادي هذا العام، ارتفاعاً من 5.7% في عام 2022.

وارتفعت أسعار الفائدة المحلية في إسرائيل بنسبة أقل من العديد من الاقتصادات المتقدمة، مما يجعل الاقتراض في الداخل أرخص نسبيا للحكومة. وارتفع العائد على سندات الشيكل الإسرائيلية لأجل 10 سنوات منذ بدء الحرب على غزة لكنه أغلق يوم الأربعاء منخفضاً عند 4.2% – وهو أقل من عائد سندات الخزانة الأمريكية ذات الاستحقاق المماثل.

وبفضل التدخلات غير المسبوقة من قبل البنك المركزي الإسرائيلي، استعادت العملة الإسرائيلية بالكامل خسائرها بعد بدء الحرب ويتم تداولها الآن بالقرب من أقوى مستوياتها مقابل الدولار منذ شهر أغسطس.

وقال روتنبرج: “إذا نظرنا إلى الوضع قبل الحرب، فسنجد أن الشيكل كان ضعيفاً نسبياً وكان أداء أسواق رأس المال المحلية ضعيفاً”. ربما توجد الآن نقطة استثمار مثيرة للاهتمام في الاقتصاد الإسرائيلي”.

وبينما أجبرت الحرب الحكومة الإسرائيلية على فتح صنابير المال، فقد سجلت عجزاً في الميزانية في شهر أكتوبر كان أكبر بسبع مرات عما كان عليه قبل عام، حيث تبلغ الفجوة الآن 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وقال روتنبرج إنه من المعقول توقع عجز تراكمي في الميزانية يبلغ حوالي 9% خلال العامين المقبلين.

ماذا ترى بلومبرج إيكونوميكس؟

من غير المرجح أن تكون التكاليف المالية باهظة بالنسبة لإسرائيل. فالبلاد تمتلك 191 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، وهو ما يكفي لتمويل الحرب لمدة عامين تقريباً. ومن الممكن أن تتلقى المزيد من المساعدات من الولايات المتحدة. وهي تقترض الآن من الأسواق المالية لسد الفجوة. إن ما سينهي الحرب ليس الاقتصاد، بل الضغط المحلي أو الدولي وكذلك التطورات في ساحة المعركة.

وطرح وزير المالية بتسلئيل سموتريش ميزانية معدّلة للفترة المتبقية من عام 2023 مع زيادة في الإنفاق قدرها 35 مليار شيكل سيتم تمويلها إلى حد كبير من خلال الديون. وسيتعين على إسرائيل أيضاً تعويض ما يقدّر بنحو 15 مليار شيكل من الإيرادات المفقودة في عام 2023، ثم في العام المقبل إعادة تخزين صندوق التعويضات الضريبية الحكومي الذي تم إفراغه من 18 مليار شيكل لدفع النفقات الكبيرة بعد اندلاع الحرب.

ويمثل إصدار السندات في الداخل أكثر من 80% من الإجمالي، ولا يتوقع المسؤولون أن تتغير النسبة كثيراً، مما يحمي إسرائيل من تدفقات الاستثمار الأجنبي المتقلبة.

اقتراح أكثر خطورة

وتواجه إسرائيل سوقاً أقل ترحيباً في الخارج. وقد تضاعفت تقريباً تكلفة تأمين السندات السيادية الإسرائيلية ضد العجز عن السداد منذ بدء الحرب.

وبالنسبة لإدارة المحاسبة العامة في وزارة المالية الإسرائيلية، فإن القلق يعني أنها تعمل على تكثيف تواصلها مع وكالات التصنيف وكذلك صناع السوق الأجنبية والمحلية من خلال توفير بيانات محدثة وشرح التطورات فور ظهورها. كما أنها تحاول تسهيل التدفقات إلى صناعة التكنولوجيا الفائقة من خلال التحدث إلى المستثمرين والشركات المحتملة التي تسعى إلى الحصول على رأس المال.

وقال روتنبرج: “نحن بلد في حالة حرب، ولكن لدينا دائماً انتعاش كبير جداً منتظر بعد العمليات العسكرية والحروب”.

وبصرف النظر عن الاعتماد على الدين المحلي منذ السابع من أكتوبر، فقد استخدمت الحكومة أيضاً كياناً مسجلاً في الولايات المتحدة منفصلاً ولكنه تابع لوزارة المالية لبيع رقم قياسي شهري يزيد عن مليار دولار من السندات التي اشتراها أنصار إسرائيل في جميع أنحاء العالم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يتم اقتراضها من الخارج من خلال صفقات تم التفاوض عليها بشكل خاص، لتجنب تدقيق الأسواق العامة، حيث تم جمع ما مجموعه 5.4 مليار دولار منذ بدء الحرب.

وقال روتنبرج إن عمليات طرح السندات الدولية الأخيرة التي قامت بها إسرائيل كانت لمستثمرين مؤسسيين كبار “الذين يؤمنون حقاً بإسرائيل حتى في حالة الحرب”. “وهذه رسالة قوية يرسلونها.”

مخاطر الحرب

وقد أدى الضغط المفاجئ على الموارد المالية لتل أبيب إلى وضع الحكومة في دائرة الضوء من قبل أكبر ثلاث شركات تصنيف، والتي خفضت جميعها التوقعات إلى “سلبية” في الأسابيع التي تلت بدء الحرب على غزة. لكن إسرائيل استطاعت حتى الآن تجنب ما قد يكون أول خفض لتصنيفها الائتماني على الإطلاق.

ويرى روتنبرج أن ذلك قد يعود إلى قدرة إسرائيل على كبح عجز الميزانية بما يكفي لدعم انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط – والتي من المقرر أن تنمو أعلى من مستواها الحالي البالغ حوالي 60%.

وفي حين ينصبّ قدر كبير من التركيز على الديون، فإن نقاشاً مشحوناً بالميزانية يتكشف في إسرائيل حول مصير الإنفاق التقديري المخصص للأحزاب الخمسة التي تشكل حكومة بنيامين نتنياهو.

وقد أثار الإحجام عن إلغاء أو تحويل التمويل جدلاً في إسرائيل، ويهدد في نظر النقاد بتقويض مصداقية الحكومة.

وقال روتنبرج إن المخصصات الخاصة يجب أن تكون “مطروحة على الطاولة” بينما تقوم إسرائيل بصياغة خطة اقتصادية جديدة للعام المقبل. وأضاف: “الأولويات بحاجة إلى التغيير لتتماشى مع التغير الذي طرأ على العالم منذ السابع من أكتوبر”.

Exit mobile version