fbpx
دراسات

تجديد المشروع الحضاري الإسلامي نظرية التجديد عند د. سيف عبد الفتاح (ج 2)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

انتهينا فيما سبق من تحديد المصطلح موضوع البحث ( المشروع الحضاري )، وعرضنا رؤية الدكتور سيف في ماهية المشروع الحضاري الإسلامي ومكوناته وخصائصه.

وهنا يأتي الدور على بيان المصطلح المستهدف غرضًا للبحث وهو (التجديد)، من خلال عرض رؤية الدكتور سيف في نظرية التجديد وما يستتبعها، فأبدأ بعرض رؤيته في مفهوم التجديد، ثم رؤيته في أركان وشروط العملية التجديدية، وأختم الفصل بالتجديد في النماذج التفسيرية والبنائية.

المبحث الأول: مفهوم التجديد في رؤية الدكتور سيف

يرى الدكتور سيف الدين أن قضية التجديد من أهم القضايا الرئيسة التي تطرح على كافة المستويات: النظرية والنظامية والحركية، وهي على أهميتها وخطورتها –وعلى كثرة الدراسات المتعلقة بها لا تزال تعاني مزيدًا من الغموض وذلك لعدة أسباب أساسية:

أولاً: أن قضية “التجديد” هي من القضايا القيمية في أساسها، بحيث إن أي تيار فكري يعتبر نفسه ممارسًا للتجديد إن لم يكن هو التجديد ذاته، بل حتى أشد التيارات جمودًا تدعى التجديد، وأكثرها تفريطًا تزعم القيام بمهمة التجديد؛ ومن ثم يشكِّل المصطلح في ذاته بريقًا يؤدي إلى انخراط التيارات الفكرية كافة فيه، واعتبارها نفسها الممثل له –وربما الممثل الوحيد- أو على أقل الفروض هي لا ترفضه أو تعوق مسيرته.

الثاني: يتساند مع ذلك أنها قضية من طبيعة فكرية وإنسانية عامة، بحيث لا تخلو جماعة بشرية من تصورٍ ما لهذه العملية، فصارت من القضايا الأساسية في تصاعد عصر الأيديولوجية والعقائد الفكرية والسياسية، ولذا أفردت كل فلسفة مبحثًا من مباحثها أو أكثر لدراسة فكرة التجديد: إن لم يكن بهذا المسمى فتحت مسميات قريبة منه مثل: التغيير – التقدم – التطور – الحداثة – حركة التاريخ – تطور المجتمعات – الثورة…إلخ.

الثالث: ساهم فهم التجديد على أنه (انحياز للجديد بصورة مستمرة) في غموض هذا المفهوم والظواهر المعبرة عنه، بحيث صُوّر وكأنه (عمليةُ تجاوزٍ مستمرة لوضع ما)، ومن ثم تعد مؤشرات التجديد في فترة زمنية متقاربة غير صالحة للتعبير عن فكرة التجديد في تطوراتها، وصارت الحدود الفاصلة بين الثابت والمتغير غير واضحة المعالم إن وجدت، أو لا توجد كلية.

هذا المفهوم الذي واجه أزمة حقيقة ما بين غموض يحيط به حين عرضه والخلط بينه وبين مفاهيم أخرى متعددة دون تدقيق أو تحديد في طريقة تناوله .. فرَض تحديد ماهية التجديد قبل الحديث عنه كمسلّمة وباعتباره أول الأوليات، حيث إن تحديد ماهيته يترك انعكاسات بالضرورة في الرؤية المنهاجية أو الإجابة على أسئلة أخرى تتعلق بهذه العملية مثل: لماذا التجديد؟ (السبب) و(المقصد)، وكيف يكون التجديد؟ (الأسلوب) و(المنهج)، وتبدو أهمية القيام بذلك –ومن خلال فهم الأسباب السابقة- في ضرورة تنقية مفهوم التجديد وفق ما تقدمه الخبرة الإسلامية في امتداداتها الزمنية والحركية، خاصة أن الباحث سيجابه ببعض الدراسات التي ترادف بين مفهوم التجديد وبين مصطلحات أخرى، فضلاً عن أنها محملة بالقيم، فإنها قد ترتبط باتجاه إيديولوجي معين، أو مذهبية خارجة عن دائرة الرؤية الإسلامية وفي الغالب تتناقض معها أو تقصُر عن التعبير عن كمالاتها.

وهناك كم هائل من المفاهيم تستعصي على الحصر في تعلقها بفكرة التجديد سواء ارتبطت بها موضحة أو مبينة، أو خلطت بينها دون تمييز، وذلك مثل: الأصالة – الجديد – القديم – المعاصرة – العصرية – العلمانية – التحديث – التنمية السياسية – المحافظة – التقليدية – التقدم – الرجعية – التغريب – التطور – الديمقراطية – القومية – الاغتراب – التقدم العلمي والتقني – التصنيع – الاشتراكية – الماركسية – الثورة – الحداثة – المؤسسية – المجتمع المدني – البدعة – الإحداث – التقليد – الاجتهاد – الغزو الفكري والثقافي – الاتباع – السلف والسلفية – اليقظة – الصحوة – النهضة – البعث – الإحياء – المد – الإصلاح – المستقبلية – اليسار واليمين – السياسة الشرعية –– التغيير والتحول – التمدن – الترقي – المصالح المرسلة – سد الذرائع – الاستحسان – الإجماع – الناسخ والمنسوخ…إلخ.

هذه المفاهيم قد تُعبر عن ناحية من نواحي التجديد أو تشكل إحدى أدواته، كما أن جانبًا منها قد يختلط بمفهوم التجديد خاصة تلك المفاهيم النابعة من الحضارة الغربية[1].

مفهوم “التجديد”:

يرى الدكتور سيف الدين أنه يمكن تحديد مفهوم التجديد وأهم دلالاته من خلال تفاعل مجموعة من المستويات منها: اللغة التي تؤكد أن مفهوم التجديد بوزنه اللغوي إنما يعبر عن حالة من التواصل والاستمرارية وبذل الجهد والطاقة.

ورغم أنه لم ترد مادة “التجديد” أو فعلها “جدّد” في القرآن الكريم -بل ورد كلمة “جديد”- إلا أنه وفي هذا السياق فإن القرآن لا يخلو من التعبير عنه وعن أهم محدداته بمعان كثيرة أخرى تسهم في تحديده وتفسيره مثل: الإصلاح- الإحياء- التغيير- النور والتنوير … إلخ.

بل إنه من المهم في هذا المقام أن نشير إلى أن مفهوم التجديد ذاته تعكسه روح الشريعة ذاتها وطبيعتها؛ ذلك أن سماتها الأساسية تؤكد على عملية التجديد وضرورتها مثل صلاحية الشريعة للزمان والمكان، وطبيعة الرسالة الخاتمة والتي تؤكد على صفة الأبدية والخلود مما جعلها تفصّل فيما لا يتغير بينما تجمل ما يتغير، واشتملت على مجموعة من المبادئ الكلية والنظامية الثابتة والحاكمة على كل اجتهاد بشري يتحدى المقاصد الشرعية وأصول الشريعة. بل إن حال الابتلاء التي خوطب بها المؤمنون مرارا وتكرارا كانت في جوهرها عملية تجديد وترسيخ للإيمان.

كذلك حالة التذكير عند الغفلة أو النسيان أو الاندراس إنما تعبر عن فكرة التجديد، وأخيرا حال التوبة -والتي قد ترتبط بالفرد أو الجماعة عند ارتكاب الذنوب أو المعاصي- ليست إلا تجديدا باستشراف مرحلة جديدة يؤكد فيها على الصالح وتكريسه، ويترك فيها المعاصي والذنوب.

وإذا كان نسق الشريعة يؤكد على فكرة التجديد ويجعلها إحدى خصائصها وسماتها .. فإن السنة النبوية الصحيحة –والتي تعد جزءا لا يتجزأ من الوحي- قد أشارت بصورة مباشرة إلى مفهوم التجديد من خلال الحديث النبوي: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»[2].

وأهم ما يشير إليه الحديث: ذلك التواصل والاستمرارية وحقيقة التجديد الذاتي في الأمة بالعودة إلى الأصول والتفاعل مع مبادئها ومقاصدها في حركة الحياة؛ فكرا ونظما وحركة.

يظاهر هذا الفهم الحديث النبوي الذي يؤكد أنه “لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس”[3].

بل يحدد النبي (صلى الله عليه وسلم) طبيعة هذه المهمة التجديدية في حديث آخر: “يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”[4].

ذلك أن هؤلاء المجددين قد حفظوا على الدين صورته الصحيحة النقية، كما لم يتركوا الأمة ليعمها الفساد والضلال بصورة جماعية حيث لا تجتمع الأمة على ضلالة[5].

وقد أحيوا الدين والسنة بعد اندراس فيهم “من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئًا”[6].

فالإحياء جوهره الاستجابة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[7].

وقد أوضح النبي (صلى الله عليه وسلم) أقسام الخلائق بالنسبة إلى الاستجابة لدعوته وما بعث به من الهدى في قوله (صلى الله عليه وسلم): “مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم: كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقِه في الدين فنفعه ما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلتُ به”[8].

وعلى هذا تشكل الأصول الإسلامية (قرآنا وسنة) رؤية متكاملة لعملية التجديد وفق الحدود والشروط المعتبرة شرعًا، وبلا تكلف في هذا المقام يمكن للباحث أن يعد مفهوم التجديد أحد المفاهيم الشرعية والذي يجب عدم التفريط به أو فيه؛ اسمًا ومعنى ودلالة.

وهذه الرؤية تفترض مجموعة من القواعد الأساسية:

  • ضرورة بيان المفاهيم الشرعية الواردة قرآنًا وسنة من حيث دلالاتها وحدودها ومقاصدها (الإحياء – التجديد – الإصلاح – التغيير)؛ حتى لا تختلط بالترجمة العربية لبعض الكلمات الغربية المتشابهة معها.
  • ضرورة التمييز بين تلك المفاهيم الشرعية وبين ما يختلط بها من مفاهيم مثل: البدعة والإحداث في الشريعة.
  • تنقية المفهوم مما يختلط به من مفاهيم غربية معاصرة، وبيان وجه الافتراق بينهما، مثل: التحديث – التنمية – التقدم…إلخ.
  • مراجعة الكثير من المفاهيم المعاصرة التي انتشرت في الواقع الإسلامي، والتحرز في استخدامها مثل: النهضة والصحوة واليقظة والبعث…إلخ[9].

وفي هذا السياق، والذي يشير إلى فوضى الألفاظ وتعدد المفاهيم الدالة على عملية التجديد، يؤكد الدكتور سيف الدين على ضرورة التمسك باستخدام المفاهيم التي وردت شرعًا؛ لأنها محددة المعاني والدلالات كما يصعب التلبيس بصددها، وذلك حتى لا تختلط الأمور والألفاظ والتوجهات فيطلق اللفظ ويراد به غيره، بل ربما نقيضه.

فإذا كان التجديد لا يعني تقليدًا بلا بينة، فإنه لا يعني تبديدًا للشرع تحت أي مسمى كان، كما أنه يجب ألا ينصرف معنى التجديد في هذا السياق إلى معاني التجديد في الدين والشرع ذاته بل هو في حقيقته تجديد وإحياء وإصلاح لعلاقة المسلمين بالدين والتفاعل مع أصوله والاهتداء بهديه[10].

مفهوم التجديد السياسي:

بعد أن فرغ الدكتور سيف الدين من بيان مفهوم التجديد عموما .. عني ببيان المراد بالتجديد السياسي، وفي هذا الإطار اهتم أستاذنا بتحرير مفهوم السياسة من غبش التصور الغربي الذي ابتعد بالمفهوم عن جوهره الإسلامي القائم على معاني الرعاية والإصلاح، وعدّ الدكتورُ هذا التحرير من صلب عمليات التجديد السياسي المنشود.

في البدء تساءل أستاذنا: في ضوء هذه الرؤية لمفهوم التجديد في كليته، فماذا يعني وصفه بالسياسي؟

ثم أجاب: في البدء يجدر التحفظ؛ فإن وصف التجديد بـ”السياسي” لا يفتئت بحال على الطبيعة الكلية لعملية التجديد من جانب كما لا يعني إمكانية فصل الجانب السياسي عن جوانب أخرى، إذ إن ذلك ليس إلا تمييزًا للدراسة يهتم فيه بالجوانب التي اصطلح على إدخالها في مجال السياسة.

وحقيقة الأمر: أن بين التجديد والسياسة ارتباطًا لا انفصام له، فإذا كان التجديد في جوهره ليس إلا إصلاحًا وتقويمًا، فإن السياسة في معناها ومبناها تعبر عن القيام بالأمر بما يصلحه، وعملية التجديد السياسي ذات مستويات متعددة (الفكري – والنظامي – والحركة)، ومن نافلة القول: أن هذه المستويات جميعًا تتفاعل فيما بينها، وهي إن قبلت التمييز لأغراض الدراسة فإنها لا تقبل الفصل في الواقع المعاش.

ومفهوم التجديد السياسي في تعلقه بالخبرة الإسلامية -وباعتباره مفهومًا شرعيًا- يؤكد أن عملية التجديد في العالم العربي والإسلامي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال العودة إلى الأصول والتفاعل معها، ومن ثم كان الاهتمام بالربط بين التجديد السياسي الإسلامي والواقع العربي المعاصر، فالتجديد السياسي في الرؤية الإسلامية يعني: تقويم الانحراف وإحياء الأصول في مواجهة المواقف المستجدة والمستحدثة دون إفراط أو تفريط أو استظهار في كل ما يتعلق بمجال السياسة، وبما يمكن من إصلاح حال الأمة وإحداث نوع من التغيير الإيجابي لعناصر الرابطة السياسية: فكرًا ونظمًا وحركة.

في هذا السياق يمكن القول بأن أولى مهام التجديد السياسي الشرعي على المستوى الفكري تتمثل في بناء علم سياسة إسلامي، والقيام بخطوات جدية لتحقيق إسلامية علم السياسية، وهو ما يتطلب ضرورة القيام بمراجعة نقدية للمفاهيم الأساسية، واستبعاد المنهجيات غير الصالحة التي تختلط فيها القواعد النظرية بالطموحات المتغيرة وبالغايات المحدودة وبالتحيزات الأيديولوجية، حيث تطمح جهود العلماء على الرغم من ذلك إلى تحقيق نوع من التراكم المعرفي من خلال القيام بدراسات جزئية تصل في نهايتها إلى مجموعة من التعميمات ترى فيها المحصلة لهذا التراكم المعرفي الذي لا يمكن تحقيقه في ظل تعدد المناهج والمدارس الفكرية واختلاط الفروض العلمية بالفروض الأيديولوجية.

والقيام بهذه المراجعة النقدية للمفاهيم التي أفرزتها الدراسات الإنسانية الوضعية والدراسات السياسية خاصة .. أمر هام، ذلك أن المفاهيم تعتبر في نظر واضعيها من أساسيات المعرفة، ولا سيما أن المفهوم -كمعلومة لها أهميتها وموقعها من البنية المعرفية- سيكون له حتما أثر في الحياة المُعاشة إذا ما وضع موضع التطبيق -ولو جزئيًا- خاصة أن هناك تيارًا يهدف إلى أن تكون هذه المفاهيم بدائل للأفكار الإسلامية مما يوجه النظر إلى خطرها وعظم المهمة في مراجعتها.

وهذه المراجعة النقدية على أسس عقيدية ومنهجية سليمة تفتح السبيل أمام تحقيق مقتضى الإيمان، كما تحقق هيمنة الإسلام في تنظيم الحياة كدين يشتمل على السياسة وعلم ينطوي على عمل؛ حيث تكمن في دلالات نصوصه المفاهيم المنهجية التي تنتظم على أساس منها مكتسبات الإنسان المعرفية في كل مجال من مجالات النظر والتطبيق بما فيها العلوم السياسية، هذه الدلالات حين يتوصل إليها ليست بناء معرفيًا إسلاميًا فحسب، بل هي أيضًا منظومة من المقاييس تتكامل فيما بينها وينبغي استثمارها في تقويم المعارف الإنسانية عامة والسياسية خاصة في ضوء النصوص الإسلامية والمنهجية الإسلامية الصادرة عنها ابتداء والعائدة إليها احتكامًا.

وهذا يقود بدوره إلى الحديث عن كيفية بناء علم سياسة إسلامي والذي ينطلق من نقطة أساسية تتمثل في إعادة تعريف مفهوم السياسة ذاته وفق الرؤية الإسلامية، وتميزه في هذا المقام كنسق قياسي، وهذا الأمر يؤثر ضرورة على إعادة تعريف علم السياسة من جانب، وفهم وصف التجديد “السياسي” من جانب آخر.

ذلك أن مفهوم علم السياسة الذي شاع منذ نشأة علم السياسة المعاصر ودخوله في العالم العربي قد مارس دورًا كبيرًا وخطيرًا في تحديد مسار العلم وموضوعاته وطريقته في البحث، وهو إن كان يتفق في ذلك مع مسيرة الدراسات الإنسانية في مجملها والتي خضعت في تكوينها للتأثيرات الوضعية والعلمانية وتغلغلها في النطاق التعليمي، إلا أن علم السياسة بالذات –لخطورة موضوعاته والقضايا التي يعالجها- كان أهم عامل لتثبيت هذا التغلغل العلماني وقوة تأثيره مما جعله ركامًا فوق بعضه يحجب الرؤية كما يعرقل عملية التغيير والسير بها على صراط مستقيم.

إن ممارسة السياسة بكونها مفهومًا يستبطن قيم: الصراع والتكيف والحلول الوسط وتحكيم الواقع وباعتبارها فن الممكن .. قد عبر عن رؤية اقتفت أثر مفهوم السياسة الوضعي في الفكر السياسي الغربي، وهي إن وجدت مجالها وطريقها إلى التعميم والانتشار والاستقرار إلا أن هذا كله لا يعني صحتها أو صلاحيتها أو فعاليتها وفق الرؤية الإسلامية.

فالسياسة –وفق الرؤية الإسلامية- ليست إلا قيامًا بالأمر بما يصلحه شرعًا، وقد وردت النصوص بما يحدد مدلولها نظرًا وعملا من خلال آيات الحكم، ونصوص الإمارة والنهي عن المنكر والتي تحيط كلها بالمفهوم وتحدد مكوناته.

والسياسة وفق هذا التصور ليست فنًا أو أسلوبًا أو صراعًا، بل هي رعاية متكاملة من قبل الدولة لكل شأن من شؤون الجماعة، رعاية قائمة على العقيدة الإسلامية ومسيرة بالتشريع الإسلامي في الداخل والخارج، فأساليبها واتجاهها ونتائجها كذلك إسلامية إذا ما تفاعلت معها عناصر الرابطة السياسية على نحو يملك البصر والبصيرة.

فالسياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه، أو هي إصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المُنجّي في الدنيا والآخرة، وهو ما ينسجم مع غايات الرسالة الإسلامية وخبرتها في صدر الإسلام، فلقد ساس النبي (صلى الله عليه وسلم) -وكذا فعل خلفاؤه الراشدون (رضي الله عنهم)- بما تقتضيه تلك المعاني.

والسياسة وفق هذه الرؤية تتصف بالعموم والشمول، فهي مفهوم يخاطب كل فرد مكلف في الرسالة الإسلامية بأن يرعى شؤونه ويهتم بأمر المسلمين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحكم بما أنزل الله في شئونه، ويقدم النصح لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.

والأمر لا يقف عند تحديد موضوع العلم، بل يتخطى ذلك إلى كل العمليات المنهاجية: من ضرورة إعادة النظر في تصنيفات العلوم وموضع علم السياسة منها، سواء طرحت هذه التصنيفات في التراث القديم نتيجة للتأثر بفلسفة اليونان القديمة، أو تلك التصنيفات التي تطرح نتيجة للتأثر بعلم السياسة الغربي المعاصر؛ ذلك أن إعادة صياغة علم السياسة إسلاميًا يتطلب إعادة تحديد وترتيب المعلومات والنظر فيما يترتب عليها من استنتاجات، وتقويمها، وتصور أهداف العلم ومقاصده، على أن يتم ذلك بطريقة تمكن من إغناء وخدمة قضية الإسلام.

