fbpx
دراسات

بين الثورة والثوار ـ مفاهيم وأخلاقيات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يرى البعض أن الثورة من الكلمات التي تتصف بالغموض، فنقول: الثورة الفرنسية الكبرى، والثورة الأمريكية، والثورات الاجتماعية، والثورات الفكرية، والثورة الصناعية، وثورة المعلومات، وتكاد القائمة أن تكون غير محدودة.

وفي الواقع كادت الثورة في نهاية طيف معانيها في الاستعمال الشائع أن تكون مرادفًا تأكيديًّا لكلمة: «تغيير»، ربما مع الإيحاء بأن التغيير مفاجئ أو لافت للنظر [1].

وهي تعني الخروج على الوضع الرّاهن وتغييره -سواء إلى وضعٍ أفضل أو أسوأ- باندفاعٍ يحرّكه عدم الرّضا، والتطلّع إلى الأفضل، أو حتّى الغضب [2].

وهي ظاهرة اجتماعية تقوم بها فئة أو جماعةٌ ما هدفها التغيير وفقًا لأيديولوجية هذه الفئة أو الجماعة، ولا ترتبط بشرعية قانونية، كما تعبر عن انتقال السلطة من الطبقة الحاكمة إلى طبقة الثوار [3].

وقد تكون الثورة:

شعبية، مثل: الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989.

أو عسكرية، وهي التي تسمى انقلابًا مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.

أو حركة مقاومة ضد مستعمر، مثل: الثورة الجزائرية (1954-1962) [4].

والثورة تقود إلى تغييرات عميقة في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لأمة أو مجموعة بشرية ما، وبشكل شامل وعميق وعلى المدى الطويل، ينتج عنه تغيير في بنية التفكير الاجتماعي للشعب الثائر، وفي إعادة توزيع الثروات والسلطات السياسية [5].

فالثورة تغيير شامل في الأنظمة وإدارة البلاد، وطريقة الحكم، والسياسات الداخلية والخارجية، وحتى تغيير في بنية المجتمع وصعود طبقات وهبوط أخرى.

وليس المقصود بالثورة تغيير رأس النظام وبقاء الجسد كما حدث في الثورة المصرية؛ فقد اكتفت الثورة بالإطاحة برأس النظام (مبارك)، وبقيت الدولة العميقة الحاكمة كما هي متغلغلة ومسيطرة، بل وحاكمة وتدير الأمور.

فكان اللازم على الثورة القيام بعملية تغيير جذري ابتداء من العَلَم والنشيد الوطني، وانتهاء بالنظام السياسي والاجتماعي.

وكان عليها تطهير الدولة من النظام البائد، وإنهاء سيطرته على مفاصل الدولة، وتقديم رموزه لمحاكمات ثورية لا محاكمات هزلية عبثية، كان نهايتها براءة رموز النظام وعودتهم للحياة السياسية والحكم من جديد.

فللسير في الطريق الصحيح لزام علينا فهم المعنى الصحيح للثورة، أنه تغيير شامل، وليس ترقيعًا أو إصلاحًا في النظام القديم التي قامت عليه الثورة.

النبوة ثورة

الثورة هي التغيير الشامل والكلي في المجتمعات على كافة المستويات والأصعدة. ولا تقبل الشعوب والأنظمة التغيير بسهولة ويسر، بل تنظر إليه بعين الريبة؛ فإلف الأوضاع التي كانوا عليها -حتى وإن لم تكن تعجبهم- مرضي عنها، عن استقبال أمر جديد لم يألفوه، ولم يعرفوا أبعاده، ويخالف أو يصادم ما اعتادوا عليه من أفكارهم وأنماط حياتهم ومعتقداتهم ونظمهم السياسية.

﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 74].

وقد يصل إلف العادات والتقاليد والنظم إلى حدّ التقديس، ويكون مجرد الاقتراب منها، أو محاولة تصحيحها أمرًا منكرًا مستقبحًا. بل إن الأهواء تصير دينًا معبودًا. فهل كانت عبادة الأصنام إلا اتّباعًا للهوى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]؛ يقول الكلبي: «وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعنٌ إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم، وصبابة بمكة، فحيثما حلّوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة؛ تيمنًا منهم بها، وصبابة بالحرم، وحبًّا بها، وهم بعدُ يعظّمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام.

ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره؛ فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم» [6]. وتصير آراء الرجال حكمًا وتشريعًا، قال -تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31].

والنبوات ثورات في حقيقتها وجوهرها. فالأمم دائمًا ما تنحرف عن الطريق القويم بسبب الأهواء والجهل والانقسام والتفرق شيعًا… إلخ، فيرسل الله -تعالى- لها من يصلح لها المسار، ويقوّم المعوج. فينبري الملأ للطعن في الرسول والرسالة، قال ورقة بن نوفل للرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ» [7].

ويمكرون للنيل من الرسول والرسالة ليل نهار ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46]. ويعجبون من البدهيات ويناهضونها ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]. ويحرّضون العامة على الرسول، ويغرون به سفهاءهم، وبدلًا من التخلية بين الرسول والناس، يقفون حجر عثرة بينه وبين الناس. وتقوم الحروب والعداوات والمخاصمات. وتبدأ بالملاسنات وتنتهي بالمقاتلة.

قال -صلى الله عليه وآله وسلم- لقريش: «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ والله، إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله له، أو تنفرد هذه السالفة» [8].

وقد يصل بهم الأمر إلى قتل الرسول كما فعل بنو إسرائيل مع بعض أنبيائهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: 61].

وقد يَظهر بعض الأنبياء على أقوامهم، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71].

لقد كانت النبوة ثورة على عبودية الإنسان للإنسان، ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22].

لقد كانت ثورة على عبودية الإنسان للشيطان، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: 60].

لقد كانت ثورة على عبودية الإنسان للمال، «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ» [9].

لقد كانت ثورة على عبودية الإنسان للهوى، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].

لقد كانت ثورة على عبودية الإنسان للدنيا، «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» [10].

لقد كانت ثورة على الطبقية، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: 27].

لقد كانت ثورة على الجهل، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].

لقد كانت ثورة على الظلم، «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا» [11].

لقد كانت ثورة على الطغيان، ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 24].

لقد كانت ثورة على التشريعات الفاسدة، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57].

لقد كانت ثورة على الفساد والإفساد في الأرض، ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ [هود: 116].

«إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، ومن العبودية لهواه، وذلك بإعلان ألوهية الله وحده -سبحانه- وربوبيته للعالمين.

إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها» [12].

الطبقة الحائرة بين الثروة والثورة

للطبقة الوسطى أهمية اجتماعية وسياسية واقتصادية؛ إذ إنها صمام الأمان لأي مجتمع؛ ومنوط بها تحقيق عملية التوازن الطبقي والمجتمعي، ومن خلالها يكون تماسك البناء الاجتماعي؛ فهي التي تربط قمة الهرم (الطبقة العليا) وقاعدته (الطبقة الدنيا)؛ فكلما اتسعت هذه الطبقة وكانت أوضاعها مستقرة تحقق الاستقرار الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ داخل المجتمع.

والمجتمعات الإنسانية التي لها تاريخ طويل وعريق هي التي تكون طبقتها الوسطى هي الأكثر عددًا في المجتمع؛ وهي خليط واسع ومتعدد وغير متجانس من الأفراد والجماعات [13].

تعريف الطبقة الوسطى

وهناك مدرستان لتعريف الطبقة الوسطى: «الأولى: هي التي يتقدمها علماء الاجتماع والاقتصاد في الولايات المتحدة، والتي تركّز على حجم الاستهلاك ومستويات الدخول؛ فالدخل يوظَّف كمدخل لتحديد الطبقة الاجتماعية، ثم تدرَس مؤشرات الفئات التي تحقق دخلًا يدور حول متوسط دخول الأسر.

أما المدرسة الثانية، التي يمكن وصفها بالأوروبية – الماركسية، فهي تأخذ عددًا من المتغيرات مثل: التعليم، ونوعية العمل (المهنة)، وحجم الأسرة، ونوعية السكن، وطبيعة التنظيمات الاجتماعية، ومستوى الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني» [14].

شرائح الطبقة الوسطى

ويمكن تقسيم الطبقة الوسطى إلى ثلاث شرائح، كل شريحة تضم فئات متجانسة بقدر الإمكان، وهذه الشرائح هي: العليا والمتوسطة والدنيا [15].

تجريف الطبقة الوسطى

والطبقة الوسطى في المنطقة العربية منوطٌ بها دور عظيم في التحولات الاقتصادية والمجتمعية، والتغييرات الحاصلة في المنطقة العربية تقوم به تلك الفئة المجتمعية.

وهذا رغم اضمحلالها وتغيّر قيمها نتيجة للتجريف المتعمد لها؛ إذ إن هناك عددًا «من الحقائق التي ارتبطت بالطبقة الوسطى خلال العقدين الماضيين، تتعلق الأولى بتراجع دور هذه الفئات المجتمعية وزيادة الضغوط الاقتصادية عليها.

كذلك لم يشهد توزيع الدخل في الدول العربية -وفقًا للمقاييس الفنية التي توظَّف- تحسنًا مرتبطًا بمستويات النمو، ما يشير إلى أن الهوة بين الفقراء والأغنياء في اتساع.

والحكومات العربية لا تذهب في اتجاه تعزيز وضع تلك الفئات، بل المطلوب أكثر استغلالها من الجهة السياسية من دون منحها هامشًا للتحرك لتحديد مطالبها» [16].

الطبقة الوسطى المصرية بنت النظام

قد خلقت ثورة (انقلاب) يوليو وشكّلت الطبقة الوسطى؛ وذلك من خلال التعليم الموجّه من الدولة، والإنفاق عليه، بالإضافة إلى استيعاب الخريجين وتعيينهم في جهاز الدولة؛ وبذلك كان التعليم البوابة الرئيسة للطبقة الدنيا للولوج إلى الطبقة الوسطى.

ومن يتسرب من التعليم فإن مصانع القطاع العام تستوعبهم على شكل عِمالة.

وقد سنّت ثورة (انقلاب) يوليو الكثير من القوانين التي كانت في صالح الطبقة الوسطى والدنيا، مثل: قانون الإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، وغيرها من القوانين.

وفي عهد مبارك تمت السيطرة على الجهاز الإداري للدولة وضمان ولائه للنظام بإبعاد الإسلاميين منه، وتولية المناصب الحساسة لذوي الولاء المطلق للنظام.

لذا فإن الطبقة الوسطى المصرية بنت النظام ودولة العسكر؛ وعليه فهي -في الغالب- ليست فئة ثورية.

