fbpx
دراسات

تحديات السياسة الخارجية المصرية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تقاس فاعلية السياسة الخارجية لأى دولة فى تحقيق أهدافها على مقدار ما تمتلكه من القوة الشاملة التى تستطيع بها مواجهة تحديات البيئة الداخلية والخارجية، والاستفادة من الفرص المتاحة التى يوفرها النظامين الإقليمى والدولى، واحتواء أو تحييد القيود التى تنتج عن التفاعلات الدولية والإقليمية. وبالنظر إلى البيئة الداخلية والخارجية التى تعمل فى إطارها السياسة الخارجية المصرية بعد انقلاب 3 يوليو، نجد أنها تواجه بمزيد من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تحد من فاعليتها وكفائتها فى تحقيق أهداف الدولة المصرية.

وفى هذه الدراسة نحاول تحليل آثار هذه التحديات على السياسة الخارجية المصرية على النحو التالى:

أولا: القيود الداخلية

1- مؤسسة الرئاسة (شرعية النظام)

“كلما اتسعت قاعدة التأييد السياسى للنظام القائم، كلما زادت قدرة هذا النظام على تنفيذ سياسة خارجية ناجحة، والعكس صحيح. حيث إن الدور الخارجى النشيط يجلب معه بالضرورة مواجهات ومعارك، وهى معارك تستلزم حدا أدنى من التوافق الداخلى، وقدرا معقولا من تأييد القيادة، ونصيبا أصيلا من الشرعية السياسية والمشروعية القانونية “.

 

ولكن بعد إعلان 3 يوليو تأرجحت مواقف الدول بين الاعتراف الصريح أوالتحفظ على إعلان موقف واضح أو رفض ما حدث باعتباره انقلاب عسكرى متكامل الأركان على الشرعية السياسية والدستورية وهو ما أنتج قيودا شديدة على حركة السياسة الخارجية المصرية.

ويمكن تقسيم الفترة التى تلت الانقلاب إلى مرحلتين هما:

مرحلة تولى عدلى منصور

بالرغم من أن الانقلاب ما كان له أن يتم إلا بدعم وتخطيط أمريكى وصهيونى إلا أنه:

*لم يعترف صراحة بشرعية ما جرى سوى المملكة السعودية وعدد من دول الخليج والأردن التى كانت الوجهة الوحيدة لعدلى منصور خارجيا بجانب زيارة اليونان التى لم يكن لها محل من الإعراب إلا المكايدة السياسية لتركيا التى رفضت هى وقطر الانقلاب. وعمد النظام إلى الحصول على مزيد من المساعدات والقروض التى أضفت مزيدا من التبعية الاقتصادية والسياسية لدول الخليج وعلى رأسها السعودية، وهذا تراجع كبير عما بدأه الرئيس مرسى.

 

*علّق الاتحاد الإفريقي عضوية مصر؛ مما أطلق يد إثيوبيا للإسراع فى بناء سد النهضة الذى سيضر كثيرا بمصر من جميع النواحى.

*تحفظت أميركا على إعلان موقف واضح بالرغم من أنها المدبر الأساسى للانقلاب، وإن كانت قد قررت مراجعة المعونة العسكرية وأوقفت تسليم طائرات ومعدات عسكرية؛ فإنه كان فى سياق الضغط على سلطة الانقلاب نحو مزيد من التبعية لها، وترك الباب مفتوحا لمواجهة أية تطورات محتملة فى ظل معارضة شرسة لرافضى الانقلاب حتى بعد فض رابعة، ونفس الموقف اتخذه الاتحاد الأوربي بينما التزمت دول عديدة الصمت.(2)

*انعكس هذا الوضع الجديد حتى على تحركات المسئولين المصريين للخارج، فكانت كل زيارات وزير الخارجية نبيل فهمى من أجل الدفاع عن إجراءات 3 يوليو وأن ما حدث كان استجابة لثورة شعبية، وليس لأجل الاشتباك مع القضايا الإقليمية والدولية لدرء التهديدات الأمنية فى ظل فترة يعاد فيها إعادة تشكيل المنطقة وتقسيمها من جديد.(3)

*إجراء زيارات متبادلة لوزراء دفاع روسيا ومصر كان الهدف المروج لها إعلاميا هو بداية خروج مصر من التبعية لأمريكا، ولكن على أرض الواقع لم يكن ثمة نتائج حقيقية لهذه الزيارات حيث تم نفى عقد أى صفقات تسليح.

مرحلة تولى السيسى

تغير الوضع نسبيا حيث حصل النظام على شرعية انتخابية دعمت من موقفه الدولى وهو الأمر الذى أدى إلى حلحلة الحصار الشكلى الذى كان مفروضا دوليا على مسئولى سلطة الانقلاب فى مصر؛ حيث تراجع الاتحاد الإفريقى عن قراره بتعليق عضوية مصر، وحضر السيسى اجتماع القمة الإفريقية والتقى عددا من قادة الدول ومنها رئيس الوزراء الإثيوبى، ثم قام بعدة زيارات خارجية لعدد من الدول منها السودان والسعودية وروسيا وفرنسا وإيطاليا، بالإضافة إلى المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.(4)

وكما كان انتخاب السيسى فرصة لحصوله على شرعية سياسية تمكنه من انتهاج سياسة خارجية فاعلة، إلا أنه مثًل بنفسه قيدا على أهداف السياسة الخارجية المصرية المعلنة المتمثلة فى حماية الأمن القومى المصرى ومتخذاً لسياسات تتعارض معها. إذ اتضح أنه لا يملك أى مشروع سياسى حقيقى أو حتى برنامج انتخابى يهدف لاستقلال القرار المصرى إلا بعض العبارات الشكلية عن استقلال القرار والتى تستهدف تخدير أنصاره. فواقع الأمر ومن خلال خطاباته وحواراته المتعددة وكذلك سياسته يمكن القول بأنه:-

*يعتبر نفسه زعيما ملهما لمواجهة ما يسميه التطرف الإسلامى والجماعات المسلحة فى المنطقة؛ بما يرهن سياسة مصر الخارجية بالانخراط فى الحرب الدولية ضد ما يسمى بالإرهاب، وما يتبعها من تدخلات دولية تريد إعادة رسم وتفتيت المنطقة وإضعاف دولها على عكس ما هو مفترض أن تكون مصالح مصرية ثابتة ترفض التدخلات العسكرية الخارجية فى المنطقة.(5)

*استمرار سياسة الإقصاء وارتكاب المجازر فى حق معارضيه وخصوصا الإخوان المسلمين؛ مما أفقد مصر أحد أدوات القوة الناعمة التى تمتلكها وتتمثل فى انتشار التنظيم فى أكثر من ثمانين دولة مع إمكانيات استغلال العلاقات التى يشكلها أعضائه فى هذه الدول لدعم أهداف السياسة الخارجية. كما أنه عمد إلى إقرار قانون التظاهر واستخدام مؤسسات الدولة فى اعتقال والحكم بالإعدام والسجن على آلاف المعارضين؛ الأمر الذى أدى إلى تحويل الأزمة السياسية إلى معركة صفرية؛ وما يتبعها من استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية فى ظل استمرار المتظاهرين فى الشوارع.