ومن أجل تحقيق هذه الغاية يجب أن تأخذ التصنيفات المنهجية للإسلام –أي: وحدة الحقيقة، ووحدة المعرفة، ووحدة الإنسانية، ووحدة الحياة، وخضوع الإنسان لخالقه –مكان التصنيفات الغربية.

ووفق ما سبق فإن موضوع العلم يجب أن يتجاوز البحث عن ظاهرة السلطة وينطلق إلى مفاهيم أكثر رحابة (كالتوحيد وتأثيراته على مجمل الحياة السياسية – والاستخلاف – والشِّرعة والشرعية) باعتبارها مفاهيم إطارية كلية تشكل إطار المرجع، وتنبثق عنها مجموعة أخرى من المفاهيم العامة والأساسية تفضي بدورها إلى مفاهيم فرعية لا يمكن فهم الفرعي منها إلا بالرد إلى أصله، ولا الجزئي إلا في سياق الكلي، بما يؤكد الفهم المتميز للمفاهيم السياسية لفظًا ومعنى.

  كما أن هدف العلم يجب ألا يقتصر على الوصف أو التحليل والتفسير لما هو قائم، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى تقويم هذا الواقع ومحاولة إصلاحه، فالسياسة: قيام للأمر بما يصلحه.

في نطاق هذا الفهم يمكن القول بأن جوهر السياسة هو عملية التجديد، وأن يتم بناء علم سياسة إسلامي، وعملية التجديد السياسي خصوص وعموم، حيث تقع عملية البناء تلك في قلب التجديد السياسي، بل تعتبر أهم أدواتها، وأحد شروطها، ومقصدًا مهما من مقاصدها، فليس من المبالغة القول: إن التجديد سياسة، والسياسة تجديد وتدبير وإصلاح وتقويم واجتهاد وتغيير، وفقه واقع وتنزيل حكم[11].

المبحث الثاني: أركان المنظومة التجديدية في رؤية الدكتور سيف

يرى الدكتور سيف الدين أن الاجتهاد هو أهم آلات التجديد، وهو الجسر الواصل بين الشريعة والمشروع[12]، لكنه ليس الآلية الوحيدة؛ لأن ميدان التجديد يتسع ليتضمن مساحات أخرى؛ مثل: الوعي بالتاريخ وسننه، والفكر وآفاقه، والواقع ومشكلاته وطريقة التعاطي معها، وهذه العمليات الأخرى تندرج تحت مفهوم الإصلاح، وهو المفهوم المكمل لمفهوم الاجتهاد في منظومة (التجديد العمراني).

وبناء عليه فالعملية التجديدية تتألف أساسا من مرجعية وعناصر ثلاثة، أما المرجعية فهي الرؤية الكلية (المدخل المقاصدي)، وأما العناصر الثلاثة فهي: الآليات الاجتهادية، والأدوات الإصلاحية، وأصول الفقه الحضاري الذي يحقق وظيفة الربط والتنزيل بين كل ما سبق..

الركن الأول- الاجتهاد الشبَكي (المنظومي):

إن الاجتهاد الذي يجعله الدكتور/ سيف الركن الأساس في عملية التجديد هو ما أسماه بالاجتهاد المنظومي (الشبكي)، وهو: ذلك النظر الاجتهادي (الشبَكي) الذي ينظر لكلٍّ من الشرع (الوحي) والواقع (الوجود) نظرة كلية جامعة (شبكية)، فينظر للشرع كأنه كلمة واحدة[13]، وللواقع كالشبكة المتصلة، ويعطي للواقع حقه من الواجب (الشرع) كما يعطي الواجب (الشرع) حقه من الواقع، على حد تعبير ابن القيم [14].

ويلاحَظ –في هذا الضرْب من الاجتهاد- أن المنظومية قرينة للشبَكية، والشبكية هي أساس وضوح الرؤية؛ مثل شبكية العين[15]؛ وذلك لأن (الشبكية المنظومية) هي التي تكتمل بها أجزاء الصورة المنظور فيها، ويتم تجميع هذه الأجزاء من مظانّها المختلفة؛ بواسطة (التشبيك المنظومي)، وبهذا يحصل تمام التصوِّر الممهِّد للحكم عليها.

ومن خصائص هذا الاجتهاد الشبكي (المنظومي) أنه: اجتهاد عمراني، بمعنى أن وظيفته لا تقتصر فقط على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وإنما تتعدى ذلك إلى النظر في آفاق فسيحة تتسع بقدر اتساع مجال العمران. ومن الوظائف المهمة التي أشار إليها الدكتور سيف أن الاجتهاد العمراني يفيد في تحقيق الوصل والتكامل بين علوم الشريعة وبين العلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها من علوم العمران، وفي هذا يقول الدكتور سيف: ((هذا “الفقه العمراني” والاجتهاد المرتبط به موصول بـ “علوم الأمة” أو “علوم العمران” تتكافل حيث يجب، وتتكامل وتتساند، هذا الاجتهاد العمراني يتواءم مع حركة هذه العلوم وتكاملها، ذلك أن شجرة المعارف والتخصصات تعبر عن شجرة واحدة ذات فروع متنوعة ومتعددة، تعطي من ثمرها ولكل من تكويناتها وظائفها المخصوصة التي تجعل الشجرة مكينة الجذور طيبة الثمار، علوم اجتماع وإنسان ينتظم بها العمران في عمارة هذا الاجتماع الإنساني بكل ما يحفز تكوينه وتماسكه وبناءه والوصول به إلى غاياته ومقاصده، علوم اجتماع وإنسان وشريعة تنظم بينها الأمة فتجعلها قبلتها وبوصلتها ووجهتها لا تنقطع عنها ولا تمتنع عن معاني الفاعلية فيها والارتقاء بها والنهوض بكيانها وتجديد عمارتها وعمرانها.

علوم بعضها من بعض من مشكاة واحدة تَنْشَدُّ إلى أصول واحدة ومقاصد حافظة وحاضنة ومرجعية كلية لا تقبل التجزيء أو التشطير أو التفسيخ، هذا هو معنى العمران المنتج للحضارة بكل عناصرها وأعمدتها وتنوعها فتحفظه وترعاه متجنبة أي عوامل تتسرب إليه فتفسده أو تقضي عليه بالخراب، وتظل أصول مجالات المقاصد تشكل إمكانية لأعمدة العمران البشري الحضاري وأصولا يقام عليها العمران، وهي في ذات الوقت تشكل معايير لتصنيف العلوم وتربطها بها ( علوم الدين / النفس / النسل / العقل / المال /..).

هذا التصنيف للعلوم المختلفة إنما يتطلب نوعًا من الاجتهاد العمراني يقدم أعمدة وهندسة وأساسات البنيان باقتدار، ثم يعلو العمران ما أراد على أساس مكين وتفكير وتدبير رصين، هادفًا إلى حياة طيبة في مواجهة المعيشة الضنك في معاش الإنسان.

ومن هنا فإن هذا العمل الموزون في طبيعته وآلياته ومقاصده من حركة اجتهادية عمرانية هندسية تعلم فن إلحاق الفرع بالأصل والجزئي بالكلي في إطار فقه منظومي، يعرف للأصل معناه ومغزاه، ويعرف للفرع مبناه ومعناه فتأتي الفروع على شاكلة الأصل من مورده ولكنها تختلف وتتمايز رغم أنها تُسقى بماء واحد ومن شرعة ماء واحدة ممتدة لا مقطوعة ولا ممنوعة في أدائها أو عطائها أو مسيرتها ومسارها.. إنه “الفقه المنظومي” الذي يحرك طاقات الوصل مع الأصل في عمل مستمر ومستقر.

وبين الأصل والوصل والتوصيل والتشبيك يأتي الاجتهاد العملياتي، فيرى الأمور في ثوبها العملياتي ناهضًا بتفكير يصل بين المسائل والوسائل، والمقال والمثال، والحال والمحال، وإدراك معاني الاطّراد والاستقرار والاستمرار والتجدد والتعدد ومراعاة التمدد والتعقد. فتأتي العمليات خطوات ومراحل، وخطة ووسائل، وقدرة وبدائل يصل الأداة بالأداء، والآلية بالتسيير، والإجراء بالتطبيق، والحركة بالتدبر والتدبير.

بين معاني هذه الشريعة الموضحة لأنساقها يأتي الاجتهاد الواصل بين الواجب والواقع، فلابد من أن يعطي الواجب حقه من الواقع، ولا بد من أن يعطي الواقع حقه من الواجب فيتبادلان العطاء والصلة بحبل من الله وحبل من الناس، إنها علاقة أكيدة بين الشريعة والمشروع التي تحرك كل مساحات وساحات الاجتهاد[16])).

وجدير بالذكر: أن هذه النظرة الكلية في الاجتهاد الشبكي تنبثق -في مشروع الدكتور سيف- من الكليات الإسلامية (النموذج المعرفي في التصور الإسلامي)، ويسميه أحيانا بـ(المدخل القيمي)، وهذه الكليات لا تقتصر على مقاصد الشريعة، بل تضم إليها نوعين آخرين من الكليات هما: التصور العقدي (العقيدة الدافعة)، والسنن القاضية، بالإضافة إلى المقاصد الحافظة؛ لأنها تحفظ الإنسان حفظ الابتداء، وحفظ البقاء، وحفظ البناء، وحفظ النماء، وحفظ الأداء[17].

ويلاحظ أنه قد يعبر عن هذه الكليات اختصارا بـ(المدخل المقاصدي) دون أن يقصد انحصار الكليات في المقاصد، بل يجري ذلك تغليبا للكليات المقاصدية؛ حيث إنها تجمع عناصر منظومة الرؤية الكلية سالفة الذكر (المدخل القيمي)، فالعناية بـ(المدخل المقاصدي) جارية باعتباره مفتاحا رئيسا في إنجاز التجديد الإصلاحي المنشود استلهامًا من الرؤية الكلية الإسلامية.

وهذه المقاصد رؤية كلية للعالم، وجزء لا يتجزأ من التصور الكلي لذلك الإنسان المستخلَف، فهي أركان حضارية لأي نشاط حضاري، وهي كذلك ميزان للمصالح. 

وبهذا يظهر أن المقاصد من المنظورات المتسعة الشاملة التي يمكن أن يتخذ منها منظورات ومداخل مختلفة لدراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية المختلفة؛ لذا فهو (منظور استراتيجي)، أي إنه يقوم على بناء الاستراتيجيات الكبرى والرؤى الكلية والآليات التفعيلية التي تتعلق ببناء الأمم وتحقيق النهضات، بل ووضع موازين لاتخاذ القرارات[18].

كما أن المدخل المقاصدي يفيد في إبراز (الأبعاد الإنسانية الكامنة) في المشروع الإسلامي.

من هنا صار المنظور المقاصدي منظورا حقوقيا يمكن أن يبني مدخلا لصياغة نظرية حقوق الإنسان في الرؤية الإسلامية[19].

وبهذا يعد (المدخل المقاصدي) مدخلا قيميا تنبثق عنه إجراءات تعكس الرؤية الأخلاقية الإسلامية في التجديد والإصلاح[20].

ثانيا- الركن التنزيلي (أصول الفقه الحضاري):

لما كانت العملية التجديدية تنطلق ابتداءً من هذا المدخل (القيمي-المقاصدي-العمراني) .. من هنا دعت الحاجة للربط بين الرؤية الكلية والإجراءات التفعيلية المنبثقة عنها؛ لذا صك الدكتور مصطلح (أصول الفقه الحضاري) وهي الأصول التي تنظم عملية الربط بين الرؤية الكلية وبين الواقع في الاجتهاد المنظومي (الشبكي) والعمليات (الإصلاحية) المكملة له.

إن أصول الفقه الحضاري تحدد الهدف الذي من أجله كان الحديث عن ضرورة آليات التشغيل. فهذا التكوين المعرفي المتمثل في علم أصول الفقه الحضاري يؤسس دوره ضمن مسارات متعددة: فيجمع بين آليات التفعيل من جانب، ويشكل لها الحاضنة بحيث يجدِل بينها في منظومة تتغيّا إحداث علاقة جدلية بين الوحي والواقع، بين المعيار وتنوعات التعامل، وهو يفعّل هذه الآليات ويحتضنها في مقصد واحد يحقق التناسق بين عناصر هذه الآليات.

أصول الفقه الحضاري هو تأصيل المنظور الحضاري بكل سعته وامتداده، وبكل سياقاته وتفاعلاته، بكل فعله وفاعلياته، كما أنه تعبير عن أحد أهم تجليات صياغة النموذج (النظام المعرفي). فبناء النموذج يجب ألا يتم مستقلاً عن أصول الفقه الحضاري، ذلك أن هذا الأخير في تكامل عناصر مفرداته ومستوياته وفي امتداداته ضمن آليات التفعيل، وفي فاعلياته ضمن مجال التشغيل .. هو الذي يحقق لذلك النموذج المعرفي فاعلية على أرض الواقع، بما يقدمه من نماذج اختيارية وتضمينات منهجية وأدوات بحثية متميزة، وما يؤكد من إمكانية استيعاب الأدوات الصالحة داخل المنظومة المعرفية الغربية وتسكينها ضمن بنية النموذج المعرفي في الرؤية الإسلامية خاصة ما يرتبط منها بأصول الفطرة، والقدر الإنساني المشترك.

فأصول الفقه الحضاري يجعل من النص/الوحي محوره؛ كعلم أصول الفقه وكل العلوم التي كانت آليات الشِّرعة في الفهم، فإذا كان علم الفقه قد اهتم بوصف الأفعال وفقًا لحقيقة التكليف (افعل – لا تفعل) ضمن نسق من الأفعال الجزئية: (أحكام الأفعال)، فإن أصول الفقه الحضاري جعل من أهم أهدافه تضمين أهداف علمي الأصول والفقه ضمن منظومة أهدافه، مع الحرص على صياغتهما ضمن قواعد التفعيل والتوظيف في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهو يسير خطوة أبعد بإضافة موضوعات جديرة بأن تنظم في كيان معرفي موحد يمكن أن تخرج على شاكلته قواعد أساسية لعلوم الأمة والعمران (العلوم الإنسانية والاجتماعية وتطبيقاتها) وتؤصل هذه العلوم.

إذا كان علم أصول الفقه قد اهتم باستنباط الدليل وخدمة ذلك ضمن سياقات مهمة تتعلق بنظرية الحكم، والفقه الحكمي، فإن علم أصول الفقه الحضاري – إذ يستوعب هذا وذاك ولا يهمله ولا ينبغي له ذلك – فإنه يحرك عناصر متعددة يصل فيما بينها، حتى يمكن صياغة أصول الفقه العمراني والحضاري [21].

ثالثا- الركن التفعيلي و(مأسسة المنتَج التجديدي):

تكلمنا عن الركن الأول من أركان العملية التجديدية وهو الاجتهاد (المحقِّق للتجديد)، وبينا الركن الثاني وهو أصول الفقه الحضاري، وأما الركن الثالث فيتمثل في: الإصلاح. وينحو الدكتور سيف الدين منحًى عمليا في ضبط عملية الإصلاح التجديدي، فهذا الإصلاح يعد بمثابة التفعيل (والتشغيل) لمنتجات الاجتهاد المنظومي النابع من الرؤية الكلية (المدخل المقاصدي)، فالإصلاح (التفعيلي) باعثه ومنطلقه هو (الاجتهاد المنظومي)[22]، وهدفه وغايته: تحويل المنتج الاجتهادي إلى بناء مؤسسي (عمراني) يحمل ملامح الرؤية الكلية (المقاصدية)، كما يستوعب دروس الخبرة التاريخية.

وبالطبع لا يفهم من هذا أن (صناعة الإنسان الحضاري) ليست غرضا مستهدفا من العملية التجديدية؛ لأن الأبنية المؤسسية المتحصلة من عملية التجديد ما هي إلا وسيلة لخدمة هذا (الإنسان الحضاري) وتوفير المناخ الملائم لصياغة شخصيته العمرانية المنشودة.    

ومما يجدر التنبيه عليه: أن هذه الأبنية المؤسسية (منتجات العملية التجديدية) عادة ما يهتم دعاة المشروع الإسلامي ببنائها دون أن يهتموا بكفالة شروط استمرارها محققة لأهدافها العمرانية (إهمال حفظ البقاء وحفظ الأداء)، وحتى تبقى هذه الأبنية صالحة للغرض الذي أنشئت من أجله لا بد من دعمها بعدة أجهزة مستمدة من طريقة عمل الجسم وهي:

جهاز المناعة الذاتية: وهو يقاوم الآفات المهلكة قبل دخولها إلى الجسد المؤسسي.

وجهاز المراجعة والنقد الذاتي (المتابعة والمحاسبة)؛ حتى لا ينحرف البناء المؤسسي عن الهدف الذي أنشئ من أجله[23].

جهاز التجدد الذاتي (القدرات التطويرية)؛ حتى لا يتجمد البناء المؤسسي إذا طال عليه الأمد (طول الأمد المؤسسي) ويصاب بالشيخوخة المؤسسية.

ويجمعها جميعا (جهاز التصحيح الذاتي).

فهذه أجهزة الفاعلية الإصلاحية التي تعمل على تحصين البناء المؤسسي من الإصابة بما أسماه (آفة الاعتمادية)؛ حيث إنها توصل التنظيم إلى حالة القدرة على التصحيح والمبادرة والمواجهة[24].

مربع الإصلاح ونظرياته الضابطة:

يرى الدكتور/ سيف أن عملية الإصلاح لها طبيعة تربوية؛ إذ تتم في إطار مربع غاية في الأهمية يتألف من نظريات إصلاحية أربع ملتقطة من العطاء التربوي للسنة النبوية، وهي:

نظرية الفسيلة[25]: وهي نظرية الإيجابية التي تحث على الغرس ووضع لبنات البناء دون تفكير معطِّل في النتائج والثمرات؛ ((فكل ذلك عملية من المهد إلى اللحد، ومن الميلاد إلى المنية مسيرة الحياة الموصولة بين الزرع في دنيا الناس وصولًا لرضا الآخرة، فيصير اليوم الآخر المحرك الدائم للإنسان والإنسانية. وهي عمل موصول بين قيام القيامة، وقيام بالعمل والسعي: إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها.. بين الغرس الدائم وتفريع العمليات واتصالها بالمقاصد والغايات … [26])).

نظرية الثغر: وهي نظرية الحذر والرباط على الثغور (كل منفذ يمكن أن يأتي منه الخطر)، وإلا فوجئ أهل الإصلاح باجتياح المخاطر التي تعصف بالأبنية الإصلاحية، وتذهب المجهودات الإصلاحية أدراج الرياح بسبب الغفلة عن سد الثغور.

نظرية الفأس[27]: وهي تعني السعي الفعال، وترك الاتكالية: (اذهب فاحتطب).

نظرية الاستمرارية: استمرار السعي الإصلاحي حتى يتحقق الغرض المرجو؛ ((فالنوع القليل المتراكم خير من المنقطع الكثير المتناثر[28])).

وبهذا المربع -من النظريات الضابطة للعملية الإصلاحية- يتحقق مطلب مهم هو: (رد الاعتبار لمفهوم الإصلاح).

صناعة الإصلاح والإصلاح المصطنع:

يتحصل مما سبق: أن الإصلاح ليس أقوالا معسولة تدغدَغ بها مشاعر الجماهير المخدوعة، بل هو صناعة حضارية (ثقيلة) ممتدة لها أصولها وقواعدها.

وفي هذا المقام اهتم الدكتور سيف الدين برصد ظاهرة الإصلاح الزائف (الضار أو المعكوس) الذي يقوم به الذين إذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض قالوا: إنما نحن مصلحون.

وهذا الإصلاح الزائف ينتج مؤسسات تضليلية تمثل ظهيرا تنظيميا للمستبد، ولقبها الدكتور بمؤسسات (كأن)؛ لأن القائمين على هذه المؤسسات يبدون (كأنهم) مصلحون، ويحتكرون الإصلاح وما هم بمصلحين، ويمنعون المصلحين الحقيقيين من الإصلاح[29].

