fbpx
تقديرات

بين غزة ومصر: دلالات المنطقة الحرة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

منذ شهر أكتوبر 2016م، فتحت السلطات المصرية معبر رفح الحدودي لفترات أطول من المعتاد، فبعد أن كان يُفتح المعبر من يومين إلى ثلاثة أيام في كل ثلاث شهور للمسافرين، بدأت السلطات في فتح المعبر مؤخرا بمعدل خمسة أيام في الشهر، وبالتالي سمحت لعدد أكبر من سكان غزة عبور الحدود. والآن تنظر في سلسلة من المبادرات الاقتصادية من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية في كل من غزة الخاضعة لسيطرة حماس، وشبه جزيرة سيناء المجاورة. وذلك من خلال إقامة الفكرة القديمة الجديدة “المنطقة التجارية الحرة”؛ بين مصر وقطاع غزة، مما يمكن التجار في غزة من شراء المنتجات المصرية مباشرة. وتعد هذه الخطوة بمثابة رفع جزئي للحصار المصري، المفروض على غزة.

 

أولاً: أصول الفكرة

تعود فكرة إقامة منطقة تجارية حرة بين مصر وقطاع غزة إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وتجددت مرة أخري على يد رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق إسماعيل هنية، والذي تقدم بطلب إقامة منطقة تجارية حرة بين مصر وغزة؛ من الحكومة المصرية في عهد الرئيس محمد مرسي. إلا أن رئيس الوزراء المصري الأسبق هشام قنديل أبلغ رئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة إسماعيل هنية برفض الحكومة المصرية المقترح المقدم. لأنها ستساهم في أن يكون قطاع غزة كياناً مستقلاً عن باقي الأراضي الفلسطينية. إضافة إلى خشية مصر من استغلال “الكيان الصهيوني” لمنطقة التجارة الحرة الهادفة لحل مشاكل غزة الاقتصادية لإلحاق القطاع، المستقل اقتصادياً من خلال منطقة التجارة الحرة، بمصر وحل مشكلته الديمغرافية على حساب الأراضي المصرية ليستوعب القطاع الفلسطينيين العائدين من الخارج مثل اللاجئين الفلسطينيين الفارين من سورية والعائدين من لبنان.

 

ثانياً: العلاقات الاقتصادية المصرية الفلسطينية

تحتل مصر المرتبة التاسعة من حيث حجم الصادرات إلى فلسطين، حيث يحتل (الكيان الصهيوني) المرتبة الأولى من حيث حجم الصادرات لفلسطين والتي بلغت خلال عام 2015 حوالي 3 مليارات دولار، وتمثل الصادرات المصرية إلى فلسطين نسبة 1,3% من إجمالي حجم الواردات الفلسطينية والتي بلغت نحو  5,3 مليار دولار خلال عام 2015. بينما بلغ حجم الصادرات الفلسطينية لمصر 327 ألف دولار فقط خلال عام 2015، وهذا يعني أن التصدير من فلسطين إلى مصر هو شبه معدوم وضعيف جدا، ومن أهم أسباب ضعف الصادرات الفلسطينية إلى مصر، القيود والعوائق الجمركية التي يفرضها (الكيان الصهيوني)، والحصار المفروض على قطاع غزة، وضعف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية، وغياب وسائل كافية تساعد على ترويج المنتج الفلسطيني وتمكّنه من دخول السوق المصري.

 

وانشاء منطقة حره ما بين غزة ومصر، يتطلب توفير عدد من المتطلبات الأساسية، منها:

1ـ تطوير ميناء العريش كخطوة أولية لإنشاء منطقة حرة بين مصر وغزة خاصة وأن معبر رفح غير مهيأ في الوقت الحالي لاستيعاب حجم التجارة المتوقعة بين الجانبين المصري والفلسطيني حيث أنه مخصص لعبور الأفراد في الأساس.