*خسارة مصر لكثير من عقول أبنائها الذين كانوا سيدعمون القوة الشاملة لمصر بسبب اعتقال وقتل آلاف من شباب مصر من ذوى المؤهلات العليا والتسبب بهجرة آلآف آخرين.

*يقايض القرار المصرى الخارجى بالمشاركة فى ترتيبات وتدخلات دولية فى الإقليم العربى بشكل يهدد الأمن القومى العربى ككل. حيث أعلن استعداده المشاركة فى التحالف الدولى ضد تنظيم الدولة الإسلامية مقابل أن تفرج الولايات المتحدة عن طائرات الأباتشى التى تمتنع عن تسليمها لمصر وكذلك مساعدات أخرى، وهو ما أطلق عليه السيسى – فى حواره مع تشارلى روز وأيضا مرافقيه بأمريكا – سياسة “سيب وانا اسيب”.(6)

*لم يذكر فى خطاباته ضرورة امتلاك ثلاثية الغذاء والدواء والسلاح التى تعد عصب قوة أى دولة وبالتالى استقلالية سياستها الخارجية، بالعكس من الرئيس مرسى الذى دأب على تكرار هذه الثلاثية فى كل معظم خطاباته أملا فى الوصول لامتلاك الإرادة الوطنية وامتلاك القرار دونما تبعية لأحد.(7)

*أعاد ترتيب المهددات الخارجية على الأمن القومى المصرى، حيث لم تعد إسرائيل هى العدو الأساسى والأول لمصر، بل تراجعت لتحل محلها حركة حماس والحركات المسلحة فى سوريا والعراق وليبيا. وزاد على ذلك بالإعلان صراحة أنه يرفض أى تهديد لأمن إسرائيل انطلاقا من سيناء.(8)

2- المؤسسة العسكرية

تشكل المؤسسة العسكرية أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدول، ومن ثم أهم الأدوات الصلبة التى تستخدم لتحقيق وتنفيذ أهداف السياسة الخارجية للدول؛ من خلال الحماية المباشرة لحدود الدولة والحفاظ على تماسكها، وللوقاية من التهديدات المحتملة خارجيا وداخليا فى بعض الأحيان.

فقد أعلنت المؤسسة العسكرية ولاءها الكامل لقائد الانقلاب من خلال تنفيذ قراراته بالانتشار فى عموم البلاد قبل أسبوع من إعلان عزل مرسى ثم اختطافه، وحتى مؤخرا قبل انتفاضة الشباب المسلم يوم 28/11/2014، بجانب موافقتها على قتل المصريين المعارضين للانقلاب ولحكم السيسى ثم تورطها فى دعم انقلاب حفتر فى ليبيا بالسلاح، وهذا على عكس ما فعلته بعدم التعاون مع مرسى باعتراف أحد منتسبيها السابقين.(9)

ومثلما شكلت المؤسسة العسكرية فرصة كبيرة للنظام، إلا أن سياسته أنتجت قيودا على دورها المفترض فى حماية إقليم الدولة وأضعف كثيرا من هيبتها وقوتها، وبالتالى إخراجها من معادلة القوة الشاملة التى تضيف لرصيد السياسة الخارجية، ويمكن تناول هذه السياسات كالتالى:-

*نشر القوات الخاصة وفرق التدخل السريع فى عموم البلاد وجعل منشآت الدولة منشآت عسكرية، يؤثر بصورة كبيرة على دورها الأساسى فى حماية الحدود المصرية وكفائتها التدريبية، بالإضافة إلى كشف القوات أمام أى جماعات تستخدم السلاح لمعارضة النظام.(10)

*استخدام قوات الجيش فى إطار صراعه السياسى مع رافضى الانقلاب؛ مما حول عقيدة الجيش القتالية إلى الحرب على الإرهاب؛ و هو ما أدى ألى تورطها فى قتل وإصابة واعتقال آلاف المصريين، وكذلك إمكانية انخراطها فى تحالفات  دولية على غير المصالح الوطنية؛ مما أدى إلى انهيار الصورة الذهنية التاريخية للمؤسسة العسكريه فى عيون رافضى الانقلاب وزادت كراهيتهم ليس لقادة المؤسسة نفسها بل للمؤسسة ككل، وراجت دعوات رفض التجنيد الإجبارى فى الجيش أو التهرب منه، وهو أمر خطير على تماسكها فى المستقبل.

*إعطاء المبرر للجماعات المسلحة فى انتهاج العنف وسيلة لمواجهة قتل الجيش للمعارضين سواء فى داخل الوادى او فى سيناء. وهو ما حدث بالفعل فى إنهاك الجيش فى حرب عصابات بسيناء مما أدى إلى زيادة خسائره البشرية والمادية بجانب خسارته هيبته، وهذا ما ظهر فى فيديو صولة الأنصار الذى بثه تنظيم أنصار بيت المقدس.(11)

*تورط الجيش فى تهجير وقتل أهالى سيناء أدى إلى شيوع حالة من الكراهية تجاهه من قبل السيناويين وزيادة شعورهم بالاغتراب مما يشكل خطرا على تواجد الجيش نفسه فى سيناء، وضعف منعة وسلامة الجبهة الداخلية لصالح المسلحين، ولصالح إمكانية قبول التجسس لصالح الكيان الصهيونى.(12)

وهذا الأمر قد يؤدى مستقبلا لانفصال سيناء وجعلها أكبر مهدد للأمن القومى المصرى على غرار تجربة جنوب السودان، وهو الأمر الذى حذر منه السيسى نفسه.(13)

*من آثار استخدام الحل الأمنى فى سيناء، أنه يعطى ذريعة للتدخل الأجنبى مستقبلا فيها، فى ظل فشل مواجهة الجماعات المسلحة هناك، وبالتالى إعطاء الحجة للكيان الصهيونى بالقول بأن سيناء تشكل تهديدا قويا على أمنها مما يسمح لها بالتدخل العسكرى. وبالفعل تدوالت أخبار عن قصفها لسيناء وتشكيل وحدات خاصة للتدخل فى سيناء.(14)