ووجه الانعكاس في هذا الإصلاح الزائف: أن عناصر الإصلاح توجد على الضد[30] مما ينبغي:

ففي حالة الإصلاح الزائف يضع المستبد مرجعية ذاته بدل مرجعية الدين والأمة.

ويعتمد في نيل الشرعية على صناعة الرضا الكاذب حيث الصناعة الإعلامية في الداخل والخارج تتحدث كل يوم أن هذا هو رجل الوقت.

ويعتمد على المصادفة والتكاثر الإنجازي، فإن كان هناك إنجازات بالمصادفة نسبها إلى نفسه.

والدافعية في الإصلاح الزائف لا تستمد من العقيدة الدافعة والرؤية الكلية، بل تستمد من طبقة المنتفعين والانتهازيين.

وأما الجامعية فإن المستبد لا يمكنه إلا أن يَفُضّ الجامعية؛ لأنه لا يستطيع أن يحكم إلا في فرقة تسود، فيحترف صناعة الفرقة والخوف والاستخفاف، هذه هي صناعات المستبد الثقيلة والخفيفة. ومن هنا قال الحكيم البشري: (يظل الحاكم فردا ما دام الناس أفرادا) [31].

ويتظاهر المستبد بفاعليه متوهَّمة، فيُظهِر شكلَ الفاعلية بلا مردود حقيقي.

وأما فاعلية التبرير فهي فاعلية المرحلة الانتقالية، إذ يظل المستبد يتحدث أننا في مرحلة انتقالية إلى يوم القيامة، وأننا في عنق الزجاجة، حتى إن الزجاجة كلها قد تحولت إلى عنق!

ومن هنا اقتطف الدكتور سيف تنبيه البشير الإبراهيمي على أن كلمة الإصلاح من الكلمات المظلومة حين قال: ((الحديث المستمر من جانب أولي السلطان عن الإصلاح هو الشهادة عليهم بأنهم أفسدوا)) [32].

ومجمل القول في ضبط (العملية التجديدية) في المشروع الفكري للدكتور سيف: أن العمل التجديدي عنده ينبثق من الرؤية الكلية (المدخل المقاصدي)، ويسعى إلى تحقيق غاية معينة هي الغايات الثلاث للتصور الإسلامي وهي: التوحيد والتزكية والعمران، ويستعين في تحقيق هذه الغايات بالاجتهاد المنظومي، ويتوسل في تفعيل منتجات هذا الاجتهاد بالإصلاح التشغيلي الذي يتم في إطار مربع من النظريات الضابطة، ويربط بين التصور (الاجتهادي) والتفعيل (الإصلاحي) بواسطة (أصول الفقه الحضاري)، فيتحصل المنتج النهائي لعملية التجديد في صورة أبنية مؤسسية عمرانية صالحة للقيام بإخلاص التوحيد وإحكام التزكية وإتقان العمران، وبهذا يتحقق ما يمكن أن نصفه بـ (مأسسة البنية الفكرية الراشدة)، بمعنى تحويل (البنية الفكرية الراشدة) الناجمة عن النظر الاجتهادي التجديدي إلى (أبنية مؤسسية فاعلة) تعمل بكفاءة على تحقيق الغايات التي تصبو إليها هذه البنية الفكرية. وتقدَّم أن كل هذا مسخر لصناعة الإنسان العمراني.

المبحث الثالث: شروط العملية التجديدية في رؤية الدكتور سيف

ما تقدم كان بحثا في الأركان والمبادئ التي تتألف منها المنظومة التجديدية (الراشدة) وتتشكل بها معالمها.

لكن لا يكفي لإنجاز العمل التجديدي (الراشد) تأليف المنظومة التجديدية على النحو سالف الذكر، بل لا بد –مع هذا- من توافر شروط عدة تكفل لهذه المنظومة التجديدية مناخًا ملائمًا لنجاحها في تحقيق ما تصبو إليه، فكان من المناسب أن نتبع صياغة الأركان المؤسسة للمنظومة (العملية) التجديدية بتحديد الشروط اللازمة لنجاح هذه العملية وإنجازها للمنتج التجديدي المنشود (البنية الفكرية الراشدة – والأبنية المؤسسية الفاعلة) [33].

وفي حدود الاستقراء الذي تيسر لنا في هذه الدراسة يمكن أن نستخلص من معالم الرؤية التجديدية للدكتور سيف الدين جملة من الشروط التي يلزم تحققها لسلامة العمل التجديدي وإفضائه إلى النتائج المبتغاة منه وهي:

الشرط الأول- النقد:

عد الدكتور سيف الدين من شروط المشروع التجديدي: إطلاق النقد الذاتي المستمر وقبول النقد البناء من الغير، ولم يعده مطلبا مهما فحسب، بل جعله فريضة وضرورة، لأنه يكشف عن مكامن الضعف، ويلفت أنظار حمَلة المشروع إلى معالجتها، وسيأتي تفصيل رؤية الدكتور في هذا الشأن[34].

الشرط الثاني- تحرير المفاهيم (ضبط التصور):

فهذه العملية هي أساس التصور السليم الذي ينبني عليه كل فكر تجديدي راشد؛ لذا استحقت إدراجها ضمن شروط التجديد.

وفي هذا الإطار دعا الدكتور إلى تصحيح الفهم المغلوط لعدة مفاهيم كبرى ذات أثر في تشكيل الواقع. كما دعا للتصدي لحالة الفوضى المفاهيمية التي صاحبت انتقال الريادة الثقافية إلى المستعمر الغربي الذي حرص بدوره على احتكار عملية (صك المفاهيم) وصياغة المعاني على النحو الذي يخدم أغراضه الإمبريالية، إلى غير ذلك مما سيتضح في المحاور الآتية.

ومن أمثلة المفاهيم التي نبه الدكتور على أهمية تحريرها وردها إلى أصولها الإسلامية الراشدة .. مفهوم (السياسة)؛ حيث دعا لرد الاعتبار لمفهوم السياسة؛ استلهاما من الرؤية الإسلامية التي تجعل السياسة سعيا في إصلاح الخلق ودرء المفاسد عنهم، وذلك بعد قرون عانت فيها الأمة من ويلات مفهوم السياسة الذي يراها صراعًا من أجل السلطة.

والسياسة – وفق هذا التصور- ليست فنًا أو أسلوبًا أو صراعًا، بل هي رعاية متكاملة من قَبِل الدولة والفرد لكل شأن من شئون الجماعة…

والسياسة – وفق هذه الرؤية- تتصف بالعموم والشمول، فهي مفهوم يخاطب كلَّ فرد مكلَّف بأن يرعى شؤونه ويهتم بأمر المسلمين، بل يمارس عمارة الكون في سياق وظيفته الاستخلافية. وعلى ما يؤكد “الراغب الأصفهاني”، فإن السياسة – وفق هذا التصور- تستند في تكييفها إلى حقيقة “الاستخلاف” [35].

وقد عدّ الدكتور تصحيح الفهم لمفهوم (السياسة) مدخلًا مهما للوصول إلى حالة (الحكم الراشد)؛ فالحكم الصالح الرشيد لا يعني السلطة وحسب، ولكنه يعني حالة مجتمعية وطريقة للحياة والمعاش، ومدخلا لتأسيس الحضارة وبناء العمران[36].

وفي هذا الإطار حذر الدكتور من أن بعض التيارات الإسلامية المعاصرة كان من أسباب إخفاقها أنها لا تزال تفكر في السياسة باعتبارها سلطة فحسب، على خلاف الرؤية الإسلامية التي تجعل السياسة بالأساس: قياما بالإصلاح في المجالين: الخاص والعام على حد سواء، وبهذا يقع مفهوم السياسة في القلب من عملية الإصلاح.

وهنا قد يناقَش أستاذنا بأن الصراع على السلطة ليس أمرا سلبيا في ذاته، إلا إن كان أستاذنا يقصد حصر مفهوم السياسة في فكرة الصراع مع إهمال معنى الرعاية والإصلاح، فلا يعارض في هذا، أو كان أستاذنا يقصد بالصراع: الخروج عن مقتضى المنافسة الشريفة فلا خلاف حينئذ على أهمية تحرير مفهوم (السياسة) من فكرة الصراع بهذا المعنى اللاأخلاقي.

ورد الاعتبار لمفهوم السياسة بإرجاعه إلى أصوله الإسلامية مدخل لدحض خرافة أن السياسة مدنس ومن ثم لا ينبغي خلطها بالدين المقدس، وهي من أمهات الشبهات التي تستخدم في الترويج للعلمانية وإقصاء الدين؛ بحجة الحفاظ على نقائه من أن يتلوث بدنس السياسة.

فهذه الشبهة مبنية على مفهوم للسياسة غريب عن الرؤية الإسلامية، أما السياسة في الرؤية الإسلامية فهي –في جوهرها- رعاية وإصلاح، وهذه قيم إسلامية أصيلة، فلا ضير إذن من وصل الدين بالسياسة. ثم إن الذي يصفونه بالمدنس هو في الحقيقة: حياة الناس، ولا يسلم وصفها بهذا الوصف.   

يقول الدكتور سيف في هذا المعنى: إن المشروع الإسلامي ((ثورة على خرافة: أن السياسة قذارة وفساد وخراب، وإصرار على أن هذه ليست السياسة التي هي تدبير وإصلاح ورعاية ومسؤولية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وقيام الأمة على أمرها بما يصلحه[37])).

كما دعا الدكتور سيف الدين –في هذا الإطار- إلى رد الاعتبار لمفهوم (الأمة) بعد قرون عانى فيها المحيط العربي والإسلامي من ويلات تجربة سياسية شائهة كانت فيها الدولة القومية الحديثة –بمفهومها الهوبزي المادي- هي وحدة التحليل في السياسة، مع تراجع مفهوم (الأمة الجامعة) لصالح النزعة القومية المغالية التي صاحبت الاستنساخ المشوه لتجربة (الدولة القومية الغربية) في المحيط العربي-الإسلامي، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تفكك أوصال العالم العربي والإسلامي بتدبير استعماري، وإحلال الدويلات القومية الناشئة محل الأمة الواحدة الجامعة، فالدولة القومية كانت في الغرب عامل قوة وتوحيد، أما استزراعها في الشرق الإسلامي على عين الاستعمار .. فكان عامل تفتيت، فصارت هذه (القوميات الحابسة) جزءا من المشكلة .. ((وحملت في طياتها عناصر تفكيك – أو هذا ما أريد لها – أكثر مما حملت عناصر جامعية. هذه الملاحظة تعني ما أحدثته هذه النشأة المشوهة والقسرية للدولة القومية (يعني في العالم الإسلامي) من ميراث المشاكل الممتد في داخلها، وفي علاقاتها البينية أو الإقليمية، والارتباط القافز على مقتضيات الجغرافيا (التجاور المكاني) ومقتضيات الزمان (التحديات التاريخية الممتدة عبر الزمن) ومقتضيات العقدية الجامعة (الإسلام) أو الثقافة الداعية إلى الوحدة، في علاقات خارج الكيان معظمها يتسم بالتابعية.

كما تعني هذه الملاحظة أيضًا: أن ميراث الدولة القومية حافظ بشكل حاد ومتواتر على علاقات تسير صوب التفكك لا التكامل (السيادة – الحدود)، خاصة حينما يتحول التمسك بها -وبما يترتب عليها من سياسات وعلاقات- إلى حالة مرَضية تضعف الكيان، كما تضعف علاقاته بكيانات أقرب ما تكون إليه.

وإن نظرة مقارنة بين المسيرة نحو المؤسسات الجامعة في الخبرة الأوروبية والخبرة في عالم المسلمين لَتُشكِّلُ دالةً واضحة في هذا المقام وما تحمله هذه المؤسسات من قدرات تفعيل في الخبرة الأوربية وتصورات عن السيادة والحدود والتكامل، وما تشير إليه تلك المؤسسات في خبرة عالم المسلمين من استمساك مرَضي بالسيادة والحدود تصل إلى حد التأثير الناسف لتفعيل وفاعلية هذه المؤسسات في العلاقات والسياسات أو الوجود الرمزي لمؤسسات التكامل دون إجراءات تصب في فاعلية علاقات التعاون والتكامل.

الدولة القومية كانت في الغرب “جامعة” بينما هي في عالم المسلمين نتاج لتفكيك كيانات أكبر، فخلفت ميراثًا من المشاكل)) [38].

وفي هذا الإطار دعا الدكتور سيف إلى أن يكون من ضمن اهتمامات المشروع الإسلامي: الاجتهاد في إحلال السعي النافع لامتلاك أسباب الدولة القوية محل الاستمساك الضار بفلسفة الدولة القومية وما اتصل به من تطبيق خاطئ لمبدأ السيادة وتصور متعسف لقضية (الحدود)، ما أفرز الاستبداد على الشعوب في الداخل والتبعية للقوى الدولية في الخارج مع ضعف العلاقات البينية بين الدول الإسلامية (وما صاحبَه من ضعف التنسيق في القضايا المشتركة كقضية القدس) وتفاقم مشكلات الأعراق والأقليات، في الوقت الذي يتجاوز فيه الغرب المعاني الضيقة لهذه الظواهر، ويقفز فوق اعتبارات التاريخ والجغرافيا[39].

يقول الدكتور سيف: ((ومن هنا كان على هذه الدول ألا تقف كثيرًا عند النشأة القسرية والمشوهة للدولة القومية، بل عليها أن تتعرف على التأثيرات السلبية التي يمكن أن تتركها في الوعي والسعي. وألا تقف عند عناصر سيادة قومية مهمِلةً عناصر دولة قوية ذات سيادة حقيقية، لا متوهمة تصدع بها حينما يجب ألا تصدع بها، وتفرط فيها حينما يجب التمسك بها)) [40].

الشرط الثالث- الواقع مرشد لا حاكم[41]:

اهتم الدكتور سيف ببيان حدود التعامل مع الواقع في أثناء النظر التجديدي، فيقول مثلا -بعد أن ذكر أمثلة للتحديات الداخلية التي تواجه المشروع الإسلامي: _ ((في تفاصيل المشروع الإسلامي الكبير لا بد أن تلقى كل هذه الأمور وضوحًا في الرؤية واجتهادًا يستوعب معطيات الواقع ولكنه لا يخضع لإملاءاته؛ ليتعرف على مداخل تفسيره ومسالك تغييره[42])).

وهذا من أهم الشروط الضابطة للنظر التجديدي في الرؤية الإسلامية؛ إذ يخُطُّ أمام العقل التجديدي المسلم حدودا مميزة من حدود التعامل مع الواقع.

ويعد النظر التجديدي الإسلامي أكثر اتزانا من النظر التحديثي الغربي والتغريبي؛ إذ يحترم الأول تطورات الواقع ويلتفت إليها، ويراعيها في حركته العمرانية، لكنه لا يقع في الأسر، ولا يجعل من الواقع مرجعية ملزمة إلا فيما تتلاءم طبيعته مع ذلك، وهو درس المادة والطبيعة، مع تكليل هذه المرجعية (الواقعية) بإطار أخلاقي حافظ من آفة التوحش المادي المهلك للإنسانية، فصار موضع الواقع من البحث التجديدي الإسلامي: أنه مادة للبحث، ومرشد للباحث، وموضوع للنظر، وموجه للناظر، ومجال للإصلاح والعمران، ومساعد للمصلح، وتأثيره في ميدان البحث الاجتماعي والإنساني = هو تأثير التوجيه والإرشاد لا السيطرة والإلزام.

الشرط الرابع- بيان معايير الأحكام (ضبط التعليل):

وهذا شرط مهم في سلامة النظر التجديدي؛ لأن إصدار الأحكام من غير معايير .. مدعاةٌ لردها؛ إذ لا يستطيع الناظر تقييم الحكم من غير أن يقف على معيار الحاكم به، وعدَّ الدكتور/ سيف الدين غيابَ المعايير من آفات البحث والنقد[43].  

ويقول الدكتور سيف الدين: ((هناك تقييمات كثيرة وخطيرة تتضمن تعميمات لا تستند إلى حجة أو برهان سوى ما تشهده الساحة بعد انحسار حكم الإسلاميين بعد ثورات الربيع العربي وبعد أن برزت الثورة المضادة تحاصر هذه الثورات وتلتف عليها[44])).

الشرط الخامس- الحذر من القياس الشكلي:

وهو القياس المبني على التشابه في الأشكال من غير اتحاد في العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه؛ ولهذا لم يرتضِ الدكتور قياسَ ابن خلدون أعمار الدول على أعمار الناس؛ لاختلاف العلة، ولأن الإنسان لا يعود إلى الشباب بعد شيخوخته، بخلاف الأمم الناهضة؛ إذ يمكن للأمم أن تجدد شبابها بعد شيخوختها[45].

الشرط السادس- الحذر من الاختزال:

حذّر الدكتور حملة المشروع الإسلامي مما أسماه: (إشكال الاختزال)، وجعله أخطر الإشكالات التي تحيط بالمشروع الإسلامي..

قال: ((وأخطر هذه الإشكالات: أن نختزل دراسة الظاهرة الإسلامية في مشروعاتها الحركية، أو تعريفات قاصرة، أو خرائط تصنيف متحيزة مبتورة تؤثر على التعاطي معها وتعتل مناهج التفكير بها، ونهمل زوايا نظر أخرى هي التي تبلغنا النظر الكامل والمتكامل)).

الشرط السابع- فقه السنن:

ويعني استيعاب السنن الربانية الكامنة في مسيرة الوجود كمونَ القوانين الطبيعية في الظواهر الكونية، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن القوانين الكامنة في الظواهر الطبيعية هي نوعٌ من أنواع السنن، وإن كان الغالب استعمال مصطلح السنن للتعبير عن قوانين الحركة الإنسانية.

ويعد هذا (الوعي السنني) ركيزة أساسية في إنجاز أي اجتهاد أو إصلاح تجديدي منشود، وشرطًا مهما في ترشيد المشروع الحضاري، وتحصين التجربة الإسلامية من آفة تكرار الأخطاء مع انتظار نتائج مختلفة (السذاجة الإصلاحية)[46].

إن اجتهاد الحضارة الفاعلة لا يمكن تحقيقه إلا في سياق الوعي بالسنن القاضية التي تحكم حالة العمليات الحضارية الكبرى، وتؤسس عناصر منهج تحليل وتفسير وتقويم يشير إلى السنن كقدرات منهجية، هذا المنهج للتعامل يتحرك ضمن هذه العمليات من مثل: عمليات التغيير الحضاري، أصول التعامل والتفسير الحضاري، اعتبار المآل الحضاري، عناصر تقويم المسيرة الحضارية، عناصر الاجتهاد السنني، أي: يجعل السنن موضوعًا للاجتهاد البحثي من ناحية وتفعيل عناصر هذا الاجتهاد السنني من ناحية أخرى ضمن دراسة الكثير من القضايا البحثية[47].

وهناك علاقة وثيقة بين فقه السنن وتقدم الأمة في الواقع؛ ففي معرض إجابة الدكتور عن مسألة (تقدم الغرب وتأخر المسلمين ) ذكَر (قانون العاقبة) الملازم للسنن الإلهية التي تحكم الحركة الكونية في المكان والزمان، فقال: إنه لا يجب على المسلم أن يقف أمام هذا القانون إلى الحد الذي يقع أسيرا فيه ومشلول الفاعلية بدعوى الإيمان بالقدر خيره وشره، بل يطالبه ذلك بالتوقف عند الحدث -تذكراً وعبرةً- كمقدمة لمواصلة الفعل والفاعلية في التفكير والسعي، والبحث عن مناط الفاعلية -فكرا وممارسة- لصياغة المستقبل؛ لذلك أشار إلى مثال ”السفينة” الذي تضمنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم [48] والذي يشير إلى مجموعة من المعطيات والمفاهيم والكلمات الحية التي يراد بها التأثير والتدبر، والذي يشير كذلك إلى مدخل السنن واستشراف المستقبل والتعامل معه حتى بلوغ المقصِد وهو: بناء المجتمعات الإسلامية [49].

