fbpx
ترجمات

بوليتكس توداي: موقف أفريقيا من قضية فلسطين

نشر موقع بوليتكس توداي الأمريكي في 9 يناير 2024 مقالاً بعنوان: “وجهة نظر أفريقيا حول فلسطين” لتونش دميرتاش، الأستاذ في العلاقات الدولية بجامعة مرسين والباحث المتخصص في القرن الأفريقي بمركز سيتا للأبحاث، حيث يقول إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أدى إلى تأجيج الاستقطاب في قارة أفريقيا؛ وأنه على الرغم من أن 46 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي البالغ عددهم 55 دولة أقامت تعاوناً دبلوماسياً واقتصادياً وتنموياً مع إسرائيل، إلا أن حتى بعض هذه الدول انتقدت بشدة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة.

وقد جاء المقال على النحو التالي:

لقد أدى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى تأجيج الاستقطاب في قارة أفريقيا. وظهر انعكاس ذلك الاستقطاب قبل ذلك أثناء محاولة إسرائيل الانضمام إلى الاتحاد الأفريقي. وقد أصبح من الواضح حالياً أن الدول الأفريقية التي تربطها علاقات ودية مع الدول الغربية تقف إلى جانب إسرائيل فيما يتعلق بغزة. حيث أدى الموقف من الشرق الأوسط وغزة على وجه الخصوص إلى تقسيم الدول الأفريقية مرة أخرى.

ولا تزال القضية الفلسطينية، التي تعود في الأصل إلى عام 1917 – عندما صدر وعد بلفور المشئوم، حيث بعث آرثر جيمس بلفور، وزير الخارجية البريطانية آنذاك، برسالة إلى اللورد ليونيل روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، تتعهد فيها الحكومة البريطانية بإقامة دولة لليهود في فلسطين، وهي أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين – لا تزال تحظى بأهمية كبيرة في النظام العالمي حتى اليوم.

تثير قضية احتلال إسرائيل لفلسطين، والتي بدأت عام 1948، اهتماماً كبيراً ليس بالنسبة لدول الشرق الأوسط فحسب، بل بالنسبة كذلك لجميع الدول التي تكافح ضد الاستعمار، على غرار العديد من الدول في القارة الأفريقية. حيث تعرضت الدول الأفريقية لنفس الممارسات اللاإنسانية التي تقوم بها إسرائيل في فلسطين، أي الفصل العنصري والتهجير والظلم والاستهتار بحقوق الإنسان، حيث هناك تقاطعات مماثلة للدول الأفريقية مع العديد من ممارسات القوى الاستعمارية في أفريقيا في الماضي، مثل: الرأسمالية ونزع الملكية.

لقد استمر احتلال إسرائيل لفلسطين بناءً على استراتيجيات مماثلة لتلك التي عزّزت الاستعمار والفصل العنصري في أفريقيا، على الرغم من مرور 75 عاماً من الانتقادات وردود الأفعال. وفي واقع الأمر، فإن سيطرة إسرائيل الظالمة على الأراضي الفلسطينية واغتصابها لتلك الأراضي، والحصار المفروض على غزة، وجدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، والفشل في معاملة أصحاب الأرض الحقيقيين كبشر، وسياساتها التمييزية، والممارسات المطبقة التي تمنع الشعب الفلسطيني من ممارسة ثقافته ومعتقداته كما يرتضي؛ كل ذلك هو جزء من إرث أفريقيا المظلم؛ وكل ذلك يبدو للأفارقة وكأنه ذكرى مألوفة بالنسبة لهم. وتُشكّل هذه الصعوبات عاملاً مُهمّاً في تعاطف الشعب الفلسطيني مع الأضرار وعدم المساواة التي عاشها الأفارقة خلال الفترة الاستعمارية، من جهة، وفي دعم الشعوب الأفريقية لنضال الفلسطينيين من أجل الحرية، من جهة أخرى.

وهذا التقاطع يؤكده تصريح نيلسون مانديلا، رئيس جنوب أفريقيا الأسبق، الذي قال: “إن حريتنا لن تكتمل بدون حرية الشعب الفلسطيني”. إن حقيقة أن دعم جنوب أفريقيا لفلسطين قد اجتذب أكبر قدر من الاهتمام في أفريقيا هو انعكاس للحساسية التي يشعرون بها تجاه نظام الفصل العنصري. وفي حين أن هذا يُعتبر مثالاً على التضامن الممتد من قارة إلى أخرى، فهو يُشكّل أيضا رسالة قوية تؤكد على دعم المجتمعات التي تتقاسم نفس الصعوبات وتتعرض لنفس الشرور والمظالم.