*أمر آخر ليس سببا من النظام الانقلابى الحالى لكنه إرث تاريخى استمر عليه السيسى ولم يغيره بل زاد عليه، وهو ارتهان الجيش فى تدريبه ونظم تسليحه بالمساعدات العسكرية الأمريكية التى تبلغ 1.3 مليار دولار سنويا، وهو الأمر الذى يشكل عامل ضغط كبير على صانع القرار المصرى، ويرهن كثيرا من قرارات ومواقف السياسة الخارجية للولايات المتحدة يجعلها تابعة لها؛ حيث كان الهدف الأساسى من المساعدات ضمان عملية السلام مع إسرائيل، وتحجيم قدرات الجيش المصرى وضمان تبعيته والسيطرة عليه، وضمان التعاون الأمنى والاستخباراتى بين مصر وأمريكا.(15)

*زيادة عسكرة الدولة فى تولى المناصب الحكومية، وحصول الجيش على كثير من مشروعات الدولة بالأمر المباشر أو بالمنافسة غير المتكافئة مع القطاع الخاص؛ أثر كثيرا على الأداء الحكومى، وعلى النشاط الاقتصادى ككل؛ من ناحية تراجع دور القطاع الخاص مقابل تغول الجيش، وبالتالى تراجع عدد فرص العمل التى يوفرها القطاع الخاص وزيادة البطالة وما تتبعها من آثار اجتماعية سلبية، حيث إن الجيش فى مباشرته للأنشطة الاقتصادية يعتمد فى توفير العمالة على المجندين. بالإضافة إلى أن أنشطة الجيش غير خاضعة للضرائب مما تفقد معه الخزانة العامة أموالا كان من الممكن أن يضخها القطاع الخاص لو كان قام بنفس العمل؛ بما يؤدى معه إلى تراجع إيرادات الدولة؛ وبالتالى تزايد عجز الموازنة العامة؛ وتراجع الإنفاق على الخدمات العامة وتباطؤ نمو الاقتصاد؛ واستمرار سياسة الحصول على القروض والمنح؛ ومن ثم ارتهان القرار المصرى الخارجى لإرادة المانحين وأبرزهم دول الخليج وعلى رأسها السعودية.(16)

وهكذا أصبحت المؤسسة العسكرية ليست فقط عبئا وقيدا على السياسة الخارجية وغير داعمة لها؛ بل أصبح لها تأثير سلبى على باقى عناصر القوة الشاملة للدولة وهى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مما يزيد من حجم القيود المفروضة على حركة صانع القرار المصرى فى تنفيذه للأهداف الخارجية.

3- وزارة الخارجية

شكلت وزارة الخارجية فرصة للنظام لا قيدا عليه، وتمثل ذلك فى النشاط الواضح لوزير الخارجية نبيل فهمى بعد الانقلاب فى زيارات متعددة لدول العالم لإقناعها بأن ما حدث كان ثورة لا انقلاب، بجانب التشارك الفكرى بين الوزير وقائد الانقلاب فى نظرته للوضع فى مصر ولجماعة الإخوان عموما.(17)

بعكس ما كان سائدا وقت الرئيس مرسى، حيث كان يتحرك فى سياسته الخارجية معتمدا أكثر على مؤسسة الرئاسة ومستشاره للشؤون الخارجية عصام الحداد.

ويتمثل القيد فى نظم عمل الوزارة نفسها وضعف أدوار السفارات بسبب عدم المحاسبة وتولى المناصب لغير ذوى الكفاءه. فمفترض أن تكون السفارات أعين الدولة وأذرعتها فى الخارج، تحلل كل كبيرة وصغيرة فى الدول التى توجد بها، وتقدم دراسات ومعلومات تفصيلية تفيد صانع القرار، لكن الشواهد الواضحة تؤكد أن لا شيئ من هذا كله يتم بما يتفق وتوجهات رئيس الدولة وليس بما يتفق ومصالح المواطنين داخل مصر وخارجها، باستثناء العام الذي تولي فيه الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية في مصر.

وبعد الانقلاب أصبحت الخارجية تقوم بأسوأ دور في دعم الانقلاب حيث تجاهلت مصالح المصريين والقضايا الرئيسة لمصر في تفاعلاتها الخارجية، واقتصر دورها على تحسين صورة الانقلاب والقيام بحملات علاقات عامة لغسل جرائمه في كل المحافل الدولية.

4-القوة الاقتصادية

“من الصعب الحديث عن سياسة خارجية فاعلة ونشطة بدون أن تدعم هذه السياسة قاعدة اقتصادية قوية ومرنة. فلا توجد سياسة خارجية بلا تكلفة، تستقطع من الاقتصاد الوطنى لخدمة الأمن القومى وتحقيق الأهداف العليا للوطن. لذلك فإن الأزمة الاقتصادية الحالية تخصم بلا شك من رصيد السياسة الخارجية ، وتحد من قدرتها على الفعل والتأثير”.(18)

وعلى عكس ما يروج له نظام الانقلاب بأنه يهدف إلى تحقيق إصلاحات اقتصادية توقف التدهور الاقتصادى وتحقيق تنمية شاملة، فإن سياساته وقراراته كان من شأنها تشديد القيود التى يفرضها وضع الاقتصاد على السياسة الخارجية نحو مزيد من التبعية للخارج وبصورة أساسية لدول الخليج وعلى رأسها السعودية،

ويمكن تناولها كالتالى:

*اعتماد النظام على أموال المصريين لتمويل مشروعاته القومية وكذلك على تبرعات المواطنين بما يؤثر على المدخرات البنكية والسيولة المادية.(19)

*عدم وجود أولويات واضحة للنظام لمعالجة الأزمة المتفاقمة، بل اهتم بالدعاية والحشد الإعلامى لمشروعات قومية لن تدر دخلا إلا بعد سنوات عديدة، تاركا أزمات ملحة دون حل وعلى رأسها أزمات الطاقة التى بدون حلها لن تجذب مصر استثمارات خارجية.(20)

*تزايد عجز الموازنة العامة وارتفاع الدين العام المحلى والخارجى بما يهدد بإعلان الإفلاس.(21)

*تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبالتالى زيادة البطالة وانخفاض أعداد السائحين ومن ثم تراجع إيرادات مصر من العملة الصعبة.

*انخفاض الاحتياطى النقدى الأجنبى، مما أدى إلى ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصرى مما يزيد من ارتفاع الأسعار خاصة فى ظل اعتماد مصر على الاستيراد.

*اتخاذ قرارات رفع الدعم عن الوقود والطاقة بشكل أثر كثيرا على الفئات ذات الدخل المتوسط والمحدود، مما يزيد من تفاقم الأزمة الاجتماعية خصوصا فى ظل ضعف المرتبات وارتفاع الأسعار.(22)

*استمرار سياسة الاستجداء والحصول على معونات وقروض من دول الخليج تعدت ال 20 مليار دولار لمعالجة عجز الموازنة ومواجهة تدهور الاحتياطى النقدي.(23)

وهكذا أدت سياسة الانقلاب برفع الدعم واستجداء المعونات والقروض من الخارج إلى سياسة تكريس التبعية، حيث لا يمكن تصور انتهاج دولة لسياسة خارجية مستقلة بعيدا عن الدول المانحة والمقرضة لها.