وقد عد الدكتور سيف (السنن) من أركان منظومة القيم الكلية الحاكمة التي ينبثق عنها النظر الاجتهادي التجديدي، وسماها بـ(السنن القاضية)؛ لأن هذه السنن ذات طبيعة قاضية، فهي تقضي على عالم الحوادث، وتعمل على توجيه حركته وفق قوانين اجتماعية أودعتها يد الحكمة الربانية.

وهنا ينبه الدكتور سيف الدين على وقوع بعض الإسلاميين في وهم: أن اليقين والثقة بالله قد تعفي صاحبها من الوقوع تحت طائلة السنن، ويغفل هؤلاء عن حقيقة وقاعدة: (الله لا يواتي بالمنن إلا إذا عُمِل بالسنن)، فتحصل الإخفاقات وتتزعزع العقائد بسبب الغفلة عن حقيقة أن (السنن لا تحابي أحدا)، وأن السنن تُلفِت رجُلَ العقيدة لوجوب تحمل المسؤولية، والأخذ بعلم العلماء، واحترام خبرة الخبراء، وإحكام التخطيط، وعدم ترك شيء للمصادفة[50].

الشرط الثامن- اعتبار المآلات (علم التدبر) [51]:

في هذا الإطار يهتم الدكتور/ سيف الدين باعتبار مبدأ النظر في المآلات في ضبط التجديد، خاصة على المستوى المؤسسي؛ حيث يعد النظر في المآل شرطا لاستمرار صلاحية البناء المؤسسي وفاعليته؛ ذلك أن ((النظر في المآل لا يتوقف فحسب على مرحلة التأسيس، بل هو عملية مستمرة؛ ذلك أن الحكم بمشروعية حركة النظام يجب أن ينضبط في إطار اعتبار الآثار المترتبة عليها، وذلك بالموازنة بين المصلحة والمفسدة وفق قواعد الترجيح المقررة[52])).

((يجب ألا تتصور إدراكات عالم المسلمين أن مجرد إنشاء هذه المؤسسات هو غاية التمني ونهاية المطاف، بل هي ضمن عملية موصولة تتحرك من التأسيس إلى الفاعلية. ومن هنا كان من الضروري إقصاء كل الموانع واستثمار كل الإمكانات التي قد تقلل من الفاعلية أو تقضي عليها، سواء كان ذلك في الوعي والإدراك أم السعي والممارسة)) [53].

الشرط التاسع- فقه الأولويات:

من شروط النظر التجديدي الراشد: مراعاة فقه الأولويات وترتيبها بناء على (ميزان المقاصد) الضابط لمراتبها؛ حيث لوحظ مثلًا أنَّ كثيرا من المؤسسات في عالمنا تهمل الضروريات أحيانا لحساب التحسينيات؛ بقصد تحقيق أغراض تتعلق بالوجاهة ونحوها من المظهريات، وهو ما يعكس ضعف الإدراك لفقه الأولويات، ويجعل الأبنية المؤسسية عرضة للتكلس والخروج عن الأهداف الإصلاحية التي أنشئت من أجلها [54].

وفي هذا الإطار دعا الدكتور سيف إلى تأسيس ما أسماه بـ(ميزان المقاصد المعلوماتي)، لفرز طوفان المعلومات -الذي تتوه الحقيقة في ركامه- وترتيبها بحسب الأولويات المقاصدية، وتمييز المعلومات الكاشفة للحقيقة عن المعلومات الشاغلة عن الحقيقة والحاجبة لها، وبيان هذا في قول الدكتور سيف: ((إن هذا الكيان المعلوماتي … لا بد أن يتطرق إلى حفظ الابتداء، وحفظ البقاء، وحفظ النماء، وحفظ الارتقاء، وحفظ الأداء.. إنها عناصر ومستويات من الحفظ تؤصل عناصر المتابعة المعلوماتية بحيث تحقق بناء معلوماتيا قادرا على صياغة وعي وإدراك وسلوك الإنسان ، فيكون “حفظ المعلومات” مقدمة لحفظ الإنسان ذاته: كيانًا وبقاءً، نماءً وارتقاءً وأداءً.

السلم المعلوماتي في إطار أولويات واضحة ومحققة لمقاصد الحفظ السابق الإشارة إليها، معلومات الضرورة والضروري المعلوماتي ومعلومات الحاجة والحاجة المعلوماتية، ومعلومات التحسين، والتحسين المعلوماتي، معلومات تتعلق بالمجال الكلي والجزئي للفاعليات المجتمعية وفاعليات الأمة، بل والفاعليات الإنسانية، ومعلومات العام والخاص، إنها مجالات تدل على مساحة المعلومات التي لا ينظر إليها كركام يحجب الرؤية، ولكن كبناء وشبكة تشكل الوعي وتُفعِّل عناصر السعي.

كل هذا يفرض الرؤية الناقدة للمعلومة وأهميتها، والرؤية الفارقة بين المعلومة الزائفة أو السرابية، والمعلومة ذات الأهمية القابلة للتوظيف الملائم للاحتياجات، والرؤية الكاشفة لخريطة الحقل المعلوماتي وإمكانات تعظيم الاستفادة منه في سياق يحرر وينقّح المعلومة، وإمكانات توظيفها والتنبه للعناصر السلبية، والوعي بتأثير المعلومة في الإدراك والسلوك.

إن حقيقة البصر المعلوماتي تؤكد على عمليات فرز المعلومات وتأسيس فقه لها، يحفظ علينا الكيان المعلوماتي وإمكانات توظيفه، “المعلومات البصيرة” قدرات وأساليب تربوية تتعرف على إمكانات المعلومات وقدرات توظيفها، والبحث عن الحكمة في المعلومة أمر مهم جامع بين تحصيلها وإنتاجها وتوظيفها[55])).

المبحث الرابع: إبداع النماذج التفسيرية والبنائية في نظرية الدكتور سيف التجديدية

من الملاحظات المنهجية التي ينبغي الالتفات إليها في مقام البيان لنظرية التجديد عند الدكتور سيف الدين: أنّ للدكتور/ سيف قدرة بديعة على التقاط النماذج (المداخل) التفسيرية والبنائية من الكتاب والسنة والتراث الإسلامي، وتوظيفها في قراءة الواقع والمجتمع -باعتباره نصًّا[56]– وتقييمه من مرجعية إسلامية بصيرة.

ومن الأمثلة على ذلك:

(النموذج الفرعوني) الملتقط من القرآن الكريم[57]، فهو: اقتراب صاغه الأستاذ ووظّفه في فهم طبيعة الأنظمة الطغيانية المستبدة المضادة للحكم الراشد، وطريقة عملها في استخفاف الشعوب وتوجيهها إلى (العبودية الطوْعية) على حد تعبير لابويسييه.

ومن السنة النبوية نجد لدى الدكتور نموذج: (نظرية السفينة)، ويسميه أحيانا بـ(المدخل السُّفُني). وهو نموذج (تفسيري-بنائي) التقطه الدكتور سيف من حديث السفينة[58]، وجعله اقترابًا لفهم وتفسير ماهية العلاقات التشاركية بين الفرد والمجتمع (الهوية الجماعية)، وقوانين هذه العلاقة (قوانين السفينة)، وما تقتضيه مخاطر هذه العلاقة من تنظيم ما أسماه بـ(حق الارتفاق الاجتماعي) [59] و (إدارة التعدد) على أساس من التقسيم الوظيفي لا الطبَقِي[60]، كل هذا بقصد الوقاية من حدوث (الخَرْق الاجتماعي) الذي يعني غرق سفينة الجماعة[61].

يقول الدكتور/ سيف الدين: ((هل يعي هؤلاء ممن خرقوا “سفينة الأمة” ولسان حالهم يقول: “نخرق خرقًا في موضعنا هذا، .. ولم نؤذِ مَن فوقَنا، .. نحصّل منه ماءنا… هذا موضعنا نفعل فيه ما نشاء”؟!! ما بال هؤلاء لا يفكرون إلا تفكيرًا “أخرق” يخرق السفينة حتى تشرف على الغرق والهلاك؟ .. إن بعضًا من الأمة لا يَعُون الدرس، ولا يتخذون العبرة من الخبرة والفكرة، لم يتعرفوا على درس مصطفى صادق الرافعي حينما بحث في متتابعات منظومة السُّنن فوجد أن “أصغر خَـرْق يَعنِي أوسعَ قَـبْر[62])).

ومن هذه النماذج التفسيرية المشار إليها: نموذج: (عقلية الوهن)[63]، فهو نموذج تفسيري وظَّفَه الدكتور مدخلًا لتوصيف واقعنا البائس وما يموج به من (قابليَّات الوهَن) المفَرِّقة، وطبَّقه عمليا في قراءته مشهد حرب الخليج. وللدكتور كتاب مهم بهذا العنوان[64].

يقول الدكتور سيف: ((إن “يوم الأحزاب” عاد أدراجَه، ولكنه عود غير أحمد، فالخندق الحائل الحامي قد ردمته “العولمة”، والاختراق صار – في ظل قابلياته – خرقًا وانخراقًا، والأحزاب صار فيهم مَن هم “من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا”، .. وبرزت الأمة / القصعة “تتداعى” عليها الأمم من فوقها ومن أسفل منها، لا من قلة، ولا من إقلال، بل من وهنٍ وقابليات استخفاف. فأين سفينة الأمة من هذا الخضم؟))[65].

((عالم المسلمين عليه أن يختار بين عالمين.. عالم الوهن الذي تتداعى فيه الأمم عليه، وعالم العزة والمنعة والمكانة والإرادة؛ ليجد له مكانًا وتأثيرًا في عالم القرار الدولي[66])).

وهناك نماذج أخرى -ملتقطة من السنة النبوية- وظَّفها الدكتور في تحويط عملية الإصلاح بأُطُر تربوية حافظة؛ مثل: نظرية (الفسيلة)، ونظرية (الفأس)، وسيأتي الحديث عنها في موضعها من هذا البحث عند بيان أركان وعناصر العملية التجديدية عند الدكتور.

وبهذه النماذج التفسيرية البديعة يظهر ملمَح من ملامح أهمية هذا البحث؛ إذ يحاول الإسهام في إثراء المنهجية الإسلامية الضابطة لعملية (الوصل التفعيلي) بين المرجعية التراثية الحضارية للأمة وبين واقعها المأزوم، وهو بهذا المنحى المنهجي يعد إسهاما في إثراء البحث في قضية تجديد علم أصول الفقه في شِقَّيْهِ المعنيَّيْنِ بمنهجية التفسير، ومنهجية التنزيل على الواقع.

هذا مجمل القول في معالم النظرية التجديدية كما تظهر في رؤية الدكتور سيف، وسيجد القارئ الكريم مزيد تفصيل فيما يأتي من محاور تتجلى فيها مطالب واستراتيجيات الإحياء والتجديد المنشود للمشروع الحضاري الإسلامي..

[1] ينظر فيما سبق: د. سيف الدين عبد الفتاح: النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي، ص 17- 18.

[2] رواه أبو داود 4291 ، وصححه الحاكم 8592 ، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. قال الصنعاني نقلا عن صاحب المرقاة: ((اتفق العلماء على تصحيحه)). التنوير شرح الجامع الصغير (1/ 154).

[3] رواه مسلم في كتاب الإمارة. وهو من الأحاديث المتفق عليها.

[4] روي الحديث عن أكثر من صحابي، وقال الخطيب: سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث وقيل له: كأنه كلام موضوع، قال: لا، هو صحيح سمعته من غير واحد، انظر: كنز العمال ، ج12، ص 176.

[5] الحديث “لن تجتمع أمتي على ضلالة أبدًا فعليكم بالجماعة وأن يد الله مع الجماعة” رواه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي عمر، ورقم الحديث في كنز العمال 1029، وأيضًا “لا يجمع الله عز وجل أمر أمتي على ضلالة أبدًا، اتبعوا السواد الأعظم، يد الله مع الجماعة من شذ شذ في النار” رواه الحكيم وابن جرير في الحاكم عن ابن عمر، ورقم الحديث في كنز العمال 1030، المرجع السابق، ج1، ص 206.

[6] رواه الترمذي عن عوف بن مالك وحسنه. انظر: المرجع السابق، ج1، ص 180، حديث رقم 908، وقد رواه أيضًا ابن ماجة عن عمر بن عوف المزني. وروى الإمام مسلم بهذا المعنى: “من سن في الإسلام سنة حسنة …”. وكذا روى “من دل على خير فله مثل أجر فاعله…”. انظر: محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محمد علي صبيح، القاهرة: د.ت، ص41.

[7] الأنفال: 24.

[8] متفق عليه، عن أبي موسى.

[9] د. سيف الدين عبد الفتاح: النظرية السياسية، المرجع السابق ص 13- 15.

[10] ينظر فيما سبق: د. سيف الدين عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 12-13.

[11] ينظر فيما سبق: د. سيف الدين عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 14-17.

[12] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[13] د/ سيف الدين عبد الفتاح، قيم الواقع وواقع القيم .. ما المعنى العلمي للقيم؟ ضمن كتاب: القيم في الظاهرة الاجتماعية، ص 51 .

[14] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[15] راجع تفاصيل أخرى في: د. سيف عبد الفتاح، دورة المبتدئين في المنظور الحضاري .. نماذج من تفعيل المنظور.. مناهج الفكر والتحليل 3، على الرابط

(ولاحظ كيف أن الدكتور/ سيف الدين يكثر من محاكاة طريقة عمل الجسم في استخلاص المداخل التفسيرية والبنائية).

[16] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[17] د. سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الـ 15 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. ميزان المقاصد المعلوماتي على طريق المعرفة والحكمة، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 17 يناير 2016 .

[18] د. سيف الدين عبد الفتاح، الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[19] د. سيف الدين عبد الفتاح، المرجع السابق.

[20] د/ سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، ط1 (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1419ه/1999 م) ص 52 بواسطة جميلة بو خاتم، التجديد في أصول الفقه، مكتبة الأسرة 2016، ص 307.

[21] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[22] يقول الدكتور سيف: ((الاجتهاد ليس إلا الأداة التأسيسية في تحقيق الوعي الناضج والملتزم المسؤول من حيث يعد مقدمة للحركة وحدودا لها)). النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 162. وظاهر أنه يجعل الحركة (الإصلاحية) صادرة عن الاجتهاد الصانع للوعي.

[23] يقول الدكتور سيف: “النقد الذاتي ضرورة حياتية عمرانية أشبه بعمليات حيوية في الجسم تتعلق بالمسح الوقائي ثم رصد السموم والأخطار، ثم مواجهتها.. إن افتقاد النقد الذاتي يصيب الجسد بمرض (الإيدز الاجتماعي)”.  د/ سيف الدين عبد الفتاح: النقد الذاتي فضيلة وفريضة وضرورة، بتصرف، مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 25 أكتوبر 2015.

[24] دورة المبتدئين في المنظور الحضاري/ د.سيف عبدالفتاح: نماذج من تفعيل المنظور: مناهج الفكر والتحليل1، على الرابط

[25] روى أحمد (12902) ، والبخاري في “الأدب المفرد” (479) ، وعبد بن حميد في “مسنده” (1216) ، والبزار في “مسنده” (7408) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا) .ولفظ أحمد: (إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا). وصححه الألباني في “الصحيحة”. والفسيلة هي: كُلّ عود يُفصَل من شجرته ليُغرس.

[26] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[27] أخرج أبو داوود وابن ماجة: أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال: أما في بيتك شيء قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء قال ائتني بهما قال فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال من يشتري هذين قال رجل أنا آخذهما بدرهم قال من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال له اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما .. الحديث. فاستنبط منه الدكتور سيف نظرية (الفأس)، يعني القدوم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يشتريه ويحتطب به.

[28] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[29] د. سيف الدين عبد الفتاح: قضاء الضد في عصر الرويبضة، منشور على موقع عربي 21، بتاريخ 22/6/2016.

[30] ولذلك يسمي الدكتور سيف الدين الدولة الاستبدادية بـ(دولة الضد).

[31] د. سيف الدين عبد الفتاح، الزحف غير المقدس .. تأميم الدولة للدين، ص 6-11 نقلا عن الحكيم البشري، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2005.

[32] د. سيف الدين عبد الفتاح، محاضرة: (الإصلاح والسياسة) على الرابط

[33] وكلها تهدف إلى بناء الإنسان الحضاري كما تقدم.

[34] ينظر: د/ سيف الدين عبد الفتاح: (الحلقة الثالثة من سلسلة المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال) .. النقد الذاتي فضيلة وفريضة وضرورة، بتصرف، مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 25 أكتوبر 2015.

[35] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[36] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[37] د. سيف عبد الفتاح، المقال الافتتاحي في سلسلة المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال، مرجع سابق.

[38] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة الخامسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 8 نوفمبر 2015 .

[39] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة السادسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 15 نوفمبر 2015 .

[40] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة السادسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 15 نوفمبر 2015 .

[41] هذه العبارة (الملهمة) من نفائس أستاذنا، ولم أقف عليها مكتوبة، وإنما استفدتها من محاضرة: (الإصلاح والسياسة) على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=18P-OvAPAII. غير أن الدكتور تحدث عن فحواها وشرح معناها في الحلقة الـ 12 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال” كما سيأتي.

[42] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الـ 11 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. خريطة التحديات الحضارية في العالم الإسلامي: التحديات الداخلية (1)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 20 ديسمبر 2015.

[43] دورة المبتدئين في المنظور الحضاري/ د. سيف عبدالفتاح: نماذج من تفعيل المنظور: مناهج الفكر والتحليل1، على الرابط

[44] المقال الافتتاحي في سلسلة المشروع الإسلامي الكبير، مرجع سابق.

[45] دورة المبتدئين في المنظور الحضاري، المرجع السابق.

[46] د/ سيف الدين عبد الفتاح، المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 11 أكتوبر 2015.

[47] د/ سيف عبد الفتاح، مقاصد ومعايير التنمية .. رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدى .. ورقة أولية قدمت في مؤتمر “الأمة وأزمة الثقافة والتنمية”- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ديسمبر 2004، ص: 2.

[48] هو ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا)).

[49] د/ سيف، المشروع الحضاري الإسلامي للتغيير، سيرة ومسيرة، بواسطة/ الحسن الفرياضي، على الرابط

[50] النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص: 206؛ وينظر أيضا: ندوة ” أصول الفقه الحضاري والمدخل المقاصدي ” للدكتور سيف عبد الفتاح، على الرابط

[51] ينظر: د. سيف عبد الفتاح: النظرية السياسية ص 197 ، 199 .

[52] د. سيف: النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 199 .

[53] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة السادسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 15 نوفمبر 2015 .

[54] د. سيف عبد الفتاح: التنمية والنهضة .. رؤية مقاصدية، على الرابط

[55] د. سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الـ 15 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. ميزان المقاصد المعلوماتي على طريق المعرفة والحكمة، بتصرف، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 17 يناير 2016 .

[56] راجع في بيان فكرة قراءة المجتمع كنص: د. سيف الدين عبد الفتاح، الزحف غير المقدس .. تأميم الدولة للدين، ص 6-11، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2005.

[57] ينظر في شرحه: د. سيف عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 162؛ د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[58] هو ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا)).

[59] وهو في رأيي معنى (عمومِ النِّعَم).

[60] وهو المشار إليه في قوله: “فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا”.

[61] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[62] الحلقة التاسعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. مشروعان يتدافعان في المنطقة.. الأمة الوسط والشرق الأوسط الجديد، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 06 ديسمبر 2015.

[63] وهو حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت)). رواه أبو داود بإسناد صحيح.

[64] ينظر: د. سيف الدين عبد الفتاح: عقلية الوهن .. دراسة لأزمة الخليج .. رؤية نقدية للواقع العربي في ضوء النظام العالمي الجديد، القاهرة، دار القارئ العربي، الطبعة الأولى 1412 = 1991 .

[65] الحلقة التاسعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. مشروعان يتدافعان في المنطقة.. الأمة الوسط والشرق الأوسط الجديد، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 06 ديسمبر 2015.

[66] الحلقة الـ 12 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. التحديات الحضارية الخارجية وعالم المسلمين (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 27 ديسمبر 2015.

د المصطلح موضوع البحث (المشروع الحضاري)، وعرضنا رؤية الدكتور سيف في ماهية المشروع الحضاري الإسلامي ومكوناته وخصائصه.