تثوير الطبقة الوسطى

نتيجة للسياسات الاقتصادية الفاشلة والمتخبطة من الخصخصة وغيرها التي راعت أصحاب رءوس الأموال، وجارت على بقية طبقات المجتمع، بدأت الطبقة الوسطى تتململ، ويزداد الضغط عليها مع مرور الوقت.

ومن المعلوم أن أية سياسة اقتصادية تخلق فئة من المستفيدين وفئة من الخاسرين، فأما المستفيدون من التعامل مع النظام -وإن لم يكونوا من جهازه الإداري- فهؤلاء لا يميلون لفقد مصالحهم بتغيير النظام، إلا إذا وجد مصلحة مع نظامٍ غيره.

وأما الخاسرون فكانوا أصحاب الطبقة الوسطى والدنيا الذين تأزمت أوضاعهم الاقتصادية، هذا إلى جانب التسلط الأمني على الشعب، وكبت حريته، وقمعه سياسيًّا، وعدم الرقي به ثقافيًّا وتعليميًّا، مما بدا وكأن النظام قد تخلى عن ربيبته الطبقة الوسطى.

فكانت ثورة يناير التي خرجت من رحم الطبقة الوسطى، والتي قادها أبناء من هذه الطبقة كانوا هم الأكثر تعليمًا، والذين كان لديهم فرص عمل مُرضية ودخول جيدة.

وقد طالبتْ هذه الثورة بالديمقراطية والحكم الرشيد الذي ينمو في ظلاله الشعور بالأمن والكرامة، وينعم المواطن بالعدالة الاجتماعية [17].

صراع الطبقات

إن ثورة يناير لم تخلق طبقة مرتبطة بها ارتباطًا عضويًّا من خلال الاقتصاد والتعليم والسياسة مثلما فعلت ثورة (انقلاب) يوليو.

وقد غفلت ثورة يناير عن فكرة الصراع أو التنافس بين الطبقات.

فقامت الطبقة العليا بتفتيت شرائح الطبقة الوسطى الثورية من خلال إعلامها وأموالها، واستقطبت إليها الكثيرين من شرائح الطبقة الوسطى والدنيا، واستخدمتهم في الصراع مع ثورة يناير.

وبعد الانقلاب الذي أعاد العسكر فيه الدولة لقبضتهم باستخدام الطبقة الوسطى والدنيا بأموال الطبقة العليا بدأ النظام في تقديم الامتيازات للطبقة العليا، فأصبحت الدولة ترعى رعاية مباشرة جهازها الأمني (جيش – شرطة – مخابرات) والأجهزة المعاونة (القضاء)، وفي المقابل لم ترع مصالح الطبقة الوسطى التي حملت العسكر على الأكتاف، فكان جزاؤهم مزيدًا من السحق، الذي جعل شرائح كثيرة من الطبقة الوسطى تسقط في هوة الطبقة الدنيا.

الرؤية الحائرة

إن الطبقة الوسطى -لأنها بنت النظام- قد ثبت في روعها التداخل بين مفاهيم الدولة والسلطة السياسية أو الحكومة، وشخصنة الدولة في رأس النظام؛ والطعن في السلطة يرونه طعنًا في الدولة، والاعتراض على رئيس الدولة هو اعتراض على الدولة، ولا يرون أن الدولة باقية والأنظمة زائلة، وهذا مما غرسته الأنظمة الديكتاتورية في أنفس الشعوب.

إلا إنه مع ازدياد الضغط في مراحل ما قبل الانفجار تكون النظرة للدولة من خلال هذه الأطر:

– أولوية الاستقرار السياسي؛ إذ إن وجود السلطة السياسية مسألة شديدة الأهمية لها، ومهما اتسم أداء السلطة بالعنف فإنها لا تُجمع أمرها على ذهاب السلطة القائمة؛ لأن هذا معناه فناء الدولة عندها، وقصارى أمرها أن تطالب بإقالة الحكومة.

– الخوف الشديد من الدولة وعدم التوحد معها في نفس الوقت، فهناك ما يسمى بالقمع الاقتصادي والاجتماعي.

– الدولة العاجزة؛ فالدولة في نظر الطبقة الوسطى عاجزة عن حل المشاكل الجوهرية [18].

فهي رؤية سلبية وعاجزة عن إحداث التغيير المنشود.

الثروة أم الثورة

إن الأصل أن الطبقة الوسطى طبقة طموحة تبحث عن الارتقاء والصعود، والتحسين الدائم لأحوالها الاقتصادية ومكانتها الاجتماعية.

لكن السياسات الاقتصادية حرمتها من كسب الثروات، بل لم تستطع أن توفر لها الحياة الكريمة، أو حتى الادخار لعوادي الدهر.

وهي لا تميل للثورة إذا رأت الاستقرار الاقتصادي والسياسي، فإذا أتيحت لها الثروة أعرضت عن الثورة.

لكنها الآن في أزمة؛ فلا هي جنت الثروة، ولا نجحت في الثورة.

لكن القاعدة تقول: كلما ازداد الضغط أوشكت الأمور على الانفجار.

وهذا معناه أنه إذا بلغ الضغط مداه حسمت تلك الطبقة خيارها نحو الثورة.

وكلما حدث التنفيس لها بين الحين والآخر حسمت خيارها نحو الثروة.

ولا تزال تلك الطبقة حائرة ما بين الثروة والثورة.

الأمن القومي وصناعة العدو

عداء الإنسان لأخيه الإنسان قديمٌ قِدَم الإنسان نفسه، فلم تكن أُخوّة الرحم مانعًا من أن يعادي قابيل أخاه هابيل، بل ويدفعه هذا العداء إلى ارتكاب جريمته الشنعاء بإقدامه على قتل أخيه.

ولما نشأت المجتمعات والدول، وظهر الساسة والقادة تطور هذا العداء ليصبح بين الأمم والشعوب والدول.

وأية دولة -صغرت أم كبرت- لا تخلو من عدو يتربص بها، ويتحيّن الفرص للانقضاض عليها.

وهذا العدو قد يكون عدوًّا داخليًّا أو خارجيًّا.

والأمة الواعية والقيادة الرشيدة هي التي تتصدى لعدوها الخارجي، وتحْذَر أشد الحذر من عدوّها الداخلي.

والدولة في عناصرها الأساسية تتكون من: «الشعب والأرض والقيادة ونظام الحكم» [19].

وعلى الشعب والقادة أن يحافظوا على الأرض، وعلى القادة أن يعملوا لصالح الشعب، وعلى الشعوب أن تلتفّ حول قادتها المصلحين.

مفهوم الأمن القومي

وإذا اختلت إحدى هذه العناصر اختل ما يسمى بـ«الأمن القومي»؛ فالأمن القومي لأية دولة -كما يرى د. المسيري- «هو دفاع ووقاية ضد الأخطار الخارجية مثل: وقوع الدولة تحت سيطرة دولة أخرى، أو معسكر أجنبي، أو اقتطاع جزء من حدودها، أو التدخل في شئونها الداخلية؛ لتحقق دولة خارجية مصالحها [20]» [21].

وقد اكتفى الدكتور المسيري في هذا السياق بالعدو الخارجي وما يمثله من خطر على الأمن القومي لأية دولة.

ولكن الدكتور عليّ الدين هلال قد جمع بين الخطرين الداخلي والخارجي؛ فعبّر عن مفهومه للأمن القومي بأنه «تأمين كيان الدولة والمجتمع ضد الأخطار التي تهدده داخليًّا وخارجيًّا، وتأمين مصالحه، وتهيئة الظروف المناسبة اقتصاديًّا واجتماعيًّا لتحقيق الأهداف والغايات التي تعبّر عن الرضا العام في المجتمع» [22].

أما محمد طلعت غنيمي فلم يُشر للأخطار الداخلية أو الخارجية، ولكنه ركّز في تعريفه للأمن القومي على المصالح؛ حيث رأى أن الأمن القومي هو «مجموعة مصالح الدولة الحيوية، ومن ثم فإن تحقيق هذا الأمن إنما يتم بحماية وصيانة هذه المصالح» [23].

أما أحمد فؤاد رسلان فانصبّ اهتمامه بالحديث عن التنمية الشاملة، ومقاومة أي معوق لهذه التنمية؛ حيث ذهب إلى أن الأمن القومي هو «الجهد اليومي الذي يصدر عن الدولة لتنمية ودعم أنشطتها الرئيسة: السياسية والعسكرية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، ودفع أي تهديد أو تعويق أو إضرار بتلك الأنشطة» [24].

وقد رأى محمد عبد الكريم نافع أن «الأمن القومي للدولة يتحقق عندما تكون الدولة آمنة، وفي موقع أو موقف لا تضطر معه للتضحية بمصالحها المشروعة لتفادي الحرب أو العدوان عليها، وعندما تكون -أيضًا- قوية وقادرة على صيانة مصالحها عن طريق الحرب» [25].

العدو المصطنع الموهوم

قد يكون من المقبول أن تجد العدو مفروضًا عليك، ولا حيلة أو مفرَّ من مواجهته؛ فقريش فرضت عداوتها على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت الحروب بينهما سجالًا حتى وضعت أوزارها بعد فتح مكة، وأصبح العدو مناصرًا بعد دخولهم في دين الله أفواجًا.

وكذلك إسرائيل فهي عدو حقيقي متربص بالعرب، لا يهدأ لها بال حتى يكون العرب تحت طوعها ورهن إشارتها، ولقد كانت «صورة إسرائيل عبارة عن خنجر أو إسفين في قلب الوطن العربي» [26]، وقد تغيرت هذه الصورة فأصبحت إسرائيل لدى الكثير من القادة العرب الصديق الذي يسعون لإرضائه وتلبية رغباته.

فلقد «استمر العرب متماسكين عندما كانت إسرائيل عدوًّا واضحًا، واختلف الوضع بعد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وإطلاق وصف الصديق على زعمائها السياسيين» [27].

هذا إذا كان العدو حقيقيًّا أو مفروضًا عليك، لكن الغريب أن تصنع لنفسك عدوًّا توجِّه إليه سهامك، وتجعل منه شيطانًا مَريدًا، ويكون منبع الشرور والآثام.

و«يمكن اعتبار صناعة صورة العدو جزءًا من علم النفس السياسي» [28]؛ حيث إن «مصطلح (العدو) يستخدم لتوجيه اللوم إلى الأحداث السيئة في الحياة» [29].