5- النخب السياسية والإقتصادية والإعلامية

شكلت هذه النخب بتنوعها فرصا كبيرة للنظام لاستمرار نهجه الخارجى، خاصة أنها كانت أبرز الداعمين للانقلاب على الرئيس مرسى، من خلال المعارضة لأى قرار يتخذه الرئيس مرسى ومن ثم دعم هذه المعارضة بالمال والدعاية الإعلامية المكثفة.

كما تمثل منظومة القيم التى تتبعها هذه النخب من ولاء للغرب والتطبيع مع الكيان الصهيونى عامل داعم لسياسة النظام، وقيدا حقيقيا على السياسة الخارجية المفترضة للدولة المصرية.

6- الرأى العام

لا يشكل الرأى العام قيدا حقيقيا على السياسة الخارجية فى النظم الاستبدادية العسكرية، وحتى فى حالة إتاحة مجال بسيط للحرية فلا يتعدى تأثير الرأى العام إلا بعض التظاهرات المطالبة باتخاذ مواقف بعينها وتتوقف مدى استجابة السلطات لها وفق رؤيتها لطبيعة القضية المطروحة ذاتها، كما حدث إبان انتفاضة الأقصى وغزو العراق.

وبعد انقلاب 3 يوليو، عمد النظام إلى توجيه الرأى العام ووضعه تحت الوصاية العسكرية من خلال الهيمنة على كافة وسائل الإعلام لضمان :-

*السيطرة على الخطاب الإعلامى بما يؤدى إلى حشد مؤيديه وتوجيه الرأى العام تجاه ما يرغب فيه النظام، وإيهامهم بأن مصر تواجه مؤامرة كونية تهدف لتدمير مصر.

*وأيضا قبول التوجهات الخارجية الجديدة للنظام والتى تناقض ما هو معلن من ثوابت السياسة الخارجية المصرية، حيث أصبحت حركات المقاومة إرهابية، وإسرائيل صديق يمكن التعاون معه أمنيا وسياسيا.

وشكل الرأى العام المؤيد للانقلاب تحت تأثير الجهل والإعلام قيدا غير مباشر على السياسة الخارجية من خلال تشجيع النظام على استمرار انتهاجه سياسة داخلية وخارجية معادية للمصالح الوطنية والقومية وهو يظن أنها فى صالح مصر.

7-المؤسسات الدينية

كان من المتوقع أن تكون هذه المؤسسات عنصرا مهما للقوة الناعمة فى السياسة الخارجية من خلال نفوذ الأزهر أو الكنيسة المصرية خارجيا، إلا أن حقيقة الأمر أنها كانت قيدا مباشرا على السياسة الخارجية ومضعفا لباقى عناصر القوة التى تملكها الدولة، حيث سخرت المؤسسات الدينية الرئيسية لدعم الانقلاب و الدفاع عن قيادته و تبرير أعماله، ويمكن تناول ذلك كالآتى على سبيل المثال:

*استخدم الانقلاب شيوخ الدين فى إطار الصراع السياسى بين النظام ورافضى الانقلاب، حيث تم وصفهم بأنهم خوارج يجب قتلهم الأمر الذى أدى إلى تورط الجيش فى قتل المصريين كما سبق توضيحه، بجانب بث الفتنة والكراهية بين مؤيدى النظام ومعارضيه مما يكرس الانقسام المجتمعى وأيضا قد يسبب مستقبلا بحرب أهلية حقيقية.(24)

*التحريض على القتل والصمت على إغلاق مئات المساجد وغلق بعضها وإحراق مسجد رابعة، وسيطرة خطاب الدولة الدينى فقط، أدى إلى تكريس فكرة أن الانقلاب حرب على الإسلام مما يضفى صبغة دينية على الصراع السياسى، وبما يتبعه من رغبة وقابلية كثير من الشباب لانتهاج العنف المسلح سبيلا لإسقاط الانقلاب، مما يزيد من تدهور البلاد لمزيد من الفوضى الأمر الذى يعصف بقوة البلاد الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية لصالح تدخلات خارجية حتمية.

8-وسائل الإعلام

عمد الانقلاب على السيطرة على جميع وسائل الإعلام المقروئه والمرئية والمسموعة، والتى ساعدته على تثبيت أركانه، وبررت له سياساته الداخلية وحتى الخارجية. وبالرغم من أنها الركن الأساسى فى الترويج للانقلاب والتمهيد له، إلا أنها مثلت قيدا على السياسة الخارجية المصرية من خلال:

*العمل على بث الفرقة بين المصريين، والبث والترويج لأغنية تؤكد أن المصريين أصبحوا شعبين، وهو أخطر ما تواجهه أى دولة فى العالم؛ إذ تعد سلامة ومنعة الجبهة الداخلية عاملا قويا حاسما ليس فقط لمنع التدخلات الخارجية بل لانتهاج سياسة خارجية فاعلة.

*تصدير الإعلام وترويجه الدائم لفكرة أن مصر تحارب الإرهاب، مما أثر على التدفق السياحى لمصر وكذلك الاستثمارات الأجنبية بالإضافة إلى تعظيم أولوية الإنفاق على الأمن وتجاهل الإنفاق على الخدمات العامة وبالتالى مزيدا من الضعف الاقتصادى وبالتالى استمرار التبعية للخارج.

*هيمنة ثقافة الصوت الواحد ورفض تام لأراء رافضى الانقلاب، ومحاربة أىة آراء مخالفة حتى لمن هم فى معسكر الانقلاب ذاته، الأمر الذى أدى إلى استغلال القوى الدولية لهذا الأمر بالتدخل فى الشئون الداخلية تحت دعاوى احترام حرية الرأى والتعبير بالرغم من أنهم أكبر داعمى الانقلاب؛ وطبعا الهدف هو مزيد من إضعاف الدور المصرى وضمان تبعيته.

ثانيا: القيود الخارجية

تشكل البيئة الخارجية العربية والإقليمية والدولية مسرحاً لتنفيذ قرارات وأهداف السياسة الخارجية لأى دولة. وواقع الحال يشير إلى وجود تأثيرات متبادلة بين البيئة الخارجية والداخلية الرسمية وغير الرسمية عبر النفوذ والتأثير والتدخل الذى يزداد فى حالة الدول الصغيرة والمتوسطة وخاصة تلك الدول التى تعتمد فى اقتصادها وتسليحها على الخارج كمصر.