وهنا يأتي الدور على بيان المصطلح المستهدف غرضًا للبحث وهو (التجديد)، من خلال عرض رؤية الدكتور سيف في نظرية التجديد وما يستتبعها، فأبدأ بعرض رؤيته في مفهوم التجديد، ثم رؤيته في أركان وشروط العملية التجديدية، وأختم الفصل بالتجديد في النماذج التفسيرية والبنائية.

المبحث الأول: مفهوم التجديد في رؤية الدكتور سيف

يرى الدكتور سيف الدين أن قضية التجديد من أهم القضايا الرئيسة التي تطرح على كافة المستويات: النظرية والنظامية والحركية، وهي على أهميتها وخطورتها –وعلى كثرة الدراسات المتعلقة بها لا تزال تعاني مزيدًا من الغموض وذلك لعدة أسباب أساسية:

أولاً: أن قضية “التجديد” هي من القضايا القيمية في أساسها، بحيث إن أي تيار فكري يعتبر نفسه ممارسًا للتجديد إن لم يكن هو التجديد ذاته، بل حتى أشد التيارات جمودًا تدعى التجديد، وأكثرها تفريطًا تزعم القيام بمهمة التجديد؛ ومن ثم يشكِّل المصطلح في ذاته بريقًا يؤدي إلى انخراط التيارات الفكرية كافة فيه، واعتبارها نفسها الممثل له –وربما الممثل الوحيد- أو على أقل الفروض هي لا ترفضه أو تعوق مسيرته.

الثاني: يتساند مع ذلك أنها قضية من طبيعة فكرية وإنسانية عامة، بحيث لا تخلو جماعة بشرية من تصورٍ ما لهذه العملية، فصارت من القضايا الأساسية في تصاعد عصر الأيديولوجية والعقائد الفكرية والسياسية، ولذا أفردت كل فلسفة مبحثًا من مباحثها أو أكثر لدراسة فكرة التجديد: إن لم يكن بهذا المسمى فتحت مسميات قريبة منه مثل: التغيير – التقدم – التطور – الحداثة – حركة التاريخ – تطور المجتمعات – الثورة…إلخ.

الثالث: ساهم فهم التجديد على أنه (انحياز للجديد بصورة مستمرة) في غموض هذا المفهوم والظواهر المعبرة عنه، بحيث صُوّر وكأنه (عمليةُ تجاوزٍ مستمرة لوضع ما)، ومن ثم تعد مؤشرات التجديد في فترة زمنية متقاربة غير صالحة للتعبير عن فكرة التجديد في تطوراتها، وصارت الحدود الفاصلة بين الثابت والمتغير غير واضحة المعالم إن وجدت، أو لا توجد كلية.

هذا المفهوم الذي واجه أزمة حقيقة ما بين غموض يحيط به حين عرضه والخلط بينه وبين مفاهيم أخرى متعددة دون تدقيق أو تحديد في طريقة تناوله .. فرَض تحديد ماهية التجديد قبل الحديث عنه كمسلّمة وباعتباره أول الأوليات، حيث إن تحديد ماهيته يترك انعكاسات بالضرورة في الرؤية المنهاجية أو الإجابة على أسئلة أخرى تتعلق بهذه العملية مثل: لماذا التجديد؟ (السبب) و(المقصد)، وكيف يكون التجديد؟ (الأسلوب) و(المنهج)، وتبدو أهمية القيام بذلك –ومن خلال فهم الأسباب السابقة- في ضرورة تنقية مفهوم التجديد وفق ما تقدمه الخبرة الإسلامية في امتداداتها الزمنية والحركية، خاصة أن الباحث سيجابه ببعض الدراسات التي ترادف بين مفهوم التجديد وبين مصطلحات أخرى، فضلاً عن أنها محملة بالقيم، فإنها قد ترتبط باتجاه إيديولوجي معين، أو مذهبية خارجة عن دائرة الرؤية الإسلامية وفي الغالب تتناقض معها أو تقصُر عن التعبير عن كمالاتها.

وهناك كم هائل من المفاهيم تستعصي على الحصر في تعلقها بفكرة التجديد سواء ارتبطت بها موضحة أو مبينة، أو خلطت بينها دون تمييز، وذلك مثل: الأصالة – الجديد – القديم – المعاصرة – العصرية – العلمانية – التحديث – التنمية السياسية – المحافظة – التقليدية – التقدم – الرجعية – التغريب – التطور – الديمقراطية – القومية – الاغتراب – التقدم العلمي والتقني – التصنيع – الاشتراكية – الماركسية – الثورة – الحداثة – المؤسسية – المجتمع المدني – البدعة – الإحداث – التقليد – الاجتهاد – الغزو الفكري والثقافي – الاتباع – السلف والسلفية – اليقظة – الصحوة – النهضة – البعث – الإحياء – المد – الإصلاح – المستقبلية – اليسار واليمين – السياسة الشرعية –– التغيير والتحول – التمدن – الترقي – المصالح المرسلة – سد الذرائع – الاستحسان – الإجماع – الناسخ والمنسوخ…إلخ.

هذه المفاهيم قد تُعبر عن ناحية من نواحي التجديد أو تشكل إحدى أدواته، كما أن جانبًا منها قد يختلط بمفهوم التجديد خاصة تلك المفاهيم النابعة من الحضارة الغربية[1].

مفهوم “التجديد”:

يرى الدكتور سيف الدين أنه يمكن تحديد مفهوم التجديد وأهم دلالاته من خلال تفاعل مجموعة من المستويات منها: اللغة التي تؤكد أن مفهوم التجديد بوزنه اللغوي إنما يعبر عن حالة من التواصل والاستمرارية وبذل الجهد والطاقة.

ورغم أنه لم ترد مادة “التجديد” أو فعلها “جدّد” في القرآن الكريم -بل ورد كلمة “جديد”- إلا أنه وفي هذا السياق فإن القرآن لا يخلو من التعبير عنه وعن أهم محدداته بمعان كثيرة أخرى تسهم في تحديده وتفسيره مثل: الإصلاح- الإحياء- التغيير- النور والتنوير … إلخ.

بل إنه من المهم في هذا المقام أن نشير إلى أن مفهوم التجديد ذاته تعكسه روح الشريعة ذاتها وطبيعتها؛ ذلك أن سماتها الأساسية تؤكد على عملية التجديد وضرورتها مثل صلاحية الشريعة للزمان والمكان، وطبيعة الرسالة الخاتمة والتي تؤكد على صفة الأبدية والخلود مما جعلها تفصّل فيما لا يتغير بينما تجمل ما يتغير، واشتملت على مجموعة من المبادئ الكلية والنظامية الثابتة والحاكمة على كل اجتهاد بشري يتحدى المقاصد الشرعية وأصول الشريعة. بل إن حال الابتلاء التي خوطب بها المؤمنون مرارا وتكرارا كانت في جوهرها عملية تجديد وترسيخ للإيمان.

كذلك حالة التذكير عند الغفلة أو النسيان أو الاندراس إنما تعبر عن فكرة التجديد، وأخيرا حال التوبة -والتي قد ترتبط بالفرد أو الجماعة عند ارتكاب الذنوب أو المعاصي- ليست إلا تجديدا باستشراف مرحلة جديدة يؤكد فيها على الصالح وتكريسه، ويترك فيها المعاصي والذنوب.

وإذا كان نسق الشريعة يؤكد على فكرة التجديد ويجعلها إحدى خصائصها وسماتها .. فإن السنة النبوية الصحيحة –والتي تعد جزءا لا يتجزأ من الوحي- قد أشارت بصورة مباشرة إلى مفهوم التجديد من خلال الحديث النبوي: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»[2].

وأهم ما يشير إليه الحديث: ذلك التواصل والاستمرارية وحقيقة التجديد الذاتي في الأمة بالعودة إلى الأصول والتفاعل مع مبادئها ومقاصدها في حركة الحياة؛ فكرا ونظما وحركة.

يظاهر هذا الفهم الحديث النبوي الذي يؤكد أنه “لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس”[3].

بل يحدد النبي (صلى الله عليه وسلم) طبيعة هذه المهمة التجديدية في حديث آخر: “يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”[4].

ذلك أن هؤلاء المجددين قد حفظوا على الدين صورته الصحيحة النقية، كما لم يتركوا الأمة ليعمها الفساد والضلال بصورة جماعية حيث لا تجتمع الأمة على ضلالة[5].

وقد أحيوا الدين والسنة بعد اندراس فيهم “من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئًا”[6].

فالإحياء جوهره الاستجابة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[7].

وقد أوضح النبي (صلى الله عليه وسلم) أقسام الخلائق بالنسبة إلى الاستجابة لدعوته وما بعث به من الهدى في قوله (صلى الله عليه وسلم): “مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم: كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقِه في الدين فنفعه ما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلتُ به”[8].

وعلى هذا تشكل الأصول الإسلامية (قرآنا وسنة) رؤية متكاملة لعملية التجديد وفق الحدود والشروط المعتبرة شرعًا، وبلا تكلف في هذا المقام يمكن للباحث أن يعد مفهوم التجديد أحد المفاهيم الشرعية والذي يجب عدم التفريط به أو فيه؛ اسمًا ومعنى ودلالة.

وهذه الرؤية تفترض مجموعة من القواعد الأساسية:

  • ضرورة بيان المفاهيم الشرعية الواردة قرآنًا وسنة من حيث دلالاتها وحدودها ومقاصدها (الإحياء – التجديد – الإصلاح – التغيير)؛ حتى لا تختلط بالترجمة العربية لبعض الكلمات الغربية المتشابهة معها.
  • ضرورة التمييز بين تلك المفاهيم الشرعية وبين ما يختلط بها من مفاهيم مثل: البدعة والإحداث في الشريعة.
  • تنقية المفهوم مما يختلط به من مفاهيم غربية معاصرة، وبيان وجه الافتراق بينهما، مثل: التحديث – التنمية – التقدم…إلخ.
  • مراجعة الكثير من المفاهيم المعاصرة التي انتشرت في الواقع الإسلامي، والتحرز في استخدامها مثل: النهضة والصحوة واليقظة والبعث…إلخ[9].

وفي هذا السياق، والذي يشير إلى فوضى الألفاظ وتعدد المفاهيم الدالة على عملية التجديد، يؤكد الدكتور سيف الدين على ضرورة التمسك باستخدام المفاهيم التي وردت شرعًا؛ لأنها محددة المعاني والدلالات كما يصعب التلبيس بصددها، وذلك حتى لا تختلط الأمور والألفاظ والتوجهات فيطلق اللفظ ويراد به غيره، بل ربما نقيضه.

فإذا كان التجديد لا يعني تقليدًا بلا بينة، فإنه لا يعني تبديدًا للشرع تحت أي مسمى كان، كما أنه يجب ألا ينصرف معنى التجديد في هذا السياق إلى معاني التجديد في الدين والشرع ذاته بل هو في حقيقته تجديد وإحياء وإصلاح لعلاقة المسلمين بالدين والتفاعل مع أصوله والاهتداء بهديه[10].

مفهوم التجديد السياسي:

بعد أن فرغ الدكتور سيف الدين من بيان مفهوم التجديد عموما .. عني ببيان المراد بالتجديد السياسي، وفي هذا الإطار اهتم أستاذنا بتحرير مفهوم السياسة من غبش التصور الغربي الذي ابتعد بالمفهوم عن جوهره الإسلامي القائم على معاني الرعاية والإصلاح، وعدّ الدكتورُ هذا التحرير من صلب عمليات التجديد السياسي المنشود.

في البدء تساءل أستاذنا: في ضوء هذه الرؤية لمفهوم التجديد في كليته، فماذا يعني وصفه بالسياسي؟

ثم أجاب: في البدء يجدر التحفظ؛ فإن وصف التجديد بـ”السياسي” لا يفتئت بحال على الطبيعة الكلية لعملية التجديد من جانب كما لا يعني إمكانية فصل الجانب السياسي عن جوانب أخرى، إذ إن ذلك ليس إلا تمييزًا للدراسة يهتم فيه بالجوانب التي اصطلح على إدخالها في مجال السياسة.

وحقيقة الأمر: أن بين التجديد والسياسة ارتباطًا لا انفصام له، فإذا كان التجديد في جوهره ليس إلا إصلاحًا وتقويمًا، فإن السياسة في معناها ومبناها تعبر عن القيام بالأمر بما يصلحه، وعملية التجديد السياسي ذات مستويات متعددة (الفكري – والنظامي – والحركة)، ومن نافلة القول: أن هذه المستويات جميعًا تتفاعل فيما بينها، وهي إن قبلت التمييز لأغراض الدراسة فإنها لا تقبل الفصل في الواقع المعاش.

ومفهوم التجديد السياسي في تعلقه بالخبرة الإسلامية -وباعتباره مفهومًا شرعيًا- يؤكد أن عملية التجديد في العالم العربي والإسلامي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال العودة إلى الأصول والتفاعل معها، ومن ثم كان الاهتمام بالربط بين التجديد السياسي الإسلامي والواقع العربي المعاصر، فالتجديد السياسي في الرؤية الإسلامية يعني: تقويم الانحراف وإحياء الأصول في مواجهة المواقف المستجدة والمستحدثة دون إفراط أو تفريط أو استظهار في كل ما يتعلق بمجال السياسة، وبما يمكن من إصلاح حال الأمة وإحداث نوع من التغيير الإيجابي لعناصر الرابطة السياسية: فكرًا ونظمًا وحركة.

في هذا السياق يمكن القول بأن أولى مهام التجديد السياسي الشرعي على المستوى الفكري تتمثل في بناء علم سياسة إسلامي، والقيام بخطوات جدية لتحقيق إسلامية علم السياسية، وهو ما يتطلب ضرورة القيام بمراجعة نقدية للمفاهيم الأساسية، واستبعاد المنهجيات غير الصالحة التي تختلط فيها القواعد النظرية بالطموحات المتغيرة وبالغايات المحدودة وبالتحيزات الأيديولوجية، حيث تطمح جهود العلماء على الرغم من ذلك إلى تحقيق نوع من التراكم المعرفي من خلال القيام بدراسات جزئية تصل في نهايتها إلى مجموعة من التعميمات ترى فيها المحصلة لهذا التراكم المعرفي الذي لا يمكن تحقيقه في ظل تعدد المناهج والمدارس الفكرية واختلاط الفروض العلمية بالفروض الأيديولوجية.

والقيام بهذه المراجعة النقدية للمفاهيم التي أفرزتها الدراسات الإنسانية الوضعية والدراسات السياسية خاصة .. أمر هام، ذلك أن المفاهيم تعتبر في نظر واضعيها من أساسيات المعرفة، ولا سيما أن المفهوم -كمعلومة لها أهميتها وموقعها من البنية المعرفية- سيكون له حتما أثر في الحياة المُعاشة إذا ما وضع موضع التطبيق -ولو جزئيًا- خاصة أن هناك تيارًا يهدف إلى أن تكون هذه المفاهيم بدائل للأفكار الإسلامية مما يوجه النظر إلى خطرها وعظم المهمة في مراجعتها.

وهذه المراجعة النقدية على أسس عقيدية ومنهجية سليمة تفتح السبيل أمام تحقيق مقتضى الإيمان، كما تحقق هيمنة الإسلام في تنظيم الحياة كدين يشتمل على السياسة وعلم ينطوي على عمل؛ حيث تكمن في دلالات نصوصه المفاهيم المنهجية التي تنتظم على أساس منها مكتسبات الإنسان المعرفية في كل مجال من مجالات النظر والتطبيق بما فيها العلوم السياسية، هذه الدلالات حين يتوصل إليها ليست بناء معرفيًا إسلاميًا فحسب، بل هي أيضًا منظومة من المقاييس تتكامل فيما بينها وينبغي استثمارها في تقويم المعارف الإنسانية عامة والسياسية خاصة في ضوء النصوص الإسلامية والمنهجية الإسلامية الصادرة عنها ابتداء والعائدة إليها احتكامًا.

وهذا يقود بدوره إلى الحديث عن كيفية بناء علم سياسة إسلامي والذي ينطلق من نقطة أساسية تتمثل في إعادة تعريف مفهوم السياسة ذاته وفق الرؤية الإسلامية، وتميزه في هذا المقام كنسق قياسي، وهذا الأمر يؤثر ضرورة على إعادة تعريف علم السياسة من جانب، وفهم وصف التجديد “السياسي” من جانب آخر.

ذلك أن مفهوم علم السياسة الذي شاع منذ نشأة علم السياسة المعاصر ودخوله في العالم العربي قد مارس دورًا كبيرًا وخطيرًا في تحديد مسار العلم وموضوعاته وطريقته في البحث، وهو إن كان يتفق في ذلك مع مسيرة الدراسات الإنسانية في مجملها والتي خضعت في تكوينها للتأثيرات الوضعية والعلمانية وتغلغلها في النطاق التعليمي، إلا أن علم السياسة بالذات –لخطورة موضوعاته والقضايا التي يعالجها- كان أهم عامل لتثبيت هذا التغلغل العلماني وقوة تأثيره مما جعله ركامًا فوق بعضه يحجب الرؤية كما يعرقل عملية التغيير والسير بها على صراط مستقيم.

إن ممارسة السياسة بكونها مفهومًا يستبطن قيم: الصراع والتكيف والحلول الوسط وتحكيم الواقع وباعتبارها فن الممكن .. قد عبر عن رؤية اقتفت أثر مفهوم السياسة الوضعي في الفكر السياسي الغربي، وهي إن وجدت مجالها وطريقها إلى التعميم والانتشار والاستقرار إلا أن هذا كله لا يعني صحتها أو صلاحيتها أو فعاليتها وفق الرؤية الإسلامية.

فالسياسة –وفق الرؤية الإسلامية- ليست إلا قيامًا بالأمر بما يصلحه شرعًا، وقد وردت النصوص بما يحدد مدلولها نظرًا وعملا من خلال آيات الحكم، ونصوص الإمارة والنهي عن المنكر والتي تحيط كلها بالمفهوم وتحدد مكوناته.

والسياسة وفق هذا التصور ليست فنًا أو أسلوبًا أو صراعًا، بل هي رعاية متكاملة من قبل الدولة لكل شأن من شؤون الجماعة، رعاية قائمة على العقيدة الإسلامية ومسيرة بالتشريع الإسلامي في الداخل والخارج، فأساليبها واتجاهها ونتائجها كذلك إسلامية إذا ما تفاعلت معها عناصر الرابطة السياسية على نحو يملك البصر والبصيرة.

فالسياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه، أو هي إصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المُنجّي في الدنيا والآخرة، وهو ما ينسجم مع غايات الرسالة الإسلامية وخبرتها في صدر الإسلام، فلقد ساس النبي (صلى الله عليه وسلم) -وكذا فعل خلفاؤه الراشدون (رضي الله عنهم)- بما تقتضيه تلك المعاني.

والسياسة وفق هذه الرؤية تتصف بالعموم والشمول، فهي مفهوم يخاطب كل فرد مكلف في الرسالة الإسلامية بأن يرعى شؤونه ويهتم بأمر المسلمين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحكم بما أنزل الله في شئونه، ويقدم النصح لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.

والأمر لا يقف عند تحديد موضوع العلم، بل يتخطى ذلك إلى كل العمليات المنهاجية: من ضرورة إعادة النظر في تصنيفات العلوم وموضع علم السياسة منها، سواء طرحت هذه التصنيفات في التراث القديم نتيجة للتأثر بفلسفة اليونان القديمة، أو تلك التصنيفات التي تطرح نتيجة للتأثر بعلم السياسة الغربي المعاصر؛ ذلك أن إعادة صياغة علم السياسة إسلاميًا يتطلب إعادة تحديد وترتيب المعلومات والنظر فيما يترتب عليها من استنتاجات، وتقويمها، وتصور أهداف العلم ومقاصده، على أن يتم ذلك بطريقة تمكن من إغناء وخدمة قضية الإسلام.

ومن أجل تحقيق هذه الغاية يجب أن تأخذ التصنيفات المنهجية للإسلام –أي: وحدة الحقيقة، ووحدة المعرفة، ووحدة الإنسانية، ووحدة الحياة، وخضوع الإنسان لخالقه –مكان التصنيفات الغربية.