2ـ توفير مليار دولار تكاليف إنشاء المنطقة التجارية الحرة؛ وكان رئيس الوفد القطري لإعادة إعمار قطاع غزة السفير محمد العمادي، قد أعلن أن بلاده عرضت على الحكومة المصرية إقامة منطقة تجارية حرة بين قطاع غزة ومصر بقيمة مليار دولار.

3ـ توفير منطقة جغرافية واسعة تصل بين ميناء العريش ومعبر رفح البري وهي بالتأكيد أراضي مصرية بحته؛ إضافة إلى أن غزة لا توجد بها مساحات كافية لانشاء مناطق تجارية على الحدود.

4ـ موافقة الجانب الصهيوني والتي استبدلت احتلال قطاع غزة عام 2005م، من احتلال عسكري إلى احتلال اقتصادي. خاصة وأن غزة تمثل سوقا للمنتجات الصهيونية؛ فحاجة غزة لمنتجات تقدر بأكثر من 5 مليار دولار، منها 3 مليارات من المنتجات الصهيونية المباشرة، والباقي منتجات مستوردة وتدخل من خلال المعابر الصهيونية والتي يستفيد منها الكيان الصهيوني من خلال الضرائب. هذا يعني أنه ليس من السهل أن يتنازل الكيان الصهيوني عن هذه المنافع الاقتصادية دون تحقيق مكاسب أكبر.

 

ثالثاً: مكاسب الأطراف المعنية من المنطقة

الطرف الأول: مصر:

1ـ من الممكن أن تشكل المنطقة التجارية الحرة حلاً للعديد من المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها أهل سيناء، بعد قيام السلطات المصرية بإغلاق الأنفاق والتي كانت تشكل قواماً أساسياً للعديد من أبناء سيناء. بما يساعد الأجهزة الأمنية على التفرغ لمواجهة المخاطر الأخرى.

2ـ بما أن غزة تعاني من عدم القدرة على النهوض بالواقع الصناعي والاقتصادي بسبب معيقات الاحتلال، كما أن غزة تعتمد في سوقها الاستهلاكي على المنتجات المستوردة من الصين وغيرها من البلدان، لذلك وجدت مصر أن هناك فرصة لأن يكون لديها سوق لمنتجات مصرية في الأسواق الفلسطينية في غزة. لذا تأمل مصر أن يدر هذا التبادل دخلاً مادياً عليها يتجاوز 2.5 مليار دولار في العام، الأمر الذي سيضاعف من حالة الضمان والأمان الاقتصادي في مصر.

3ـ استفادة مصر من مصادر التمويل في غزة في ضوء الوضع الاقتصادي الراهن. خاصة في ظل وجود نحو 9.6 مليار دولار ودائع للعملاء في البنوك الفلسطينية بغزة، إضافة إلى وجود حوالي 10 مليارات دولار تدخل سنوياً كسيولة للتجارة في القطاع، بحسب سلطة النقد الفلسطينية، ما يعني أن القطاع يملك سيولة مالية ونقدية كافية لإدارة عملية تجارية مريحة مع مصر، بحسب مختصين في الشأن الاقتصادي.

4ـ إضافة للمكاسب الاقتصادية التي قد تستفيد منها مصر، فان النظام المصري؛ سوف يتخلص من اتهامات الجهات الدولية والحقوقية بمشاركة مصر في حصار قطاع غزة .

 

الطرف الثاني: فلسطين:

1ـ يعاني سكان قطاع غزة، البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، أوضاعًا اقتصادية متردية بسبب الحصار المستمر منذ أكثر من عشر سنوات. وتشير تقارير رسمية صادره مؤخرا عن “الأونروا” أن 80% من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية. ويأمل قطاع غزة من خلال إقامة المنطقة التجارية الحرة في تحسين ظروفهم المعيشية. علما أن الدراسات الفلسطينية تتوقع في حال تم إقامة المنطقة التجارية الحرة انخفاض نسبة البطالة في قطاع غزة لتصل حدود الـ 20% في مدة لا تزيد عن عامين.