وتشير تطورات الأحداث فى العالم وخاصة المنطقة العربية إلى مضاعفة القيود المفروضة على مصر فى سياستها الخارجية وفى الوقت ذاته تعطى مصر فرصا وإمكانيات يجب استغلالها. وكان من الممكن أن تنكفئ مصر على ذاتها خصوصا بعد ثورة يناير ووجود تحديات أمنية وسياسية واقتصادية خطيرة تواجهها، إلا أن موقعها الاستراتيجى فرض عليها ضرورة الاشتباك مع أحداث المنطقة بالشكل الذى يحافظ على المصالح العربية والمصرية ومواجهة المخططات الغربية والصهيوينة لتفتيت المنطقة.(25)

1: البيئة العربية

شكلت التطورات القائمة فى دول الربيع العربى قيودا كبيرة على مستقبل السياسة الخارجية العربية عموما وعلى السياسة المصرية خاصة حيث :-

*حدثت ردة على ثورات الشعوب العربية منذ التدخل العسكرى الغربى فى ليبيا وكذلك من قبل المؤسسات العسكرية وبدعم واضح من الممالك العربية أملا فى وأد الثورات فى مهدها لعدم انتقالها لهذه الدول، وهو الأمر الذى أدى إلى زيادة حدة استبداد النظم فى دول الربيع العربى؛ مما ترتب عليه ارتكاب مئات المذابح بحق الشعوب، وسمح بظهور العديد من الجماعات المسلحة لمواجهة هذه الأنظمة وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وهكذا أصبحت سياسات الأنظمة العربية المحاربة لثورات الشعوب – بدلا من استغلالها لتعظيم مكامن القوة العربية – مبررا للتدخلات الدولية العسكرية فى المنطقة تحت ذريعة مواجهة التطرف والإرهاب، رغم أن الهدف الأساسى هو إعادة رسم وتفتيت المنطقة واحتواء ثورات الشعوب العربية بشكل يمنع من استقلال هذه الدول مستقبلا عن التبعية للخارج، وأيضا الحفاظ على توازن القوى لصالح الكيان الصهيونى على حساب الدول العربية مجتمعة.(26)

وعلى عكس المفترض لنظام يقدم نفسه على أنه جاء لإعادة الدور التاريخى والريادة لمصر فى المنطقة العربية ويعمل على استقلال القرار المصرى بعيدا عن التبعية للخارج، ويقدم سياسة جديدة فى العلاقات الدولية اطلق عليها قائد الانقلاب (مسافة السكة) فى إشارة منه إلى استعداد مصر للتدخل العسكرى ضد أى تهديدات للدول العربية، فإنه اتخذ سياسة تابعة للسعودية والإمارات فى نظرتها لتطورات الأوضاع فى الدول العربية، بشكل فاقم من القيود المفروضة عربيا على السياسة الخارجية المصرية.(27)

، ويمكن تناول هذه القرارات والسياسات كالتالى:-

*دعم انقلاب حفتر فى ليبيا سياسيا وعسكريا، من خلال إرسال أسلحة وقصف بعض المواقع داخل ليبيا، وهو ما يشكل تحولا صارخا فى السياسة الخارجية التى تمتنع عن التدخل العسكرى فى الدول العربية خاصة وأن هذا التدخل يأتى لدعم طرف دون آخر وليس لمساعدة للتحرر من احتلال أجنبى، وليس كما هو مفترض أن يكون ثمة حيادا على الأقل بين الجماعات المسلحة وذلك لإمكانية لعب دور الوسيط النزيه الذى يسعى لحل الأزمة فعليا.(28)

*وتناقضت هذه السياسة مع مبادئ وأهداف السياسة الخارجية المستقرة مما جعلها تمثل سياسة خارجية لنظام يريد الحفاظ على بقائه وليس لدولة، حيث عملت على تكريس للواقع الليبى المنقسم والمتأزم والمتجه نحو حرب أهلية شاملة، ومتجاهلة للمصالح الوطنية العليا للدولة المصرية القائمة على أهمية بقاء ليبيا موحدة غير مقسمة، ومستقرة غير مهددة، بما يؤدى معه إلى استقرار وعدم تهديد العمالة المصرية التى تتجاوز 1.5 مليون فى ليبيا، وضمان ضبط الحدود لمنع تهريب السلاح للداخل المصرى وما ينتج عنه من استمرار وزيادة فى الانفلاب الأمنى.(29)

*تغير السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية نحو عداء واضح وصريح لحركة حماس واتهامها رسميا وإعلاميا بأنها حركة إرهابية شاركت فى قتل المصريين فى ثورة يناير وقتل الجنود فى سيناء. ووصل الأمر إلى حد حظر أنشطتها فى مصر بحكم قضائى.(30)

واتضحت هذه السياسة أكثر أثناء الحرب الصهيونية على غزة؛ إذ عمدت مصر إلى استمرار إغلاق معبر رفح، وامتنعت عن تقديم أى دعم سياسى للمقاومة واختفت سياسة “مسافة السكة” التى اتضح أنها مجرد كلام إنشائى أو لمن يدفع أكثر. ثم قامت بتقديم مبادرة لوقف الحرب ساوت بين المقاومة والعدو أملا فى عدم استفادة المقاومة بما حققته من نتائج كبيرة فى الحرب بسبب صمودها وما امتلكته من قوة جديدة حققت توازن نسبى مع الكيان الصهيونى.

ويتمثل القيد هنا فى التماهى مع السياسة الصهيونية ضد حركات المقاومة وانتهاج نفس خطابها السياسى، مما أفقد مصر ورقة ضغط كانت تستخدمها ضد أطماع السياسة الأمريكية والصهيوينة فى المنطقة، بجانب فقدان المشروعية الأخلاقية والقيمية التى طالما تتغنى بها مصر والمتمثلة فى دعمها التاريخى للقضية الفلسطينية كما روجت دوائر الحكم.

وأتت هذه السياسة على النقيض مما قام به الرئيس مرسى وقت الحرب على غزة، حيث تميزت سياسته بسرعة المبادرة لحل الأزمة، والخطاب السياسى المختلف والحاد والمهدد للكيان الصهيونى بجانب زيارة رئيس الوزراء لغزة وقت الحرب.