ووفق ما سبق فإن موضوع العلم يجب أن يتجاوز البحث عن ظاهرة السلطة وينطلق إلى مفاهيم أكثر رحابة (كالتوحيد وتأثيراته على مجمل الحياة السياسية – والاستخلاف – والشِّرعة والشرعية) باعتبارها مفاهيم إطارية كلية تشكل إطار المرجع، وتنبثق عنها مجموعة أخرى من المفاهيم العامة والأساسية تفضي بدورها إلى مفاهيم فرعية لا يمكن فهم الفرعي منها إلا بالرد إلى أصله، ولا الجزئي إلا في سياق الكلي، بما يؤكد الفهم المتميز للمفاهيم السياسية لفظًا ومعنى.

  كما أن هدف العلم يجب ألا يقتصر على الوصف أو التحليل والتفسير لما هو قائم، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى تقويم هذا الواقع ومحاولة إصلاحه، فالسياسة: قيام للأمر بما يصلحه.

في نطاق هذا الفهم يمكن القول بأن جوهر السياسة هو عملية التجديد، وأن يتم بناء علم سياسة إسلامي، وعملية التجديد السياسي خصوص وعموم، حيث تقع عملية البناء تلك في قلب التجديد السياسي، بل تعتبر أهم أدواتها، وأحد شروطها، ومقصدًا مهما من مقاصدها، فليس من المبالغة القول: إن التجديد سياسة، والسياسة تجديد وتدبير وإصلاح وتقويم واجتهاد وتغيير، وفقه واقع وتنزيل حكم[11].

المبحث الثاني: أركان المنظومة التجديدية في رؤية الدكتور سيف

يرى الدكتور سيف الدين أن الاجتهاد هو أهم آلات التجديد، وهو الجسر الواصل بين الشريعة والمشروع[12]، لكنه ليس الآلية الوحيدة؛ لأن ميدان التجديد يتسع ليتضمن مساحات أخرى؛ مثل: الوعي بالتاريخ وسننه، والفكر وآفاقه، والواقع ومشكلاته وطريقة التعاطي معها، وهذه العمليات الأخرى تندرج تحت مفهوم الإصلاح، وهو المفهوم المكمل لمفهوم الاجتهاد في منظومة (التجديد العمراني).

وبناء عليه فالعملية التجديدية تتألف أساسا من مرجعية وعناصر ثلاثة، أما المرجعية فهي الرؤية الكلية (المدخل المقاصدي)، وأما العناصر الثلاثة فهي: الآليات الاجتهادية، والأدوات الإصلاحية، وأصول الفقه الحضاري الذي يحقق وظيفة الربط والتنزيل بين كل ما سبق..

الركن الأول- الاجتهاد الشبَكي (المنظومي):

إن الاجتهاد الذي يجعله الدكتور/ سيف الركن الأساس في عملية التجديد هو ما أسماه بالاجتهاد المنظومي (الشبكي)، وهو: ذلك النظر الاجتهادي (الشبَكي) الذي ينظر لكلٍّ من الشرع (الوحي) والواقع (الوجود) نظرة كلية جامعة (شبكية)، فينظر للشرع كأنه كلمة واحدة[13]، وللواقع كالشبكة المتصلة، ويعطي للواقع حقه من الواجب (الشرع) كما يعطي الواجب (الشرع) حقه من الواقع، على حد تعبير ابن القيم [14].

ويلاحَظ –في هذا الضرْب من الاجتهاد- أن المنظومية قرينة للشبَكية، والشبكية هي أساس وضوح الرؤية؛ مثل شبكية العين[15]؛ وذلك لأن (الشبكية المنظومية) هي التي تكتمل بها أجزاء الصورة المنظور فيها، ويتم تجميع هذه الأجزاء من مظانّها المختلفة؛ بواسطة (التشبيك المنظومي)، وبهذا يحصل تمام التصوِّر الممهِّد للحكم عليها.

ومن خصائص هذا الاجتهاد الشبكي (المنظومي) أنه: اجتهاد عمراني، بمعنى أن وظيفته لا تقتصر فقط على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وإنما تتعدى ذلك إلى النظر في آفاق فسيحة تتسع بقدر اتساع مجال العمران. ومن الوظائف المهمة التي أشار إليها الدكتور سيف أن الاجتهاد العمراني يفيد في تحقيق الوصل والتكامل بين علوم الشريعة وبين العلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها من علوم العمران، وفي هذا يقول الدكتور سيف: ((هذا “الفقه العمراني” والاجتهاد المرتبط به موصول بـ “علوم الأمة” أو “علوم العمران” تتكافل حيث يجب، وتتكامل وتتساند، هذا الاجتهاد العمراني يتواءم مع حركة هذه العلوم وتكاملها، ذلك أن شجرة المعارف والتخصصات تعبر عن شجرة واحدة ذات فروع متنوعة ومتعددة، تعطي من ثمرها ولكل من تكويناتها وظائفها المخصوصة التي تجعل الشجرة مكينة الجذور طيبة الثمار، علوم اجتماع وإنسان ينتظم بها العمران في عمارة هذا الاجتماع الإنساني بكل ما يحفز تكوينه وتماسكه وبناءه والوصول به إلى غاياته ومقاصده، علوم اجتماع وإنسان وشريعة تنظم بينها الأمة فتجعلها قبلتها وبوصلتها ووجهتها لا تنقطع عنها ولا تمتنع عن معاني الفاعلية فيها والارتقاء بها والنهوض بكيانها وتجديد عمارتها وعمرانها.

علوم بعضها من بعض من مشكاة واحدة تَنْشَدُّ إلى أصول واحدة ومقاصد حافظة وحاضنة ومرجعية كلية لا تقبل التجزيء أو التشطير أو التفسيخ، هذا هو معنى العمران المنتج للحضارة بكل عناصرها وأعمدتها وتنوعها فتحفظه وترعاه متجنبة أي عوامل تتسرب إليه فتفسده أو تقضي عليه بالخراب، وتظل أصول مجالات المقاصد تشكل إمكانية لأعمدة العمران البشري الحضاري وأصولا يقام عليها العمران، وهي في ذات الوقت تشكل معايير لتصنيف العلوم وتربطها بها ( علوم الدين / النفس / النسل / العقل / المال /..).

هذا التصنيف للعلوم المختلفة إنما يتطلب نوعًا من الاجتهاد العمراني يقدم أعمدة وهندسة وأساسات البنيان باقتدار، ثم يعلو العمران ما أراد على أساس مكين وتفكير وتدبير رصين، هادفًا إلى حياة طيبة في مواجهة المعيشة الضنك في معاش الإنسان.

ومن هنا فإن هذا العمل الموزون في طبيعته وآلياته ومقاصده من حركة اجتهادية عمرانية هندسية تعلم فن إلحاق الفرع بالأصل والجزئي بالكلي في إطار فقه منظومي، يعرف للأصل معناه ومغزاه، ويعرف للفرع مبناه ومعناه فتأتي الفروع على شاكلة الأصل من مورده ولكنها تختلف وتتمايز رغم أنها تُسقى بماء واحد ومن شرعة ماء واحدة ممتدة لا مقطوعة ولا ممنوعة في أدائها أو عطائها أو مسيرتها ومسارها.. إنه “الفقه المنظومي” الذي يحرك طاقات الوصل مع الأصل في عمل مستمر ومستقر.

وبين الأصل والوصل والتوصيل والتشبيك يأتي الاجتهاد العملياتي، فيرى الأمور في ثوبها العملياتي ناهضًا بتفكير يصل بين المسائل والوسائل، والمقال والمثال، والحال والمحال، وإدراك معاني الاطّراد والاستقرار والاستمرار والتجدد والتعدد ومراعاة التمدد والتعقد. فتأتي العمليات خطوات ومراحل، وخطة ووسائل، وقدرة وبدائل يصل الأداة بالأداء، والآلية بالتسيير، والإجراء بالتطبيق، والحركة بالتدبر والتدبير.

بين معاني هذه الشريعة الموضحة لأنساقها يأتي الاجتهاد الواصل بين الواجب والواقع، فلابد من أن يعطي الواجب حقه من الواقع، ولا بد من أن يعطي الواقع حقه من الواجب فيتبادلان العطاء والصلة بحبل من الله وحبل من الناس، إنها علاقة أكيدة بين الشريعة والمشروع التي تحرك كل مساحات وساحات الاجتهاد[16])).

وجدير بالذكر: أن هذه النظرة الكلية في الاجتهاد الشبكي تنبثق -في مشروع الدكتور سيف- من الكليات الإسلامية (النموذج المعرفي في التصور الإسلامي)، ويسميه أحيانا بـ(المدخل القيمي)، وهذه الكليات لا تقتصر على مقاصد الشريعة، بل تضم إليها نوعين آخرين من الكليات هما: التصور العقدي (العقيدة الدافعة)، والسنن القاضية، بالإضافة إلى المقاصد الحافظة؛ لأنها تحفظ الإنسان حفظ الابتداء، وحفظ البقاء، وحفظ البناء، وحفظ النماء، وحفظ الأداء[17].

ويلاحظ أنه قد يعبر عن هذه الكليات اختصارا بـ(المدخل المقاصدي) دون أن يقصد انحصار الكليات في المقاصد، بل يجري ذلك تغليبا للكليات المقاصدية؛ حيث إنها تجمع عناصر منظومة الرؤية الكلية سالفة الذكر (المدخل القيمي)، فالعناية بـ(المدخل المقاصدي) جارية باعتباره مفتاحا رئيسا في إنجاز التجديد الإصلاحي المنشود استلهامًا من الرؤية الكلية الإسلامية.

وهذه المقاصد رؤية كلية للعالم، وجزء لا يتجزأ من التصور الكلي لذلك الإنسان المستخلَف، فهي أركان حضارية لأي نشاط حضاري، وهي كذلك ميزان للمصالح. 

وبهذا يظهر أن المقاصد من المنظورات المتسعة الشاملة التي يمكن أن يتخذ منها منظورات ومداخل مختلفة لدراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية المختلفة؛ لذا فهو (منظور استراتيجي)، أي إنه يقوم على بناء الاستراتيجيات الكبرى والرؤى الكلية والآليات التفعيلية التي تتعلق ببناء الأمم وتحقيق النهضات، بل ووضع موازين لاتخاذ القرارات[18].

كما أن المدخل المقاصدي يفيد في إبراز (الأبعاد الإنسانية الكامنة) في المشروع الإسلامي.

من هنا صار المنظور المقاصدي منظورا حقوقيا يمكن أن يبني مدخلا لصياغة نظرية حقوق الإنسان في الرؤية الإسلامية[19].

وبهذا يعد (المدخل المقاصدي) مدخلا قيميا تنبثق عنه إجراءات تعكس الرؤية الأخلاقية الإسلامية في التجديد والإصلاح[20].

ثانيا- الركن التنزيلي (أصول الفقه الحضاري):

لما كانت العملية التجديدية تنطلق ابتداءً من هذا المدخل (القيمي-المقاصدي-العمراني) .. من هنا دعت الحاجة للربط بين الرؤية الكلية والإجراءات التفعيلية المنبثقة عنها؛ لذا صك الدكتور مصطلح (أصول الفقه الحضاري) وهي الأصول التي تنظم عملية الربط بين الرؤية الكلية وبين الواقع في الاجتهاد المنظومي (الشبكي) والعمليات (الإصلاحية) المكملة له.

إن أصول الفقه الحضاري تحدد الهدف الذي من أجله كان الحديث عن ضرورة آليات التشغيل. فهذا التكوين المعرفي المتمثل في علم أصول الفقه الحضاري يؤسس دوره ضمن مسارات متعددة: فيجمع بين آليات التفعيل من جانب، ويشكل لها الحاضنة بحيث يجدِل بينها في منظومة تتغيّا إحداث علاقة جدلية بين الوحي والواقع، بين المعيار وتنوعات التعامل، وهو يفعّل هذه الآليات ويحتضنها في مقصد واحد يحقق التناسق بين عناصر هذه الآليات.

أصول الفقه الحضاري هو تأصيل المنظور الحضاري بكل سعته وامتداده، وبكل سياقاته وتفاعلاته، بكل فعله وفاعلياته، كما أنه تعبير عن أحد أهم تجليات صياغة النموذج (النظام المعرفي). فبناء النموذج يجب ألا يتم مستقلاً عن أصول الفقه الحضاري، ذلك أن هذا الأخير في تكامل عناصر مفرداته ومستوياته وفي امتداداته ضمن آليات التفعيل، وفي فاعلياته ضمن مجال التشغيل .. هو الذي يحقق لذلك النموذج المعرفي فاعلية على أرض الواقع، بما يقدمه من نماذج اختيارية وتضمينات منهجية وأدوات بحثية متميزة، وما يؤكد من إمكانية استيعاب الأدوات الصالحة داخل المنظومة المعرفية الغربية وتسكينها ضمن بنية النموذج المعرفي في الرؤية الإسلامية خاصة ما يرتبط منها بأصول الفطرة، والقدر الإنساني المشترك.

فأصول الفقه الحضاري يجعل من النص/الوحي محوره؛ كعلم أصول الفقه وكل العلوم التي كانت آليات الشِّرعة في الفهم، فإذا كان علم الفقه قد اهتم بوصف الأفعال وفقًا لحقيقة التكليف (افعل – لا تفعل) ضمن نسق من الأفعال الجزئية: (أحكام الأفعال)، فإن أصول الفقه الحضاري جعل من أهم أهدافه تضمين أهداف علمي الأصول والفقه ضمن منظومة أهدافه، مع الحرص على صياغتهما ضمن قواعد التفعيل والتوظيف في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهو يسير خطوة أبعد بإضافة موضوعات جديرة بأن تنظم في كيان معرفي موحد يمكن أن تخرج على شاكلته قواعد أساسية لعلوم الأمة والعمران (العلوم الإنسانية والاجتماعية وتطبيقاتها) وتؤصل هذه العلوم.

إذا كان علم أصول الفقه قد اهتم باستنباط الدليل وخدمة ذلك ضمن سياقات مهمة تتعلق بنظرية الحكم، والفقه الحكمي، فإن علم أصول الفقه الحضاري – إذ يستوعب هذا وذاك ولا يهمله ولا ينبغي له ذلك – فإنه يحرك عناصر متعددة يصل فيما بينها، حتى يمكن صياغة أصول الفقه العمراني والحضاري [21].

ثالثا- الركن التفعيلي و(مأسسة المنتَج التجديدي):

تكلمنا عن الركن الأول من أركان العملية التجديدية وهو الاجتهاد (المحقِّق للتجديد)، وبينا الركن الثاني وهو أصول الفقه الحضاري، وأما الركن الثالث فيتمثل في: الإصلاح. وينحو الدكتور سيف الدين منحًى عمليا في ضبط عملية الإصلاح التجديدي، فهذا الإصلاح يعد بمثابة التفعيل (والتشغيل) لمنتجات الاجتهاد المنظومي النابع من الرؤية الكلية (المدخل المقاصدي)، فالإصلاح (التفعيلي) باعثه ومنطلقه هو (الاجتهاد المنظومي)[22]، وهدفه وغايته: تحويل المنتج الاجتهادي إلى بناء مؤسسي (عمراني) يحمل ملامح الرؤية الكلية (المقاصدية)، كما يستوعب دروس الخبرة التاريخية.

وبالطبع لا يفهم من هذا أن (صناعة الإنسان الحضاري) ليست غرضا مستهدفا من العملية التجديدية؛ لأن الأبنية المؤسسية المتحصلة من عملية التجديد ما هي إلا وسيلة لخدمة هذا (الإنسان الحضاري) وتوفير المناخ الملائم لصياغة شخصيته العمرانية المنشودة.    

ومما يجدر التنبيه عليه: أن هذه الأبنية المؤسسية (منتجات العملية التجديدية) عادة ما يهتم دعاة المشروع الإسلامي ببنائها دون أن يهتموا بكفالة شروط استمرارها محققة لأهدافها العمرانية (إهمال حفظ البقاء وحفظ الأداء)، وحتى تبقى هذه الأبنية صالحة للغرض الذي أنشئت من أجله لا بد من دعمها بعدة أجهزة مستمدة من طريقة عمل الجسم وهي:

جهاز المناعة الذاتية: وهو يقاوم الآفات المهلكة قبل دخولها إلى الجسد المؤسسي.

وجهاز المراجعة والنقد الذاتي (المتابعة والمحاسبة)؛ حتى لا ينحرف البناء المؤسسي عن الهدف الذي أنشئ من أجله[23].

جهاز التجدد الذاتي (القدرات التطويرية)؛ حتى لا يتجمد البناء المؤسسي إذا طال عليه الأمد (طول الأمد المؤسسي) ويصاب بالشيخوخة المؤسسية.

ويجمعها جميعا (جهاز التصحيح الذاتي).

فهذه أجهزة الفاعلية الإصلاحية التي تعمل على تحصين البناء المؤسسي من الإصابة بما أسماه (آفة الاعتمادية)؛ حيث إنها توصل التنظيم إلى حالة القدرة على التصحيح والمبادرة والمواجهة[24].

مربع الإصلاح ونظرياته الضابطة:

يرى الدكتور/ سيف أن عملية الإصلاح لها طبيعة تربوية؛ إذ تتم في إطار مربع غاية في الأهمية يتألف من نظريات إصلاحية أربع ملتقطة من العطاء التربوي للسنة النبوية، وهي:

نظرية الفسيلة[25]: وهي نظرية الإيجابية التي تحث على الغرس ووضع لبنات البناء دون تفكير معطِّل في النتائج والثمرات؛ ((فكل ذلك عملية من المهد إلى اللحد، ومن الميلاد إلى المنية مسيرة الحياة الموصولة بين الزرع في دنيا الناس وصولًا لرضا الآخرة، فيصير اليوم الآخر المحرك الدائم للإنسان والإنسانية. وهي عمل موصول بين قيام القيامة، وقيام بالعمل والسعي: إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها.. بين الغرس الدائم وتفريع العمليات واتصالها بالمقاصد والغايات … [26])).

نظرية الثغر: وهي نظرية الحذر والرباط على الثغور (كل منفذ يمكن أن يأتي منه الخطر)، وإلا فوجئ أهل الإصلاح باجتياح المخاطر التي تعصف بالأبنية الإصلاحية، وتذهب المجهودات الإصلاحية أدراج الرياح بسبب الغفلة عن سد الثغور.

نظرية الفأس[27]: وهي تعني السعي الفعال، وترك الاتكالية: (اذهب فاحتطب).

نظرية الاستمرارية: استمرار السعي الإصلاحي حتى يتحقق الغرض المرجو؛ ((فالنوع القليل المتراكم خير من المنقطع الكثير المتناثر[28])).

وبهذا المربع -من النظريات الضابطة للعملية الإصلاحية- يتحقق مطلب مهم هو: (رد الاعتبار لمفهوم الإصلاح).

صناعة الإصلاح والإصلاح المصطنع:

يتحصل مما سبق: أن الإصلاح ليس أقوالا معسولة تدغدَغ بها مشاعر الجماهير المخدوعة، بل هو صناعة حضارية (ثقيلة) ممتدة لها أصولها وقواعدها.

وفي هذا المقام اهتم الدكتور سيف الدين برصد ظاهرة الإصلاح الزائف (الضار أو المعكوس) الذي يقوم به الذين إذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض قالوا: إنما نحن مصلحون.

وهذا الإصلاح الزائف ينتج مؤسسات تضليلية تمثل ظهيرا تنظيميا للمستبد، ولقبها الدكتور بمؤسسات (كأن)؛ لأن القائمين على هذه المؤسسات يبدون (كأنهم) مصلحون، ويحتكرون الإصلاح وما هم بمصلحين، ويمنعون المصلحين الحقيقيين من الإصلاح[29].

ووجه الانعكاس في هذا الإصلاح الزائف: أن عناصر الإصلاح توجد على الضد[30] مما ينبغي:

ففي حالة الإصلاح الزائف يضع المستبد مرجعية ذاته بدل مرجعية الدين والأمة.