ثم إن فكرة خلق العدو والصراع معه «هي فكرة كامنة في جذور الفكر الواقعي الغربي عمومًا والأمريكي خصوصًا» [30]؛ حيث يرى هيجل [31] أن «الصراع (أو التنافس) هو سنة الحياة» [32]، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث ذهب إلى أن «كلّ إنسان يهدف إلى تدمير الآخر وموته، ويظل الصراع حتى يقبل أحد الطرفين التبعية» [33].

وكان يرى «أهمية الحرب وتأثيرها في الشخصية الفردية وفي المجتمع، فهو يؤمن بأنه بدون احتمال الحرب والتضحيات التي تتطلبها سيصبح الإنسان لين العريكة ومستغرقًا في ذاته، وسيتدهور المجتمع فيصبح مستنقعًا لإشباع الملذات الأنانية، فتنحلّ الجماعة وينهار المجتمع نتيجة لذلك» [34].

وعلى نفس الخُطى سار هيدجر [35] الذي كانت نظرته للعدو «تنطلق من تقديس مبدأ الصراع»؛ فالإنسان «يجب عليه أن يخلق لنفسه عدوه الذاتي كي لا يسقط في العطالة، وكلّ ما هو موجود يخضع لمبدأ الصراع، وحيث لا وجود للصراع والهيمنة هناك تفسخ وانهيار» [36].

الغرب وصناعة العدو الخارجي

يبدو أن هذه الرؤية لا تصدق على الإنسان فحسب، بل تصدق على الحضارات والدول؛ حيث يرى سعد سلوم «أنه بدون الاعتراف بمبدأ الصراع يفقد العقل السياسي تماسكه، وبدون وجود العدو الخارجي تصبح الإستراتيجية العمياء، فالدور الذي يلعبه (العدو الخارجي) هو دور حاسم، ويغذي ديناميكية الحضارة الأمريكية التي بدون توفره تفقد مبرر وجودها، وتتعرض للتفسخ والانهيار (تقع في العطالة)» [37].

ويبدو أن القوى العظمى -رغم ما بينها ظاهريًّا من العداء- كانت تدير الصراع فيما بينها؛ لاحتياج كلّ طرف -ظاهريًّا- لهذا العداء لأسباب سنذكرها فيما يلي.

يُذكر «أنّ ألكسندر أرباتوف أحد مستشاري غورباتشوف قال ممازحًا زملاءه الأمريكان سنة 1989م: سنقدّم لكم أسوأ خدمة.. سنحرمكم من عدوّ!» [38].

أسباب صناعة العدو الخارجي (السياسة الأمريكية نموذجًا) [39]

ذكرنا أن فكرة خلق العدو والصراع معه فكرة كامنة في جذور الفكر الواقعي الغربي عمومًا والأمريكي خصوصًا.

«لذلك يأتي خَلْق تحدٍّ من نوع جديد استجابة لمحاولة تجنيب المجتمع الأمريكي لحالة الانهيار، وتراجع التأثير النسبي المتوقع لمكانة الولايات المتحدة في حالة غياب عدو يساعد على تقوية اللحمة بين أفراده، هذا من جانب.

ومن جانب آخر قطع الطريق على أي تفكير لأوروبا في قطع صلاتها مع الولايات المتحدة، ومحاولة الانفصال عنها، وذلك من خلال إيجاد مخاطر مشتركة جديدة تهددها وتجعلها بحاجة دائمة لمظلة الولايات المتحدة الأمريكية، وتفادي انفراط عقد حلف شمال الأطلسي وإعادة تماسكه بعد تلاشي مبرراته» [40].

فقد ظلّت أمريكا تُظهر الدب الروسي في صورة العدو الخطير، وجنّدت العالم لمحاربة العدو الشيوعي، وبعدما انهار الاتحاد السوفيتي وتفكك أصبح لزامًا على أمريكا أن تبحث عن عدوٍّ آخر، ووجدت بغيتها في الإسلام، وكانت أعظم تجليات هذا العداء بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م؛ حيث احتلال أفغانستان ثم العراق، وأصبح العدو الجديد «شرقي الملامح، يجمع بين التعصب والتخلف والدموية» [41].

ومن نافلة القول أن نذكر أن صناعة العدو تصاغ من قِبل أجهزة الإعلام الخاصة أو الحكومية، والاستخبارات التي تلعب من وراء الستار.

ومن أسباب صناعة العدو الخارجي:

1- توفير الهدف والدافع:

وبخصوص ذلك يذهب (هنري كيسنجر) إلى أن وجود العدو يعمل على تقليل مظاهر الغموض أو التناقض الذي تقع فيه الإستراتيجية عندما تفتقد الهدف الذي ينبغي أن تتعامل معه.

ويؤكد كيسنجر على أن تمييز العدو أسهل من تمييز الصديق، وأن التعامل مع الأول وسيلة لتوضيح طموحات الإستراتيجية والحصول على الدافع الأساسي للتحرك بشكل مكثف في إطار السياسات العالمية [42].

2- حفظ التماسك الداخلي:

وذلك من خلال نوع من التعبئة العامة التي تدعم كيان الدولة الداخلي، وتشد أجزاءه إلى بعضها إزاء خطر خارجي محتمل أو مؤكد، وبذلك يتحقق تجاوز التناقضات الداخلية المهيأة في كل آن للانفجار، لصالح توجيه مسار القوة بما تحمله من تناقضات صراعية نحو ذلك الآخر (العدو).

وطبقًا لميشيل كيلو فإنه لخلق هذا الموقف الموحد لابد من أيديولوجية تعبوية تتسم بقدر من العمومية، يجعلها قابلة للتبني من قطاعات المجتمع الأمريكي المختلفة، سواء من حيث الانتماء الاجتماعي أم من حيث درجة الوعي، هذه الأيديولوجية يمكن تلخيصها بكلمة واحدة هي: أمريكا [43].

ولقد كان للصورة التي صاغتها قوات دول الحلفاء للنازية دور بارز في تماسك الجبهة الداخلية أثناء الحرب العالمية الثانية.

ثم بعد الحرب بدأت صياغات جديدة لتصوير الشيوعية مقابل الرأسمالية [44].

3- تعزيز الأنا ونظامها القيمي:

طرح فرانسيس فوكوياما فكرته حول «نهاية التاريخ» والتي رأى من خلالها أن «الديموقراطية الليبرالية قد تشكّل نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للإنسانية، والصورة النهائية لنظام الحكم البشري» [45].

«ورغم أن فوكوياما لا يؤكد على أن النظام الأمريكي هو النموذج المثالي لفكرته عن الليبرالية الديمقراطية؛ فإنه في الحقيقة يرفض أي نموذج آخر قد يحمل هذا المعنى» [46].

وأصبحت أمريكا تتدخل في الشئون الداخلية لدول العالم تحت مسمى: «حقوق الإنسان»، تلك الحقوق التي داستها في غوانتنامو وأبي غريب.

وتحت مسمى: «نشر الديمقراطية»، وهي التي حمت ورعت الأنظمة الديكتاتورية القمعية التي كانت ترعى مصالحها.

وتحت مسمى: «حماية الأقليات الدينية»، وهي التي تزرع بذور الفتنة بين أبناء الوطن الواحد؛ ففي العراق أثارت النعرات الطائفية بين السنة والشيعة، وفي المقابل تترك شعب الروهينجا فريسة للحكومة البورمية؛ حيث القتل والحرق والتهجير، وشعب الإيغور الذي تحاول الصين أن تسلخه عن دينه بشتى الطرق.

فالنظام القيمي الخاص بالأنا الأمريكية ترتسم ملامحه من خلال مجابهة الآخر ورفضه عبر ثنوية سياسية أخلاقية يحتل فيها الآخر دائمًا رمز الشر؛ فهم لديهم اعتقاد «بوجود اختلافات جوهرية (بيننا) و(بينهم)، مع ربط هذه الاختلافات بتمييز موازٍ بين الخير (نحن) والشر (هم)، وهو ما يؤدي عادة إلى نزع الطابع الإنساني عن الآخر العدو، وبالتالي سيادة النمط العدائي العنيف في التعامل مع الآخر في هذه الحالة» [47].

فـ «العالم الخارجي، العالم غير الأمريكي، الذي يفتقر إلى المعايير والقيم التي توجه سياسة أمريكا، وهذا العدو مسئول عن سائر الآثام والشرور التي أصابت أو ستصيب الإنسانية، وعلى أمريكا تكليف نفسها بالتصدي له.

وبما أن هذا العدو له طابع تجريدي تعميمي مطلق فلابد أن يكون موجودًا في كل مكان، بما في ذلك داخل أمريكا -أيضًا، ولابد أن يكون وجوده خفيًّا، لذلك من غير الجائز اعتباره عدوًّا سياسيًّا فقط، بل يجب النظر إليه كعدو أخلاقي -أيضًا.

في مواجهة هذا العدو -الحاضر داخل أمريكا وخارجها- إذن لا تفيد سوى القوة العارية، ولا مفر من استعمال سائر الوسائل، بما في ذلك المحرمة دوليًّا أو أخلاقيًّا لمواجهته باللغة التي يفهمها، لغة العنف الشامل، المبرر بغايته الأخلاقية السامية» [48].

4- ضغط أصحاب المصالح:

وجود العدو الخارجي (المزعوم) المهدِّد لأمريكا يجعل جيشها دائمًا في حالة استعداد، وهذا الجيش يحتاج للأسلحة الرادعة؛ «لذلك ليس بوسعها خفض ميزانيتها العسكرية، مما يستدعي حشد التأييد الشعبي للإبقاء على جيش قوي على الرغم من الضغوط السياسية الداخلية الداعية إلى تخفيض الإنفاق الدفاعي بهدف تمويل مشاريع أخرى» [49].

فشركات الأسلحة بما لها من نفوذ اقتصادي وإعلامي وسياسي تبقي على حالة الحرب؛ لكي تصرِّف أسلحتها، وتوجِد الأسواق لشراء منتجاتها.

5- ربط العدوّ بالتهديد الدائم:

وذلك من خلال تضخيم صورة العدو؛ لأنه لا وجود لعدوٍّ إلا إذا كان قويًّا، «ويفسر ذلك جزئيًّا تصدّر ما يسمى بـ«الإرهاب العربي (الإسلامي)» قائمة المخاوف المواجهة للمجتمعات المتحضرة، وكذلك التصعيد من خطر بلدان كـ: العراق، وسوريا، وليبيا [50] وغيره على الأمن العالمي.

وكذلك تحوّل قضية الهجرة العربية إلى الخطر الرئيس المهدد للسلم المدني والتوازنات الاقتصادية والاجتماعية والهوية في بعض البلدان الأوروبية» [51].