*وكانت سوريا هى الأخرى بمثابة تحدى جديد للسياسة الخارجية المصرية، فلا يوجد موقف واضح لمصر سواء بدعم الثورة السورية أو دعم بقاء النظام؛ وذلك بسبب عدم وجود أىة أدوات للتأثير فى الواقع السورى، بجانب تبعية النظام لسياسة السعودية التى لم تعد تتحدث عن ضرورة إسقاط الأسد فى ظل ظهور عدد كبير من الحركات المسلحة المعادية للأسد وتعتبرها السعودية حركات إرهابية.(31)

ويزداد القيد صعوبة بسبب تشابك الأزمة السورية إقليميا ودوليا وتضارب أهداف الدول المتدخلة فى الأزمة، حيث يراد من خلالها إعادة رسم وتفتيت المنطقة، ويختبر فيها إعادة تشكيل النظام الدولى ذاته تجاه تعددية قطبية.(32)

*عدم امتلاك أىة أداة للفعل أو التأثير على مجريات الأمور فى اليمن التى سيطر الحوثيون المدعومون من إيران عليها. وكذلك فى العراق الذى يسيطر عليه الشيعة والأكراد والجزء الباقى يخضع لتنظيم الدولة الإسلامية، وهى التطورات التى من شأنها زيادة نفوذ إيران فى المنطقة العربية مقابل تراجع وانحسار النفوذ السعودى والخليجى ومن ثم النفوذ المصرى.

*بدلا من احتواء الخلافات العربية وضمان دعم كافة الدول لمصر، فإن نظام الانقلاب عمد إلى معاداة قطر سياسيا وإعلاميا بسبب موقفها الرافض للانقلاب ودعمها لرافضيه، بالرغم من أن قطر استمرت فى الالتزام بتعهداتها فى مساعدة مصر لتجاوز أزمة الطاقة بشحنات الغاز التى كانت اتفقت عليها مع الرئيس مرسى مما يدلل أنها لا تعادى مصر برغم موقفها. وكذلك الأمر مع تونس التى فَتُرَت علاقتها بمصر بعد الانقلاب. وما حدث مع المملكة المغربية، التي شنت وسائل إعلامها هجوما ضاريا على نظام السيسي ووصفته بالانقلاب العسكري، وهو ما اضطر وزير خارجية حكومة الانقلاب لزيارة المغرب (14 يناير 2015) ومحاولة إعادة الوضع لما كان عليه قبل هذا الهجوم، وهو ما يعنى أنه بدلا من انتهاج سياسة تضيف حلفاء جدد فإنه خلق أعداء جدد.(33)

*استمرار الحصول على مساعدات ومنح وقروض من الدول الخليجية بجانب امتلاك هذه الدول لورقة العمالة المصرية فيها، أضعف كثيرا استقلال القرار المصرى وجعله تابعا لهذه الدول.

2: البيئة الإقليمية

يقصد بها مجموعة الدول ذات الجوار المباشر مع الدول العربية، وتشكل عاملا آخر من عوامل الضغط على السياسة الخارجية لمصر فى ظل اشتباك هذه الدول فى أحداث المنطقة وتعارض أهداف بعضها مع المصالح العربية.

ويمكن تناول القيود الإقليمية على النحو الآتى:

*بالنسبة “لإسرائيل”

تشكل اتفاقية السلام أبرز قيد على التحركات المصرية الخارجية تجاه قضايا الصراع العربى الصهيونى من ناحية، وتجاه انهيار الوضع فى سيناء بسبب القيود المفروضة على تحركات ووجود الجيش فى سيناء من ناحية أخرى. فتحولت السياسة المصرية من الاشتباك المباشر فى الصراع العربى – الصهيونى إلى وسيط بين العدو والفلسطينيين، بل زاد الأمر بعد الانقلاب إلى تبنى وجهة النظر الصهيوينة المعادية والمصنفة لحركات المقاومة بالإرهابية كما سبق توضيحه.

الأمر الآخر هو زيادة التنسيق الأمنى بين سلطة الانقلاب والكيان الصهيونى لمواجهة حركات المقاومة فى فلسطين، وكذلك الجماعات المسلحة فى سيناء، بشكل أعطى حجية لتبريرات هذه الجماعات فى مواجهة القوات المصرية.(34)

وتوجت سياسة السيسى هذه القيود وزيادة تبعية السياسة الخارجية بإعلانه صراحة رفضه لتهديد أمن الكيان الصهيونى من سيناء، بل والإعلان عن استعداده لإرسال قوات مصرية تضمن أمن الكيان الصهيونى حال قيام دولة فلسطينية. وهو الإعلان الذى يشير إلى تقديم نفسه البديل الوحيد الذى يحقق المصالح الإسرائيلية والأمريكية.(35)

 *بالنسبة لحوض النيل

يتمثل الحفاظ على حصة مصر من مياه النيل المحرك الأساسى للسياسة المصرية تجاه دول الحوض، وهو منظور قاصر للعلاقات الدولية يُكرِس من منطق الاستعلاء وسياسة المصلحة.

وتمثل التحدى الأبرز فى هذه المنطقة فى عدة أمور هى:

-استمرار إثيوبيا فى بناء سد النهضة وعدم الاكتراث للمطالبات المصرية بوقف بنائه حتى انتهاء المفاوضات الجارية؛ مما سيتبعه من آثار وخيمة على كمية ونوعية المياه الواصلة لمصر؛ بما يؤثر على الزراعة المصرية والحاجة لاستصلاح مزيد من الأراضى الجديدة؛ مما يضاعف من الأزمة الغذائية، وانخفاض نصيب الفرد من مياه الشرب؛ مما سيؤدى إلى مشكلات صحية واجتماعية واقتصادية تهدد استقرار مصر ذاتها وحضارتها التى تقوم على مياه النيل بالأساس. ويبدو أن السياسة المصرية لا تمتلك أيا من أدوات الفعل والتأثير فى السلوك الإثيوبى، خاصة مع انشغال النظام بالوضع الداخلى وبمحاربة الإرهاب كما يقول ويتجاهل مخاطر سد النهضة.

ولم يكتف النظام بعدم اتخاذ موقف واضح من الأزمة، بل روج مسئولوه وإعلامه أن السد يمثل مصدر رخاء للدول المحيطة.(36)

-انهيار الاقتصاد المصرى وحاجته لكثير من المعونات والقروض أضعف كثيرا من إمكانية استخدام الاقتصاد والمعونات والمنح كأداة فاعلة فى دعم تنمية دول حوض النيل ومن ثم إعادة النفوذ المصرى ومواجهة التدخلات الدولية الجارية سواء كانت أمريكية وصهيونية أو صينية وأوروبية.

بالنسبة لتركيا

مثلت تركيا تحديا كبيرا للسياسة المصرية من خلال رفضها لعزل الرئيس مرسى باعتباره رئيس منتخب وتأكيد هذا الموقف فى كافة المحافل الدولية، وبالتالى تحول العلاقات بين الدولتين إلى علاقة صراعية بعد أن شهدت هذه العلاقات تقدما ملحوظا أثناء حكم مرسى مما كان مؤشرا على نشأة تحالف جديد، خاصة فى ظل القطيعة شبه الرسمية للعلاقات التركية – الصهيونية، وهو الأمر الذى كان سيضيف لرصيد مصر الخارجى ويزيد من أوراق الضغط التى تملكها ضد الأطماع الصهيونية فى المنطقة عموما وفى ثروات الغاز فى البحر المتوسط.