2ـ تخليص الاقتصاد الفلسطيني من التبعية للكيان الصهيوني وتحقيق منفعة اقتصادية متبادلة بين فلسطين وعمقها العربي والإقليمي.

 

الطرف الثالث: الكيان الصهيوني:

1ـ القاء أعباء قطاع غزة على مصر، وتنصل دولة الاحتلال من واجباتها تجاه شعب محتل، كما هو منصوص عليه في القانون الدولي.

2ـ أن تكون المنطقة التجارية الحرة مقدمة لتصفية القضية الفلسطينية من خلال أن يكون قطاع غزة وجزء من سيناء الوطن الفلسطيني البديل.

3ـ يثق قادة الكيان الصهيوني أن النظام في مصر سوف يلتزم بإرسال قيمة الضرائب عن البضائع إلى خزائن السلطة الفلسطينية.

 

رابعاً: محاذير ومخاطر انشاء المنطقة التجارية الحرة

1ـحذر خبراء مصريون من إقامة منطقة تجارية حرة بين قطاع غزة ومصر؛ لأنها ستزيد التهريب ولن تحل مشكلة الأمن، كما أن المنتجات الصهيونية ستدخل مصر بسهولة، بما يهدد الاقتصاد المصري. في ظل عدم امتلاك الجانب الفلسطيني أية منتجات ليصدرها إلى مصر. علما أن المناطق الحرة تشترط وجود منتجات محلية تباع داخل المناطق الحرة دون جمارك، ولأن فلسطين لا تملك ذلك فستكون السوق المصرية مرتعاً للمنتجات الصهيونية. ومن هنا يجب ان نتساءل التبادل التجاري في المنطقة التجارية سيكون بين مصر وغزة أم مصر والكيان الصهيوني؟

2ـ تشابه مشروع المنطقة التجارية الحرة مع المشروع الصهيوني الذي اقترحه مستشار الأمن القومي الصهيوني السابق جيورا أيلاند. والذي يظهر مدى التوافق في الأهداف المرجوة من كلا المشروعين من خلال تعزيز السيطرة الصهيونية على الضفة الغربية وإشغال العالم بمشروعات اقتصادية لتنمية غزة وترسيخ مبدأ دولة فلسطينية في القطاع، يكون أهم ركائزها السلام الاقتصادي مع اقتطاع مساحات كبيرة من الأراضي في سيناء ومنحها للفلسطينيين وتوطين اللاجئين المتوقع قدومهم لغزة في تلك الأراضي.

3ـارجاع منظومات العشائر والعائلات إلى صدارة الحكم في قطاع غزة؛ وهو نظام كان معمول به سابقا في ” فترة الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة”. بعد ان كشف “أسامة كحيل” رئيس اتحاد مقاولي قطاع غزة والناطق باسم وفد رجال الأعمال الفلسطينيين، عن التوافق على تشكيل لجنة عليا تنبثق عنها خمس لجان فنية لمتابعة حل أزمات غزة بالتعاون مع السلطات المصرية التي تتكون من (أسامة كحيل، تيسير الصفدي، فيصل الشوا، على الحايك، وليد الحصري)؛ وهم أبناء عائلات كبري. علما أن السلطة الفلسطينية في زمن عرفات وكذلك حركة حماس حاربا بشدة فكرة تحكم العائلات الفلسطينية وهيمنتها. وهنا يجدر التنويه أن دولة الكيان الصهيوني وضعت خطة العودة إلى نظام العائلات الفلسطينية، كخطة بديلة في حال انهيار السلطة الفلسطينية بعد وفاة محمود عباس؛ أو فقدان حماس السيطرة على غزة بعد حرب مدمرة تتمثل في الرجوع إلى زمن المخاتير.