موقف الاتحاد الأفريقي

إن تضامن قارة أفريقيا مع فلسطين يرتكز في الأساس على تضامن فلسطين مع أفريقيا. فتاريخياً، يرى الفلسطينيون نضالهم من أجل التحرر في سياق نضالات معظم الدول الأفريقية ضد الاستعمار الغربي. وينص القرار 77 (د-12) الذي اعتمده الاتحاد الأفريقي في عام 1975 على أن “النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين الحاكمين في زيمبابوي وأفريقيا الجنوبية ترجع إلى أصل استعماري مشترك، وتشكل كيانا كليا، ولها هيكل عنصري واحد، وترتبط ارتباطا عضويا في سياستها الرامية إلى إهدار كرامة الإنسان وحرمته”.

لقد اتخذ الاتحاد الأفريقي قرارات بشأن فلسطين تدعم بشكل أساسي استقلالها وسيادتها، وتهدف إلى ضمان السلام العادل والدائم بين البلدين؛ حيث يدعم الاتحاد الأفريقي حل الدولتين في القضية الإسرائيلية الفلسطينية، ويتبنى الموقف الذي يقرّ بأن عاصمة الدولة الفلسطينية ستكون القدس الشرقية. لكن ليس كل أعضاء الاتحاد الأفريقي، الذي يضم في مجمله 55 عضواً، لديهم نفس الرأي، فكل دولة تتخذ موقفاً في إطار مصالحها الوطنية المختلفة. فعلى سبيل المثال، تدعم دول مثل غانا وكينيا ورواندا إسرائيل وتدين حماس.

إن المنافسة والفرص الجديدة للتعاون في القارة الأفريقية لتدفع بعض الدول إلى الابتعاد عن الموقف الموحد الذي كان يسود في الماضي والتوجه نحو علاقات أكثر عملية. وفي هذا السياق، اعتبرت مفوضية الاتحاد الأفريقي مبادرة إسرائيل لتصبح عضواً مراقباً في الاتحاد الأفريقي في عام 2021 مثيرة للجدل. لكن عدة دول مثل جنوب أفريقيا ومصر والجزائر وليبيا وناميبيا وبوتسوانا وجزر القمر وتونس وجيبوتي وموريتانيا أعلنت معارضتها للقرار بعد ذلك.

ورد الاتحاد الأفريقي على الحرب الدائر التي تشنها إسرائيل على غزة بإصدار بيان عن مفوضية الاتحاد الأفريقي يدعو إلى وقف الهجمات ويشجع الأطراف على التفاوض على اتفاق الدولتين باعتباره الحل الوحيد للصراع.

وبالرغم من أن 46 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، والتي يبلغ عددها 55 دولة، قد أقامت تعاوناً دبلوماسياً واقتصادياً وتنموياً مع إسرائيل؛ إلا أن هذا التعاون لم يحدث بعد على أرض الواقع.

انقسام في أفريقيا بعد 7 أكتوبر

كشفت الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 عن انقسامات في الرأي العام في أفريقيا والعالم. وبينما تزعم بعض الدول أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات التي شنتها حركة المقاومة الإسلامية حماس، تؤكد دول أخرى أن إسرائيل تواصل احتلال فلسطين والفصل بين الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة وأولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية، معتبرة أن هجمات حماس على المستوطنات في شمال غزة لها ما يبررها.

ورغم المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة، امتنعت بعض الدول الأفريقية عن التصويت لصالح وقف إطلاق النار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهذه الدول هي تونس والجابون وجنوب السودان وإثيوبيا وزامبيا؛ بينما دعمت دول أفريقية أخرى مثل كينيا ورواندا إسرائيل. وأصدرت رواندا بيانا “تعرب فيه عن خالص تعازيها وتعاطفها مع حكومة وشعب إسرائيل في أعقاب الهجمات على الأراضي الإسرائيلية”؛ بينما أدان وزير الخارجية الكيني أيضاً الهجوم على إسرائيل وقال إنه “حزين للمأساة”.