صناعة العدوّ الداخلي

إن المجتمعات والدول لا تعدِم وجود عدوٍّ من داخل ديارهم يعمل كالسوس بنخره في المجتمع حتى يضعف، ويشيع الفتن ويشعلها، ولا يهنأ إذا عمّ الرخاء والأمن أرجاء بلده، بل يريد به السوء دومًا، ويرتبط دائمًا بأعداء البلد الخارجيين، ويكون معهم يدًا بيد، وإذا وصل للحكم فإنه يكون طرفًا تابعًا ذليلًا للخارج.

ومن أشهر الأعداء الداخليين ما عُرف بين المسلمين بالمنافقين، الذين قال الله -تعالى- فيهم محذرًا نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4].

فهؤلاء لم يتعاونوا مع النبي القائد (محمد ×)، وشقّوا صفوف المسلمين في الحروب وخذلوهم، وأشاعوا قالة السوء في المجتمع بالتعرض للأعراض الطاهرة البريئة… إلخ.

فهذا الخلاف معهم كان خلافًا بين كفر وإيمان، خلاف عقائد وليس خلاف آراء وأفكار وسياسات.

ولكن أن يأتي قائد سياسي فيصِمُ فريقًا يختلف معه سياسيًّا بالإرهاب والتخوين والعمالة وبكل معيبة ومنقصة، فهذا يهدِّد السلم المجتمعي للدولة.

وهذا من باب تحويل العدوِّ الخاصّ إلى عدوّ عام يُهدّد المجتمع أو الدولة، وهو شعار كلّ الذين لا يطيقون المنافسة السياسيّة.

«وهي الطريقة التي اتّبعها وما انفكّ يتّبعها كلّ رجال السياسة الذين أتيح لهم في وقت من الأوقات أن يتحكّموا فرديًّا في مقاليد الأمور» [52].

وهذا ليس جديدًا فـ «شيشرون لم يتورّع أيّام الصراع مع أنطوان عن الخلط بين مفهوم العدوّ الخارجيّ الذي يهدّد روما ومفهوم العدوّ الداخليّ عدوّ المنظومة السياسيّة.

وظهرت العبارة الشيشرونيّة: العدوّ داخل أسوارنا وبين جدراننا» [53].

رصّ صفوف الأمّة

الأمم كالأفراد في صياغة أهدافها وتحقيق غاياتها، فالأمة التي لا هدف لها ولا غاية أمة فاشلة، أما الأمة القوية الفاعلة فهي التي تضع لها أهدافًا تسعى بالتخطيط الجيد المستمر لتحقيقها.

والحاكم الواعي والقائد الرشيد هو الذي يعمل على توحيد شعبه على هدف وغاية نبيلة تضمن لهم الرفاه والاستقرار والأمن.

وهناك طرق يعمل من خلالها الحكام والقادة على توحيد شعوبهم منها:

«أولًا: صناعة حلم وطني أو مشروع قومي: يلتف حوله الجميع فتتوارى الخلافات رويدًا، ويجد الجميع مساحة مشتركة للتفكير، وانتظار المستقبل الأفضل.

وغالبًا ما يكون الهدف من الحلم المشترك هو صناعة دولة قوية، ومجتمع قوي، وإسكات أصوات المعارضة.

ثانيًا: صناعة عدو مشترك: يلتف الناس حول قيادتهم لمحاربة هذا العدو المشترك، فتتوارى الخلافات -أيضًا؛ لأن العدو الخارجي أكثر خطرًا من أية نزاعات بين أبناء الوطن.

وغالبًا ما يكون هدف العدو المشترك هو الإلهاء عن مشكلات داخلية، وتدعيم سلطة حاكم مستبد» [54].

وقد يكون من المقبول أن يوجّه الحاكم قُوى شعبه نحو عدو خارجي حقيقي أو موهوم، لكنه من غير المقبول أن يكون هذا العدو وطنيًّا تختلف معه في الرؤى والأفكار والأيديولوجيات، فيتم تسخير الآلة الإعلامية لشيطنة هذا الفريق، وتأليب الرأي العام عليه عن طريق حملات الكراهية التي تمهّد الوعي الجمعي للشعب لتقبّل ما يحدث لهذا الفريق من ظلم وعسف.

ومن أسوأ ما يقوم به الجانب الإعلامي هي عملية نزع الطابع الإنساني عن العدو، مثل إطلاق أسماء الحيوانات عليه، مثل: خروف أو خنزير أو ما شابه، و«هي وسيلة لإضفاء الشرعية على استخدام العنف ضد الآخر، وتقليل الشعور بالذنب المصاحب لمثل هذا العنف» [55].

هذا إلى جانب صنع الأزمات والتفجيرات التي تحدث تحت عين المخابرات وإلصاقها بهذا الفريق، فيحدث القمع والتنكيل والتشريد تحت عنوان محاربة هذا العدو الذي هو من بني جلدتنا.

أسباب صناعة العدو الداخلي

هناك أسباب كثيرة لذلك، ولكني سأجتهد في ذكر أهم الأسباب من وجهة نظري:

1- تبرير السطو على الحكم

في كثير من البلدان تقع الانقلابات العسكرية، فيرفض فصيل من الشعب ما أقدم عليه بعض قادة العسكر، فيقومون بتوجيه الآلة الإعلامية لإشاعة أن معارضي هذا العمل ليسوا وطنيين، وأنهم خونة، وأنهم بمعارضتهم لا يعملون لمصلحة الوطن! وأنهم يعملون على زعزعة نظام الحكم (الجديد) وتهديد استقرار الوطن… إلخ.

2- الرغبة في الانفراد بالحكم

ما زال البعض يعيش في زمن الحاكم الفرد … الحاكم بأمره… الذي يأمر فيُطاع، وهذه الشخصيات لا تقبل بالشورى أو الديمقراطية، وتسخّر كلّ الطاقات والإمكانات لوقف التداول الحقيقي للسلطة، وتقمع المعارضة، وتوغل في الدماء دون رادع أو خوف، كل ذلك من أجل الاحتفاظ بكرسي الحكم دون منازعة.

ومن يجهر بالمعارضة يُتهم بالعداء للحاكم حسب النظرية الشيشرونية، والحاكم يُمثل الوطن، ومن يعادي الحاكم فهو معادٍ للوطن.

3- تدعيم حكم الأقليات والطوائف

ومن أشهر الأمثلة على ذلك نظام حافظ الأسد وولده بشار (النصيري)، هذا النظام الذي يقوم على تعظيم شأن أصحاب الطائفة (النصيرية / العلوية) واستبعاد أهل السنة من المناصب العليا السياسية والعسكرية، ولا يدخل حظيرة الرضا إلا من يدور في فلك هذا النظام ويقبل بسياساته.

وإن الاحتلال لكي يبقى متحكمًا بمصائر الشعوب بعد مغادرته الظاهرية للبلدان التي احتلها، فإنه يبحث عمن ينوب عنه، ويحل محله، ومن هنا تبرز مسألة الأقليات الدينية أو العرقية، فتتحكم في الأغلبية الدينية أو العرقية بقوة السلاح وبتدعيم الخارج.

ولكي تبقي على وضعها فإنها تصنف المعارضين لسياستها أو غير الراغبين في حكمها؛ لاختلاف الدين أو العِرْق أو المذهب باعتبارهم عدوًّا داخليًّا يزعزع استقرار الوطن، وأنهم أذرع لدوائر خارجية… إلى آخر هذه الكلمات والجمل المحفوظة.

وإذا عدنا إلى النظام النُصَيري البعثي فإنه ما حارب إسرائيل قط رغم احتلال الجولان إلا في حرب العاشر من رمضان، وما زالت الجولان محتلة، ولكنه حارب شعبه مرة في الثمانينيات ودكّ حماة بالمدافع، واليوم يدكّ جميع المدن بالمدافع والصواريخ والبراميل المتفجرة، ويشنّ عليهم حربًا كيماوية بدعوى محاربة الإرهاب والإرهابيين.

فلو أنصف هذا النظام لوجّه سلاحه للمحتل (إسرائيل)، ولكنه يخشى على نفسه من شعبه؛ لذا يصنف معارضيه بالأعداء، ويشنّ عليهم حربًا لا هوادة فيها.

4- الرغبة في المحافظة على المكاسب

هناك بعض الفئات التي ترتبط مصالحها بالأنظمة الحاكمة، فيكون دفاعها عن النظام وتملقها له ليس إلا دفاعًا عن مصالحها ومكاسبها، فتكون لسان حال النظام والحارس الأمين عليه، والسيف المصلت على المعارضة، والبوق المدافع عن كل السياسات والمتهم للآخر المعارض بكل المقابح والعيوب.

فالذي ينادي بالمساواة والعدالة الاجتماعية لا حقّ له في ذلك، ولتأكيد هذا الحرمان لابد من اتهامه بعدائه للوطن؛ حتى لا يمكن له أن يزاحمهم فيما وصلوا إليه.

5- ضيق الأفق السياسي:

الأمم الحية الفاعلة تختلف فيها الآراء وتتنوع، ولكن اختلافها يكون اختلاف إثراء، فالكل يرى المصلحة العليا للوطن فيما يقدمه من حلول وآراء، وليس بالضرورة أن يكون الجميع على صواب، ولكن حسبهم أنهم اجتهدوا للوصول إلى رفعة أوطانهم.

ولكن عندما يضيق أفق السياسيين فإنها ستكون أزمة حقيقية.

فعندما لا تقبل المعارضة السياسية النظام الحاكم على طول الخط، ولا تلتقي معه على أرضية مشتركة من المصلحة، بل وتعمل على عكس المصلحة العامة، فإن ذلك مشاغبة لا جدوى من ورائها إلا تأخير إنجاز المصالح للوطن.

وعندما لا يقبل النظام الحاكم المعارضة الحقيقية، ويصنع معارضة صورية، تُظهر معارضتها نهارًا، وفي الليل تجتمع على موائد الحكام، فهذا نظام ضعيف مهزوز.

وعندما لا يقبل الحاكم المشورة والتقويم والنقد من المعارضة فهذه مجازفة غير محسوبة العواقب.

وعندما تكون لغة العنف والإقصاء والتهميش هي البديل عن لغة الحوار فإن النظام بذلك يؤلب الشعب عليه، مهما حاول تجميل وجهه.

وإذا ضاق الأفق السياسي فإن الخاسر هو الشعب الذي يعاني أشد المعاناة من هذا الصراع.