 

خامساً: دلالات الحديث عن إقامة منطقة التجارة الحرة

النظام المصري الحالي يصطدم بشدة مع حركة حماس الحاكمة لقطاع غزة، ومن هنا جاءت القرارات المصرية بإنشاء منطقة تجارية حرة مفاجئ، وهنا تعددت التفسيرات والدلالات، منها:

الاحتمال الأول: الرغبة في تخفيف المعاناة عن أهل قطاع غزة من خلال انشاء منطقة تجارية حره بين غزة ومصر. وأن هناك رغبة مصرية حقيقية في تعزيز فرص وصول محمد دحلان لرئاسة السلطة الفلسطينية، وذلك من خلال تقريب المصالح بين حماس ودحلان. وتشكيل ضغط على الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس الرافض للتصالح مع دحلان. وخير دليل على ذلك، السماح المصري لدحلان ومقربيه مؤخرا لاجتماع لعقد مؤتمرين كبيرين الأول حول القضية الفلسطينية ومستقبلها السياسي، والثاني حول سبل تعزيز التبادل الاقتصادي بين مصر وقطاع غزة. والذي أوصى بإنشاء المنطقة التجارية الحرة.

 

الاحتمال الثاني: ربما يأتي كنتيجة طبيعية للتقارب المصري الإيراني مؤخرا بعد الازمة ما بين النظام المصري والسعودي. خاصة وان إيران دولة إقليمية طامحة في ان يكون لها دورا كبيرا في القضية الفلسطينية. وما يؤكد هذه الاحتمالية ان العلاقات المصرية مع حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية المقربة من إيران تشهد تطورا ملحوظا.

 

الاحتمال الثالث: أنه جاء نتيجة لترتيبات وتنسيقات مصرية صهيونية، بهدف تقديم حلول اقتصادية صهيونية لمصر والتي تعاني من أزمات اقتصادية حادة. علماً أن الصحف الصهيونية قد نشرت مؤخرا عن رغبات حقيقية لدي الحكومة الصهيونية بتقديم دعم اقتصادي للنظام المصري الحالي يعزز قدرته على الاستمرارية. ومن هنا قد تكون فكرة انشاء المنطقة التجارية بموافقة صهيونية مما يساهم في تخفيف المعاناة الاقتصادية التي يعاني منها النظام المصري حالياً.

 

الاحتمال الرابع: قد تكون القرارات المصرية بمثابة بروباجندا إعلامية فقط لا غير. وأن الأمور ستبقي على حالها. وأن الهدف الحقيقي منها هو محاولة النظام المصري الحالي “اعفاء نفسه” من أي مسئولية تجاه الحرب الصهيونية الشرسة المتوقعة على غزة. وذلك من خلال تقديم نفسه كحريص على مصلحة الشعب الفلسطيني وأن من يجلب الويل للشعب هي التنظيمات المقاومة.

 

الاحتمال الخامس: محاولة النظام المصري الحالي ابتزاز دولة الكيان الصهيوني من خلال المناورة في ملف حصار غزة، بهدف قيام الجانب الصهيوني بتقديم دعم اقتصادي له. وهي السياسة الخارجية المتبعة للنظام المصري الحالي.

 

خلاصة:

في ظل التغيرات الإقليمية المتسارعة وكذلك في ظل عدم ثبات السياسة الخارجية المصرية مؤخراً، إلى جانب حاله التيه التي تعيشها الحالة السياسية الفلسطينية المتمثلة في مسألة “وريث عباس”، إلى جانب الأزمات التي تعاني منها حماس في إدارتها لقطاع غزة. والمصحوبة برغبات صهيونية هادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية. فإنه يمكن القول أن كافة الاحتمالات السابقة هي مثابة تفسيرات منطقية للقرارات المصرية اتجاه إنشاء منطقة تجارية حرة بين غزة ومصر، ولكن مع مراعاة الارتباط الوثيق بين الرباعي الفاعل إقليمياً في هذه المرحلة: الكيان الصهيوني + نظام السيسي + النظام الإماراتي + محمد دحلان، وما يجب مراعاته من أهداف متوافقة لهذا الرباعي (1).

———————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close