وفي الوقت نفسه، زاد اهتمام إسرائيل بالدول الأفريقية في السنوات الأخيرة. فمع نمو العلاقات الدبلوماسية بينهم، كان هناك كذلك نمو في التعاون في مجالات مثل الدفاع والأمن، ومكافحة الإرهاب، والاستخبارات، ومراقبة الحدود. وبالإضافة إلى ذلك، وصلت عمليات نقل الأسلحة بين الدول الأفريقية وإسرائيل إلى مستوى ملحوظ. وفي الواقع، فقد تمت على مدى العقد الماضي عمليات تصدير أسلحة مختلفة بين إسرائيل ودول مثل السنغال والمغرب وأنغولا والكاميرون وتشاد وساحل العاج وإثيوبيا ونيجيريا ورواندا وسيشيل وأوغندا وزامبيا. والواقع أن صمت بعض الدول الأفريقية عن الإبادة الجماعية والمجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة يرجع إلى اعتمادها على الغرب وإسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

دعم ثابت لفلسطين في أفريقيا

لكن وفقا لبحث أجراه مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، أثارت العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة موجة من الاحتجاجات والمسيرات في جميع أنحاء العالم. وتقدّر الاحتجاجات على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتي تمثل 38% من المظاهرات العالمية، والتي تُقدّر بنحو 4200 تظاهرة في المجموع. وكان أكثر من 3700 من هذه المظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في حين كان أكثر من 520 مؤيدة لإسرائيل. وكانت دولة المغرب هي البلد الذي شهد أكبر الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين (267 احتجاجاً في المجموع) على الرغم من بقاء حكومته قريبة من إسرائيل.

وهناك أيضاً دول في القارة الأفريقية تتفاعل ضد سياسة إسرائيل الدموية ومجازرها والإبادة الجماعية التي تمارسها في غزة. فقد اتخذت دول مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وتشاد والجزائر إجراءات تتجاوز مجرد التعبير عن الدعم لفلسطين. وعلى سبيل المثال، ففي حين دعا مجلس الشيوخ النيجيري إلى وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات للتوصل إلى حل الدولتين، دعت جنوب أفريقيا إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة. وذهبت جنوب أفريقيا إلى أبعد من ذلك، حيث أصدرت بيانات تتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب. كما دعمت تشاد جنوب أفريقيا التي استدعت دبلوماسييها من إسرائيل وسحبت سفيرها من تل أبيب.

لقد أدى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى تأجيج الاستقطاب في قارة أفريقيا. وظهر انعكاس سابق لهذا الاستقطاب في محاولة إسرائيل الانضمام إلى الاتحاد الأفريقي. وتقف الدول الأفريقية التي تربطها علاقات ودية مع الدول الغربية إلى جانب إسرائيل في القضية الفلسطينية. إلا أن شعوب هذه البلدان، التي عانت من آلام مماثلة لتلك التي عاشتها فلسطين في الماضي، لا تتفق دائما مع حكوماتها. تنعكس بنية النظام الدولي في العلاقات الحالية بين الدول والدول التي تعتمد عليها بشكل كبير. ولا شك أن مجالات التعاون الاقتصادي تنعكس في السياسة العالمية، وينبغي قراءة مواقف أفريقيا وردود أفعالها بشأن القضية الفلسطينية في هذا السياق.

ومع ذلك، فإن الشعب الأفريقي، الذي عانى بشكل وحشي من استهتار البشرية بالحياة البشرية، يقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن حكامه وسياساته الداعمة لإسرائيل ضد فلسطين. إن مواقف الأفارقة المبدئية ومواقف الحكومات التي تحكمهم غير متوافقة. وفي المجمل، فإن موقف أفريقيا من القضية الفلسطينية يضعف موقف القارة مع الانقسامات بين الحكومات والمجتمعات، وبين الدول الداعمة لفلسطين والدول الداعمة لإسرائيل.

لقد أدى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى تأجيج الاستقطاب في قارة أفريقيا. وقد ظهر انعكاس ذلك الاستقطاب في السابق أثناء محاولة إسرائيل الانضمام إلى الاتحاد الأفريقي. وتقف الدول الأفريقية التي تربطها علاقات ودية مع الدول الغربية إلى جانب إسرائيل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. إلا أن شعوب هذه البلدان، التي عانت في الماضي من آلام مماثلة لتلك الآلام التي تعيشها فلسطين، لا تتفق دائما مع حكوماتها. وتنعكس بنية النظام الدولي حالياً في العلاقات بين الدول وتلك الدول المرتبطة بها بشكل كبير. ولا شك أن مجالات التعاون الاقتصادي تنعكس في السياسة العالمية، وينبغي قراءة مواقف أفريقيا وردود أفعالها بشأن القضية الفلسطينية في هذا السياق.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Close