فإذا لجأ النظام الحاكم إلى جعل الفرقاء السياسيين في مصاف الأعداء فإنه يخسر كرسيه الذي ظنّ أنه يحافظ عليه بما أقدم عليه من شيطنة المعارضة.

6- مواجهة الأزمات الاقتصادية:

نتيجة لعدم التوزيع العادل للثروات، إلى جانب النهب المستمر في الموارد، وعدم الجدّ في التنمية الحقيقية، ونتيجة لفشل السياسات الاقتصادية تلجأ الأنظمة إلى إيجاد مشجب تضع عليه أخطاءها، وليس أفضل من هذا العدو الخفي الذي يعمل على إيقاف عجلة التنمية، والذي لولاه لعمّ الرخاء والأمن ربوع البلاد، ولكي تنعم البلاد لابد -أولًا- من التخلص من هذا العدو الداخلي.

7- الاختلاف مع الآخر في الأيديولوجيا

كما أن هناك ضيق أفق سياسي فهناك ضيق أفق فكري؛ حيث لا يطيق بعض أصحاب الأفكارِ الأفكارَ الأخرى التي لا ترى رأيها.

وللأسف فالإقصاء والتهميش للأفكار المعارضة لا يثري الحياة، فالعلماني لا يقبل الإسلامي، مع أن الوطن يسع الجميع، ولكن ضيق الأفق الفكري يحمل صاحبه على التطرف والجمود، فيحاول التخلص من الآخر بإزاحته معنويًّا بعدم التمكين له أو بعدم إعطائه الفرصة للتعبير عن رأيه، أو حقيقيًّا بالسجن والإبعاد أو حتى بالوصول إلى القتل.

8- متابعة أهواء قوى خارجية

ليس بالضرورة أن يكون النظام الحاكم في بلد ما مرضيًّا عنه من جميع القوى العالمية، لكنه إذا كان مرضيًّا عنه من قِبل الغالبية من الشعب على ما ارتضته الديمقراطيات في جميع بلدان العالم فهذه شهادة له بأنه نال رضا شعبه لفترة معينة حسب ما يقتضيه العقد الاجتماعي (الدستور) في هذا البلد.

أما أن يعمل الفريق الخاسر على إزاحة من وصل إلى سدة الحكم باستعداء الخارج، ومحاولة إسقاطه بدفعٍ من هذه القوى، فهذا يعني أن هذا البلد مخترق، وأن مصالح البلد لم تعد وفق رؤية أبنائه بقدر ما هي وفق رؤية الخارج.

وأن المعارض لهذه القوى الخارجية هو عدو يجب استئصاله، فهذا يعني تصدّعًا خطيرًا في البنية المجتمعية لهذا البلد.

وأخيرًا

لقد أردنا من خلال هذا العرض وتلك المفارقة بين من يصنع عدوًّا خارجيًّا للحفاظ على مجتمعه وتوحيد صفه، ومن يصنع عدوًّا داخليًّا هو الأخ والجار والصديق والزميل ويفجّر مجتمعه ويفخّخه أن نوضح أن الأمن القومي أصيب في مقتل.

فالمجتمع يحتاج إلى جميع أبنائه المخلصين، ولن يستطيع فصيل أو مؤسسة أن تقوم وتنهض بهذا الوطن وحدها.

وقد رأينا الكلفة الباهظة جرّاء هذا الصراع بين أبناء الوطن، إلى جانب فشل الخيارات العنيفة في التعامل مع الآخر (العدو)، وأن الاستمرار في خيار مواجهة الخصم تزيد الوضع اشتعالًا.

فرسول الله × رغم معاناته من المنافقين وشغبهم عليه ومعرفته بنص القرآن أنهم العدو الحقيقي الداخلي لم يُعمل فيهم السيف؛ فقد أخرج البخاري في «صحيحه» أنَّ جَابِرًا t قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ × وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ × فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ». ثُمَّ قَالَ: «مَا شَأْنُهُمْ؟» فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ×: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ».

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ.

فَقَالَ عُمَرُ: أَلاَ نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ الله.

فَقَالَ النَّبِيُّ ×: «لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» [56].

وقال النووي معقبًا: «وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ» [57].

وأي فساد أعظم من سفك الدماء بالآلاف، وسجن الأبرياء المظلومين، وتوقف عجلة الإنتاج، وفشو البطالة، وضعف الأمن… إلخ.

وعلى الجميع أن يتعظ من التاريخ والحاضر القريب؛ فالدولة الأموية -مثلًا- رغم ما قدمته للأمة من فتوحات وانتصارات إلا أن سيفها كان فيه رهق، فقُتِل أعلام الأمة على يد قادتها: الحسين وابن الزبير وسعيد بن جبير y، وكثير من أبناء الأنصار، فكان عمر هذه الدولة قصيرًا، وحدثت فيهم مجزرة على يد العباسيين أتت على كبرائهم وأشرافهم.

ومن الحاضر القريب…. أين علي زين العابدين والقذافي وعبد الله صالح؟

إذن فالحوار والاحتكام إلى الشعب وعدم استخدام القوة في الأمور السياسية وعدم شيطنة الآخر والبحث عن المشترك -وهو كثير… كل ذلك وغيره هو الضمانة لهذه الشعوب حتى تنهض من جديد وتستعيد مجدها.

ولنعلم أن هذا الصراع والخلاف والشقاق المستفيد منه هو العدو الصهيوني المغتصب لأرضنا والمتنمر لنا، الذي يعيش أسعد أيامه بهذا الخلاف، وأن الرصاص الموجّه إلى صدور أبنائنا كان الأولى به أن يوجّه إلى العدو الصهيوني.

فن الحيلة والدهاء

لم يَسُد العربُ الأوائل إلا بإيمان خالط بشاشة قلوبهم، وشجاعة مكنتهم من رقاب أعدائهم، ودهاء واجهوا به أعتى الإمبراطوريات القائمة وقتها.

فإيمانٌ بلا قوة مثل سلاح في غمده، وشجاعةٌ بلا دهاء مثل رَجُل بساق واحدة.

وباكتمالهم جميعًا يفتح صاحبها العالم ويسوسه خير سياسة.

وقد ذكر القرآن الكريم طرفًا من استخدام الحيلة في قصة سيدنا يوسف -عليه السلام- مع إخوته، عندما وضع صواع [58] الملك في رحْل أخيه، وأذّن مؤذن من جنود سيدنا يوسف: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: 70].

ثم يختم ربنا هذا المشهد بقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 76].

قال القرطبي: «وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلًا، خلافًا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل» [59].

وقد استفاد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من احتيال نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب، وقد أفشل الله بكيده وتدبيره مسعى قريش وغطفان ويهود.

فكانت الهزيمة في معركة الأحزاب بالحيلة والدهاء، وليس السيف هو الذي حسم المعركة، بل إن السيف لم يكد يُستخدم فيها.

وقد توافر لدى العرب المسلمين الأوائل مجموعة من الدهاة أسسوا دولة الإسلام.

فعندما حاصر العرب المسلمون دمشق تشاور أهلها فيما يتوجب عليهم فعله تجاه ما ألمّ بهم، فاستهان كبيرهم بالعرب المسلمين فقال: «يا ويلكم، أطمعتم العرب فيكم، وحق رأس الملك ما أرى القوم أهلًا للقتال، ولا هم خاطرون لي على بال، فلو فتح لهم الباب ما جسروا أن يدخلوا» [60].

فراعهم تلك العجرفة من سيدهم، والغفلة التي تلفّه، وكأنه لم ير بلدان الشام وهي تتساقط الواحدة تلو الأخرى، فقالوا له: «أيها السيد، إن أكبرهم وأصغرهم يقاتل العشرة والمائة، وصاحبهم داهية لا تطاق» [61].

وقال الشعبي: «القضاة أربعة: أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى.

والدهاة أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد.

وقال الزهري: الدهاة خمسة: معاوية وعمرو والمغيرة، واثنان مع علي وهما: قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقاء» [62].

وقد فصّل الشعبي ذلك بقوله: «فأما معاوية بن أبي سفيان فللأناة والحلم، وأما عمرو بن العاص فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة [63]، وأما زياد فللصغير والكبير، وكان قيس بن سعد بن عبادة من الدهاة المشهورين، وكان أعظمهم كرمًا وفضلًا» [64].

ولو تعرفنا على بعضهم من خلال سيرتهم لرأينا عجبًا؛ فالمؤرخون -مثلًا- يصفون أمير المؤمنين معاوية بأنه «من أدهى الدهاة» [65]، و«كان حليمًا حازمًا، عالمًا بسياسة الملك، وكان حلمه قاهرًا لغضبه، وجوده غالبًا على منعه، يصل ولا يقطع» [66].

وقيل: إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لجلسائه: «تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية؟» [67].

أما المغيرة بن شعبة فإنه «كان داهية من دهاة العرب» [68]، «وكان يقال له: مغيرة الرأي، وكان لا يشتجر في صدره أمران إلا وجد في أحدهما مخرجًا» [69].

وقد وصف قبيصة بن جابر طريقة تفكيره فقال: «صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها» [70].

وأما عمرو بن العاص فقد «كان داهية العرب رأيًا وحزمًا وعقلًا ولسانًا» [71].

و«كان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد» [72].

والدهاء ليس قرين العلم والفقه والقضاء، فقد يجتمع معهم، وقد لا يجتمع.

وقد كان أبو موسى الأشعري من أقضى القضاة، لكنه لم يكن في دهاء عمرو بن العاص، فقد قال عنه ابن عباس لأبي موسى الأشعري عند التحكيم: «إنك قد رميت بحجر الأرض [73] وداهية العرب» [74].

ولك أن تتصور دولة فيها أمثال هؤلاء، وكلهم مجتمعون تحت راية واحدة، كيف يكون حال هذه الدولة؟!

وقد تحقق ذلك لمعاوية بن أبي سفيان الذي كان معه ويعاونه عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وهم من هم من دهاة العرب.

وبنظرة عجلى على الحركات الإسلامية، وفي محاولة لتقييمها نرى أنها لا ينقصها الإيمان أو الشجاعة، وإنما ينقصها الدهاء والحيلة.

فالغالب عليهم أنهم يرون الأمور إما أبيض أو أسود، إما معي أو عليّ، ويغفلون أن بين الأبيض والأسود درجات كثيرة من الألوان والأطياف، وبين من معي ومن علي درجات كثيرة من الناس.

وفي الحركات الإسلامية قد نصف بعض أبنائها بالذكاء أو الاجتهاد أو العلم أو الفقه، لكن لم أقف على من وُصف منهم بالدهاء.