ويعتمد في نيل الشرعية على صناعة الرضا الكاذب حيث الصناعة الإعلامية في الداخل والخارج تتحدث كل يوم أن هذا هو رجل الوقت.

ويعتمد على المصادفة والتكاثر الإنجازي، فإن كان هناك إنجازات بالمصادفة نسبها إلى نفسه.

والدافعية في الإصلاح الزائف لا تستمد من العقيدة الدافعة والرؤية الكلية، بل تستمد من طبقة المنتفعين والانتهازيين.

وأما الجامعية فإن المستبد لا يمكنه إلا أن يَفُضّ الجامعية؛ لأنه لا يستطيع أن يحكم إلا في فرقة تسود، فيحترف صناعة الفرقة والخوف والاستخفاف، هذه هي صناعات المستبد الثقيلة والخفيفة. ومن هنا قال الحكيم البشري: (يظل الحاكم فردا ما دام الناس أفرادا) [31].

ويتظاهر المستبد بفاعليه متوهَّمة، فيُظهِر شكلَ الفاعلية بلا مردود حقيقي.

وأما فاعلية التبرير فهي فاعلية المرحلة الانتقالية، إذ يظل المستبد يتحدث أننا في مرحلة انتقالية إلى يوم القيامة، وأننا في عنق الزجاجة، حتى إن الزجاجة كلها قد تحولت إلى عنق!

ومن هنا اقتطف الدكتور سيف تنبيه البشير الإبراهيمي على أن كلمة الإصلاح من الكلمات المظلومة حين قال: ((الحديث المستمر من جانب أولي السلطان عن الإصلاح هو الشهادة عليهم بأنهم أفسدوا)) [32].

ومجمل القول في ضبط (العملية التجديدية) في المشروع الفكري للدكتور سيف: أن العمل التجديدي عنده ينبثق من الرؤية الكلية (المدخل المقاصدي)، ويسعى إلى تحقيق غاية معينة هي الغايات الثلاث للتصور الإسلامي وهي: التوحيد والتزكية والعمران، ويستعين في تحقيق هذه الغايات بالاجتهاد المنظومي، ويتوسل في تفعيل منتجات هذا الاجتهاد بالإصلاح التشغيلي الذي يتم في إطار مربع من النظريات الضابطة، ويربط بين التصور (الاجتهادي) والتفعيل (الإصلاحي) بواسطة (أصول الفقه الحضاري)، فيتحصل المنتج النهائي لعملية التجديد في صورة أبنية مؤسسية عمرانية صالحة للقيام بإخلاص التوحيد وإحكام التزكية وإتقان العمران، وبهذا يتحقق ما يمكن أن نصفه بـ (مأسسة البنية الفكرية الراشدة)، بمعنى تحويل (البنية الفكرية الراشدة) الناجمة عن النظر الاجتهادي التجديدي إلى (أبنية مؤسسية فاعلة) تعمل بكفاءة على تحقيق الغايات التي تصبو إليها هذه البنية الفكرية. وتقدَّم أن كل هذا مسخر لصناعة الإنسان العمراني.

المبحث الثالث: شروط العملية التجديدية في رؤية الدكتور سيف

ما تقدم كان بحثا في الأركان والمبادئ التي تتألف منها المنظومة التجديدية (الراشدة) وتتشكل بها معالمها.

لكن لا يكفي لإنجاز العمل التجديدي (الراشد) تأليف المنظومة التجديدية على النحو سالف الذكر، بل لا بد –مع هذا- من توافر شروط عدة تكفل لهذه المنظومة التجديدية مناخًا ملائمًا لنجاحها في تحقيق ما تصبو إليه، فكان من المناسب أن نتبع صياغة الأركان المؤسسة للمنظومة (العملية) التجديدية بتحديد الشروط اللازمة لنجاح هذه العملية وإنجازها للمنتج التجديدي المنشود (البنية الفكرية الراشدة – والأبنية المؤسسية الفاعلة) [33].

وفي حدود الاستقراء الذي تيسر لنا في هذه الدراسة يمكن أن نستخلص من معالم الرؤية التجديدية للدكتور سيف الدين جملة من الشروط التي يلزم تحققها لسلامة العمل التجديدي وإفضائه إلى النتائج المبتغاة منه وهي:

الشرط الأول- النقد:

عد الدكتور سيف الدين من شروط المشروع التجديدي: إطلاق النقد الذاتي المستمر وقبول النقد البناء من الغير، ولم يعده مطلبا مهما فحسب، بل جعله فريضة وضرورة، لأنه يكشف عن مكامن الضعف، ويلفت أنظار حمَلة المشروع إلى معالجتها، وسيأتي تفصيل رؤية الدكتور في هذا الشأن[34].

الشرط الثاني- تحرير المفاهيم (ضبط التصور):

فهذه العملية هي أساس التصور السليم الذي ينبني عليه كل فكر تجديدي راشد؛ لذا استحقت إدراجها ضمن شروط التجديد.

وفي هذا الإطار دعا الدكتور إلى تصحيح الفهم المغلوط لعدة مفاهيم كبرى ذات أثر في تشكيل الواقع. كما دعا للتصدي لحالة الفوضى المفاهيمية التي صاحبت انتقال الريادة الثقافية إلى المستعمر الغربي الذي حرص بدوره على احتكار عملية (صك المفاهيم) وصياغة المعاني على النحو الذي يخدم أغراضه الإمبريالية، إلى غير ذلك مما سيتضح في المحاور الآتية.

ومن أمثلة المفاهيم التي نبه الدكتور على أهمية تحريرها وردها إلى أصولها الإسلامية الراشدة .. مفهوم (السياسة)؛ حيث دعا لرد الاعتبار لمفهوم السياسة؛ استلهاما من الرؤية الإسلامية التي تجعل السياسة سعيا في إصلاح الخلق ودرء المفاسد عنهم، وذلك بعد قرون عانت فيها الأمة من ويلات مفهوم السياسة الذي يراها صراعًا من أجل السلطة.

والسياسة – وفق هذا التصور- ليست فنًا أو أسلوبًا أو صراعًا، بل هي رعاية متكاملة من قَبِل الدولة والفرد لكل شأن من شئون الجماعة…

والسياسة – وفق هذه الرؤية- تتصف بالعموم والشمول، فهي مفهوم يخاطب كلَّ فرد مكلَّف بأن يرعى شؤونه ويهتم بأمر المسلمين، بل يمارس عمارة الكون في سياق وظيفته الاستخلافية. وعلى ما يؤكد “الراغب الأصفهاني”، فإن السياسة – وفق هذا التصور- تستند في تكييفها إلى حقيقة “الاستخلاف” [35].

وقد عدّ الدكتور تصحيح الفهم لمفهوم (السياسة) مدخلًا مهما للوصول إلى حالة (الحكم الراشد)؛ فالحكم الصالح الرشيد لا يعني السلطة وحسب، ولكنه يعني حالة مجتمعية وطريقة للحياة والمعاش، ومدخلا لتأسيس الحضارة وبناء العمران[36].

وفي هذا الإطار حذر الدكتور من أن بعض التيارات الإسلامية المعاصرة كان من أسباب إخفاقها أنها لا تزال تفكر في السياسة باعتبارها سلطة فحسب، على خلاف الرؤية الإسلامية التي تجعل السياسة بالأساس: قياما بالإصلاح في المجالين: الخاص والعام على حد سواء، وبهذا يقع مفهوم السياسة في القلب من عملية الإصلاح.

وهنا قد يناقَش أستاذنا بأن الصراع على السلطة ليس أمرا سلبيا في ذاته، إلا إن كان أستاذنا يقصد حصر مفهوم السياسة في فكرة الصراع مع إهمال معنى الرعاية والإصلاح، فلا يعارض في هذا، أو كان أستاذنا يقصد بالصراع: الخروج عن مقتضى المنافسة الشريفة فلا خلاف حينئذ على أهمية تحرير مفهوم (السياسة) من فكرة الصراع بهذا المعنى اللاأخلاقي.

ورد الاعتبار لمفهوم السياسة بإرجاعه إلى أصوله الإسلامية مدخل لدحض خرافة أن السياسة مدنس ومن ثم لا ينبغي خلطها بالدين المقدس، وهي من أمهات الشبهات التي تستخدم في الترويج للعلمانية وإقصاء الدين؛ بحجة الحفاظ على نقائه من أن يتلوث بدنس السياسة.

فهذه الشبهة مبنية على مفهوم للسياسة غريب عن الرؤية الإسلامية، أما السياسة في الرؤية الإسلامية فهي –في جوهرها- رعاية وإصلاح، وهذه قيم إسلامية أصيلة، فلا ضير إذن من وصل الدين بالسياسة. ثم إن الذي يصفونه بالمدنس هو في الحقيقة: حياة الناس، ولا يسلم وصفها بهذا الوصف.   

يقول الدكتور سيف في هذا المعنى: إن المشروع الإسلامي ((ثورة على خرافة: أن السياسة قذارة وفساد وخراب، وإصرار على أن هذه ليست السياسة التي هي تدبير وإصلاح ورعاية ومسؤولية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وقيام الأمة على أمرها بما يصلحه[37])).

كما دعا الدكتور سيف الدين –في هذا الإطار- إلى رد الاعتبار لمفهوم (الأمة) بعد قرون عانى فيها المحيط العربي والإسلامي من ويلات تجربة سياسية شائهة كانت فيها الدولة القومية الحديثة –بمفهومها الهوبزي المادي- هي وحدة التحليل في السياسة، مع تراجع مفهوم (الأمة الجامعة) لصالح النزعة القومية المغالية التي صاحبت الاستنساخ المشوه لتجربة (الدولة القومية الغربية) في المحيط العربي-الإسلامي، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تفكك أوصال العالم العربي والإسلامي بتدبير استعماري، وإحلال الدويلات القومية الناشئة محل الأمة الواحدة الجامعة، فالدولة القومية كانت في الغرب عامل قوة وتوحيد، أما استزراعها في الشرق الإسلامي على عين الاستعمار .. فكان عامل تفتيت، فصارت هذه (القوميات الحابسة) جزءا من المشكلة .. ((وحملت في طياتها عناصر تفكيك – أو هذا ما أريد لها – أكثر مما حملت عناصر جامعية. هذه الملاحظة تعني ما أحدثته هذه النشأة المشوهة والقسرية للدولة القومية (يعني في العالم الإسلامي) من ميراث المشاكل الممتد في داخلها، وفي علاقاتها البينية أو الإقليمية، والارتباط القافز على مقتضيات الجغرافيا (التجاور المكاني) ومقتضيات الزمان (التحديات التاريخية الممتدة عبر الزمن) ومقتضيات العقدية الجامعة (الإسلام) أو الثقافة الداعية إلى الوحدة، في علاقات خارج الكيان معظمها يتسم بالتابعية.

كما تعني هذه الملاحظة أيضًا: أن ميراث الدولة القومية حافظ بشكل حاد ومتواتر على علاقات تسير صوب التفكك لا التكامل (السيادة – الحدود)، خاصة حينما يتحول التمسك بها -وبما يترتب عليها من سياسات وعلاقات- إلى حالة مرَضية تضعف الكيان، كما تضعف علاقاته بكيانات أقرب ما تكون إليه.

وإن نظرة مقارنة بين المسيرة نحو المؤسسات الجامعة في الخبرة الأوروبية والخبرة في عالم المسلمين لَتُشكِّلُ دالةً واضحة في هذا المقام وما تحمله هذه المؤسسات من قدرات تفعيل في الخبرة الأوربية وتصورات عن السيادة والحدود والتكامل، وما تشير إليه تلك المؤسسات في خبرة عالم المسلمين من استمساك مرَضي بالسيادة والحدود تصل إلى حد التأثير الناسف لتفعيل وفاعلية هذه المؤسسات في العلاقات والسياسات أو الوجود الرمزي لمؤسسات التكامل دون إجراءات تصب في فاعلية علاقات التعاون والتكامل.

الدولة القومية كانت في الغرب “جامعة” بينما هي في عالم المسلمين نتاج لتفكيك كيانات أكبر، فخلفت ميراثًا من المشاكل)) [38].

وفي هذا الإطار دعا الدكتور سيف إلى أن يكون من ضمن اهتمامات المشروع الإسلامي: الاجتهاد في إحلال السعي النافع لامتلاك أسباب الدولة القوية محل الاستمساك الضار بفلسفة الدولة القومية وما اتصل به من تطبيق خاطئ لمبدأ السيادة وتصور متعسف لقضية (الحدود)، ما أفرز الاستبداد على الشعوب في الداخل والتبعية للقوى الدولية في الخارج مع ضعف العلاقات البينية بين الدول الإسلامية (وما صاحبَه من ضعف التنسيق في القضايا المشتركة كقضية القدس) وتفاقم مشكلات الأعراق والأقليات، في الوقت الذي يتجاوز فيه الغرب المعاني الضيقة لهذه الظواهر، ويقفز فوق اعتبارات التاريخ والجغرافيا[39].

يقول الدكتور سيف: ((ومن هنا كان على هذه الدول ألا تقف كثيرًا عند النشأة القسرية والمشوهة للدولة القومية، بل عليها أن تتعرف على التأثيرات السلبية التي يمكن أن تتركها في الوعي والسعي. وألا تقف عند عناصر سيادة قومية مهمِلةً عناصر دولة قوية ذات سيادة حقيقية، لا متوهمة تصدع بها حينما يجب ألا تصدع بها، وتفرط فيها حينما يجب التمسك بها)) [40].

الشرط الثالث- الواقع مرشد لا حاكم[41]:

اهتم الدكتور سيف ببيان حدود التعامل مع الواقع في أثناء النظر التجديدي، فيقول مثلا -بعد أن ذكر أمثلة للتحديات الداخلية التي تواجه المشروع الإسلامي: _ ((في تفاصيل المشروع الإسلامي الكبير لا بد أن تلقى كل هذه الأمور وضوحًا في الرؤية واجتهادًا يستوعب معطيات الواقع ولكنه لا يخضع لإملاءاته؛ ليتعرف على مداخل تفسيره ومسالك تغييره[42])).

وهذا من أهم الشروط الضابطة للنظر التجديدي في الرؤية الإسلامية؛ إذ يخُطُّ أمام العقل التجديدي المسلم حدودا مميزة من حدود التعامل مع الواقع.

ويعد النظر التجديدي الإسلامي أكثر اتزانا من النظر التحديثي الغربي والتغريبي؛ إذ يحترم الأول تطورات الواقع ويلتفت إليها، ويراعيها في حركته العمرانية، لكنه لا يقع في الأسر، ولا يجعل من الواقع مرجعية ملزمة إلا فيما تتلاءم طبيعته مع ذلك، وهو درس المادة والطبيعة، مع تكليل هذه المرجعية (الواقعية) بإطار أخلاقي حافظ من آفة التوحش المادي المهلك للإنسانية، فصار موضع الواقع من البحث التجديدي الإسلامي: أنه مادة للبحث، ومرشد للباحث، وموضوع للنظر، وموجه للناظر، ومجال للإصلاح والعمران، ومساعد للمصلح، وتأثيره في ميدان البحث الاجتماعي والإنساني = هو تأثير التوجيه والإرشاد لا السيطرة والإلزام.

الشرط الرابع- بيان معايير الأحكام (ضبط التعليل):

وهذا شرط مهم في سلامة النظر التجديدي؛ لأن إصدار الأحكام من غير معايير .. مدعاةٌ لردها؛ إذ لا يستطيع الناظر تقييم الحكم من غير أن يقف على معيار الحاكم به، وعدَّ الدكتور/ سيف الدين غيابَ المعايير من آفات البحث والنقد[43].  

ويقول الدكتور سيف الدين: ((هناك تقييمات كثيرة وخطيرة تتضمن تعميمات لا تستند إلى حجة أو برهان سوى ما تشهده الساحة بعد انحسار حكم الإسلاميين بعد ثورات الربيع العربي وبعد أن برزت الثورة المضادة تحاصر هذه الثورات وتلتف عليها[44])).

الشرط الخامس- الحذر من القياس الشكلي:

وهو القياس المبني على التشابه في الأشكال من غير اتحاد في العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه؛ ولهذا لم يرتضِ الدكتور قياسَ ابن خلدون أعمار الدول على أعمار الناس؛ لاختلاف العلة، ولأن الإنسان لا يعود إلى الشباب بعد شيخوخته، بخلاف الأمم الناهضة؛ إذ يمكن للأمم أن تجدد شبابها بعد شيخوختها[45].

الشرط السادس- الحذر من الاختزال:

حذّر الدكتور حملة المشروع الإسلامي مما أسماه: (إشكال الاختزال)، وجعله أخطر الإشكالات التي تحيط بالمشروع الإسلامي..

قال: ((وأخطر هذه الإشكالات: أن نختزل دراسة الظاهرة الإسلامية في مشروعاتها الحركية، أو تعريفات قاصرة، أو خرائط تصنيف متحيزة مبتورة تؤثر على التعاطي معها وتعتل مناهج التفكير بها، ونهمل زوايا نظر أخرى هي التي تبلغنا النظر الكامل والمتكامل)).

الشرط السابع- فقه السنن:

ويعني استيعاب السنن الربانية الكامنة في مسيرة الوجود كمونَ القوانين الطبيعية في الظواهر الكونية، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن القوانين الكامنة في الظواهر الطبيعية هي نوعٌ من أنواع السنن، وإن كان الغالب استعمال مصطلح السنن للتعبير عن قوانين الحركة الإنسانية.

ويعد هذا (الوعي السنني) ركيزة أساسية في إنجاز أي اجتهاد أو إصلاح تجديدي منشود، وشرطًا مهما في ترشيد المشروع الحضاري، وتحصين التجربة الإسلامية من آفة تكرار الأخطاء مع انتظار نتائج مختلفة (السذاجة الإصلاحية)[46].

إن اجتهاد الحضارة الفاعلة لا يمكن تحقيقه إلا في سياق الوعي بالسنن القاضية التي تحكم حالة العمليات الحضارية الكبرى، وتؤسس عناصر منهج تحليل وتفسير وتقويم يشير إلى السنن كقدرات منهجية، هذا المنهج للتعامل يتحرك ضمن هذه العمليات من مثل: عمليات التغيير الحضاري، أصول التعامل والتفسير الحضاري، اعتبار المآل الحضاري، عناصر تقويم المسيرة الحضارية، عناصر الاجتهاد السنني، أي: يجعل السنن موضوعًا للاجتهاد البحثي من ناحية وتفعيل عناصر هذا الاجتهاد السنني من ناحية أخرى ضمن دراسة الكثير من القضايا البحثية[47].

وهناك علاقة وثيقة بين فقه السنن وتقدم الأمة في الواقع؛ ففي معرض إجابة الدكتور عن مسألة (تقدم الغرب وتأخر المسلمين ) ذكَر (قانون العاقبة) الملازم للسنن الإلهية التي تحكم الحركة الكونية في المكان والزمان، فقال: إنه لا يجب على المسلم أن يقف أمام هذا القانون إلى الحد الذي يقع أسيرا فيه ومشلول الفاعلية بدعوى الإيمان بالقدر خيره وشره، بل يطالبه ذلك بالتوقف عند الحدث -تذكراً وعبرةً- كمقدمة لمواصلة الفعل والفاعلية في التفكير والسعي، والبحث عن مناط الفاعلية -فكرا وممارسة- لصياغة المستقبل؛ لذلك أشار إلى مثال ”السفينة” الذي تضمنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم [48] والذي يشير إلى مجموعة من المعطيات والمفاهيم والكلمات الحية التي يراد بها التأثير والتدبر، والذي يشير كذلك إلى مدخل السنن واستشراف المستقبل والتعامل معه حتى بلوغ المقصِد وهو: بناء المجتمعات الإسلامية [49].

وقد عد الدكتور سيف (السنن) من أركان منظومة القيم الكلية الحاكمة التي ينبثق عنها النظر الاجتهادي التجديدي، وسماها بـ(السنن القاضية)؛ لأن هذه السنن ذات طبيعة قاضية، فهي تقضي على عالم الحوادث، وتعمل على توجيه حركته وفق قوانين اجتماعية أودعتها يد الحكمة الربانية.