إلا أن نظام الانقلاب عمد إلى تخفيض التمثيل الدبلوماسى مع تركيا وفقدان التنسيق بشأن مخاطر تنظيم الدولة، ومناكفتها بزيارة كيدية لعدلى منصور لليونان لم تظهر لها أية آثار حقيقية، ثم تبنى رؤية اليونان وقبرص لترسيم الحدود البحرية متحديا المصالح التركية التى أعلنت بعد زيارة زعمائهما لمصر تحريك قطعها البحرية فى البحر المتوسط فى إشارة إلى إمكانية حدوث نزاع مسلح بسبب الصراع على موارد الغاز.(37)

بالنسبة لإيران

تشكل إيران منذ ثورتها الإسلامية تحديا شاملا للسياسة العربية تمثل فى خوضها حربا مع العراق ومحاولة تصدير ثورتها للدول العربية. وبالفعل عمدت إيران على تعظيم مناطق نفوذها فى المنطقة العربية وتحقق لها ذلك فى التحالف الاستراتيجى مع سوريا وإن كان فى طريقه للانهيار فى ظل الثورة السورية، وعلاقاتها الوثيقة بحزب الله اللبنانى ودعمها لحركات المقاومة الفلسطينية وتحديها للسياسة العربية المعادية حاليا للمقاومة. وأيضا عمدت إلى دعم الحوثيين فى اليمن فى حربهم ضد الدولة اليمنية منذ 2004 وصولا لاحتلالهم للعاصمة اليمنية الأمر الذى دعا البعض في إيران لإعلان سيطرتها على أربع عواصم عربية هى (دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت)، وهو ما يشكل اكتمالا للطوق حول السعودية ودول الخليج الأخرى، ويؤشر إلى أن الهدف القادم لإيران ربما ستكون البحرين التى تدعى إيران أنها تابعة لها بأغلبيتها الشيعية.(38)

كما أن سيطرتها على اليمن من خلال الحوثيين سيضر كثيرا بالأمن القومى المصرى بسبب خضوع مضيق باب المندب تحت سيطرتها غير المباشرة، وهو الأمر الذى لم يثر أى رد فعل مصرى، ويمكن إرجاع ذلك أن الدول الخليجية المتضررة مباشرة بالأزمة فى اليمن لم تتخذ أى رد فعل مما يؤكد تبعية السياسة المصرية للسعودية.

صحيح أن إيران تواجه أزمة لمشروعها فى العراق وسوريا بسبب تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المسلحة، و بسبب تمددها الزائد عن نطاق قدراتها، إلا أن دعمها العسكرى لبغداد حافظ حتى الآن على إبقائها تحت السيطرة، وكذلك فى سوريا. بجانب أن التحالف الدولى لمواجهة تنظيم الدولة وبعض التنظيمات فى سوريا يعطى إيران فرصة لتثبيت وتعظيم نفوذها فى البلدين وهو الأمر الذى يتعارض مع المصالح العربية.

3: البيئة الدولية

من المفترض أن تشكل طبيعة النظام الدولى الحالى فرصا كبيرة للدول الصغيرة والمتوسطة. إذ يبدو النظام فى طريقه إلى التحول تجاه عالم متعدد الأقطاب مع انتقال مراكز القوى الاقتصادية إلى القارة الآسيوية خاصة الصين والهند، وتراجع تأثير القوة العسكرية كأحد محددات العلاقات الدولية وأحد أهم عوامل تحديد شكل وطبيعة النظام الدولى بعد الفشل الأمريكى فى العراق وأفغانستان وعدم القدرة على فرض الرؤية الأمريكية فى أوكرانيا.

وبدلا من انتهاج سياسة خارجية متوازنة تلعب على التناقضات والصراع القائم بين القوى الكبرى لضمان مساحة أكبر من حرية الحركة واستغلال هذا الوضع لتعظيم المصالح المصرية الخارجية، فإن نظام الانقلاب زاد من تبعيته للسياسة الأمريكية، وربط نفسه فى كل خطاباته وسياساته بالتحالف الدولى للحرب على الإرهاب وتقديم نفسه مدافعا عن العالم أجمع من الإرهاب.(39)

وأعطت سياسات النظام الداخلية فرصا للمنظمات الحقوقية الدولية ومجلس حقوق الإنسان الدولى ومنظمة العفو الدولية فرصا أن تصدر تقارير وتوصيات بالضغط على مصر ومحاكمة مسئوليها على جرائمهم. ومعروف أن نتائج هذه التقارير لا تأخذ طريقها للتنفيذ إلا من خلال رغبة أمريكية أوروبية، وهكذا تستخدم هذه الدول التقارير فى زيادة الضغط على مصر لتقديم المزيد من التنازلات والتعبية.

وأيضا كان لعدم وجود خطة حقيقية للإصلاح الاقتصادى تقتطع من الأغنياء لصالح الفقراء ومحاربة للفساد؛ تمهيدا للرضوخ لشروط صندوق النقد الدولى فى تخفيض الدعم على السلع لتقليل عجز الموازنة للحصول على قرض وشهادة تفيد بقدرة الاقتصاد على جذب مزيد من الاستثمارات؛ مما ترتب عليه زيادة فى أسعار السلع والخدمات، وزيادة الأعباء على الفقراء وشبخ اختفاء للطبقة المتوسطة؛ الأمر الذى يؤدى إلى ضعف وهشاشة التماسك والاستقرار المجتمعى بما يؤثر على الأمن القومى للدولة المصرية.

وحتى فى محاولة النظام لإظهار تنويعه لعلاقاته الدولية بعيدا عن أمريكا، فإنه لم يستطع عقد صفقات عسكرية مع روسيا فى ظل الزيارات التى تكررت بين البلدين منذ الانقلاب وتوجت بزيارة السيسى، والتى لم ينتج عنها سوى زيادة بعض الصادرات الزراعية المصرية لتعويض العقوبات الأوروبية، حيث تم نفى عقد أى صفقات عسكرية بدعم خليجى كما روج الإعلام المصرى.(40)

ولم تستطع مصر الاستفادة من الفرص التى يقدمها النظام الدولى فى اللعب على تناقضات مصالح القوى الكبرى لتحقيق أكبر قدر من المصالح المصرية، حيث لم تعد الولايات المتحدة القطب المهيمن على تفاعلات السياسة العالمية بعد تحدى روسيا لها فى أوكرانيا وسوريا ومن قبل فى جورجيا، وظهور فاعلين جدد من غير الدول متمثلين فى الجماعات المسلحة التى لم تستطع الولايات المتحدة مواجهتها او النجاح فى درء تهديداتها.(41) وبالتالى اتضح أن الهدف من الزيارة كان دعائيا بامتياز وهو ما ظهر فى تغطية الإعلام المصرى للزيارة كأنها فتحا كبيرا لمصر وضربة قاصمة لأمريكا.