ولا زال عملهم السياسي في طوره الأولي البدائي، رغم طول عملهم بالسياسة، واشتغالهم بالعمل العام.

ولا زال ساسة الحركات الإسلامية يمكن معرفة طريقة تفكيرهم، وردّات أفعالهم، بل واستدراجهم للمكان الذي يريدهم فيه خصمهم.

وساسة الحركات الإسلامية هواة، ينقصهم كثير من النضج الفكري والمعرفي.

وهم يحتاجون إلى تعلم فن الحيلة والدهاء، وممارسته عمليًّا، وإذا تحقق ذلك فيهم لا شك أنهم بذلك سيكونون قد وضعوا أقدامهم على أول الطريق الصحيح.

العلاقة بين الأخلاق والعمل الثوري

لا يمكن للإنسان أن يعيش منفردًا في هذه الحياة الدنيا، بل لا بد له من الاجتماع -فالإنسان كما قيل: مدني بطبعه [75]– رغم ما ينشأ عن هذا الاجتماع من اختلاف بين الآراء والتوجهات.

وإذا كان هذا الاجتماع ضروريًّا ولا غنىً للإنسان عنه، فلا بد من عقدٍ اجتماعي يحفظ الحقوق، وتُؤدَّى من خلاله الواجبات.

فإذا لم يوجد عقدٌ اجتماعي لصار الناس فوضى، يعيشون عيش الوحوش في البرّيّة، يفترس الكبير الصغير، ويأكل القوي الضعيف.

لذا يحتاج المجتمع الإنساني إلى من يسوسهم، ويرعى مصالحهم، ويحمي ضعيفهم، ويردع المعتدي عليهم.

لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَراة لَهُمْ … ولا سراة إذا جُهّالهم سادوا

هؤلاء هم الطليعة الذين يقومون على شؤون الناس، وينظرون في حوائجهم، ويلبون طموحاتهم وتطلعاتهم.

يقول الإمام الرازي: «الإنسان مدني بالطبع، وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات، ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات، وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل.

فثبت أنه لا ينتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس.

ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس إن كان حكمه على وفق هواه ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق؛ فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه، ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه.

وذلك يفضي إلى تخريب العالم، ووقوع الهرج والمرج في الخلق، وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك.

أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحق الإلهية انتظمت مصالح العالم، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه» [76].

وقد انغرست في فطرة الخلق حب الأخلاق الحميدة، والنفرة من الأخلاق الذميمة.

حب الأخلاق الحميدة من: صدق ومروءة وشهامة وعدل وإنصاف وشجاعة وعفة… إلخ، وإن لم يتحلَّ بها الإنسان.

وبُغض الأخلاق الذميمة من: كذب وخيانة وغدر وظلم … إلخ، وإن وقع فيها الإنسان.

والمجتمعات لا تهدأ فيها الصراعات أبدًا، فمنذ وطئت قدما آدم الأرض، وهناك صراعات وتحزّبات.

قد تكون هذه الصراعات مكتومة وخفية، أو واضحة وجلية.

وقد تكون الصراعات على شكل مشاحنات ومماحكات بسيطة، وقد تصل إلى الحروب وإراقة الدماء وانتهاك الحرمات.

وتكون الأيام دولًا بين الأفكار والسياسات والأخلاقيات، فتارة تظهر فئة على أخرى، وتستقوي فئة على أخرى.

وتمر الأيام فيصبح القوي ضعيفًا والضعيف قويًّا، وتتبدل الأحوال والظروف.

ومن يمتلك القوة يمتلك القرار وفرضه على الجميع، سواء أكان جيدًا أم سيئًا.

ولكن هناك فئات قد تعترض على هذه القرارات.

وقد يكون الاعتراض على السياسات أو الأفكار.

والحكام والشعوب لا تبقى على حال واحدة.

فقد يرضى الشعب على حاكم ثم يسوء حال الحاكم فيمقته شعبه ويتغير عليه.

وقد يكون حال الحاكم مرضيًّا؛ لكن لا يرضى بهذه الحال البعض فيُثيرون الناس، فتحدث الفتن.

ومن هذا المدخل نريد أن نقف على العلاقة بين الأخلاق والسياسة والعمل الثوري.

وهل السياسية لا أخلاق فيها؟

ولا بد للوقوف على تعريف المصطلحات حتى تنضبط الأفكار والرؤى.

1 – السياسة:

السياسة لغة: مصدر ساس يسوس سياسة، من ساس الفَرس: إذا قام على أمرها من العَلَف والسقي والترويض والرعاية.

واصطلاحًا: تعرِّفها موسوعة العلوم السياسية الصادرة عن جامعة الكويت -نقلًا عن معجم (روبير Robert) – بأنها: فن إدارة المجتمعات الإنسانية.

فهي الإجراءات والطرق المعتمدة لاتخاذ قرارات في شأن المجموعات والمجتمعات البشرية.

ومع أن هذه الكلمة ترتبط بسياسات الدول وأمور الحكومات، فإن كلمة سياسة قد تستخدم -أيضًا- للدلالة على تسيير أمور أي جماعة وقيادتها، ومعرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة، والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد، بما فيها التجمعات الدينية والأكاديميات والمنظمات الحزبية والنقابية وغيرها.

كما تعرف السياسة -أيضًا: بكيفية توزيع القوة والنفوذ وفنون إدارة شؤون المدينة حسب الشروط التاريخية ونمط الإنتاج الاجتماعي، ووفقًا لنظام حكم معين [77].

2- الأخلاق

الأخلاق في اللغة تطلق على معانٍ هي:

الدين، والطبع، والسجية والمروءة، مأخوذة من الخلْق، وهو التقدير [78].

وفي الاصطلاح:

حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروية [79].

وعرّفها ابن مسكويه بأنها: حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية.

وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبعيًّا من أصل المزاج، كـ: الإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب.

ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أولًا فأولًا حتى يصير ملكة وخُلقًا [80].

وعليه فالأخلاق هي مجموعة القيم والمثل الموجّهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أنه خير، وتجنّب ما ينظر إليه على أنه شر.

وتنبني بشكل أساس على الضمير؛ إذ لا تحتاج إلى إلزام خارجي.

3- تعريف الثّورة

وقد سبق التعريف بها.

ومما سبق،

نرى حاجة الإنسان للسياسة والأخلاق لضبط إيقاع الحياة، فالأخلاق جزء لا يتجزأ من الرؤية الذاتية للإنسان، والتي من خلالها ينطلق في الحياة، وينظر من خلالها للآخرين.

فالأخلاق تشكل قيدًا على حرية العمل السياسي غير المنضبط أو المنفلت؛ لذا يسعى الساسة غالبًا إلى التحرر منها.

وذلك بدعوى أن الأخلاق مثالية، والسياسة واقعية.

فيعملون على الفصل بين ما هو سياسي وما هو أخلاقي، وهذا يؤدي إلى تقويض أركان المجتمع الإنساني، وكما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي -رحمه الله: (إذا كان العلم دون ضمير خراب الروح، فإن السياسة بلا أخلاق خراب الأمة) [81].

ومن خلال رغبة الساسة في التحلل من الأخلاق يشيعون بين الناس أن السياسة شرٌّ ونجاسة، وأنها لا تصلح للأطهار الصالحين، وإنما يتمكن منها الدهاة الماكرون المراوغون، فيجعلون الكذب أجدى من الصدق، والنفاق أجدى من الصراحة.

فسادَ الاعتقادُ لدى فئات واسعة من المجتمع -لكثرة ما تم الترويج له عن قصد أو عن جهل- بأن التعاطي مع الشأن السياسي عمومًا والاشتغال به من أي مستوى كان، يستوجب بالضرورة التخلي عن التقيد بالقيم الأخلاقية للمجتمع، وبالتالي فإن الحصول على صفة المناضل السياسي، أو الفاعل السياسي، يخوّله اللجوء إلى أساليب يختص بها دون غيره من المواطنين، وتجعله -بحكم ضرورات الاشتغال بالسياسة- في حلٍّ من كل الضوابط والقواعد والقيم المتوافق عليها داخل النسق القيمي والاجتماعي الذي ينتمي إليه [82].

وقد وجد الساسة مبتغاهم لذلك بفلسفة ميكيافيللي، والتي صاغها تحت عنوان: الغاية تبرر الوسيلة.

فالهدف الوصول للمأرب، بوسيلة مشروعة أو غير مشروعة لا يهم، المهم الوصول للهدف.

وقامت إمبراطوريات وممالك على هذه القاعدة.

وعليه فقد أصبح الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها خدمة لمصالح فئة أو جماعة سياسية على حساب جموع الناس ورغمًا عنهم، يقتضي استعمال ما يلزم من قهر واستبداد لفرض نظام سياسي من علٍ، يروّج له على أنه الخير العام.

وتعاد من منظور أخلاقي صياغة التسميات والتوصيفات ليصبح كل معارض لهذا النظام أو مناهض لمصالح سادته، شرًّا مطلقًا لا يستحق الوجود أو حتى الحياة.

ليقلب الاستبداد كل المثل الخيرة والقيم الإنسانية؛ كي يديم امتيازاته، ويحمي مكاسبه، فيعمم أخلاق الخنوع والذل والدجل والوشاية.

الأمر الذي نبه إليه الكواكبي قبل أكثر من مائة عام في نص لا يزال يحتفظ بحيويته ودفئه حتى اللحظة الراهنة: (إن الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها.

هو يقلب القيم الأخلاقية رأسًا على عقب؛ ليغدو طالب الحق فاجرًا، وتارك حقّه مطيعًا، والمشتكي المتظلم مفسدًا، والنبيه المدقق ملحدًا، والخامل المسكين صالحًا أمينًا.

وتصبح تسمية النصح فضولًا، والغيرة عداوة، والشهامة عتوًّا، والحمية حماقة، والرحمة مرضًا.

وأيضًا يغدو النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لطفًا، والنذالة دماثة.

وأنه -أي: الاستبداد- يرغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح) [83].

لذلك تأتي الثورات لتطيح بهذه الأصنام والطواغيت المتسلطة على أقوامها، والتي تذيقهم كأس الذل والخنوع ألوانًا.

لكن يبقى الصراع محتدمًا؛ فالطغاة يتشبثون بكراسيهم ولا يرحلون في هدوء وسكينة، بل يثيرون الفتن والفوضى، حتى كان شعارهم: أنا أو الفوضى.