وهنا ينبه الدكتور سيف الدين على وقوع بعض الإسلاميين في وهم: أن اليقين والثقة بالله قد تعفي صاحبها من الوقوع تحت طائلة السنن، ويغفل هؤلاء عن حقيقة وقاعدة: (الله لا يواتي بالمنن إلا إذا عُمِل بالسنن)، فتحصل الإخفاقات وتتزعزع العقائد بسبب الغفلة عن حقيقة أن (السنن لا تحابي أحدا)، وأن السنن تُلفِت رجُلَ العقيدة لوجوب تحمل المسؤولية، والأخذ بعلم العلماء، واحترام خبرة الخبراء، وإحكام التخطيط، وعدم ترك شيء للمصادفة[50].

الشرط الثامن- اعتبار المآلات (علم التدبر) [51]:

في هذا الإطار يهتم الدكتور/ سيف الدين باعتبار مبدأ النظر في المآلات في ضبط التجديد، خاصة على المستوى المؤسسي؛ حيث يعد النظر في المآل شرطا لاستمرار صلاحية البناء المؤسسي وفاعليته؛ ذلك أن ((النظر في المآل لا يتوقف فحسب على مرحلة التأسيس، بل هو عملية مستمرة؛ ذلك أن الحكم بمشروعية حركة النظام يجب أن ينضبط في إطار اعتبار الآثار المترتبة عليها، وذلك بالموازنة بين المصلحة والمفسدة وفق قواعد الترجيح المقررة[52])).

((يجب ألا تتصور إدراكات عالم المسلمين أن مجرد إنشاء هذه المؤسسات هو غاية التمني ونهاية المطاف، بل هي ضمن عملية موصولة تتحرك من التأسيس إلى الفاعلية. ومن هنا كان من الضروري إقصاء كل الموانع واستثمار كل الإمكانات التي قد تقلل من الفاعلية أو تقضي عليها، سواء كان ذلك في الوعي والإدراك أم السعي والممارسة)) [53].

الشرط التاسع- فقه الأولويات:

من شروط النظر التجديدي الراشد: مراعاة فقه الأولويات وترتيبها بناء على (ميزان المقاصد) الضابط لمراتبها؛ حيث لوحظ مثلًا أنَّ كثيرا من المؤسسات في عالمنا تهمل الضروريات أحيانا لحساب التحسينيات؛ بقصد تحقيق أغراض تتعلق بالوجاهة ونحوها من المظهريات، وهو ما يعكس ضعف الإدراك لفقه الأولويات، ويجعل الأبنية المؤسسية عرضة للتكلس والخروج عن الأهداف الإصلاحية التي أنشئت من أجلها [54].

وفي هذا الإطار دعا الدكتور سيف إلى تأسيس ما أسماه بـ(ميزان المقاصد المعلوماتي)، لفرز طوفان المعلومات -الذي تتوه الحقيقة في ركامه- وترتيبها بحسب الأولويات المقاصدية، وتمييز المعلومات الكاشفة للحقيقة عن المعلومات الشاغلة عن الحقيقة والحاجبة لها، وبيان هذا في قول الدكتور سيف: ((إن هذا الكيان المعلوماتي … لا بد أن يتطرق إلى حفظ الابتداء، وحفظ البقاء، وحفظ النماء، وحفظ الارتقاء، وحفظ الأداء.. إنها عناصر ومستويات من الحفظ تؤصل عناصر المتابعة المعلوماتية بحيث تحقق بناء معلوماتيا قادرا على صياغة وعي وإدراك وسلوك الإنسان ، فيكون “حفظ المعلومات” مقدمة لحفظ الإنسان ذاته: كيانًا وبقاءً، نماءً وارتقاءً وأداءً.

السلم المعلوماتي في إطار أولويات واضحة ومحققة لمقاصد الحفظ السابق الإشارة إليها، معلومات الضرورة والضروري المعلوماتي ومعلومات الحاجة والحاجة المعلوماتية، ومعلومات التحسين، والتحسين المعلوماتي، معلومات تتعلق بالمجال الكلي والجزئي للفاعليات المجتمعية وفاعليات الأمة، بل والفاعليات الإنسانية، ومعلومات العام والخاص، إنها مجالات تدل على مساحة المعلومات التي لا ينظر إليها كركام يحجب الرؤية، ولكن كبناء وشبكة تشكل الوعي وتُفعِّل عناصر السعي.

كل هذا يفرض الرؤية الناقدة للمعلومة وأهميتها، والرؤية الفارقة بين المعلومة الزائفة أو السرابية، والمعلومة ذات الأهمية القابلة للتوظيف الملائم للاحتياجات، والرؤية الكاشفة لخريطة الحقل المعلوماتي وإمكانات تعظيم الاستفادة منه في سياق يحرر وينقّح المعلومة، وإمكانات توظيفها والتنبه للعناصر السلبية، والوعي بتأثير المعلومة في الإدراك والسلوك.

إن حقيقة البصر المعلوماتي تؤكد على عمليات فرز المعلومات وتأسيس فقه لها، يحفظ علينا الكيان المعلوماتي وإمكانات توظيفه، “المعلومات البصيرة” قدرات وأساليب تربوية تتعرف على إمكانات المعلومات وقدرات توظيفها، والبحث عن الحكمة في المعلومة أمر مهم جامع بين تحصيلها وإنتاجها وتوظيفها[55])).

المبحث الرابع: إبداع النماذج التفسيرية والبنائية في نظرية الدكتور سيف التجديدية

من الملاحظات المنهجية التي ينبغي الالتفات إليها في مقام البيان لنظرية التجديد عند الدكتور سيف الدين: أنّ للدكتور/ سيف قدرة بديعة على التقاط النماذج (المداخل) التفسيرية والبنائية من الكتاب والسنة والتراث الإسلامي، وتوظيفها في قراءة الواقع والمجتمع -باعتباره نصًّا[56]– وتقييمه من مرجعية إسلامية بصيرة.

ومن الأمثلة على ذلك:

(النموذج الفرعوني) الملتقط من القرآن الكريم[57]، فهو: اقتراب صاغه الأستاذ ووظّفه في فهم طبيعة الأنظمة الطغيانية المستبدة المضادة للحكم الراشد، وطريقة عملها في استخفاف الشعوب وتوجيهها إلى (العبودية الطوْعية) على حد تعبير لابويسييه.

ومن السنة النبوية نجد لدى الدكتور نموذج: (نظرية السفينة)، ويسميه أحيانا بـ(المدخل السُّفُني). وهو نموذج (تفسيري-بنائي) التقطه الدكتور سيف من حديث السفينة[58]، وجعله اقترابًا لفهم وتفسير ماهية العلاقات التشاركية بين الفرد والمجتمع (الهوية الجماعية)، وقوانين هذه العلاقة (قوانين السفينة)، وما تقتضيه مخاطر هذه العلاقة من تنظيم ما أسماه بـ(حق الارتفاق الاجتماعي) [59] و (إدارة التعدد) على أساس من التقسيم الوظيفي لا الطبَقِي[60]، كل هذا بقصد الوقاية من حدوث (الخَرْق الاجتماعي) الذي يعني غرق سفينة الجماعة[61].

يقول الدكتور/ سيف الدين: ((هل يعي هؤلاء ممن خرقوا “سفينة الأمة” ولسان حالهم يقول: “نخرق خرقًا في موضعنا هذا، .. ولم نؤذِ مَن فوقَنا، .. نحصّل منه ماءنا… هذا موضعنا نفعل فيه ما نشاء”؟!! ما بال هؤلاء لا يفكرون إلا تفكيرًا “أخرق” يخرق السفينة حتى تشرف على الغرق والهلاك؟ .. إن بعضًا من الأمة لا يَعُون الدرس، ولا يتخذون العبرة من الخبرة والفكرة، لم يتعرفوا على درس مصطفى صادق الرافعي حينما بحث في متتابعات منظومة السُّنن فوجد أن “أصغر خَـرْق يَعنِي أوسعَ قَـبْر[62])).

ومن هذه النماذج التفسيرية المشار إليها: نموذج: (عقلية الوهن)[63]، فهو نموذج تفسيري وظَّفَه الدكتور مدخلًا لتوصيف واقعنا البائس وما يموج به من (قابليَّات الوهَن) المفَرِّقة، وطبَّقه عمليا في قراءته مشهد حرب الخليج. وللدكتور كتاب مهم بهذا العنوان[64].

يقول الدكتور سيف: ((إن “يوم الأحزاب” عاد أدراجَه، ولكنه عود غير أحمد، فالخندق الحائل الحامي قد ردمته “العولمة”، والاختراق صار – في ظل قابلياته – خرقًا وانخراقًا، والأحزاب صار فيهم مَن هم “من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا”، .. وبرزت الأمة / القصعة “تتداعى” عليها الأمم من فوقها ومن أسفل منها، لا من قلة، ولا من إقلال، بل من وهنٍ وقابليات استخفاف. فأين سفينة الأمة من هذا الخضم؟))[65].

((عالم المسلمين عليه أن يختار بين عالمين.. عالم الوهن الذي تتداعى فيه الأمم عليه، وعالم العزة والمنعة والمكانة والإرادة؛ ليجد له مكانًا وتأثيرًا في عالم القرار الدولي[66])).

وهناك نماذج أخرى -ملتقطة من السنة النبوية- وظَّفها الدكتور في تحويط عملية الإصلاح بأُطُر تربوية حافظة؛ مثل: نظرية (الفسيلة)، ونظرية (الفأس)، وسيأتي الحديث عنها في موضعها من هذا البحث عند بيان أركان وعناصر العملية التجديدية عند الدكتور.

وبهذه النماذج التفسيرية البديعة يظهر ملمَح من ملامح أهمية هذا البحث؛ إذ يحاول الإسهام في إثراء المنهجية الإسلامية الضابطة لعملية (الوصل التفعيلي) بين المرجعية التراثية الحضارية للأمة وبين واقعها المأزوم، وهو بهذا المنحى المنهجي يعد إسهاما في إثراء البحث في قضية تجديد علم أصول الفقه في شِقَّيْهِ المعنيَّيْنِ بمنهجية التفسير، ومنهجية التنزيل على الواقع.

هذا مجمل القول في معالم النظرية التجديدية كما تظهر في رؤية الدكتور سيف، وسيجد القارئ الكريم مزيد تفصيل فيما يأتي من محاور تتجلى فيها مطالب واستراتيجيات الإحياء والتجديد المنشود للمشروع الحضاري الإسلامي..


الهامش

[1] ينظر فيما سبق: د. سيف الدين عبد الفتاح: النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي، ص 17- 18.

[2] رواه أبو داود 4291 ، وصححه الحاكم 8592 ، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. قال الصنعاني نقلا عن صاحب المرقاة: ((اتفق العلماء على تصحيحه)). التنوير شرح الجامع الصغير (1/ 154).

[3] رواه مسلم في كتاب الإمارة. وهو من الأحاديث المتفق عليها.

[4] روي الحديث عن أكثر من صحابي، وقال الخطيب: سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث وقيل له: كأنه كلام موضوع، قال: لا، هو صحيح سمعته من غير واحد، انظر: كنز العمال ، ج12، ص 176.

[5] الحديث “لن تجتمع أمتي على ضلالة أبدًا فعليكم بالجماعة وأن يد الله مع الجماعة” رواه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي عمر، ورقم الحديث في كنز العمال 1029، وأيضًا “لا يجمع الله عز وجل أمر أمتي على ضلالة أبدًا، اتبعوا السواد الأعظم، يد الله مع الجماعة من شذ شذ في النار” رواه الحكيم وابن جرير في الحاكم عن ابن عمر، ورقم الحديث في كنز العمال 1030، المرجع السابق، ج1، ص 206.

[6] رواه الترمذي عن عوف بن مالك وحسنه. انظر: المرجع السابق، ج1، ص 180، حديث رقم 908، وقد رواه أيضًا ابن ماجة عن عمر بن عوف المزني. وروى الإمام مسلم بهذا المعنى: “من سن في الإسلام سنة حسنة …”. وكذا روى “من دل على خير فله مثل أجر فاعله…”. انظر: محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محمد علي صبيح، القاهرة: د.ت، ص41.

[7] الأنفال: 24.

[8] متفق عليه، عن أبي موسى.

[9] د. سيف الدين عبد الفتاح: النظرية السياسية، المرجع السابق ص 13- 15.

[10] ينظر فيما سبق: د. سيف الدين عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 12-13.

[11] ينظر فيما سبق: د. سيف الدين عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 14-17.

[12] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[13] د/ سيف الدين عبد الفتاح، قيم الواقع وواقع القيم .. ما المعنى العلمي للقيم؟ ضمن كتاب: القيم في الظاهرة الاجتماعية، ص 51 .

[14] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[15] راجع تفاصيل أخرى في: د. سيف عبد الفتاح، دورة المبتدئين في المنظور الحضاري .. نماذج من تفعيل المنظور.. مناهج الفكر والتحليل 3، على الرابط

(ولاحظ كيف أن الدكتور/ سيف الدين يكثر من محاكاة طريقة عمل الجسم في استخلاص المداخل التفسيرية والبنائية).

[16] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[17] د. سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الـ 15 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. ميزان المقاصد المعلوماتي على طريق المعرفة والحكمة، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 17 يناير 2016 .

[18] د. سيف الدين عبد الفتاح، الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[19] د. سيف الدين عبد الفتاح، المرجع السابق.

[20] د/ سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، ط1 (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1419ه/1999 م) ص 52 بواسطة جميلة بو خاتم، التجديد في أصول الفقه، مكتبة الأسرة 2016، ص 307.

[21] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[22] يقول الدكتور سيف: ((الاجتهاد ليس إلا الأداة التأسيسية في تحقيق الوعي الناضج والملتزم المسؤول من حيث يعد مقدمة للحركة وحدودا لها)). النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 162. وظاهر أنه يجعل الحركة (الإصلاحية) صادرة عن الاجتهاد الصانع للوعي.

[23] يقول الدكتور سيف: “النقد الذاتي ضرورة حياتية عمرانية أشبه بعمليات حيوية في الجسم تتعلق بالمسح الوقائي ثم رصد السموم والأخطار، ثم مواجهتها.. إن افتقاد النقد الذاتي يصيب الجسد بمرض (الإيدز الاجتماعي)”.  د/ سيف الدين عبد الفتاح: النقد الذاتي فضيلة وفريضة وضرورة، بتصرف، مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 25 أكتوبر 2015.

[24] دورة المبتدئين في المنظور الحضاري/ د.سيف عبدالفتاح: نماذج من تفعيل المنظور: مناهج الفكر والتحليل1، على الرابط

[25] روى أحمد (12902) ، والبخاري في “الأدب المفرد” (479) ، وعبد بن حميد في “مسنده” (1216) ، والبزار في “مسنده” (7408) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا) .ولفظ أحمد: (إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا). وصححه الألباني في “الصحيحة”. والفسيلة هي: كُلّ عود يُفصَل من شجرته ليُغرس.

[26] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[27] أخرج أبو داوود وابن ماجة: أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال: أما في بيتك شيء قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء قال ائتني بهما قال فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال من يشتري هذين قال رجل أنا آخذهما بدرهم قال من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال له اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما .. الحديث. فاستنبط منه الدكتور سيف نظرية (الفأس)، يعني القدوم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يشتريه ويحتطب به.

[28] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الرابعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الشريعة والمشروع، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 01 نوفمبر 2015.

[29] د. سيف الدين عبد الفتاح: قضاء الضد في عصر الرويبضة، منشور على موقع عربي 21، بتاريخ 22/6/2016.

[30] ولذلك يسمي الدكتور سيف الدين الدولة الاستبدادية بـ(دولة الضد).

[31] د. سيف الدين عبد الفتاح، الزحف غير المقدس .. تأميم الدولة للدين، ص 6-11 نقلا عن الحكيم البشري، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2005.

[32] د. سيف الدين عبد الفتاح، محاضرة: (الإصلاح والسياسة) على الرابط

[33] وكلها تهدف إلى بناء الإنسان الحضاري كما تقدم.

[34] ينظر: د/ سيف الدين عبد الفتاح: (الحلقة الثالثة من سلسلة المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال) .. النقد الذاتي فضيلة وفريضة وضرورة، بتصرف، مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 25 أكتوبر 2015.

[35] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[36] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[37] د. سيف عبد الفتاح، المقال الافتتاحي في سلسلة المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال، مرجع سابق.

[38] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة الخامسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 8 نوفمبر 2015 .

[39] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة السادسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 15 نوفمبر 2015 .

[40] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة السادسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 15 نوفمبر 2015 .

[41] هذه العبارة (الملهمة) من نفائس أستاذنا، ولم أقف عليها مكتوبة، وإنما استفدتها من محاضرة: (الإصلاح والسياسة) على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=18P-OvAPAII. غير أن الدكتور تحدث عن فحواها وشرح معناها في الحلقة الـ 12 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال” كما سيأتي.

[42] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الـ 11 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. خريطة التحديات الحضارية في العالم الإسلامي: التحديات الداخلية (1)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 20 ديسمبر 2015.

[43] دورة المبتدئين في المنظور الحضاري/ د. سيف عبدالفتاح: نماذج من تفعيل المنظور: مناهج الفكر والتحليل1، على الرابط

[44] المقال الافتتاحي في سلسلة المشروع الإسلامي الكبير، مرجع سابق.

[45] دورة المبتدئين في المنظور الحضاري، المرجع السابق.

[46] د/ سيف الدين عبد الفتاح، المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 11 أكتوبر 2015.

[47] د/ سيف عبد الفتاح، مقاصد ومعايير التنمية .. رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدى .. ورقة أولية قدمت في مؤتمر “الأمة وأزمة الثقافة والتنمية”- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ديسمبر 2004، ص: 2.

[48] هو ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا)).

[49] د/ سيف، المشروع الحضاري الإسلامي للتغيير، سيرة ومسيرة، بواسطة/ الحسن الفرياضي، على الرابط

[50] النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص: 206؛ وينظر أيضا: ندوة ” أصول الفقه الحضاري والمدخل المقاصدي ” للدكتور سيف عبد الفتاح، على الرابط

[51] ينظر: د. سيف عبد الفتاح: النظرية السياسية ص 197 ، 199 .

[52] د. سيف: النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 199 .

[53] د. سيف عبد الفتاح، الحلقة السادسة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. الأمة وعواقب الدولة القومية (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 15 نوفمبر 2015 .

[54] د. سيف عبد الفتاح: التنمية والنهضة .. رؤية مقاصدية، على الرابط

[55] د. سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الـ 15 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. ميزان المقاصد المعلوماتي على طريق المعرفة والحكمة، بتصرف، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 17 يناير 2016 .

[56] راجع في بيان فكرة قراءة المجتمع كنص: د. سيف الدين عبد الفتاح، الزحف غير المقدس .. تأميم الدولة للدين، ص 6-11، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2005.

[57] ينظر في شرحه: د. سيف عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي ص 162؛ د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[58] هو ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا)).

[59] وهو في رأيي معنى (عمومِ النِّعَم).

[60] وهو المشار إليه في قوله: “فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا”.

[61] د. سيف الدين عبد الفتاح: الحكم الصالح الرشيد من منظور إسلامي، مجلة المسلم المعاصر، منشور في العدد 139 ، الأربعاء, 09 آذار/مارس 2011 .

[62] الحلقة التاسعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. مشروعان يتدافعان في المنطقة.. الأمة الوسط والشرق الأوسط الجديد، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 06 ديسمبر 2015.

[63] وهو حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت)). رواه أبو داود بإسناد صحيح.

[64] ينظر: د. سيف الدين عبد الفتاح: عقلية الوهن .. دراسة لأزمة الخليج .. رؤية نقدية للواقع العربي في ضوء النظام العالمي الجديد، القاهرة، دار القارئ العربي، الطبعة الأولى 1412 = 1991 .

[65] الحلقة التاسعة من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. مشروعان يتدافعان في المنطقة.. الأمة الوسط والشرق الأوسط الجديد، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 06 ديسمبر 2015.

[66] الحلقة الـ 12 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. التحديات الحضارية الخارجية وعالم المسلمين (2)، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد, 27 ديسمبر 2015.

الجزء الأول

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close