وفي المقابل كانت الرحلات الخارجية التي قام بها الدكتور مرسي تتسم بوضوح الرؤي والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من هذه الزيارات، وهو ما برز في حجم التعاقدات والاتفاقات والمردود الاقتصادي والسياسي لهذه الزيارات سواء في الهند وباكستان وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا (بهدف تطوير علاقة استراتيجية مع دول البريكس) وتركيا وأوغنده والصومال واثيوبيا وغيرها.

الاستنتاجات

تُعَبر السياسة الخارجية لمصر الآن عن سياسة نظام انقلاب يريد الحفاظ على بقائه فقط وليست سياسة دولة، حيث أن كل قرارات وسياسات النظام الداخلية والخارجية تتعارض مع المصالح الوطنية المصرية والعربية والإسلامية، وتكرس هيمنة الغرب والكيان الصهيونى وإيران على المنطقة بالكامل، وهو الأمر الذى جعله لا يمثل فقط انقلابا على الديمقراطية، وإنما انقلابا على كامل الثوابت الوطنية والدينية.

*وبدلا من أن يستفيد النظام بالتغير الحادث فى شكل وطبيعة النظام الدولى تجاه التعددية القطبية التى تتيح مساحة أكبر من حرية الحركة بين الأقطاب المتصارعة، فإنه فضل السير فى فلك السياسة الأمريكية والصهيونية والسعودية.

*إن ما ارتكبه السيسى ونظامه بحق معارضى الانقلاب من مجازر واعتقالات، وخداع وإيهام مؤيديه بأنه يعبر عن نظام حكم وطنى، ومحاربة ثورات الشعوب التى كانت ستعيد استقلال الدول العربية، والتفات على ثوابت السياسة الخارجية المصرية المفترضة يجب أن يؤدى به إلى محاكمته ونظامه بتهمة الخيانة العظمى.

 

———————————————————–

قائمة المراجع

(1) الأراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات، ولكن تعبر عن وجهة نظر كاتبها

1ـ نايل شامة (السياسة الخارجية المصرية.. الآمال والمعوقات) جريدة الشروق ، السبت 13 أكتوبر 2012. الرابط

2- بين الثورة والانقلاب : معضلات مصر السياسية والأمنية. الرابط

3- الخارجية بعد 30 يونيو: انتهت سياسة رد الفعل ، 11 يناير 2014. الرابط

4- الاتحاد الإفريقى يعيد مصر إلى عضويته: 17/6/2014، الرابط

5- خطاب السيسى فى الأمم المتحدة، الوطن 24/9/2014. الرابط

6- أوباما والسيسى، المصرى اليوم، 27/9/2014، الرابط

7- حوار لمرسى مع عمرو الليثى على قناة المحور ، الرابط

8- حوار السيسى لفرانس 24، الرابط

9- حوار اللواء ثروت جودة كاملا مع جريدة الوطن، 17/9/2014 ، الرابط

10- المنشآت والمواقع الحيوية فى حماية القوات المسلحة، الرابط

11- تنظيم بيت المقدس ينشر فيديو لعملياته فى سيناء تحت مسمى (صولة الأنصار)، الرابط

12- الجيش يبدأ تدمير منازل الشريط الحدودى فى رفح، الرابط

13- أحد تسريبات السيسى عن سيناء، الرابط

14- وحدة إسرائيلية خاصة لمكافحة الإرهاب فى سيناء، الشروق 16 يوليو 2013 ، الرابط

15- العلاقات المصرية الأمريكية : تجاوز محطة الخلاف حول 30 يونيو،  معهد العربية للدراسات، 5 مايو 2014، الرابط

16- للمزيد، انظر تقرير مترجم عن صحيفة العالم الألمانية نقلا عن صحيفة نون بوست على موقع، الرابط

17- حوار لنبيل فهمى وزبر الخارجية بعد الانقلاب، الرابط

18- نايل شامة، مرجع سابق

19- محافظ البنك المركزى: طرح شهادات قناة السويس اليوم، الرابط

20- ندوة تحديات الأمن القومى المصرى بعد 30 يونيو، الرابط

21- ديون مصر تتجاوز 283 مليار دولار، الرابط

22- نص قرار رفع أسعار الوقود، المصرى اليوم، الرابط

23- السيسى: 20 مليار دولار معونات خليجية لمصر، الجزيرة نت. الرابط

وللمزيد انظر صحيفة الرأى اليوم. الرابط

24- للمزيد انظر فيديو مسرب لعلى جمعة، الرابط

25- إيمان رجب، “السياسة الخارجية المصرية والمجتمع الدولي بعد ثورة 30 يونيو 2013″، المركز القومى لدراسات الشرق الأوسط، الرابط

26- تقرير لحلقة نقاشية حول السياسة الخارجية المصرية الجديدة، مركز الحضارة للدراسات السياسية، الرابط

27- السيسى: حماية الأمن العربى والخليجى “مسافة السكة”، 20 مايو 2014، الرابط

28- حفتر لديلا سيرا : مصر والسعودية والإمارات أرسلوا لنا أسلحة قديمة، الرابط

29- للمزيد من أهداف ومبادئ ودوائر الحركة فى السياسة الخارجية المصرية انظر موقع الهيئة العامة للاستعلامات، الرابط

30- القضاء المصرى يحظر حركة حماس ويامر بغلق مكاتبها فى مصر،الرابط

31- أسباب عدم فاعلية سياسة مصر الخارجية تجاه أزمة سوريا، الرابط

32- تقرير لمركز الحضارة للدراسات السياسية عن السياسة الخارجية، مرجع سابق

33- قطر ترسل آخر شحنات منحة الغاز لمصر، الرابط

34- دراسة “إسرائيلية” مترجمة “مصر وإسرائيل فى مواجهة الجهاديين، الرابط

35- السيسى يعلن استعدادة لإرسال قوات مصرية إلى دولة فلسطين حال تأسيسها، وكالة الأنباء الكويتية، الرابط

36- الببلاوى: سد النهضة سيكون مصدر رخاء للدول المحيطة كلها الرابط

37- هل تخوض تركيا الحرب بسبب غاز المتوسط، الرابط

38- الهيمنة المتصاعدة لإيران على المنطقة، الرابط

39- محلب: نحارب الإرهاب نيابة عن العالم كله، موقع اليوم السابع، 25 أكتوبر 2014

40- روسيا تنفى تزويد مصر بصفقة صورايخ (اس 300)، الرابط

41- تقرير حول العلاقات المصرية الروسية بعد 30 يونيو، 2 نوفمبر 2013، موقع مصر 11،  الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close