وأين هذا من قول محمد بن مسلمة لعمر حين سأله فقال: يا محمد، كيف تراني؟

قال: أراك كما أحب، وكما يحب من يحب لك الخير، قويًّا على جمع المال، عفيفًا عنه، عدلًا في قسمه، ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف.

فقال عمر: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني [84].

وفي النهاية لابد أن تنتصر الأخلاق، ولكن عليها أن تمتلك أسباب القوة، فالصراع عنيف، ولا مكان فيه للضعفاء، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.

والثائرون على الظلم والفساد عليهم أن يتحلوا بطول النفس، والصبر والجلد، واتخاذ أسباب النصر والتمكين.

ولا يتخذون نفس المنهج الفاسد الذي ثاروا عليه، وإلا لما تغيرت الأحوال.

فالثورة الحقيقية هي ثورة على فساد السياسة والأخلاق.

المبادرة في العمل الثوري

تمرّ الحالة الثورية في مصر بمنعطف خطير؛ حيث تعمل آلة القمع الباطشة دون توانٍ في تجفيف منابع الثورة. تساندها آلة إعلامية جبارة سخّرت كل إمكاناتها في تغييب وعي الشعب، والعمل على شيطنة الثورة، وأنها فوضى تهدم الدولة، وأنها تابعة لأعداء خارجيين متربصين بهذا البلد. هذا الجو المشحون أهدر كرامة ودم من يقف في وجه الاستبداد طالبًا الكرامة والحرية. وجعل أبناء الشعب وأطيافه بأسهم بينهم شديدًا؛ فالجار يبلِّغ عن جاره الذي لم يفعل فيه سوءًا، والصديق يفارق صديقه، والأقارب تتباعد. هذا الجو العام والسياق الذي تحياه مصر يضاعف من الأعباء الملقاة على كواهل طالبي التغيير. فهذا التدافع بين من يقبل بالثورة ويؤمن بها وبين من يرفضها سنة كونية ماضية لازمة لم تتخلف قط على مر العصور والأزمان.

الكل يحاول إثبات وجهة نظره، والعمل على تثبيت أركانها، ولأجل ذلك قد يسعى البعض لإثبات وجهة نظره بأية طريقة مشروعة أو غير مشروعة. وهؤلاء هم من لا مبادئ لهم ولا قيمًا حاكمة. وهناك من يسلك الطرق المشروعة؛ لأنه صاحب هدف نبيل وغاية شريفة سامية.

الأنبياء ثوّار

والناظر لتاريخ الأنبياء يرى أنهم كانوا ثورًا على عادات بالية وأخلاق فاسدة وتشريعات ما أنزل الله بها من سلطان.

أراد الأنبياء -بوحي من الله- أن يصلحوا مجتمعاتهم من الآفات التي عصفت بها، وأن يعيدوا الكرامة الإنسانية لأقوامهم بعد أن داسها الكبراء والسادة الذين أكلوا حقوقهم.

هؤلاء السادة بحثوا عن ملذاتهم وشهواتهم، وملؤوا جيوبهم وخزائنهم بالأموال من حلٍّ وحرمة، وبخلوا بها على عباد الله.

هؤلاء السادة بحثوا عن الديانات التي تمكّن لهم، وتحافظ على مكاسبهم وامتيازاتهم.

أحاطوا الكهنة والسدنة بالرعاية والعطاء، هؤلاء السدنة الذين كانوا في معيتهم ويعملون على تأكيد سيادتهم وعدم الخروج عليهم، أو المطالبة ببعض الحقوق لعبيدهم أو المستضعفين من أقوامهم.

لذلك تحالف السدنة والسادة ضد من دعا إلى تغيير هذا الوضع والثورة عليه.

فقام الأنبياء بدور الثوار وتدرجوا مع أقوامهم فدعوهم للتغيير والثورة على ما ورثوه ودرجوا عليه، فآمن بالتغيير بعضهم، ورفضه الباقون.

ثم كانت الصراعات بينهما.

يغلب الفريق الذي ارتبط بمصالحه وسطوته حينًا، وعمل طوال الوقت بإعلامه وأمواله ضد التمدد الذي يحدثه الفريق الجديد الثائر على الموروثات البالية والأخلاق الفاسدة والسلطة الغاشمة.

لكن الصبر والإعداد والعناية الإلهية المصاحبة للمؤمنين بالتغيير كانت من أكبر عناصر النصر.

المبادرة

وكانت المبادرة خصيصة لازمة للأنبياء وأتباعهم.

فقد كان يمكن أن يقول الأنبياء عند نزول الوحي عليهم:

– كيف لي أن أجابه هؤلاء الأقوام؟

– كيف لي -وأنا وحدي- أن أغير هذا العالم؟

– هل سيستمع قومي إليّ؟

– هل يمكن أن يقتلوني؟

هذه الأسئلة وغيرها قد تقعد بصاحبها عن العمل، ولكننا وجدنا غير ذلك.

وجدنا أن الإيمان صنع المعجزات.

الإيمان بالله.

الإيمان بالقدرة على إحداث التغيير المطلوب.

الإيمان بالأتباع الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل معتقدهم.

الأتباع على طريق الأنبياء

رأى الأتباع ما قام به أنبياؤهم من فاعلية وذاتية وإيجابية في الحركة لنشر دين الله في الأرض، وما يستلزمه من إعادة الكرامة الإنسانية، والتحرر من كل شيء إلا العبودية لله، فساروا على طريقهم من الأخذ بزمام المبادرة.

مبادرة الطفيل بن عمرو الدوسي

هذا السيد المطاع في قومه ذهب إلى الحج بمكة، فقابله أهلها وألقوا عليه كذبهم وافتراءهم على النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ودينه وأتباعه، وما زالوا به حتى وضع في أذنه قطنًا؛ كي لا يسمع حديث النبي له الذي كان يستقبل الوفود بموسم الحج.

ولكن يأبى الله إلا أن يذهب هو بقدمه إلى النبي ويسمع منه بعض كلامه، فيرى أنه خير كلام، ثم قال: «يا محمد! إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأخبرته بما قالوا، وقد أبى الله إلا أن أسمعني منك ما تقول، وقد وقع في نفسي أنه حق، فاعرض علي دينك، فعرض علي الإسلام فأسلمت.

ثم قلت: إني أرجع إلى دوس، وأنا فيهم مطاع، وأدعوهم إلى الإسلام لعل الله أن يهديهم، فادع الله أن يجعل لي آية» [85].

فعندما دخل الإيمان قلب الطفيل لم يبخل بالهداية على قومه، فأحب لهم الخير كما أحبه لنفسه، ولم ينتظر توجيهًا من النبي له بالذهاب إلى قومه ودعوتهم، بل فعل ذلك بمبادرة منه، وبدافع ذاتي، وقد أبوا عليه الطاعة والإيمان، فما زال بهم سنين طويلة حتى أتى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بعد الخندق بثمانين بيتًا من دوس.

وبعد فتح مكة طلب من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يبعثه إلى ذي الكفين، وهو صنم عمرو بن حممة، حتى يحرقه.

فقال له -صلى الله عليه وآله وسلم: «أجل، فاخرج إليه» [86].

فالمبادرة عنده لم تكن وليدة موقف، ولكنها منهج حياة.

مبادرة الحباب بن المنذر

أذاقت قريش المسلمين العذاب ألوانًا، وها هم المسلمون قد انحازوا إلى بلد ينصرهم كي يقيموا دولتهم، فينحاز إليهم كل مسلم.

لكن قريش رأت في ذلك تهديدًا مباشرًا لهم ولتجارتهم، وعندما أراد المسلمون أن يستعيدوا بعضًا من حقوقهم بمهاجمة قافلة تجارية لقريش فرّ أبو سفيان ونجا بأموال قريش.

لكن قريشًا رأت في ذلك إعلانًا للحرب عليهم، فأرادت تأديب المسلمين، وأتت بخيلها ورجْلِها إلى المدينة، فكان اللقاء الأول، فجمع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أصحابه كي يستشيرهم في المنزل الذي نزلوه. فقال الحباب بن المنذر: «يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.

قال: فإن هذا ليس بمنزل. انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم؛ فإني عالم بها وبقُلُبها [87]، بها قُليب قد عرفت عذوبة مائه وماء كثير لا ينزح، ثم نبني عليها حوضًا ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل، ونغوِّر ما سواها من القُلُب.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: يا حباب أشرت بالرأي.

فنهض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ففعل كل ذلك» [88].

كان يمكن للحباب أن يهوّن من رأيه؛ إذ كيف يتكلم في حضور الكبار، ولكنه لم يفعل، وأشار على الرسول برأي كان من أسباب النصر للمسلمين والهزيمة المنكرة لقريش.

مبادرة سلمان الفارسي

كانت الحروب سجالًا بين المؤمنين والمشركين، مرة للمسلمين ومرة عليهم، حتى كانت غزوة الأحزاب التي رمى العربُ المسلمين فيها عن قوس واحدة، وقد كان رسول الله يُكثر مشاورة أصحابه في الحرب، فقال: «أنبرز لهم من المدينة، أم نكون فيها ونخندقها علينا، أم نكون قريبًا ونجعل ظهورنا إلى هذا الجبل؟

فاختلفوا، فقالت طائفة: نكون مما يلي بُعاث إلى ثنية الوداع إلى الجرف.

فقال قائل: ندع المدينة خلوفًا [89]!

فقال سلمان: يا رسول الله، إنا إذ كنّا بأرض فارس وتخوفنا الخيل خندقنا علينا، فهل لك -يا رسول الله- أن نخندق؟

فأعجب رأي سلمان المسلمين، وذكروا حين دعاهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يوم أحد أن يقيموا ولا يخرجوا، فكره المسلمون الخروج وأحبوا الثبات في المدينة» [90].

هذا الرأي الألمعي من سلمان كسر قريشًا وهجومها الكاسح على المدينة، وأبطل ما كانوا يخططون له من استئصال شأفة المسلمين.

مبادرة أبي بصير

كان من بنود المعاهدة الموقعة بين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقريش في الحديبية أن يردّ إليهم من قدم إليه من المسلمين.

في ظاهرها السوء، وانتصار لإرادة قريش على إرادة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، لكنها أصبحت بعد ذلك وبالًا على قريش، حتى سعوا في إلغائها.

والسبب في ذلك مبادرة أبي بصير لتحرير نفسه مما حلّ به، وألا يحمّل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مشكلته، ورأى أنه يسعه ما لا يسع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم.

وكما قيل: يسع الأفراد ما لا يسع الجماعات، ويسع المعارضة ما لا يسعها وهي في سدة الحكم.

وكان أبو بصير من ثقيف فأتى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مسلمًا مهاجرًا، فبعثوا من يطلبه من رسول الله، فدفعه إليهم.

كيف يسلّم الرسول مسلمًا للمشركين كي يفتنوه في دينه؟

إنها قاصمة الظهور، ولكن المعاهدات ملزمة، والمصلحة العامة تقتضي المحافظة على الهدنة.

فاحتال أبو بصير حتى تمكن من تحرير نفسه، فقال عنه رسول الله: «ويل أمه مِسْعر حرب، لو كان معه أحد»، «فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حيث قدموا فلم يكن طلبهم أحد ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير، حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سِيف البحر لا يمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها.

وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، وكرهوا أن يقدُموا على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهري قومهم، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش، فقطعوا به ماداتهم من طريق الشام.

وكان أبو بصير -زعموا وهو في مكانه ذلك- يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم.

واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار، وأسلم، وجهينة، وطوائف من الناس، حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، وهم مسلمون.

فأرسلت قريش إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا سفيان بن حرب يسألون ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير، وأبي جندل بن سهيل، ومن معه فقدموا عليه، وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه؛ فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابًا لا يصلح إقراره.

وكتب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مرّ بهم من قريش وعيرانها» [91].

فانظر إلى أبي بصير كيف لم يستسلم للأسْر، ولم يرض أن يُحمّل الرسول مشكلته، فاختار حلًا لا يُحرج النبي، وأخذ في النكاية بقريش حتى ضجّوا واستغاثوا، فكان فعل أبي بصير في صالح المسلمين. وكانت مبادرته للخلاص من الأسْر سببًا في الرجوع عن بعض البنود مع الإبقاء على المعاهدة قائمة. وبدلًا من أن تذل قريش أنوف المسلمين ببعض البنود كانت هذه البنود -بسبب أبي بصير وإخوانه- هي التي أرغمت أنوفهم.

وأخيرًا

إن على القادة أن تستمع لكلام الأتباع، وأن تشركهم في القضايا المصيرية، فربّ رأي غاب عن القيادة كان يجول في رءوس بعض الأتباع يكون به النصر الكبير. وعلى الأتباع أن يبحثوا عن المخارج إذا وجدوا أن القيادات مكبلة ببعض المعيقات. وفي هذه الآونة تحتاج الثورة إلى العمل المبدع والذاتي؛ وألا يستقلّ أحدٌ رأيَه وعملَه.


الهامش

[1] انظر: كرين برينتن: تشريح الثورة، ص (23).

[2] موقع ويكيبيديا.

[3] مروة تهامي: المشاركة السياسية للمرأة في ثورتي مصر وليبيا 2011 دراسة أنثروبولوجية ميدانية مقارنة، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، 2013، ص (7).

[4] موقع ويكيبيديا.

[5] نصير عاروري: استشراف لمآلات الثورات العربية، موقع الجزيرة.

[6] الأصنام، ص (6).

[7] جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في «بدء الوحي»، ح(3) من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها.

[8] جزء من حديث أخرجه أحمد في «مسنده»، ح(18930) عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وقد حسّن إسناده شعيب الأرنؤوط في تعليقه على «المسند».

[9] جزء من حديث أخرجه البخاري في «الجهاد»، باب: «الْحِرَاسَةِ فِي الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، ح(2887) عن أبي هريرة t.

[10] أخرجه البخاري في «الرقاق»، باب: «قَوْلِ النَّبِيِّ ×: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)»، ح(6416) عن ابن عمر -رضي الله عنهما.

[11] جزء من حديث قدسي طويل أخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب»، باب: «تَحْرِيمِ الظُّلْمِ»، ح(2577) عن أبي ذر t، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى عن الله -تبارك وتعالى.

[12] الظلال، (3/1433) باختصار.

[13] د. مشيرة العشري: الطبقة الوسطى من مرحلة الازدهار إلى سياسات الإفقار، مصر العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2014م، ص (61، 65).

[14] مقال: الطبقة الوسطى والتحولات في الدول العربية، لإبراهيم سيف، موقع مركز كارنيجي للشرق الأوسط.

[15] الطبقة الوسطى من مرحلة الازدهار إلى سياسات الإفقار، ص (61، 137).

[16] الطبقة الوسطى والتحولات في الدول العربية، لإبراهيم سيف.

[17] انظر: مقالة: هموم الطبقة الوسطى لمحمد شومان، موقع اليوم السابع.

[18] الطبقة الوسطى من مرحلة الازدهار إلى سياسات الإفقار، ص (143).

[19] سعد الشهراني: مؤسسات الأمن الوطني في المملكة العربية السعودية، ورقة مقدمة لمؤتمر المئوية، 1419هـ، ص (30).

[20] وردت بالنص: «صالحها».

[21] عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (7/262).

[22] علي الدين هلال: الأمن القومي العربي، مجلة شئون عربية، العدد (35)، يناير 1984م، ص (12).

[23] محمد طلعت غنيمي: بعض الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 1974م، ص (122).

[24] أحمد فؤاد رسلان: الأمن القومي المصري، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989م، ص (15).

[25] محمد عبد الكريم نافع: الأمن القومي، مطبوعات الشعب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1975م، ص (65).

[26] موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

[27] نجوى طنطاوي: صناعة العدو.. وحصاد الكراهية، موقع: مصر العربية.

[28] موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

[29] السابق.

[30] د خالد المعيني: أهمية صناعة عدو في البقاء والاستمرار، مجلة ثقافتنا (مجلة فكرية ثقافية سياسية تصدر كلّ شهر).

[31] فيلسوف ألماني شهير [1770-1831م]، أثّر في الفكر الغربي تأثيرًا شديدًا، ومن أشهر تلامذته كارل ماركس.

[32] ول ديورانت: قصة الحضارة، عصر نابليون، الكتاب الرابع، ص (14735).

[33] السابق.

[34] د خالد المعيني: أهمية صناعة عدو في البقاء والاستمرار.

[35] «هو المؤسس الحقيقي للوجودية، والموضوع الرئيسي الذي تدور حوله كل فلسفته هو الوجود، ومهمة الفيلسوف في نظره هي إيضاح معنى الوجود» [موسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوي، (2/599)].

[36] محمد مزوغي: التخلص من هايدغر، مجلة النهج، العدد (36) لسنة 2004، ص (97).

[37] سعد سلوم: العقل الأمريكي (تخييل القوة)، مجلة النبأ، العدد (77)، ربيع الثاني/ حزيران، 2004م… شبكة النبأ المعلوماتية.

[38] آدم فتحي: صناعة الأعداء، نشر في الشروق يوم 11/10/2012م، تورس محرك بحث إخباري.

[39] في هذه النقطة بالذات أفدنا كثيرًا من مقالة: العقل الأمريكي (تخييل القوة) لسعد سلوم.

[40] د خالد المعيني: أهمية صناعة عدو في البقاء والاستمرار.

[41] موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

[42] هنري كيسنجر: العقيدة الإستراتيجية الأمريكية ودبلوماسية الولايات المتحدة، ترجمة: حازم طالب مشتاق، دار واسط، بغداد، 1987م، ص (25).

[43] العرب في عالم أحادي القطب، ص (127).

[44] انظر: موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

[45] فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر، ص (8).

[46] توما شماني مقالة بعنوان: نهاية التاريخ والإنسان الأخير.

[47] موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

[48] العرب في عالم أحادي القطبية، ص (125-126).

[49] د خالد المعيني: أهمية صناعة عدو في البقاء والاستمرار.

[50] ذلك طبعًا قبل تدمير العراق، وإسقاط القذافي، وسوريا الآن تلعب دورًا عظيمًا في حماية إسرائيل بمحاربة بشار لشعبه وقصفه بالكيماوي وتهجيره إلى الشتات.

[51] موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

[52] آدم فتحي: صناعة الأعداء.

[53] السابق.

[54] الصفحة العامة على الفيس بوك لـ د. سامح العطوي.

[55] موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

[56] أخرجه البخاري في «المناقب»، باب: «مَا يُنْهَى مِنْ دَعْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ»، ح(3518) وموضعين آخرين.

[57] شرح النووي على مسلم، (16/139).

[58] «الإناء الذي كان يشرب فيه» [تفسير الطبري، (16/173)].

[59] تفسير القرطبي، (9/236).

[60] فتوح الشام للواقدي، (1/64).

[61] السابق، نفس الصفحة.

[62] السيرة النبوية لابن كثير، (4/665).

[63] «والمُبادَهَةُ: المُباغَتَةُ» [تاج العروس، (36/337)].

[64] أسد الغابة، (5/261).

[65] الفخري في الآداب السلطانية، ص (111).

[66] المختصر في أخبار البشر، (1/188).

[67] تاريخ الطبري، (4/244).

[68] السيرة النبوية لابن كثير، (4/665).

[69] تاريخ دمشق، (60/15).

[70] السابق، (60/50).

[71] تاريخ اليعقوبي، (2/130).

[72] سير أعلام النبلاء، (3/57).

[73] «قولهم: رمي فلان بحجره، معناه: رمي بقرنه الذي يقاومه» [جمهرة الأمثال، (1/480-481)].

[74] البدء والتاريخ، (5/227).

[75] انظر: عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار ابن خلدون، الإسكندرية، ص (30).

[76] فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي: مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ – 2000م، (26/174).

[77] عبد الحكيم قرمان: جدلية الأخلاق والسياسة، حوار العقل… أم عقال الفكر خلف السجال، موقع هسبريس.

[78] انظر: لسان العرب، لابن منظور، (10/86)، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، (3/229).

[79] المعجم الوسيط، (1/252).

[80] تهذيب الأخلاق، ص (41) باختصار.

[81] د. سامر مؤيد: البعد الأخلاقي للسياسة: ضرورة أم وهم؟ موقع مركز الفرات.

[82] جدلية الأخلاق والسياسة، موقع هسبريس.

[83] أكرم البني: جدل العلاقة بين الأخلاق والسياسة، موقع الجزيرة نت، وطبائع الاستبداد، ص (95، 100).

[84] سير أعلام النبلاء، (2/372).

[85] سير أعلام النبلاء، (1/345).

[86] السابق، (1/346).

[87] أي: آبارها.

[88] مغازي الواقدي، (1/53-54).

[89] أي: ليس بها أحد. [انظر: الصحاح، مادة (خلف)].

[90] مغازي الواقدي، (2/445).

[91] دلائل النبوة، (4/172-175) باختصار.

احتجاجات وضع الحدود في مصر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close